اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/08/19 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -6- تثلـــيث التسميم كنت في المدة التي قضيتها في أوائل التسعينيات مزاملا في المهنة لمقدّم الطريقة البودشيشية قد تيقنت من انحراف الرجل عقديّا، ومن معاداته لشيخ الطريقة سيدي حمزة رضي الله عنه بما لا يقبل الشكّ لدي؛ فلما تيقنت من ذلك كله، دخلت في طور جديد، أدعو فيه إلى الشيخ بطريقة فردية، وهذا لأن الشيخ كان في كل زيارة له تقريبا، يحضّنا على الدعوة إلى الطريقة. وبما أنني كنت حريصا على طاعة شيخي، وبما أن المقدّم كان على خلاف ما ينبغي، فقد قررت أن أدعو إلى الطريقة بطريقة منفصلة، وأنا أعلم يقينا أن السفهاء من أتباع الطريقة سيجدون في ذلك ذريعة إلى اتهامي بإرادة التقدّم عليهم أو بإرادة التشيّخ كما سيأتي لاحقا. ولكن بما أنني لم أكن أحسب حسابا لآراء من لا رأي لهم، فقد انطلقت في عملي، متوكلا على الله ربّي وحده... صرت أكلم كل من لمست فيه بعض نباهة، أو نوع تشوّف إلى معرفة التصوف الحق، عن الشيخ وعن أهليته للتربية، عن ذوق وعلم، لا عن تعصّب أجوف كما يفعل المتطفلون. وفي هذه الآونة تعرفت على (أ. ح) الذي كان عاملا بمستشفى الشركة في جناح الأشعة، والذي كان ينتسب إلى الطريقة الشيخية التبركية؛ كما كنت قد تعرّفت إلى قيادي في جماعة العدل والإحسان كان يبيع الأخشاب بجرادة. فكنا نجتمع ثلاثتنا مع من أمكن أن يصحبونا مرة أو مرتيْن في الشهر، نتذاكر مختلف المسائل الإشكالية في تاريخ المسلمين وفي حاضرهم. ولكن سرعان ما تفككت اجتماعاتنا وتوقّفت، عندما لم يتمكن أيّ واحد من التخلّص من هيمنة جماعته على عقله، وما تعتمده من عقائد تفصيلية، كانت في أحيان كثيرة تقترب من مجال الخرافات الشائعة ضمن "الإسلام الشعبي"... وفي إحدى المرات، جاءتني دعوة عن طريق أحد معارفي، من "جمعية مدرّسي العلوم" لألقي محاضرة في المركز الثقافي، فوافقت على الفور. كانت محاضرتي الأولى في موضوع "مراتب العقل والدين" التي صارت بعد سنوات كتابا لي من ثلاثة أجزاء، أصدرته بعد دخول الألفية الجديدة. وكانت محاضرتي الثانية تدور حول الحقيقة المحمدية وتجلياتها في مختلف الأزمنة، بما يسهل اتصال المسلم من المتأخرين بنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم كما اتصل به أسلافه من الأولين. استغرقت المحاضرة الأولى ثلاث ساعات، كنت أوضح فيها بالرسوم تفاصيل المراتب الدينية، بما لم يسبقني إليه -كما علمت فيما بعد- إلا عالم الأندلس أبو عبد الله الساحلي المالَقي المتوفَّى عام 754 هـ. ولقد طبعت وزارة الأوقاف المغربية كتاب هذا العالم في جزئيْن سنة 2003م، تحت عنوان: "بُغية السالك في أشرف المسالك". ولقد كانت مراتب الدين مجهولة لدى الفقهاء وأساتذة التربية الإسلامية، وكانت المحاضرة ثورة حقيقية في مجال العلوم الدينية، لو أن الساحة كانت خالية من الأيديولوجيات المختلفة، التي لم يكن أقلّها ما يُعرف اصطلاحا بـ "تصوف التبرك" الذي صار مانعا للناس عن إدراك صحيح التصوف وبالتالي عن صحيح التديّن. كنت أنا في هذه السنوات في نهايات سلوكي، بحيث صرت أميّز مراتب السلوك مقامات وأحوالا، وصرت أميّز كلام أهل التصوف السابقين، على ضوء ذوقي الخاص؛ وهذا يعني أنني كنت قد بدأت أخرج من دائرة التقليد، إلا ما كان من تقليدٍ لشيخي حصرا، استمر معي إلى بلوغي مرتبة الوصول بالمعنى الاصطلاحي. ورغم أن السنوات التي بارزني فيها مقدّم الطريقة البودشيشية بالعداوة الكبرى، مستعملا لجميع الوسائل التي انتهت به إلى الدخول في الشروع في القتل، فإنني -على عادتي- لم أنسحب من الطريقة، ولا من النسبة إلى شيخي، لكن من دون تواصل مباشر بيني وبينه رضي الله عنه، ما دام ذلك التواصل المباشر كان سيدخل بي في مواجهة العائلة البودشيشية، على ما بذلك من إحراج بيّن للشيخ رضي الله عنه. وبما أن صلتي بشيخي كانت على أحسن ما يُرام من جهة الباطن، فإنني آثرت عدم الإفصاح عن سبب انعزالي في بيتي، مع ما كان يُروّج له الحاقدون في ذلك الوقت انتصارا لمـُقَدَّمهم. وقد ذقت في آخر زيارة للشيخ رضي الله عنه قبل انقطاعي بالجسم، ما لم أكن قد ذقته في زيارة قبلها، وإن كان حالي عندما أكون بمفردي لا يختلف عنه في الغالب: كان الشيخ جالسا في مقابلتي، وأنا كنت واقفا يتقاذفني السماع وأتمايل كالمجاذيب من قوة الحال. كنت عندما أنظر إلى الشيخ وأنا في تلك الغمرات، أراه أنا حقا وصدقا؛ لا أرى صورته تغيرت عن ذي قبل، ولكن لم أكن أشك في أنه أنا؛ حتى إنني كنت أمنع نفسي من مناداته: يا أنا!... وهذا عند أهل التحقُّق، هو أعلى ما يكون من الاتحاد بين الشيخ ومريده، والذي سيكون سببا مباشرا في وصولي بُعيد شهور قليلة بحمد الله... *** لا بد أن أذكر هنا، بعض ما يتعلق بالمحاضرتيْن اللتيْن ألقيتهما في المركز الثقافي، والذي سيجعلني على اطلاع بأحوال مجتمعي، أنا الذي ضللت منقطعا عنه طيلة سلوكي، لما