اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/08/16 رحلتي إليّ (إلى التسميم الثاني) -1- إلى التسميم الثاني
كانت سنتي الأولى بعد مرحلة التعليم الابتدائي، تُسمّى "الملاحظة" (observation)؛ وهي تأتي في الترتيب قبل السنة الأولى من السلك الأول من الثانوي (الإعدادي اليوم). فكان مما يستغلق عليّ، تسمية الملاحظة؛ لأنني لم أكن متبيّنا وقتها، للغاية منها، ولا لمن هو المـُلاحِظ حقيقة أو الملاحَظ. ولقد وافقت هذه التسمية حالي في تلك السنة، لأنه كان قد تغيّر عليّ كلّ شيء: فنحن قد صرنا ندرس موادّ متعدّدة، صار لزاما علينا مع كثرتها، أن نخصّص لها ساعات بعينها في الأسبوع؛ وصار يدرّسنا عدد من الأساتذة الذين كان شطرهم من ذوي الأصل الأوروبي، والذين كان شطرهم هم أيضا إناثا مخالفات في مظهرهن لما نعرفه نحن من المرأة. ففي تعليمنا الابتدائي، ما كنا نعرف المدرّسين إلا اثنيْن من المغاربة الذكور: أحدهما للغة العربية، والآخر للغة الفرنسية؛ فصرت الآن أنظر إلى أساتذتنا بعين متفحّصة لا يخلو تفحّصها من فرجة. وبالرغم من أن بعض قبائل المغرب كانت تعرف الشّقرة، فإني قد وجدت شقرة الأوروبيّين مختلفة، بالإضافة إلى صباغ الشعر الذي لم أكن أتعرف عليه لكونه من ثقافة أخرى، ومن زمن آخر أيضا. من أجل هذا كله، كان الوقت الذي يسبق التحاقنا بأقسامنا، أخصّصه للنظر إلى الأساتذة الأجانب، وهم يتحلّقون فيما بينهم مثنى وثُلاث ورباع، يتجاذبون أطراف الحديث. كان بعض رجالهم أقوياء البنية، يُشبهون الرومان الذين كنّا نراهم في أفلام السينما، أو على صور إعلاناتها؛ لا يختلفون عنهم إلا من حيث الملابس فحسب. وكانوا يمتازون عن الأساتذة المغاربة -الذين لم يكن قد التحق بهم إناثهم بعد- بهدوئهم الظاهر، وبأحاديثهم التي كانت تبدو عن بعد جادّة وذات مستوى؛ بخلاف الأساتذة العرب الذين كانوا يتصرّفون على عادة العرب. وفي أحيان كثيرة كانت تنتهي إلى مسامعنا عراكاتهم مع نتائجها، وأحيانا مع شواهدها من آثار جروح على الوجوه، أو من ازرقاق المحاجر والوجنات... ومما أذكره من هذه العراكات، ما كان يحدث بين أستاذ لا نسميه نحن التلاميذ إلا "الفلسطيني"، بسبب انتمائه؛ وأستاذ مغربي اسمه "جميل"، يبدو عليه أنه كان مشاغبا ومتمردا؛ وكان تلاميذه يحكون عنه، تلفظه داخل حجرة الدرس بالألفاظ السوقية المنحطّة. فكنا نتعجّب لذلك كثيرا، ولا نفهم كيف يصدر عن أستاذ ينبغي أن يكون قد تهذّب وتعلّم!... كان يبلغنا أن الرجليْن ربما كانا يتقاسمان البيت ذاته، فكانا يسهران على شرب الخمر، فإذا بدا من أحدهما بعض التفاخر على زميله، فإنهما كانا لا يجدان مخرجا من خلافهما إلا العراك الذي كنا نحن نبحث عن آثاره في كل صباح على وجهيْهما... أما أنا فقد كان من حظّي، بسبب ترتيب اسمي الذي يبتدئ بحرف (O) عند كتابته باللاتينية الفرنسية، أن أدرس في جزء من البناية، كان فيما قبل، وعلى عهد الإدارة الفرنسية، مخصّصا لتعليم الميكانيك والكهرباء. كان السقف في الممر يبدو لنا عاليا جدّا، يُشبه ما تكون عليه المعامل وكبار المخازن؛ أما حُجَر الدرس، فقد كانت لها سقوف ثانية تحت السقف الأول، تصغّر من فضاءاتها... أذكر في هذه السنة، أستاذة للرياضيات، كان