اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/05/03 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -3- تثلـــيث التسميم
في هذه الأثناء، كان مقدّم الطريقة قد اهتدى إلى وسيلة يُمهّد بها لما سيُقرَّر لي من مصير مرعب، لم يكن ليخطر لي -مع غفلتي وسذاجتي وحسن ظنّي بغيري- على بال. ومما صار يقرّره تقريرا المرة بعد الأخرى، في مجالس الفقراء بمحضري أو في غيابي، هو أنني (بحسب ما استخلص هو من ملاحظاته) كنت على شبه كبير بـ "عبد السلام ياسين". حتى كان يقول: - هكذا كان يجلس عبد السلام ياسين، مطأطئا رأسه ومتماوتا بين الفقراء؛ وإذا تكلم كان لا يتكلّم إلا همسا؛ وفي النهاية صدر عنه ما لم يصدر عن أحد غيره!... ولم يكن يقصد إلا مناوأته للملِك (الحسن الثاني) صراحة، ومزاحمته على "الأمر" بلا أدنى مواربة. كنت أسمع أنا الكلام، ولا أعيره اهتماما، ليقيني بأنني دون عبد السلام ياسين على كل حال، ودون أن أتطلع إلى منصب من المناصب الدنيا بله المـُلك الذي هو أعلى الهرم الدنيوي!... فكنت أسمع الكلام، وكأنه يعني شخصا غيري، وأشتغل بذكري، تاركا أمري وأمر من يريد لي سوءا لله ربنا. كان هذا غلطة منّي بحسب ظاهر الأمور، ما كان ليقع فيها أحد غيري؛ وكان ثمنها غاليا!... لا شك أنني كنت أعمل بالمنطق الشرعي الإيماني، من باب التغافل عن السفهاء والجاهلين الذي أُمرنا به في مثل قول الله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا} [الفرقان: 63]. ولكن تكرار الأمر بتلك الوتيرة التي كنا نلاحظها، لم يكن يدل إلا على أن الرجل يريد أن يستعدي عليّ "المخزن"، الذي سيؤكّد شكوكه هذه المرة والدي متحالفا مع مقدم الطريقة، بحسب ما كان يبلغني من اصطحاب والدي للمقدم في سيارته إلى قائد المقاطعة. ولا أدري هل كان القائد ما يزال هو نفسه ذاك الذي حضر رفضي لتجويد القرآن في الجامع الكبير، أم إنّ آخر قد خلفه في منصبه. وعلى كل حال فلا شك أن القائد الجديد في حال غادر القديم، كان سيجد ملفي على مكتبه، ضمن الشخصيات المحذور جانبها. ولا شك أن القارئ سيلاحظ عدم ضبطي لأشخاص رجال السلطة، ومن حل منهم بالبلدة أو من غادر؛ وذلك لأنني كنت لا أعيرهم أدنى اهتمام، بخلاف العامة من حولي، الذين كنت أسمع منهم أحيانا وأنا أمر بينهم إشارة إلى قائد جديد أو خليفة؛ فلم أكن ألتفت إلى واحد منهم وأنا أسمع إشارة الدهماء إليهم. أما هم، فإنني أذكر مرة أن أحدهم كان قد تجاوزني بسيارته، ثم عاد نحوي بسرعة كبيرة وهو يحدث ضجة كبيرة بسبب احتكاك عجلات سيارته بالأسفلت عند توقفه فجأة في مقابلي. نظرت نظرة سريعة إلى جهة الصوت، فوجدت أحدهم يحملق فيّ بوقاحة من نافذته المفتوحة، فسألت عنه من كان بجانبي حينئذ، فأخبرني: - هذا القائد (أو الخليفة لا أذكر) الجديد... كان المسكين يراني لأول مرة، بسبب قلة مروري في الشارع الرئيس بالبلدة، لكون خروجي من البيت لم يكن إلا قصدا في الغالب. وكان هندامي المتمثل في الجلباب المغربي والطاقية أو العمامة، يثير حنق أصحاب السلطة الذين لا يعرفونني، فيظنون أنني من "الجهاديّين" الذين كانت بضاعتهم ما تزال رائجة في تلك الأيام...