يقرب من ست عشرة سنة. نعم، أنا أعلم أن الناس لن يتمكنوا من إدراك ما أروم الإعراب عنه هنا؛ وأنهم عند تصديقي، لن يُجاوزوا حمل ذلك على محمل المبالغة والمجاز، بينما الألفاظ عندنا وعند أمثالنا من الطبقة العليا من العلماء بالله، تدل على ظاهرها، وإن كانت تلك المعاني مستبعدة لدى العقول العامية... لقد كان وقع المحاضرة الأولى في البلدة كبيرا، بحيث جعلَتِ المهتمّين يتصلون بي اتصالا مباشرا؛ والذين كان على رأسهم مَن ذكرت في الفقرات السابقة، ومنهم أحد أساتذة التربية الإسلامية الذي كان يُزاول عمله بثانوية الزرقطوني. كان الرجل عند مواجهتي على انفراد، يكون في غاية اللطف، وكان يُعجبني منه إدراكه لمعان دينية تغيب عن جلّ من كنت أعرفهم، وبالخصوص عن جماعة البودشيشيين التي كان يهيمن عليها الجهل أحيانا بما هو معدود عند الفقهاء مما يُعلم من الدين بالضرورة. ومما كنت ألاحظه على جهلة الفقراء، أنهم كانوا يردّون أحيانا الحديث النبوي الشريف من دون أن يرفّ لهم جفن، في الوقت الذي يزعمون فيه أنهم متبعون اتباعا أعمى لكلام الشيخ؛ وهذا، كما لا يخفى، يذهب بإسلام المرء ذهابا، إن لم يتحرّز. وبما أنني كنت أحرص على النصيحة للناس، فإنني عندما كنت أبغي التأصيل لبعض المبادئ الدينية، كان المـُغرضون من الجاهلين، يعُدّون ذلك من الخلل لديّ، ومما هو من التأثّر بـ "الإسلاميّين المتسيّسين"، بعكس ما كان ينبغي أن يتبيّنوه. وأما المقدّم الذي لم يكن على شيء، فإنه كان يتصيّد ذلك تصيدا، ظنا منه أنه سيظفر منّي بمبتغاه ليجد ذريعة للتخلص مني نهائيّا. ولم يكن المسكين يعلم أنني كنت فيما أقوله على بيّنة من ربّي، وكنت على استعداد لأن أذكره بين يدي الشيخ رضي الله عنه، ليقيني (من اليقين) بربانيته التامة، وبأنه سيكون أول المنكرين لما ينسبه إليه الجاهلون بجهلهم... التقاني الأستاذ المذكور (م.ي)، وآخذني على الإطالة في المحاضرة الأولى، بما لم يترك لهم وقتا لمساءلتي عن بعض التفاصيل العلمية. وبما أنني كنت حريصا على "النقاش العلمي" بموضوعية، فإنني حرصت على ألا تتجاوز محاضرتي الثانية لنصف مدة محاضرتي الأولى، رغبة مني في إنصاف الحاضرين. ورغم أن الأستاذ كان قد ظهر لي منه بعض التلون في كلامه منذ المحاضرة الأولى، فإني قد حرصت في المحاضرة الثانية على الاستجابة لمطلبه، تغليبا لحسن الظنّ به، واستبعادا منّي لأن يكون أحد من يُعلّمون سواهم في الدين، على مثل هذا السوء الخطير؛ وهو ما تأكّد لي في المحاضرة الثانية بأجلى صورة... حضرت إلى المنصة عندما حل موعد المحاضرة، فإذا بي ألاحظ أن الصف الأول من الجلوس كانوا في غالبيتهم من المنتمين إلى حركة التوحيد والإصلاح التي ينتمي إليها الأستاذ المذكور، مع من ذكرت أيضا من قيادات جماعة العدل والإحسان، الذين كانوا على عكس الحركة الأولى ملتزمين للأدب، ويظهر على ملامحهم تأثرهم بكلامي. وقد أخبروني بعد ذلك في مناسبات عديدة بأنهم كانوا محتاجين إليه؛ فكنت أبادلهم أدبا بأدب وحياء بحياء، رغم أن نيتهم كان يغلب عليها العمل لتكثير سواد الجماعة بأكثر مما يغلب عليها تحرّي الحق وحده. وهذا الفعل لا يُستغرب ممن كانت وسيلة دعوتهم للناس الديماغوجيا وما يدخل ضمن العمل الحزبي؛ وقد كان يُفترض فيهم العمل للدين بما يرتضيه الدين لا بغير ذلك، ولكن أنّى لهم!... أما أهل "التوحيد والإصلاح"، فإنهم ما إن منحوا فرصة التعليق في المحاضرة الثانية، حتى حرّفوا موضوع المحاضرة تحريفا تاما، وانطلقوا في أسئلة عن التصوف كانوا يتوهّمون أنهم سيغلبونني بها. ومع أنني قد أجبت باقتضاب عما كان متعلِّقا بالتصوف، فإنهم كانوا قد أفلحوا في إبعادنا عن موضوع المحاضرة الخطير، من دون أن يتحرّجوا من العمل ضدّ الدين بصورة لا يتطرّق إليها الشك. وكان قد تفطّن إلى صنيعهم بعض الحاضرين من طبقة المثقفين الذين أذكر منهم هنا أحد مهندسي شركة المفاحم آنذاك، والذي سمعت أنه قال: - لو تركونا نستفيد من كلام المحاضر لكان أليق؛ فنحن كنا نبغي توضيح بعض الجوانب المتعلّقة بالحقيقة المحمدية، والتي كانت ستنفعنا في تديّننا... ولكن الحركيّين الذين حضروا إلى المحاضرة بـ "إنزال" بحسب الاصطلاح السياسي الحزبي والنقابي، كانوا يرومون إفساد المحاضرة، وقطع حبل التواصل بيني وبين الحاضرين، توهّما منهم -كما فهمت أنا فيما بعد- أنني كنت منافسا سياسيا لهم، جديرا بأن يُخشى جانبه. ولقد كانت هذه الحادثة، قبل أن يؤسسوا حزب العدالة والتنمية تأسيسا فعليا بالصيغة المعروفة حاليا في عام 1996. فتعجّبت أنا كثيرا من تصدّي أناس يزعمون أنهم أهل دين راغبون في نيل ما عند الله، لمحاضرة كانت الغاية من ورائها تعريف مسلمين غافلين بحقيقة نبيهم عليه وآله الصلاة والسلام، ليصححوا على ضوء ذلك تديّنهم، ويزدادوا بذلك قربا من ربهم. عجبت أنا، كيف يعمل الإسلاميون ضدّ الدين، وهم يشهدون على أنفسهم بأنهم يعملون للإسلام!... أما عموم الناس، فقد كانوا في هذه المرحلة، أكثر