اسمها: بيرينو (Mme PERINO)، وأذكر أن تلك السنة قد مرت علينا، ونحن ندرس الزوايا المختلفة. كانت المرأة طويلة نحيفة، على شبه في وجهها بالآسيويّين، وكانت منذ دخولها علينا، تنهمك في تقديم الدرس، من غير توقّف؛ وهو ما كان يجعل كثيرين منا ينفلت منهم حبل المتابعة. كنت أنا مع انكماشي على نفسي، قد اخترت -مع أنني أصغر التلاميذ- أن أجلس في مقعد خلفيّ، إلى جانب تلميذ متخلّف جدّا، لم أكن أراه يحضر إلا لإرضاء أهله فحسب؛ وأما الدراسة فقد كان منفصلا عنها تماما. كان لا يهتم بشيء مما يُقال أو يُفعل حوله... وكان زوج هذه الأستاذة، واسمه مسيو بيرينو، هو من يتولّى تدريسنا اللغة الفرنسية. فكان على عكس زوجته تماما، عندما يدلف إلى الحجرة، يأمرنا بتناول كتب القراءة، التي كانت في الغالب من القصص الشهيرة ضمن الأدب الفرنسي؛ ثم يجلس هو إلى مكتبه، منهمكا في قراءة كتاب ما. وكان لا يقطع قراءته، إلا ليُصدر صوت (ششششت!)، أو ليتلفظ إن هو فارَق كسله، إن ارتفع صوت من جهتنا، قائلا (بالفرنسية): "سكوت!". درّسني هذا الزوج سنتيْن: الملاحظة، والسنة الأولى، فكانا على حالهما لم يُغيّرا منه شيئا... وكان الأجانب يتولّون أيضا تدريسنا العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا... فممن درسني العلوم الطبيعية في السنة الثانية: مدام دانيال (Mme DANIEL)، أما أستاذتي للتاريخ والجغرافيا لجل مرحلتي الأولى من الثانوي: فكانت: مدام شطورينو (Mme CHATEAURAYNAULD). أذكر أن هذه المرأة قد درّستني في السنة الثانية السيرة النبوية بالفرنسية، فكنت على الرغم من جهلي وسذاجتي، أتعجّب من تكليمها لنا عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ليست من أمته!... ولكنني كعادتي، لم أكن أجد من يُرضي فضولي، أو ليرفع عن ذهني حدّة هذه المفارقة. كان مَن حولي من زملائي، لا يتناولون مثل هذه المواضيع في كلامهم، فهم إما مشغولون بالدروس داخل حصصها، وإما منصرفون إلى الشغب والتصابي الذي لا يمتّ إلى العلم والثقافة بصلة في عمومه، بعد الدروس. أما أنا، فكان الأمر عندي متّصلا؛ وهو ما سيتسبّب في كثير من آلامي... كانت مدام شطورينو، تحبّني كثيرا، لِما وجَدَتْه فيّ من استجابة لدروسها؛ ولما كانت تجده فيّ من إلمام ببعض جوانب الثقافة العامة التي كنت أستقيها من هنا وهناك. فأذكر مرّة أنها كانت تكلّمنا عن الفيلسوف الألماني "كانط"، فلم يعرفه أحد من زملائي؛ فلمّا يئستُ أنا مِن أن ينطق باسمه أحد، همهمت على خجل: "كانت" بإمالة الألف، فصوّبتني قائلة: لا، "كانت" (Kent) هي نوع من أنواع السجائر؛ أما كانط (Kant)، فهو الفيلسوف الذي نتكلّم عنه. وكان نطقي بالاسم ولو محرّفا، قد سرّها كثيرا؛ أما زملائي، فصاروا يرمقونني شزرا، ويهمسون بألفاظ النَّقَم والاعتراض. كنت أسُرّ هذه الأستاذة، في الاختبارات الكتابية، حيث تكون إجاباتي صحيحة، وتكون خرائطي متقنة. لم يكن أحد يُتقن رسم الخرائط من ذاكرته كما كنت أفعل!... وهذا كان يجعلني أحتلّ الرتبة الأولى في نهاية "الأُثلوث"، وكانت الأستاذة تكرّمني بمنحي بعض المجلات المتخصّصة من جارور مكتبها، فكنت آخذها معي إلى البيت وأحتفظ بها أنا أيضا في درج مكتبي، الذي