***
أتوقّع بحسب قراءتي للأحداث بالأثر الرجعي، وبعد مرور سنين طويلة، أن النفر الثلاثة (القائد ومقدم الطريقة ووالدي) كانوا يجلسون في مكتب القائد يتداولون في شأني، وكأنني معضلة كان ينبغي عليهم أن يعملوا على التخلص منها بطريقة ما. ولم يكن من بين الثلاثة من يُحسن الظنّ بي، أو يجد لاختيار طريقي سببا وجيها يدعوني إليه؛ لأنهم الثلاثة ما كانوا على تديّن أو عقل معتبريْن، ولا كانوا سيقبلون أن يحدّوا مِن تتبع أنفسهم للشهوات المحرّمة، ولا حتى أن يروا أمامهم من يُذكّرهم حاله بما كان عليهم أن يسبقوه إليه، بحكم السن، وبحكم ادّعاء الصلاح في المجتمع، الذي علمت أنه كان عند الثلاثة كذبا وزورا، لا يُقصد منه إلا اتقاء ألسن المعارف والمستغفَلين. وأنا أقول هذا، لأن ما علمته عن والدي فيما بعد بطرائق لا يد لي فيها، وإنما كانت تصلني المعلومة من جهة لا يخطر لأحد أن يحصّلها رغبة منه، كان لا يسرّ. فصرت أسمع عن والدي العجب، الذي سيؤكّده وقوعه في حبائل القدر من تلك الأبواب التي فتحها على نفسه، وسيظهر ذلك جليّا عند وصولنا إلى مرحلة أكثر تقدّما في الزمان. وإن كان والدي على تلك الحال من الفسق الكبير، فكيف سيكون حال رجل سلطة يكون أقدر من العاملين تحت إمرته، على اتباع أهوائه؟!... إلا أن يرحم الله!... بل إن مقدّم الطريقة عينه لا أنزهه عما كان عليه الآخران، لأن منطق الأشياء يُعلّمنا أنه لا يقف أحد لمساندة أحد غيره، إلا وهما يشتركان في الآفة التي تجمع بينهما. زد على هذا، أن كل هؤلاء الثلاثة، كانوا يعتقدون جازمين أن الكلمة العليا تكون لرجال السلطة (المخزن) من دون منازع، كما هو حال أهل الشرك من عموم أبناء الشعب. فبحسب ما خبرت من قومي، فحتى مظاهر الإيمان التي يكونون متلبّسين بها طلبا لمزايا النفاق (بحسبهم) والتي يكون التمسك بها ضروريا، فإنها سرعان ما تتلاشى بالكلية عند الامتحانات، ليظهروا على حقيقتهم. وبحسب ما عايشت وعاينت، فإن جلّهم ما كان طموحهم يتجاوز نيل رضى رجل السلطة الرسمي، الذي يجعل الأبواب تُفتح أمامهم، والتي تكون في الغالب أبواب ما لا يصح لهم أن ينالوه من الصدق والحق. وقد شاء الله أن يُبلغ إلى مسامعي من معاصي والدي خاصة، مالم أكن أقوى على سماعه، فكنت أُسارع إلى التغافل عنه وإهماله، حتى أتمكّن من مكالمته في البيت وكأن لا شيء يكدر صفو ما بيننا. بل إن الأمر في الحقيقة، كان مكرا إلهيا لي، أراد سبحانه به أن يجنّبني ما لا أطيق من البلاء العظيم. فهو كقول الله تعالى في حق يوسف عليه السلام: {كَذَ ٰلِكَ كِدۡنَا لِیُوسُفَۖ} [يوسف: 76]؛ وهذا الكيد من الله لعبده، لا يكون حتى يتم له التوكل على ربه تماما. وهذا الذي ذكرنا، هو من جهة واحدة؛ وأما من الجهة الأخرى، فكنت أرجو أن يمنّ الله على الوالد بتوبة نصوح، تجمعني وإياه على طريق واحد، فنسعد بذلك سعادة الدنيا، قبل نيل سعادة الآخرة بإذن الله؛ ولكن القدر كان يجري بعكس ما كنت أرجو!... وما كان ينتظرني في هذا الباب من "البلاء الشديد"، الذي أنالني الله من ثمراته، ما كان ليخطر على بال بشر...