إدراكا لحقيقتهم منّي، أنا من كنت آتيا من التصوف الذي ينبني على إحسان الظن بالغير، بل على تفضيل الغير على النفس. وأعني من هذا الكلام، أن المنطق بيني وبين الإسلاميين كان مختلفا، وسيزداد تباينا مع مرور الأيام والسنوات، إلى أن أبلغ مرحلة فضحهم والتحذير منهم علانية، رغم ما كانوا يلاقونه بداية ومع تحفّظ بادٍ، من مناصرة المخزن لهم... *** بعد تعرفي ثانية على المجتمع من النواحي التي تعنيني مباشرة، صرت أكتشف الاختلاف بيني وبينه من حيث المبادئ، وصار هذا الاكتشاف يقودني إلى المقاطعة والانقطاع مرة ثانية؛ ولكن في هذه المرة بناء على آراء علمية تفصيلية، لا خضوعا لما كان يتطلّبه السلوك من تفرغ شبه تام... كان أول ما استبنته بعد المحاضرتين، هو أن عموم الحاضرين كانوا في غالبيتهم من سفهاء الأحلام، الذين شكّلت تصوراتِهم الأيديولوجيا الرخيصة والديماغوجيا الشائعة. وعرفت أن حركة المرء في المجتمع، سرعان ما توقظ الجهات المستثمرة للأوضاع السياسية والثقافية المرعية منذ زمن الاستعمار؛ وهذا كان يجرّ على شخص في مثل وضعيتي حروبا من شتى الصنوف، لا يكون أصحابها في الغالب ملتزمين بأي مبادئ خلقية أو علمية عامة. وعندما وجدت نفسي بعد المحاضرتيْن، هدفا لحركة التوحيد والإصلاح، وأنا الذي كنت أصدّق بأنهم على بعض تديّن، مع جهل المجتمع المطبق بما كنت أعزم على الخوض فيه، فقد آليت على نفسي سريعا أن أخرج من صراع لم أكن أريد أن أخوضه بأي وجه من الوجوه. ولم تكن هذه التجربة من التواصل المباشر مع الناس وحدها ما دفعني إلى عزلتي الجديدة، وإنما ما سأعرفه فيما بعد من تجربتي في الكتابة، ومن اشتغالي لسنوات أخرى فيما بعد في التعليم عبر الإنترنت لما بعد الدكتوراه، في علوم نادرة أو في علوم جديدة بالنظر إلى الشائع الآن في مختلف الدوائر "الأكاديمية"... في هذه الآونة من مراحل عمري (أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات) حيث عزمت على التعرف على المجتمع الذي أعيش فيه عن كثب، لم أكن أتبيّن فعل المخزن في الناس بعد؛ وبالتالي لم أكن أعرف موقفه مني حقيقة، فكنت مع سذاجتي أتصرف بحسب ما تعطيه ظواهر الأمور، من دون أن أحسب حسابات المعاملات الخفية للمخزن، والتي تنبني في الأساس على سوء الظنّ والاحتقار. وقد تسبب لي ما خرجت به من التصوف من هضم للنفس وزهد في الدنيا، في الإبطاء عن إدراك ما حولي من آفات مجتمعية واختلالات سياسية؛ وهو ما جعلني أضيّع وقتا طويلا في مخاطبة أناس كانوا أقرب إلى حال الموت منهم إلى حال الحياة بالمعنى العلمي الذي يتأسّس عليه الدين. كيف يمكنني أن أعتقد في المجتمع غير ما كنت أعتقد، وأنا شخص نكرة، يترتّب في أسفل مراتب الوظيفة العمومية!... فلم أكن من الأغنياء الذين يعبدهم شطر من العامة طمعا فيما لديهم، كما لم أكن من العلماء الرسميّين المتخصصين في علم من العلوم الذين يُبجَّلون نفاقا. كيف يكون ذلك، وأنا من سلك طريق التزكية الشرعية بطريقة الأئمة الأولين، معرضا عن المسار الأكاديمي الذي علمت وأنا بعد دون العشرين بأنه لن يُفضي بي إلى علم صحيح بالمعنى الذي يتمكن المرء من بناء طريقة عيشه على ضوئه؛ بل لقد ترسّخ لدي منذ بداية الشباب، أن العلم لا يؤتيه إلا الله وحده. ترسّخ لدي هذا، قبل أن أتديّن وأن أعرف أن أهل الدين هم أيضا في غالبيتهم لا يعيشون إلا على توارث الجهل جيلا بعد جيل. وقد جعلني علمي بعدم جدوى ما كان يُعرض أمامي من إمكان تحصيل العلم، أعيد النظر في أصول العلوم عن طريق الذوق، وكأنني آدم الأول؛ أو على الأقل كأنني حي بن يقظان أو أحد نظرائه ضمن الأنساق الفلسفية العالمية المختلفة... وكم كان ذلك شاقا على فتى وجد نفسه وحيدا في مواجهة العالم بما ظهر منه وبما بطن!... كنت أظنّ أن المشاق قد انتهت بانتهاء سلوكي، وما علمت أنني سأبدأ في عيش مشاقّ أخرى، تندرج ضمن المشاق التي عاشها الأنبياء والورثة عندما دعوا أقوامهم إلى ما صرت أدعو قومي إليه ذاته... عندما انتصبت أدعو إلى شيخي على ضوء ما عرفته من حقيقته، من باب النصيحة لله ورسوله وللمؤمنين، ظنّ الظانّون من منطلَق جهلهم وقياسا على أنفسهم، أنني أعمل لنفسي. وكنت أنا -على عادتي- لا ألقي بالا لما يظنّون، فكان ذلك يذهب بهم كل مذهب، وكان الشيطان يأخذهم بعيدا في سبيل إيذائي والكيد لي... *** مع ما كان يتولّى مقدّم الطريقة من محاربة لي، كان والدي يستعد لأن يفعل بي ما لم يكن يخطر لي على بال... بعد شهور من طلاقي، وتفرّغا مني لسبيل الدعوة إلى شيخي، في انتظار موت محقّق كان يتربّص بي في كل وقت وحين من جراء انتشار السموم في جسدي، سألت الوالد أن يأذن لي في بناء الطابق الأول من بيتنا، حتى أجد متسعا لما كنت أنذر نفسي له، من دون أن أبتعد عن والدتي وأخواتي اللائي كن يعشن مع الوالد من دون أمان يُرجى إلا ما كان مقابل الأثمان المدفوعة شهريا، وفي الحدّ الأدنى على صعيد الجوانب المعيشية والجسدية والنفسية والعقلية... أذن لي