كان قد صنعه لي زوج عمّتي المذكور سابقا، من دون أن يأخذ ثمنه، على عادة والدي في معاملة أقاربه وأصحابه، الذين كانوا إن استدان منهم شيئا لا يردّه أبدا... كانت تلك المجلّات أو الكتب التي أفوز بها، بسبب تفوّقي في دراستي هي كل ما أملكه من كتب، لأن والدي لم يكن يعنيه أن أتعلم على حساب نقوده؛ فهو لم يكن يسمح إلا بشراء الكتب المقرّرة، وهي لا تكفي لبناء ثقافة عامة متكاملة، كما هو معلوم للجميع... أما اللغة الفرنسية في السنوات الثلاث من السلك الأول من الثانوي، فقد درستها على يد الأستاذة مدام إيميو (Mme EMIEUX). كانت هذه المرأة في السنتيْن الأولييْن تُشبه -على شبابها- العسكر، في صرامتها وتفانيها في العمل؛ وكانت أول أستاذ في مؤسستنا، يحصل على شهادة الإجازة. لكنها تغيّرت في السنة الثالثة، فأصبحت تجلس إلى مكتبها طول الوقت، مكلفة إيانا بالقراءة الواحد بعد الآخر (lecture suivie)؛ ربما كان هذا التغيّر بسبب كونها قد ضمنت استقرارها الوظيفي، بتجاوزها لفحص الأهلية التربوية من قبل لجنة التفتيش المختصة، بعد استكمالها لدراستها الجامعية. لكنّني يمكنني القول بأنني مدين لهذه المرأة، بإتقان نطق الفرنسية، من جهة التفاصيل الصوتية، التي قليلا ما يتقنها ذوو الأصول العربية... كانت كل سنواتي في السلك الأول من الثانوي -باستثناء سنة الملاحظة التي لم أجاوز فيها مرتبة التوسّط- أحتل فيها المرتبة الأولى في جميع الموادّ، وكنت بالرغم من شعوري بالنقص الذي رسّخه فيّ الوالد، لا يتنافس زملائي بوجودي، إلا على المرتبة الثانية فما بعدها. فأدّى بي الأمر في النهاية إلى أن أصير عدوّهم الأول، فلا أحد منهم يكلّمني إلا للضرورة، ولا أحد ينظر إليّ نظرة مودّة؛ بل لا أحد يكاد منهم ينظر إليّ!... فبدأت معاناتي مع زملائي تشتد، إلى الحد الذي سيُجاوز ما يحدث عادة بين الأقران...
***
لعل القارئ يذكر أنني كنت قد أخبرته، أن وسيلة تنقلنا، من حاسي بلال حيث أقطن، إلى جرادة حيث أدرس، كانت القطار؛ ولعلّه يذكر أيضا أنني أخبرت عن موضع وقوفي الذي كان بجانب الباب مباشرة؛ لسببيْن: أحدهما أنني كنت أول من ينزل عند توقف القطار، والثاني هو أنني كنت أتفرّج من نافذة صغيرة إلى جانب الباب، على كل المناظر طيلة الطريق؛ فأجمع بين ما أشاهده من الباب، وما أشاهده من النافذة؛ وهذا، كان يُرضي فضولي الكبير، وكان يشغلني عن تفاهات أقراني... وممن كانوا يدرسون معي، زميل اسمه (إ. ر)، كان له أخوان يكبرانه، أحدهما يسافر معنا على عربة الكبار، والآخر كان يُدرّسنا -بدءا من السنة الثانية- العلوم الطبيعية، من باب التكليف (chargé de cours). وشهادةً لله، لقد كان الرجل متواضعا، يعاملنا وكأننا أصدقاؤه؛ بل ويُشركنا في الكلام عن قراءاته وتجاربه. فمن باب الذكر، كان هو أول من تعرّفت عن طريقه على فرويد، عندما أتانا إلى الدرس مصحوبا بكتاب ضخم له، أعطانا عنه نبذة ملخّصة... كان زميلي أخو الأستاذ، كثير الزهو بنفسه؛ وكان بعض رفاقنا يتملّقونه لمكانته من أخيه، بعكسي أنا الذي لم أكن أتملّق أحدا، وإن كان الأستاذ نفسه. فمرة ونحن قد امتطينا عربة القطار، وأنا واقف على عادتي في مكاني الذي لا أغيّره، لم يرق لصاحبنا أمام ثلّته، إلا