اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/05/14 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -4- تثلـــيث التسميم
وفي أحد أيام العام الذي كنت متزوجا فيه، ولعل الزمن كان نهاية فصل الشتاء أو بداية الربيع؛ كنا خارجين من الجامع بعد أن أدينا صلاة الجمعة، التي كنت أؤذّن لها مرات كثيرة. وعلى خلاف المعتاد، وجدت مقدَّم الطريقة (م. م) ينتظرني بعيدا قليلا عن باب الجامع، وهو يقف وحده. وكل هذا، لم يكن معتادا، لأن الفقراء كان من عادتهم أن يتحلقوا حول "جنابه"، ليعلم الحاقدون والخصوم أن الطريقة بألف خير... توجهت أنا من باب الجامع نحو الطريق الذي يؤدّي بي إلى بيتنا، ولما لم أجد بدا من السلام على المقدّم وهو يعترض طريقي، سلمت عليه وأنا متعجب من ذلك؛ لأن الرجل كان يتحاشاني على قدر مستطاعه، ولكنني غلّبت حسن ظنّي، وقلت في نفسي: *** لم أعلم ما وراء كل هذا الإخراج السيء، لهذه المسرحية التي لا يكلف الممثل فيها نفسه عناء المجاملة في حدودها الدنيا. ولم يكن لديّ متسع من الوقت لأفكر في حلول بديلة، وأنا مع الرجل رأسا لرأس في بيته، أتحرق للخروج... كان الحقد الذي يسكنه، ما يزال هو هو، أحس به وإن كان جزء من المائدة ينتصب حائلا بيننا جزئيا. صرت آكل بصعوبة، وأدفع اللقمات دفعا في حلقي؛ وكان هو خبيرا بضعف الأكل لدي من كثرة ما تحلقنا معا حول الصحون نفسها في ليالي الذكر الأسبوعية؛ فكان في كل مرة يدعوني إلى تذوق صحن من الصحون الصغيرة المتحلقة في المحيط، لعلني أتمكن من إضافة لقيمات إلى ذلك الرصيد الزهيد. فكنت أفعل، وأنا أرجو أن أجد من الطَّعم ما يشجّعني على المضي في هذا الأكل الذي صار كعمل مُضنٍ أنا مـُطالب بإنجازه من حيث لم أكن أحتسب. ولم أكلف نفسي تتبع السبب الذي يجعل الرجل لم يذق معي لقمة واحدة طيلة الوجبة، لعلمي بجهله وغبائه اللذيْن لا ينبغي أن يحوزا اهتمام أحد من الناس. ولم أدر حينها، ما السبب الذي يُمكن أن يُعدّ عقدة هذه القصّة؛ ولم ألق للأمر بالا حينها... ولا شك أن القارئ سيتعجب من مدى سذاجتي، بالمقارنة إلى الذئاب البشرية التي نعيش بينها... *** في مساء ذلك اليوم، بتّ واضعا مخدّتي على بطني، وأنا أتلوّى من وجع جديد عليّ، كان كالنار يُحرق معدتي حرقا. وزوجتي التي كانت لا تفهم كثيرا من تصرفاتي سائر الأيام، قد ازداد عجبها وهي تنظر إلي أتلوى من الوجع دون أن يكون لها أدنى ردّ من الفعل، وكأنها تقول في نفسها: *** في هذه الأثناء، لم ألاحظ من التغييرات حولي، إلا معاملة ظهرت لي من المقدّم، لم أكن معتادا عليها معه. صار الرجل إذا التقاني في أزقة المدينة، يسارع إليّ هرولة، وهو ينظر في وجهي ببشاشة، يسألني معها عن حالتي، كأن يقول: *** ولقد سمعت يوما من شخص كان يزاملنا في مدرسة "ابن سينا"، ما يدل على أن القوم كانوا عازمين على سلوك طريق النفاق مع المقدّم. قال لنا الرجل ونحن في زمرة من الفقراء، لا ينقصها في المدرسة إلا المقدّم ومَن كان يقوم بدور نائبه بصورة لا هي مواطئة لما يعهده الفقراء، ولا هي مشابهة لما يكون عليه العامة؛ وإنما هي "اجتهاد" جديد في أساليب