الرجل بما طلبته منه، وهو يضمر شرا بي وبجميع أفراد الأسرة؛ شرا لم يكن يخفى إلا عنّي، لأن الوالدة قد حذّرتني مما كنت عازما على الشروع فيه مرارا، غير أنني أنا وبسبب محبتي للجميع، كنت مضطرا لأن أحسب حساب والدي ورافضا لأن أُهمله مهما كلفني ذلك، مع أني كنت أخشى أن ينتهي إلى ما لا تحمد عقباه بسبب تهوّره وضعف عقله... استدعيت البنائين إلى البيت، وشرعوا في البناء إلى أن بلغنا المنتهى، ولم يبق لنا إلا التفاصيل المتعلقة بالمراحل النهائية. وهنا انتصب الوالد الذي كان في هذه المرحلة على اتصال وثيق بمقدّم الطريقة وبالقائد، فأعلن أنه يريد أن يجعل الطابق الأول من البيت محلاّ لزوجة ثانية، كنت قد عرفتها في مرحلة دراستي الإعدادية، وكانت ممن اتخذتهم السلطة المحلية أعوانا كَتَبَة في مختلف مكاتبها؛ وهو ما يعني أن الوالد كان قد تعرف عليها في المكتب وضمن المداومات الرسمية... كان والدي الذي لم يعرف للانحراف الأخلاقي حدودا، قد أقام "علاقة" غير شرعية بالفتاة المذكورة، بحيث كنت قد سمعت عنها من أحد فقراء الزاوية الذي كان صديقا لشاب آنذاك، كان والده من جملة موظّفي الدائرة قبل انتقاله عن الدنيا وحلول ابنه محله. وكان الله قد شاء لي أن أتعرف على زميل الوالد الراحل في إحدى زياراتي لرئاسة الدائرة وأنا بعد في نهاية طفولتي... كان الرجل في هيئته، لا يختلف عن عموم فقهاء المغرب الذين يرتدون الجلباب والعمامة؛ وهذا لأنه كان حافظا للقرآن كشأن جل الموظفين ضمن الوظيفة العمومية الذين كانت الدولة قد لجأت إليهم بقصد سدّ الخلل الذي عرفته مختلف الوزارات بُعيْد الاستقلال. غير أن هذا الرجل، مع خلفيته الشرعية، لم يسلم مما درج عليه غالبية موظّفي المخزن من فساد خلقي، كان في نظر أهله علامة على السلطة بالمعنى نفسه (بل بشرّ منه) الذي كان عليه أفراد الإدارة الاستعمارية السابقة، والتي كانت تبغي بذلك إذلال السكان المحليّين عن طريق استرقاقهم بالمعنى "الجنسي"... كان زميل والدي، قد ضُبط في أحد البيوت التي لا تحل له، وربما كان قد تعرّض لإهانة من قبل رجال من أقارب المرأة التي كان قد واعدها، فخرج من تجربته المأساوية هذه، إلى البيت مباشرة، بحيث قد لزم الفراش من ساعته تلك، وانقطع عن الطعام والكلام، إلى أن وافته المنية بعد أيام معدودة... كان يجدر بوالدي ومن كانوا على شاكلته في التلاعب بأعراض كثير من النساء اللائي كانت الحاجة تدعوهن إلى استصدار بعض الشهادات الإدارية وترغمهن على زيارة مقر إدارات السلطة المحلية بمختلف فروعها، أن يكونوا على بعض الرحمة، بما أنهم لم يكونوا بعيدين عنهن في ضنك العيش؛ ولكن المرء ليعجب عندما يجد المقهور يزيد في قهر من هو على شاكلته، وكأنه يفتقد إلى أدنى درجات القياس العقلي المفضي حتما إلى التضامن. وكان يأتي في مقدمة هؤلاء النساء، الأرامل اللائي فقدن أزواجهن في الغالب تحت ردم مناجم الفحم الذي كان متكررا في بلدتنا، يوقّع سير رتابتها، على قريب مما عرفَته بعض المدن من نظيراتها في العالم، أو قريبا مما كانت تعرفه بعض المدن والقرى ذات الطابع العسكري لأسباب يعرفها الناظر بأدنى تأمل... وبدل أن يتعظ والدي وزملاؤه بمأساة زميلهم الذي ترك خلفه أسرة مشتتة، اضطر كبير الأبناء فيها إلى أن يتحمّل أعباء إعالة والدته وإخوته، عن طريق الحلول محل أبيه في المكتب إلى جانب والدي؛ فإنهم قد استمروا على ما كانوا عليه من إجرام، إلى الحد الذي لم يسلم معه من شرورهم زميل لهم كان بيته عبارة عن سكن وظيفي يبعد أمتارا معدودة عن المكاتب التي صارت بؤرة للفساد بجميع أنواعه. كان المجرمون يتخلفون إلى بيت زميلهم الواحد بعد الآخر، تاركيه في مكتبه في رفقة من بقي منهم. ولم يمض وقت طويل حتى صارت القصة على كل الألسن في البلدة، من دون أن يتحرّك في العصابة عرق من النخوة أو من شبهة إيمان عابر، إلى أن نصح أحد رجال النوبة بجرادة (عبد الحَكَم دين) رضي الله عنه صاحب البيت المعني بسنوات طويلة فيما بعد، بطلب الانتقال بعيدا عن جرادة ولو ببضع عشرات من الكيلومترات. وأما أنا فقد التقيت الرجل المعني في عز محنته، وهو يبحث عن ذكر يكون سببا له في استعادة بعض مما فقد من طمأنينة وكرامة؛ وقد حكى لي تجربته مع ذكر اسم الله "اللطيف" بالعدد الكبير، عملا بنصيحة بعضهم، فكانت النتيجة أنه هو من أصبح لا يقدر على دخول بيته، بدل أن يرى زوجه تعود إلى سابق عهدها معه. ورغم أن الرجل كان بالغ السذاجة، فإنه لم يُفلح معه نصحي له بأخذ الورد عن شيخي في هذه المرحلة حيث كنت أدعو إلى الشيخ من غير واسطة المقدّم الذي كان مصرا على البقاء في المدينة حجر عثرة أمام كل طالب للتبرك، ما دام السلوك لا يكاد يجد من يشم له رائحة في زماننا؛ وهذا رغم نصح عائلته البودشيشية له بالتنحي عن تلك المهمة، علما منهم بأن الناس لا يقبلون منهم مزاحمتهم للشيخ بالفجاجة التي كان عليها صاحبنا... لم يكن والدي يستحيي مني وأنا أكبر إلى جانبه، ولا كان يستر نفسه