***
ولعل أول ما خطر للثالوث المدنّس، هو أن يزوّجوني، لعل الزواج أن يقلّل من صرامة تديّني؛ أو لعله إن وافق نيتهم، أن يصرفني عن التديّن من الأصل، لأبقى وفيا لمعاشرة النساء، وربما غيرهن أيضا، كما علمت فيما بعد مما بلغني عن أحدهم. ويجدر بي أن أذكر هنا تشفُّع إمام خطيب معروف في البلدة، كان من أصدقاء الوالد، عندما جاء يقرّب الشّقّة بيني وبينه ذات مرّة، فلم يجد إلا قوله (وأنا أعلم أنه كان يفعل ذلك من باب صدقه معي لأنه كان شديد الاحترام للعبد الضعيف): - يا سّي عبد الغني، إن ذلك الجيل (وقد كان منه المتكلم وأخوه) كان يعد الإسراف في إتيان المحرماتِ من النساء، دليلا على الفحولة، التي لم يكونوا يعلمون معنى للرجولة غيرها. وهم كانوا يفرّطون في كل شيء إلا في فحولتهم!... لم أَحر جوابا، لأن الرجل وهو خطيب البلد، كان عليه الانتصار للشريعة (ولو فيما بيني وبينه)، لا أن يجد الذريعة للباطل البيّن. ولقد سكتّ وأنا أشيح بوجهي عنه، إكراما له، فقد كنت معتادا على احترامه أنا أيضا... وعلى القارئ أن يلاحظ هنا، أن احتكاكي بمعارف والدي، سيُكسبني علما بما يجري في مجتمعنا من موبقات؛ فاكتسبت من هذا الوجه -عن غير قصد- ما لم يكن من الممكن أن ينمو إلى علمي إلا أن يشاء الله. بل إني قد علمت فيما بعد، أن بعضا من أقراني الذين كنت ألتقي معهم على الموسيقى في وقتها خاصة، كانوا على علم بتلك الموبقات؛ بل كانوا يمارسونها مع الجيل السابق أو فيما بينهم من دون أن يخطر لي ذلك أنا في بال. وعلى كل حال، فقد كانوا كتومين لخصوصياتهم عنّي وأنا بينهم، ولقد كان ذلك في مصلحتي، لأن ما نتكلم عنه هنا، لا يتمكن المرء معه أن يبقى على الحال الذي كان عليه قبل العلم. ولقد كان كثير من المنخرطين معنا في الطريقة البودشيشية يعلمون ذلك ويتعجّبون؛ حتى إن أحدهم، وكان من الفضوليّين، سألني يوما بعد انصراف معظم الفقراء عقب فراغنا من ليلة كانت مخصصة للذكر الجماعي وللسماع، قائلا: - لمَ أنت مختلف عن والدك اختلافا تاما؟... وقد كان يقصد اختلاف طريقيْنا على الحقيقة. ففهمت قصده، ولم أرد منه أن يزيد في كشف معلوماته أمام بعض الحضور؛ وعلى كل حال، من كنا نتكلم عنه، كان والدي!... الذي أحبه وأرجو له كل خير... فأجبت الرجل على الفور: - {یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتِ مِنَ ٱلۡحَیِّۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} [الأنعام: 95]!... فاحمرّ وجه الرجل خجلا، وقال لي: - فهمت!... ولم نعد إلى ذكر ذلك أبدا... وقد استدللت في هذه الفقرة بالآية من سورة الأنعام، لأدلّ على أن معاصي مخصوصة، لا يرتكبها الآدمي إلا إن نزل عن آدميته وصار حيوانا. وحسبنا هذا القدر من الدلالة على علم هذه المسألة، لأن تفاصيلها قد يطول بنا الكلام فيها، خصوصا عند اتحاد صورة المعصية واختلاف مقامات العصاة. ونعني من هذا: كيف يكون النزول إلى الحيوانية؟ بالحال؟ أم بالمقام؟...