التحكّم: *** ولا بد هنا من تحليل المشهد من الناحية العلمية السلوكية، حتى لا يبقى القارئ مع ظواهر الأمور التي لا يتجاوزها العوام بإدراكهم الكليل: *** كانت الأحداث التي ذكرتها في الفقرات السابقة، قد مرّت عليّ في بدايتها، وأنا ما أزال عاملا بمدرسة "أبو بكر الصديق"، وقبل أن ألتحق بقليل بمدرسة "ابن سينا"، حيث زاملت المقدَّم وبعض الفقراء الذين لم يكونوا متجاوزين لطور التبرّك لو أنهم حافظوا عليه. ومع أنني كنت على صلة جيّدة بهؤلاء، فإنهم لم يلبثوا أن ورّطهم المقدّم في بعض ما يضرّهم ولا ينفعهم، كاغتيابي وتحذير الناس منّي، أو نقل بعض الكلام المكذوب على الشيخ في حقّي، توهّما بأن ذلك قد يردّني عن بعض مواقفي الشرعية التي كان منها: *** لم يطل بي الأمر كثيرا، حتى ضجر مني الفقراء كما ضجر المقدّم، وبإيعاز منه ولا بد؛ حتى بلغ الأمر بأضعفهم حظّا في الطريق وأقلّهم علما بها، أن خاطبني صراحة (وهو من كان لا يجرؤ على رفع صوته بحضور المقدّم): *** استمررت في العمل مع زمرة الفقراء، زهاء خمس سنوات، كنت قد بلغت في نهايتها القطيعة التامة مع المقدّم ومن كانوا يخافون أن يبقوا على صلة بي في الظاهر خوفا منه؛ حيث انتقلت إلى مدرسة أخرى كما أخبرت. وفي هذه الأثناء، كنت قد علمت بأن التحريف للطريقة كان مقصودا للرجل؛ بل وكان مدعوما فيه من قِبل جل عائلته (القبيلة) التي لم تكن ترى في الطريقة إلا مشروعا دنيويا يُدرّ عليهم الأموال، ليس غير... *** عقب هذه الحادثة، أمر الشيخ بإغلاق الزاوية لمدة سنتيْن، أصررت فيها أنا على أن نجتمع على الذكر الجماعي، في أحد البيوت الخالية، والذي كان صاحبه قد انتقل إلى السكن بوجدة بعد إغلاق شركة المفاحم التي كانت تجمعهم وتؤويهم، في انتظار أن يجد من يشتريه منه. فعلت هذا، لا رغبة في نيل التقدّم على الفقراء بهذه الطريقة، كما كان يظن السفهاء؛ ولكن لأجعل المشركين يتوقّفون عما دعاهم الشيطان إليه وهم صاغرون أذلّة... *** أما لمَ لمْ يظهر لهذه الآفة (آفة مزاحمة الشيخ) وجود قبل ذلك؟... وقد سبقني رجال ممن أعدّهم لا يخافون في الله لومة لائم؟... فأظن أنهم كانوا يسلكون في ذلك مسلك التقية، علما منهم بأن الشيوخ الربانيّين لا بد لهم من حجب تحول دون مرور غير الأتقياء الأنقياء من المريدين إليهم. وعلموا أن عائلة الشيخ كانت في زمانهم الحجاب الأعظم، فعاملوها بالمداراة ولم تنل منهم إلا قليلا من دنياهم التي لا عبرة بها لهم في الطريق البتّة... *** استدعيت إلى مجلس المرشدين، وحضرت إليه عازما على أن أصل بالأمر إلى حيث يطيق غيري، أما أنا فلم يكن لي من حدّ أقف عنده من شدة الحال. بدأ بعض المقدمين يتكلمون بكلام عام في الوعظ بالاجتماع على الذكر، واجتناب أسباب الفرقة، حتى ظنوا أني قد وعيت عنهم. فصاروا ينظرون إليّ من غير أن يجرأوا على إثارة مسألة بعينها، وكأنهم يسألونني أن أنتهج نهجهم بالمداراة وتغطية الآفة؛ ولكنني اشترطت عليهم أن يُجيبوني عن سؤال واحد، بعده يمكن أن أتوسّع، وإلا فسأسكت على عادتي، فنطقوا جميعا اسأل، فقلت: [1]. أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.