مما كان عليه من فسوق ظاهر؛ بل لقد كان على العكس من ذلك يفعل ما كنت أعلم حقيقته، معتمدا لمنطق المخزن نفسه الذي هو القهر على قبول الأمر رغم سفوره. وكنت أنا أتغافل عن ذلك في انتظار أن يمنّ الله عليه بتوبة، أو بشيء من صروف القدر يحول بيننا، قبل أن ندخل في مواجهة فيما بيننا كنت شديد الفرار منها. وعلى قدر ما كنت أنا حريصا على الشعرة التي كانت تزداد دقة مع الأيام، كان هو يزداد تحديا لي، عن طريق الاستهانة بي وبطريقي الذي أسلكه، بطريقة لم تكن لتدل إلا على أنه كان قد دخل في معاهدة مع إبليس لا انفكاك له منها... *** قد يستغرب القارئ لفضحي بعض عورات والدي، ويتساءل: - لم لا يستر هذا والده، وقد انتقل عن الدنيا؛ علما بأن الشريعة قد ندبت إلى ستر عموم المؤمنين فضلا عمن لهم علينا حقوق تنبغي مراعاتها؟!... فأجيب مباشرة:
*** عندما كدت أنتهي من بناء الطابق الأول من البيت، بلغني ممن أراد الوالد أن يبلغني الخبر منهم، بأنه يعتزم الزواج بتلك المرأة التي زاملته في العمل، بعد أن كانت قد زاملتني أنا في الدراسة؛ فرفضت أنا ذلك، لعلمي بأن والدتي وإخوتي سيذوقون من هذا الزواج الثاني من السوء، ما لم يعرفوه في كل ما مر من سابق حياتهم؛ وهذا، لأنني كنت على وعي تام بما يجري من حولي، رغم طول سكوتي؛ وأظن أن الوالد لو كان يعلم مآل الأمور، ما كان ليُعلن عن نيته، ولجنح إلى السلم، خصوصا وأنه لم يكن باقيا له من عمره ما يدعوه إلى المغامرة بكل شيء من دنياه وآخرته؛ ولكنه الشيطان عندما يأخذ ضعاف العقول إلى الدخول في محاربة من لا يطيق وجودهم من أمثالي، بما يتوهّم أنه سينفعه من حيل وأكاذيب ولو إلى حين... عندما علم والدي بأنني لن أسمح له باتباع هواه هذه المرة، أبلغني في صيف عام 1992 برغبته في أن أغادر البيت، وهو يعلم أن صحتي مع تدهوُرها المتفاقم، كانت تمضي بي إلى موت محقّق غير بعيد... لا أتصور أنا الآن أن الوالد كان يتصرف من نفسه!... ولولا أن جهة ما يُعظّمها، كانت تريد أن تكون سندا له، وكانت قد أمرته بالإقدام على ما فعل، ما كان ليفعل ذلك لجبنه رغم خسّته... كان والدي قد اعتاد على تهديدنا داخل البيت بالسلاح الأبيض مرارا، حتى إنني هممت بأن أشكو حالنا إلى شيخي رضي الله عنه ذات مرة، فسألني قبل أن أفاتحه في شيء: - هل يهددكم بالسكّين؟!... فأجبت بالإيجاب، بعد أن أراحني الشيخ من تكلف العبارات من أجل التعبير عن وضع قلّ من يُصدّق به. وبعد حوار دار بيني وبين شيخي، أمرني رضي الله عنه قائلا: - لا تتبع والدك!... وكم كانت فرحتي بأمر شيخي، على ما يُنذرني به من صعوبات آتية إليّ من خلف حجاب الأيام؛ وذلك لأنني لمست لمسا من شيخي انحيازه إلى الحق الشرعي، من دون مجاملة لأحد، وأنا كان الله قد رزقني حب الحق حبّا يهون به في ناظري كل ألم أو عذاب. ذهبت أنا بمجرد طرد والدي لي من البيت، إلى مدينة وجدة لعلي أوفق إلى تدبير أمر انتقالي من جرادة إلى أي مكان آخر يعرض علي، قبل حلول موعد الدراسة؛ لكن الوقت صادف شهر غشت، حيث يكون جميع الموظفين في عطلة. أخبرني بذلك صديقي (م. ز) الذي ذهبت إليه وأخبرته بما جرى لي... وبعد أخذ ورد اقترح عليّ صاحبي أن أعود إلى البيت ما دمت على يقين من أن معاملة الوالد لأهله ستزداد سوءا لا محالة. عدت بمعية صاحبي إلى جرادة، وقصدنا البيت حيث وجدنا الوالد خارجه، فتركت صاحبي يحدثه ودخلت أنا إلى حيث وجدت والدتي وكبرى أخواتي تكادان تفقدان صوابهما من شدة ما عانتاه وهما تظنان أن لا عودة لي بعد... اختار والدي طريقة أخرى ليتخلص من الجميع، بعد أن شاهدني عائدا، وهي أن يزعم أننا نحن من طردناه من البيت. فصار ينام في سيارته بقرب السوق المجاورة لحيّنا أياما، في انتظار أن يتم له ما أراد. أمضينا مدة تقارب السنتيْن، وهو يشتكينا إلى الشرطة بعدة تهم، كانت إحداها اتهامي أنا شخصيا بسرقة كتبه وهو الشخص الأمي الذي لا يتمكن من قراءة فقرة من فقرات جريدة بلغتها شبه العامية. دخلت على الضابط في مكتب الشرطة القضائية، وبعد أن تركني جالسا مدة من الزمان وهو يحادث شخصا كان يجلس قبالته، يبدو من طريقة كلامهما أنه كان صديقه، توجه إليّ قائلا: - لم يسبق لي أن رأيتك!... فأخبرته بأنني لم أكن أخرج من البيت إلا إلى العمل في الغالب. وبعد أن استوثق مني طالبني بالمغادرة متعجّبا. كان سبب عدم إلحاحه عليّ، علمه بحقيقة والدي التي لم تكن تخفى على أحد في المدينة كلها. وبعد تكرار أمر الاستدعاءات، صار رجال الشرطة يطلبون مني العودة وأنا بعد على باب المركز، وكنت ألمح على بعضهم أمارات الحياء والتحرّج. لم أكن أنا وحدي من اُستدعي، بل تعدّى الأمر إلى إحدى أخواتي، وكانت تعمل مدرِّسة بمدينة الناظور، حيث كانت الاستدعاءات تبلغها هناك بعيدة عن البيت. ثم ما لبث أن صار جميع من في البيت مضطرا إلى زيارة مركز الشرطة أو مقر المحكمة الابتدائية، من أجل ردّ تهم ما كان يُصدّق بها أحد. ثم التحق بنا أخي الذي كان يتاجر في مدينة المحمدية