***
غير أنه لا بد لي هنا من ذكر أمر لاحظته في جميع مراحل حياتي، منذ الطفولة الأولى، وإلى أن صرت كهلا بين المدرّسين؛ وهو شيوع الكلام الفاحش بين الناس أطفالا، أو شبابا، أو كهولا، أو شيوخا؛ ولا يختلف في ذلك متعلّم عن أمّيّ، ولا مثقف عن مقلّد جامد، إلا فيما ندر... فأنا أذكر منذ وعيت أن الأطفال كانوا يأتون إلى مجامعنا، بكلام ليس من طورهم، يشتمل على مصطلحات لم يكن لمثلي أن يسمعها إلا منهم. أما هم، فيعلم الله من أين تعلّموها؟!... وأذكر أنني كنت أنا عندما أسمع ما يخدش الحياء، أتغافل عنه، وأعمل على التحول عنه بأسرع وقت، وبأي طريقة استطعتها. كنت أعلم بالفطرة أن ذلك لا يليق بالإنسان المحترَم!... وأما في المدرسة أو فيما بعدها من مؤسّسات تعليمية، فإن الكلام الفاحش الذي كان الجميع يُتقنونه، كان يُستعمل لترهيب من يُراد ترهيبه. وحتى إن لم يجد الجبناء ما يكفي من الجرأة على التصريح بما يخطر في عقولهم السقيمة، فإنهم كانوا يلجأون إلى التلميح. وعلى كل حال، فإنني كنت أظن أن ذلك الاعوجاج في النطق، كان من صفات الأطفال والمراهقين، بسبب ضعف عقولهم، وقلة تجربتهم وحنكتهم؛ إلى أن اشتغلت مدرّسا. ولقد بدأت في الاشتغال بالتدريس وأنا دون العشرين، وكنت أزامل من كانوا من جيل والدي؛ فكنت أوقّر العاملين معي، وأرجو أن يعينوني على توقيرهم بما يصدر عنهم من أقوال وأفعال؛ غير أن كثيرين كانوا لا يتركون وقت الاستراحة المتخلّل لحصص التدريس يمر، من غير أن يعودوا إلى الانحطاط الذي لا يجدون فيه مندوحة عن التلفظ بالفحشاء من القول. ولا فرق في هذا، بين من كان يبدو منهم متديّنا، أو من كان من جيل الإلحاد الجديد؛ فالجميع مطبوعون بطابع واحد. وهذا لعمري، مما يشهد أن حقيقة المجتمعات تكون واحدة، تُشكّلها التربية بمعناها العام، ولا تتأثّر بما يتلقّاه الأفراد من تعليم، يُظنّ منه أن صنفا منه ينبغي أن يُنتج نقيض ما يكون عليه صنف آخر!... وليعجب من شاء أن يعجب!... ولكن أقصى ما أذكره من تفحّش الناس، هو ما سمعته مرة في الجامع، وأنا أنزوي كعادتي في الجهة الخلفية ابتغاء الذكر. فما إن جلست، حتى جلس شيخان على مبعدة منّي، وكأنما غفلا عنّي أو حُجبا عن رؤيتي؛ لأنهما صارا يتكلمان في المسجد، بما يستحيي من التلفظ به الأسوياء في المقاهي وأماكن اللغو. وبقيا على حالهما حتى أرضيا شيطانهما، ثم خرجا، وتركاني وحيدا منهمكا في الذكر. فقلت في نفسي: - لولا أني سمعت كلام الرجلين بأذنيّ، ما كنت لأصدّق أحدا لو أخبرني خبرهما!... وعجبت من فعل الله في عباده، وكيف يتصرف فيهم سبحانه، بما يُرضيه عنهم، أو بما يُغضبه!... ولقد كنت في أوقات الاستراحة أحيانا، أسبق الجماعة إلى إثارة الأخبار الرائجة في وسائل الإعلام، أو إثارة مسألة علمية ما أو ثقافية؛ لعلهم ينجرون خلفي، وينسون ما كانوا قد ألفوه من السفالة. فكان بعضهم يجاريني لبرهة، ثم ما تلبث الجماعة أن تعود إلى ما كان لا يليق بحال من الأحوال، بقوم ينتسبون إلى فئة المعلِّمين. وهذا لأن أولئك المساكين، ما كان يظهر عليهم أنهم قد تعلّموا شيئا، حتى يعلموه سواهم!... فكان هذا يزيدني شعورا بضرورة التزكية الشرعية في مجتمعاتنا، على الرغم من أن فقهاءنا (وهم في الغالب ممن ذكرنا من المتفحِّشة) ما كانوا يأتون على ذكرها في المساجد أو سائر الملتقيات، ولو عرضا. ويُعجبُك من أحدهم إن ذُكر أمامه أهل التربية من الصوفية، أن يُسارع إلى الإنكار، وربما ذكر السنة النبوية في معرض إنكاره؛ مع أنه في مقابل ضفة السنة بكل تأكيد!... والأعجب من هؤلاء، هم من يعلمون حقيقتهم، ولكنهم يتظاهرون بتصديقهم في ضلالاتهم، وكأن المطلوب هو الفرار من الحق، بجميع الطرائق والأساليب!... ومن لم يعرف أدواء مجتمعاتنا، على حقيقتها، وبجميع تجلياتها، فإنه يعسر أن نرجو منه أن يكلّمنا عن إصلاح أو حتى عن تنمية كالتي تكون عليها الأقوام الكافرة!...