حيث كانت تسكن خالتي، فصار يتلقّى معي ما كان الوالد يرميني به من أباطيل حينها، لعلمه بأنني بسبب تديّني كنت أقرب لأن ينتقم منّي المخزن عن طريق والدي. كانت مأساتنا متعددة الواجهات، متشابكة العناصر؛ وكان العمل على الخروج منها يتطلب مهارات استثنائية، وتكتيكات يندر وجودها في جلّ أفراد مجتمعنا المـُضطهد... ولقد وجد والدي أعوانا له من بعض موظّفي "العدل" بجرادة وبوجدة، فلم يطل الأمر حتى ورد أمر من المحكمة الإقليمية (وكيل الملك) باعتقالي. كان قصد الوالد من تحقّق اعتقالي، هو حرمان أهل بيتي من مورد رزقهم، لأن القانون كان يقضي بإيقاف راتب الموظّف بمجرد الاعتقال. فلما تلقيت الاستدعاء، ذهبت إلى مركز الشرطة وقلبي مغمور ببرد اليقين. كنت أعلم أن هذه الابتلاءات هي من توابع السلوك، فخاطبت ربي في قلبي قائلا: - إن كنت تريد إدخالي السجن، فلا أحد سيُنجيني منه؛ وإن منعتني من دخوله، فلا أحد بإمكانه أن يُدخلَنيه!... فلما دخلت على مفتش للشرطة كان يعلم حقيقة ما يجري من كثرة ما لقيته في مكتبه من أجل الرد على محاضر الاتهام، فتح درجا أمامه واستخرج منه ظرفا، قال لي وهو يشير إليه: - هذا أمر باعتقالك قبل أن نجري معك أي تحقيق، ولكنني سأعصيه. أشترط عليك أمرا واحدا فحسب، وهو أن تخبر نائب وكيل الملك، حتى أكون محميا في وظيفتي. وأَخْبِره بحقيقة ما يجري، حتى نكون على اتفاق في الإجراءات المتخذة... ذهبت إلى نائب وكيل الملك، بمعية أخي، وبمجرد أن سردنا عليه بعض الوقائع، ذكر لنا أنه قد تفهّم الأمر على أفضل ما يكون، وأنه يعرف ما يعانيه كثير من المغاربة في مثل ما كنا نعاني. وأخبرنا بأن القانون ليس به ما يحمي الأسرة إن كان الأب يتجنّى عليها، بل إنه يحميه هو مهما بالغ في إساءته إليها. ثم لم يلبث بعد أن اطمأن إلينا، أن صار يشكو إلينا من مشاكله العائلية، وكأنه يعرفنا من مدة طويلة... ثم جاءني استدعاء آخر في هذه المرة إلى مكتب عميد الشرطة، فدخلت مع أخي وأختي إليه، وفوجئنا بالوالد وهو يدخل علينا المكتب على غير العادة. فتوجه إليه العميد سائلا: - ما الذي تتهم به ابنك؟... وكان يشير إليّ؛ فرد الوالد وهو يرفل في أثواب الذّلة والصغار: - إن ابني هذا، له حزب سياسي!... فانقلب وجه العميد مرة واحدة وهو يسأله: - هل يأتيه أناس من خارج المدينة؟ فأجاب الوالد بالنفي. فنطق عميد الشرطة بما لم يكن لي في الحسبان قائلا: - دع ابنك يعبد ربه كما يحلو له!... فأُسقط في يد الوالد، وخرج وهو يجر أذيال الخيبة؛ ولكن شره كان في اطراد متواصل... كل ذلك من دون أن أتوسل إلى أحد من الخلق أو أتودد إليه. ولكن الأحداث كانت تدل على أن الوالد كان له مستشارون قانونيون يُعلّمونه كيف يحاربنا، وهذا يؤكّد ضلوع المخزن بصفة غير مباشرة في هذه المواجهة... كنت أنا في أثناء الرد على اتهامات الوالد قد غادرت البيت، بعد أن عثرت على بيت للكراء بعد جهد جهيد. سكنت في البيت الجديد مع جدتي وأختيْن لي، تاركا الوالدة في البيت الأصلي مع أختيْن أخريَيْن كانت صُغراهن ما تزال تتابع دراستها في المستوى الإعدادي، وكان أخي هو من يراعيهن حماية لهن من غدر الوالد، الذي عاجلهن بقطع الماء والكهرباء عن البيت. ولم يمض وقت طويل حتى استصدر أمرا بإخلاء البيت، بعد أن طلق الوالدة رحمها الله. وقد شاء الله لي عبر هذه التجربة المريرة، أن أكتشف بنفسي كثيرا من ثغرات قانون الأسرة المغربي، والذي علمت منه السبب الرئيس في الإجرام الذي يلجأ إليه الأقارب فيما بينهم، بالطرق التي لا يطالها القانون في بعض الأحيان... اجتمعنا جميعا في البيت الذي اكتريناه بعد تمكن الوالد من طرد الأسرة بأكملها، وأنا أنتظر الموت كل يوم، بسبب بلوغ وضعي الصحي ما لم يسبق لي أن عرفته في كل ما مضى. فقد أصبحت في خارج أوقات العمل، أستلقي في الفراش وأنا في شبه غيبوبة. وكنت في أيام الشتاء أرى لوني يميل إلى الزرقة، وأنا أكاد أتجمّد من البرد. لم يكن البرد الذي أعاني منه بسبب نزول درجة الحرارة كما قد يُظنّ، وإنما لأن دمي كان قد تجمّد بما أن السم العضوي الذي كان يتوالد في جسمي كان قد صيّرني على مثل ما تكون عليه ذوات الدم البارد!... كنت قد تحوّلت عن شطر كبير من آدميتي!... *** ما لاحظته خلال كل مواجهتنا مع الوالد، هو أنه لا أحد من الأقارب خاصة، كلف نفسه أن يتقصّى حقيقة ما يجري، باستثناء رجل واحد لن أنسى له موقفه الرجولي إزائي. كان الرجل هو الحاج أحمد الأحمر الذي كان يُعرف بين أهل المقام كلهم (أقاربنا) بقوة شخصيته وبجرأته. كان الرجل قد تعرف عليّ في المسجد الذي كانت تجمعنا الصلاة فيه، والذي كنت لفترة من الزمان أتولّى الأذان فيه لصلاة الجمعة. أُعجب الرجل بي وبصوتي كما حكى لي، وذكر ذلك لبعض من كان يُجالسهم قائلا: - أظن أن الشاب الذي يؤذّن للجمعة من سحنته من قبائل الريف المعروفة من شمال المغرب!... فردّ عليه من كان يعرفني من السامعين: - هل تمزح؟!... فأجاب عن سؤالهم بالنفي. وهنا أخبروه: - إنه من قبيلتكم!... وهو فلان بن فلان!... اندهش الرجل كما أخبرني فيما بعد، وتعجب من جهله لواحد من أقاربه الذين كان يُسرّ أن ينتسبوا إليه وينتسب إليهم... جمعتني بالرجل بعد تعارفنا كثير من المجالس، حيث كان يُنصت إليّ باهتمام وبمحبة بادية. كان هو من أتباع الطريقة العلاوية المستغانمية، الذين انقطعت بهم السبيل، في زمنٍ طغت على أهله الغفلة الكبرى، وبعدت بالناس حولهم الثقافة الغربية التي صار جل المتعلّمين منصهرين في مظاهرها الجوفاء الشائهة. ولكنه عندما وجدني وأنا من الجيل الذي بعده، ومن قبيلته ذاتها، فإنه صار يعوّض بشخصي كل ما كان يفقده في أبنائه وأقرانهم من بني عمومتنا. وعندما بلغه ما نشب بيننا وبين الوالد من حرب شعواء كان الوالد من انعدام التقوى لديه، يستعمل فيها جميع صنوف الإشاعة التي تربّى عليها في المخزن، أراد أن يفعل ما يُعْذِره عند نفسه بحكم قرابته منّا. وفي أحد أيام الأحد، حيث كنت قد قصدت إلى موضع السوق الأسبوعية، لمحت الحاج الأحمر يقبع في سيارته غير بعيد عن مدخل السوق، فأشار إليّ للحاق به، وهو ما فعلته على الفور بسبب تعظيمي له. فتح الرجل لي الباب وهو يبش في وجهي على عادته، وبعد أن تجاوزنا عبارات المجاملة فيما بيننا، سألني بلهجة مباشرة على عادته قائلا: - ما رأيك لو سمحت لي بالتدخل فيما بينك وبين أبيك؟... لم أنتظر حتى أردّ على الرجل، بل شكرت له اقتراحه، وأبلغته أنني أثق به وبأحكامه، وأنا رهن إشارته في كل ما يمكن أن ينقلب به إليّ إن هو كلم الوالد؛ من دون أن أشترط عليه أدنى شرط. وهذا لأنني كنت أعلم محبته لي من جهة، وأعلم رجولته وصدقه من جهة أخرى... لم يطل انتظاري لردّ الرجل، فبعد يوم أو يوميْن، التقيته، ولم ينتظر حتى يقترب مني وأصافحه؛ بل كلمني على مبعدة خطوات منّي سائلا: - هل ذلك أبوك أم هو فرعون؟!... فسكتّ وعلامات الأسى ترتسم على ملامحي، لأنني لم أكن أقبل أن يتعرّض رجل طيب للسوء من والدي الذي كنت أعلم سابقا بُغضه للرجل بسبب تقواه ومخالفته على التمام للطريق التي كان عليها. وبعد محاولتي التخفيف عن الرجل بعبارات كنت أعتذر بها له عما لحقه، خاطبني بعبارة لم أنسها منذئذ. قال وهو ينظر إليّ مشفقا: - إنه (يقصد أبي) ليس من أهلك. كانت هذه العبارة هي الآية التي خاطب بها الله تعالى نوحا عليه السلام، حتى ينصرف عن طلب النجاة لابنه الكافر، حيث قال الله تعالى: {قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} [هود: 46]. علمت بعد كلام الرجل لي، بأنه ينبغي عليّ أن أستعد لتحمل بلاء شديد، ضمن مجتمع كان على النقيض من ذلك الرجل الطيب رحمه الله. وعلى العكس من ذلك، فقد اصطف كل من أعرفهم من الشباب والكهول من أقاربنا خصوصا، إلى جانب والدي الذي كان يلفق لي كثيرا من التهم الباطلة في الأماكن العامة. كان يتكلم عنّي لدى الحلاق، وفي الحافلة إذا ركبها إلى حاسي بلال، وفي البيوت إن جمعته مع الناس مناسبة أو وليمة. وكان المجتمع الذي أعيش فيه، يتلقّف الزور الذي ينطق به الوالد وكأنه كان متلهفا إلى أوهى الذرائع ليصلبني (معنويا) في الساحة العامة. لم أكن في ذلك الوقت أعلم سببا لكل ذلك الحقد الذي ووجهت به... *** كان والدي بحكم مهنته ضمن شبكات المخزن، يعلم كيف يخاطب الناس من أجل استخراج السوء الذي تنطوي عليه أنفسهم الأمارة بالسوء، وكان يتهمني باكيا: - بأنني ضربته... - وبأنني اشترطت عليه أن يسجد لصورة شيخي، فلما أبى، طردته من البيت... وما عجبت لأحد وهو يستثمر بهتان الوالد، كما عجبت لابن عمه، وهو يستقبله لاجئا في بيته، وكأنه شهم كريم يناصر أحد المستضعفين. كان هذا الشخص يعلم فسوق الوالد أكثر من سواه، ولكنه كان يتحيّن الفرص لطعني من الخلف، لحقد دفين في نفسه، لا أعلم سببا وجيها له إلا كونه من أتباع الشيطان الذين لا يعصون له أمرا... أذكر مرة أنني ذهبت مع الوالد في سيارته لزيارة ابن عمنا هذا، وبعد ضجري من خطاب النفاق الذي كان الجميع يؤثرونه، خرجت إلى الخارج، وجلست في السيارة وحيدا، وأنا أنظر إلى المكان من حولي في تلك الناحية من حي العمال الذين كانوا يعملون في المعمل الحراري الذي بناه الاتحاد السوفياتي غير بعيد من حيث كنت. ولم يطل بي المكوث، حتى خرج ابن عمي (م. ع) من بيته متجها نحوي، ففتحت له باب السيارة مستبشرا، ظنا مني أنه إنما جاء ليحادثني. كان هذا الرجل، لا يوجه كلاما إليّ قط إلا مضطرا، عندما نكون بمحضر غيرنا، وبالحد الأدنى الذي تحتمله العبارة. كان ذلك يدل على كره شديد منه لي، وأنا لم أكن -على عادتي- أهتم بتفسير تصرفات الناس نحوي، من شدة ما كنت أراعي حريتهم في ذلك... وبعد جلوس الرجل بجانبي لحظة، توجه إليّ بكليته، وكأنه سيخاطبني في أمر مصيري قائلا: - إن والدك قد اقترض مني مائتي درهم، ولم يردّها. فأرجو أن تردها إليّ أنت، ولكن من دون أن تخبره... خاب ظنّي في الرجل إلى الحد الذي فقدت معه أي قدرة على التفوه بأي عبارة. لم أكن أظن أن