***
لم أشعر بنفسي يوما، وعلى خلاف معتادي من والدي الذي لم يكن يأبه لي وأنا أموت أمامه بالتدريج، إلا ووالدتي تأتيني مبعوثة من قِبل "جنابه"، عارضة عليّ الزواج الذي يبدو أن الآمر الناهي قد رتب لأصغر تفاصيله، بسبب ما يعلمه من مجافاتي للدنيا بما فيها، ولما يعلمه أيضا من انصياعي له في جل ما يأمر به، ما لم يكن مما نهى الله عنه نهيا صريحا؛ لأنه بحسّه النرجسيّ الخبيث كان يبتزّني بوالدتي وإخوتي الذين لم يكونوا يملكون في مواجهته حولا ولا قوة... حسبت أنا الأمر بسرعة في ذهني، واخترت أن أوافق على الزواج لأسباب منها: الأول: كنت متوكلا على الله، وقلت في نفسي: - رغم استغراقي في السلوك بكل باطني وجل ظاهري، بحيث لا أصلح للزواج بحسب مبلغ علمي، فإنني حكّمت علم الله في أموري لا علمي. فلعل أن يُظهر لي ربي من هذا الزواج ما لم يكن يخطر لي ولا لأحد غيري بالحسبان... - الثاني: هو لأنني كنت أعلم من لجاجة والدي عندما يعزم على أمر، أنه لا يرجع عنه؛ خصوصا إن كانت له فيه مصلحة ما. ولو افترضنا أن الاقتراح كان قد صدر عن القائد (رجل السلطة)، فأنا كنت أعلم أن الوالد لم يكن أمامه إلا إنفاذ الأمر على الفور، لأنه كان عبدا خالصا للمخزن إلى درجة الإشراك بالله في ذلك... قد يستغرب القارئ إن أخبرته أن الوالدة المسكينة، كانت قد جاءتني ومعها اسم الزوجة المقترحة، وكأن زواجي صار من فروض العين فجأة. كانت الفتاة من قبيلتنا، وكنت أعرف والدها الذي كان قد غادر الدنيا منذ سنوات رحمه الله؛ كما كنت أعرف بعضا من إخوتها الذين لم يكن بيني وبينهم وفاق في الظاهر؛ أما هي فلم أعرف اسمها إلا من والدتي. ورغم إعلان قبولي، فإنني لم أتطلع إلى معرفة الفتاة، ولا إلى رؤيتها. وهكذا، فإنني لم أرها إلا يوم الدخول بها!... ورغم شدة الكيد لي من قوم اختاروا عداوتي، فإن ما وفقني الله له من اختيارات، قد قللت من احتمالات المواجهة مع والدي، التي كنت أكاد أراها من وراء حجب الغيب، وأتحاشاها بقدر المستطاع، ما لم يجبرني عليها القدر إجبارا...
***
مرت شهور الخطبة، ومر يوم الزفاف، ودخلت في تجربة غريبة من نوعها: وهي أنني بدأت في التعرف إلى امرأة صارت زوجتي يوما بعد يوم، وكأننا في برنامج من البرامج التلفزيونية العصرية الشبيهة، والتي صارت شعوبنا تعرفها من تقليدها الأعمى للشعوب (على الأصح الدول) التي بيدها زمام أمرنا من كل الجهات، والمؤثّرة في حيواتنا الفردية والجماعية... كنت مصرا على البقاء في بيت والدي، بخلاف ما يدل عليه منطق الأشياء، لا بحسب ما كان يمكن أن يدعوني إليه أدائي بعد أن صرت موظّفا، لأغلب أقساطه (البيت) التي كان يدين بها الوالد للبنك؛ فأنا لم أكن أراه لنفسي حقّا، خصوصا وأنه لا حق لولد عند والده داخل المباح الشرعي؛ ولكن لتدهور صحتي إلى حدّ لا أتمكن فيه من قيامي بمتطلبات عيشي منفصلا عن والدتي. وبالإضافة إلى تأديتي لثمن بيتنا، فقد كنت أتكفل بكل التغييرات التي أدخلناها عليه فيما بعد، عن طيب خاطر؛ ولم يخطر في بالي يوما أن أزاحم الوالد على ملكيته حتى في ذهني، رغم تحذير والدتي لي في بعض المرات، وتحذير بعض معارفي، وكأنني كنت أريد البرهنة على صحة نظري الخاص إلى الأمور بمخالفتهم. وقد كان يسهِّل عليّ تقبل جميع النتائج، زهدي في الدنيا بما فيها: فأنا لم أندم على شيء فعلته قط، أو على شيء تركته؛ لأن النتائج من الناحية العقلية كانت على السواء التام عندي؛ بل حتى من الناحية المعرفية التي ليس هذا أوان الخوض فيها... نعم، أنا لا أنتظر من القارئ أن يتفهم طريقة نظري إلى الأمور، ولكنني أسعى إلى أن أجعله يقترب منها قدر مستطاعه، لعله يظفر ببعض منها على بعدها عن العقل الجمعي مسافات ضوئية... كان جل من يحيطون بي، يتصوّرون أنهم أدقّ منّي في حسابات المصالح؛ ولهذا كنت أرى أحيانا في بعض الأعين، استغرابا من تصرفاتي، كان يجاوز مرارا حد الاتهام. كما أن من كانوا لا يريدونني أن أظفر بشيء مما يعظم في أعينهم من دنيويّات، كانوا يجدون في طريقتي بعض عزاء لهم، عندما يتوهّمون أنهم يربحون بالقياس إلى خساراتي المتراكمة أمام أنظارهم. ومن كثرة بعد الشقة بين طريقتَيِ النظر، فإنني قد عودت نفسي ألا أجادل أحدا من أجل إثبات منطلقاتي؛ وإنما كنت أكتفي بالصمت إن أنا وُوجهت ببعض الانتقاد، أو ببعض الاحتيال المتدثر بالنصح المفضوح لي من أول نظرة. فكان ذلك يزيد من استغراب مَن حولي، مولّين عنّي ظهورهم إلى حيث يلتقون في الأحياز المشتركة فيما بينهم، بالاعتباريْن: المادّي والأيديولوجي؛ وهذا، لأن جل من عرفت من الناس، لم يسلم لهم حتى المنهج الفكري لكي أعتبرهم عقلاء؛ بل كانوا على تقليد فكري يزعمون به لأنفسهم أنّ لهم عقولا قد يفاخرون بها كثيرا من نظرائهم، ولكنّهم لم يكونوا يجرؤون على الاحتكاك بي في هذا المضمار، ليقينهم بعد التجارب المتكرّرة، من أنني مستعد لكسر كل القواعد العقلية: قواعدي أنا، قبل قواعدهم. فكنت أراهم يفرون مني كما يفر الناس من المغامرين المتهورين، الذين لا يُدرى إلى أي جانب من جوانب الأمور سينتهون...
***
ما كانت طريقتي في العيش تستهوي أيّ امرأة تقترب منّي، رغم ما قد تجده من انجذاب نحوي من ناحية الظاهر؛ لكوني -بحسب ما علمت فيما بعد- شخصية مستهوية للاستكشاف. وهكذا، فإنني لم ألتق يوما بامرأة قبلت المغامرة بمرافقتي في فترة ما من حياتي، وكأن جانب الحذر كان يغلب جانب الرغبة فيّ. وأنا كنت متفهما بشدة لمواقفهن، وهن من يسعيْن في عموم أمورهن، إلى ما يعتبرنه استقرارا ماديا وعاطفيا إن أمكن الجمع بين الأمريْن. وإلى جانب تفهمي لمواقف النساء منّي، فقد كنت حريصا أيضا على ممارسة حريتي (بالمعنى المعرفي) إلى أقصى الحدود. والحرية