الخسة ستبلغ من ابن عمي ذلك المبلغ، فأخرجت من جيبي ورقة نقدية زرقاء، ومددتها إلى الرجل الذي تلقفها كما يتلقف الظمآن آنية الماء البارد، ثم قفل راجعا إلى بيته، وكأنه قد ظفر بأسمى أمانيه... كان والدي من خسته لا يقترض المال إلا من معارفه الأقربين، سواء كانوا من أصحابه أم من أقاربه في الدم؛ وكان لا ينوي أن يرد ما اقترض. كان يعرف منه هذا أخته التي غمطها نصيبها من ميراثها في والدهما، ولكنني كنت أتوهم أن ابن عمي هذا لم يكن على شاكلته تماما. ما كان يضره أن يطالب والدي برد النقود، لو أنه كان على بعض شجاعة؟... وما كان يضره لو أنني أخبرت والدي بأنني قد أديت عنه الدين إلى ابن عمه؟... كل هذا، مع عدم إخباري لوالدي بما حدث، وفاء مني بالوعد الذي قطعته على نفسي لشبيه الرجال ذاك... *** أتت عليّ أوقات من سنوات الابتلاء الشديد، وعندما كاد يُجمع على عداوتي بالأقوال والأفعال جل أهل المدينة، ممن كنت أعرف وممن لم أكن أعرف، أن صرت أغبط المشرَّدين إذا مررت بهم؛ وأخوف ما كنت أخاف، هو أن تكون العداوات البشرية إزائي مظهرا لبغض الله لي. كان خوفي من ربّي، يهوّن عليّ كل ما ألاقيه من الناس الذين ما عاد كثير منهم يردّ عليّ السلام، ولا أن يقبل النظر إليّ؛ بل أذكر أن بعضا منهم، كانوا بعد جلوسهم في المسجد إذا عرفوا أني بجانبهم، يسارعون إلى تبديل مكانهم فورا. وخلال هذه الفترة من البلاء، ذقت ذوقا خاصا، ما كان أهل الله يذكرونه في سيرهم العطرة، مما يُعرف لديهم من تسليط الخلق عليهم في سبيل تخليصهم من قِبل الله من كل شائبة شركية تخالط قلوبهم الطاهرة. لم أكن أعلم حينها أن ابتلائي كان خاصا كما هو مقامي عند ربّي، وهو مما درج عليه الأنبياء عليهم السلام في أثناء تربية ربهم لهم. ولقد علمت ذوقا، أن هذا الجلال المحيط بظاهر العبد وبباطنه، هو السبب المباشر في موت النفس الذي سأذوقه بفضل الله بعد عدة من الشهور القادمة. وما نلته عند تحقق وصولي ذوقا، لم يكن يخطر لي على بال، ولا كان طرفي يطمع في الارتفاع إلى مستواه قط؛ وهو ما سأذكر بعضا مما في ثناياه عندما أبلغه في وقته ضمن هذه المذكّرات التي لم يكن يخطر لي أيضا أنني سأكتبها يوما؛ وذلك لأنني كنت في الغالب أرى يوم حتفي أقرب إليّ من كل شيء يمكن أن أجده في طريقي، بحيث أنا الآن ممتن لكل من عاداني يوما أو أساء معاملتي، وإن أذن الله لي فإني أسأل الله أن يجازيهم خيرا عن كل ما فعلوه معي. ولو شئت أن ألخص ما مررت به في سلوكي، لاكتفيت بقول الله عز وجل لعبده موسى عليه السلام: {وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي} [طه: 41]. ويحسن بي أن أذكر في ختام هذا الجزء واقعة أجملت في طيّاتها كل ما مررت به في سلوكي على يد شيخي حمزة رضي الله عنه وجزاه عني خيرا: رأيت في عالم المثال، كأنني شاب يميل لون شعري إلى الشُّقرة قليلا، وأني مرابط خارج سور قصر منيف يسكنه الله تعالى. وكان قلبي من شدة تعلقه بساكن القصر، لا يُطيق أن يفارق السور، حتى إن البدلة البيضاء التي كنت أرتديها، كان قد تغير لونها بمرور الأيام عليّ وأنا مستند إلى جدار السور. وكان بين الفينة والأخرى، يأتي إلى القصر زوار ممن لهم حاجة عند ربهم، وكان الله يخرج إليهم في عدد قليل من الخدم، يستقبلهم إكراما لهم عند الباب المفضي إلى ساحة القصر الكبيرة. كان الله يظهر لي في صورة رجل مكتمل البنية الجسدية، أسمر اللون يكاد يكون شديد السمرة، وكان شعره قصيرا على هيئة ما يكون عليه أبناء العصر من تسريحات؛ وكانت لحيته معتدلة الطول تميل إلى القصر. كان الله يرتدي بدلة سوداء مما يرتديه رؤساء الدول في المناسبات الخاصة... وكنت كلما جاء إلى القصر فوج يهفو قلبي إلى الباب أرمقه من بعيد، وكنت إذا اقتربت طمعا في الدخول إلى القصر خلف الأفواج، يصرفني البوابون بلطف، فكنت أعود إلى مكاني خلف السور المقابل للمدخل تكاد نفسي تفارقني من شدة الألم. ولم يكن يخطر لي بعد صرفي أن أعود إلى بيتي إن كان لي من بيت، أو إلى أهلي إن كان لي من أهل؛ بل إنني لم أكن أقوَ على أن يلتفت قلبي التفاتة واحدة إلى وجهة غير ربي. وفي يوم من الأيام وأنا أجلس في مكاني خلف السور، وكان قد جاء وفد خرج إليه الله مستقبلا، وقفت ورفعت نظري إلى مدخل القصر، وأنا يائس من الطمع في الحركة نحوه، فرأيت الله وهو يستقبل الوافدين الجدد، ينظر إليّ نظرة خاصة، فهمت منها: - لا يحزنك أن تراني أستقبل الناس ولا أستقبلك، فأنا أحبك أنت وأنت مرادي وحدك!... كان ما قرأته في تلك النظرة، فوق ما كنت أرجوه؛ ولم يكن أمامي حيالها إلا أن نطقت كل ذرة منّي بالشكر لمن تفضل عليّ بهذه المكانة، من دون حول منّي ولا قوة. بل هو محض الفضل والجود السابق، وعرفت منذ ذلك الوقت أنني من خواص هذه الأمة الشريفة، صلى الله على إمامها العبد الأخص صلاة تامة وسلم عليه سلاما كاملا، وعلى آله وصحابته وكل أمته من بعده. آمين... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.