في نظر المرأة، هي مبعث القلق والمخاوف؛ لهذا عجبت من امرأة قد وافقت على الارتباط بي، رغم أنها لم تعرفني عن كثب. وربما قد راهنت مَن اختارها والدي لتكون زوجة لي، على نيل رضى والديّ، بحسب المنطلق التقليدي، وعلى نيل رضى مقدَّمة الطريقة التي التحقَت بمجالسها بعد الزواج منّي، لتضمن نتيجتها معي. وأنا قد منحتها الفرص لتبرهن على تجاوبها معي في الحدود الدنيا، ومنحت نفسي أيضا فرصة التكيّف -إن استطعت- مع وضعي الجديد. لكنّ الأمر إن كان قد بدأ من الصفر في نظري، فإنه قد تقهقر إلى ما تحته مع مرور الأيام. وكم كانت دهشتي كبيرة، عندما علمت بالتجربة أن الرجال والنساء في مجتمعاتنا، يلتقون ويفترقون لأتفه الأسباب، بسبب غلبة الجانب الغرزي الحيواني على الجانب العقلاني الإنساني. وهكذا، فقد انتهت تجربة زواجي بالطلاق، رغبة منّي في الحدّ من الأضرار، بعد مرور عام كامل، مرّ ما بين صيفَيْ عامَيْ 1986 و1987... بعد طلاقي بمدة، صرت أتطلع إلى أن أتزوج مرات عدة، من دون أن أظفر بذلك ولو مرة؛ من ذلك الوقت وإلى الآن. وكنت أعجب من نفسي وأنا أتعرف على إحداهن عن طريق بعض أقاربها، كيف كنت أسارع إلى ذكر عيوبي أمامها حتى لا أكون غاشّا ولو بمعنى ما؛ فكان ذلك ينفر النساء لأنهن لم يكنّ يُدركن مرماي على التحقيق. أو هذا، ما تبيّن لي فيما بعد... وفي النهاية، ومع اشتداد المرض، أنِست إلى العزوبة، وإلى تخصيص كل وقتي للسياحة في عوالمي التي لا ساحل لها. وهكذا، فإني صرت مع المدة أستوحش من مخالطة الناس، وأرغب في العزلة شبه التامة. وأذكر أنني عندما زرت سيدي ابن الطاهر بعد طلاقي، وقد كان الخبر قد بلغه عن طريق من كان يسمّيهم "الموساد"، بادرني رضي الله عنه بقوله: - فعلتَ مثلما فعلتُ أنا؟!... قالها بنبرة المـُنكِر المـُشفق، وأنا أشكر له ذلك دائما... ثم أردف بعد هنيهة وهو يتفحّصني: - أنت ينبغي أن يُزوجك الشيخ (يقصد أن أحوز الإذن المباشر من سيدي حمزة رضي الله عنه)!... وهذا بحسب عرف أهل الطريق؛ لأن المريد الخاص، لا يعلم ما يصلح له إلا شيخه؛ وذلك لأن الأحوال تتقاذفه، والمعارف تتجاذبه، بنحو لا يتمكن أحد العقلاء من أن يتصوره، بله أن يشم رائحته من يُعتبر من العامة. والقاعدة العامة عند أهل الطريق على كل حال هي: أن يتزوج السالك سالكة، والمجذوب مجذوبة؛ وأنا رغم جذبتي القوية، فقد كنت راسخا في السلوك. وهذا الجمع، بهذا القدر، لم يكن يدل إلا على الخصوصية الكبرى، رغم أنني لم أكن أتبيّنها في هذا الوقت، بسبب اتهامي لنفسي في كل شؤوني...
***
وقد حدث لي من جهة الغيب، عندما كنت مرة معتكفا في زاوية شيخي، أن علمت قبل طلاقي بحمل زوجتي منّي، فلم أقبل أن أنجب منها، فمحوتُ (من الكتابة) الجنين بطريقة ما، وكذلك كان. ولعل القارئ سيتعجّب إن أنا أخبرته أنني لم أتُق يوما إلى أن أُعقِب. وهذا له تفسيرات منها ما هو عرفاني، ومنها ما هو نفساني: فمن النفساني، ما كان والدي قد تمكن من أن يُفلح فيه معي، من جراء سوء معاملته لنا؛ وكأنني من عدم رغبتي في الإعقاب، كنت أنفر من تكرار التجربة ولو بطريقة ما... وأما ما يتعلّق بالجانب العرفاني، فإنه شدة التعلق بالحق في سلوكي، بحيث لم يبق لي مع ذلك التعلق تطلع إلى شيء، ولا قبول الارتباط بشيء... وأما بعد التحقق، فقد ازداد الأمر توغلا في الذاتية بالمعنى الباطني إلى حدود لا يبلغها التعبير... ما أبعد الشقة التي كانت تفصل بيني وبين محيطي!... من دون أن أكون أنا في حاجة إلى سدّها من جهتي. ولعل لاسمي (عبد الغني) أثرا في حالي، إلى الحد الذي جعل بعض الأفاضل يوما يذكر ذلك لي، فوافقته على ما ذهب إليه...
***
لقد كان لمعرفتي بسيدي ابن الطاهر، الأثر الكبير على توجهاتي المعرفية، منذ البداية. فقد كان -رضي الله عنه- يعاملني كأخ أصغر له في الطريق: فكان ينصحني باستمرار، وينبهني إلى أني مخالف للمريدين من أهل الظاهر في الطريق. كنا إذا التقينا في مجلس من المجالس، يحرص على أن أجلس بجانبه، ليُفضي إليّ بكل ما يعنّ له في وقته، وكأنه كان يستدرك فيّ، بعض ما فاته في نفسه رضي الله عنه. ومن البداية نبهني إلى الاستعداد للبلاء الشديد، إن كنت أرغب في الحق، وألا أجاري المريدين فيما يكونون عليه من أحوال؛ فلم يكن تحذيره لي يزيدني إلا اطمئنانا، حتى لو عرض عليّ أن أُلقى في النار لتوي بغرض لقاء الحق، لكنت أسارع إلى القذف بنفسي من غير أدنى تردّد. وقد شاء الله أن يريني حالي، في إحدى الوقائع، حتى لا يجرفني حسن الظن بغيري إلى الإضرار بنفسي: فرأيت أنني كنت على جبل شاهق، برفقة الشخصيْن اللذيْن كنت أرافقهما بظاهري في جرادة. وإذا بنا جميعا نسمع النداء من الحق: - من كان يريدني فلينزل إلى سفح الجبل!... وقد أُريت أن الناس يعيشون هناك... وما إن سمعت أنا النداء، حتى ألقيت بنفسي، ظنا مني أن الجبل كسائر الجبال، يكون منحدرا؛ فإذا الجبل الذي كان يبدو منحنيا في جزئه العلوي، قد صار عموديا لا تتمكن قدم من الثبات عليه. وعندما شعرت بقدميّ تلامسان الهواء وأنا أنزل نزولا حرّا من علو شاهق لا يبلغه في الحس شيء (إلا ما يكون من الأبراج العالية التي نعرفها في زماننا من هذا البناء العصري)، صرت أنادي وأصيح ناطقا بالاسم الجامع، بنية أن أستغرق كل زمن السقوط بذلك اللفظ الشريف؛ فإذا بالهواء بعد لحظة قصيرة يتكثف من حولي ويصير كالمصعد، وصرت أنزل نزولا متحَّكما فيه، إلى أن بلغت السفح حيث كان الناس يعيشون عيشة العمران. وأما رفيقاي فأحدهما وهو (ب.م) فقد تأخر إلى الخلف، عند سماعه الأمر بالنزول؛ وقد كان كذلك في حقيقة أمره، يغلب عليه الجبن الطبيعي، ويتحكم فيه مع كل ما ينجر عنه من توابع. وأما الآخر، وهو (ع. إ)، فقد أعمل عقله، لينزل من على الجبل مرحلة مرحلة: فقذف بنفسه إلى أقرب شيء كان يراه في اتجاه السقوط، لكن على خط مائل، كان أشبه بشجيرة تنبت بين صخور الجبل. فتمسّك بتلك الشجيرة، ولكنه عندما نظر إلى أسفل منه بقليل، ليواصل النزول في خط متعرّج يخفف عليه من وقع الانحناء، لم يجد شيئا ليقفز باتجاهه، فبقي حيث ألقى بنفسه أول مرة محبوسا، لا يستطيع صعودا يعود به إلى القمة، ولا يستطيع نزولا إلى السفح. فتصورت أنا ذلك على أنه من أشد ما يلاقيه العبد من العذاب في دنياه... أما أنا، فكانت حياتي سقوطا هويت فيه بلطف إلى أصلي العدمي، ولكن لطف الله الذي كان يحفني، جعلني أخرج فائزا من تجربتي، وإن كان الناظر إليّ يقطع قطعا بأنني من الهالكين. ومن هنا كان المحيطون بي، لا يتمكنون من إطالة المكوث إلى جانبي، ويتعجبون في الوقت ذاته، كيف أنجو من كل المهالك المحدقة بي ظاهرا (بحسب ما يرون)، وباطنا بحسب ما لا يخطر لهم على بال، ولا حتى من باب التوهم... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.