أن يأتي إلي ويزيحني ليقف أمام النافذة الصغيرة بالقوة. فما كان منّي إلا أن أزحته أنا أيضا بالقوة، وعدت إلى مكاني. حدث كل هذا، تحت أعين الناظرين من جماعة المتملّقين، فلم يرق له ما آلت إليه الأحداث، فتنحى جانبا ينزع عنه جلبابه الصوفي، الذي كان يطبع أغلب من كانوا في سنّه من قبيلته (أولاد عمرو)، وراح يدعوني إلى العراك. لم أكن أنا ممن يسعون إلى أي عراك، لأنني كنت بطبعي مسالما جدّا، لا أعتدي على أحد. فصرت أطلب منه أن يتركني وينصرف، فما كان ذلك يزيده إلا إصرارا؛ خصوصا وأن جماعة الراكبين قد صاروا يُفسحون لنا دائرة لإتمام الأمر. وعندما وجدت نفسي مضطرا للدفاع عن نفسي، وكنت قد تملّكني الغضب؛ تقدّمت إلى الخصم وأنا أكاد لا أبصر من فرط الغضب، فدسته برجلي ثم ضربته بلكمة على وجهه بكل قوتي؛ فلم أشعر به إلا وهو يتأخر ويتخلّى عن العراك. مرت لحظات، وجاءني أخوه الأكبر الذي كان يسافر في عربة الكبار، وهو يطلب منّي أن أريه يدي؛ ففعلت. قال لي بهدوء استغربته: أين الخاتم الذي كنت تحمله؟... قلت له: ما من خاتم عندي!... فلم يزد على ذلك. لكنّني علمت في اليوم التالي، أن صاحبي قد أصيب في عينه إصابة كادت تتلفها؛ وبقي متغيّبا عن الدراسة أسبوعيْن كامليْن. وهو أمر، لا يحدث بيننا إلا نادرا، ولسبب وجيه؛ لأن إدارة المؤسّسة التعليمية كانت صارمة جدّا بهذا الخصوص. وقد كنت أنا طيلة هذه المدة متوجّسا، فقد سألني أبي عندما علم بالأمر، وبدأ رفاقي في الدرس يخيفونني؛ وهذا، لأن نتيجة العراك جاءت مخالفة لرغباتهم وتوقّعاتهم. ولكن مع ذلك، بدأت أشعر أنهم صاروا يحسبون حسابي، ويُوسّعون لي، بعكس السابق. وبعد يوم أو يوميْن، كنت مضطرا للذهاب إلى مكتب الغياب، لآخذ ورقة الدخول كالعادة عند الحاجة؛ وكان الموظف المعيد (répétiteur) بالمكتب، شخصا من بلدتنا معروفا جدّا يُدعى (م. عبّي)، وقد كان يعرفني من جهة والدي الذي أوصاه بي سابقا. فلما دخلت عليه المكتب متهيّبا، سألني: أنت الذي ضربت فلانا؟... فأجبته متوجّسا، وأنا أكاد أعتذر: نعم... فردّ لدهشتي: حسنا فعلت!... فسكتّ، لأنني لم أكن فخورا في قرارة نفسي بذلك الفعل، ولا كان من شيمي... عندما عاد زميلي المضروب، صار يتجاهلني، ويتشاغل عنّي بمعاملة الآخرين؛ لكن هذه المرة، من دون زهو؛ وكأنه قد اكتسب عقلا لم يكن لديه في السابق، بل لقد صار مقموعا، وآثر ألا يتسبب في حماقة أخرى. لم ينته الأمر عند هذا الحد، كما كنت أتوهّم أنا بسبب نقاء سريرتي؛ لأن هذا الشخص ظل يُضمر حقدا في باطنه متزايدا، لن يشفيه إلا ما سيفعله بي مع اثنيْن من خلصائه، بعد سنوات من هذه الحادثة...
***
كنت ما زلت في هذه السنوات، أتلقّى التربية والتعليم عن أساتذتي وعن مجتمعي، ولم يكن قد تبلور لديّ الحسّ النقديّ بعد، لثقتي بمن حولي ثقة شبه تامة. كنت أرى كل من هو أكبر منّي أعلم، وأما أساتذتي الذين كانوا أعلم منّي يقينا، فإنني كنت أعاملهم بتعظيم قل نظيره؛ وأتقبل منهم كل ما يجودون به علي، إلا ما كان يخالف الأصل الذي ولدت عليه من الفطرة. فهناك كنت أرفض القول بيني وبين نفسي رفضا باتّا، وأنا لا أشك أن الأستاذ مخطئ في ذلك الأمر؛ ومن دون دليل معتبر من جهة الظاهر!... وقع لي ذلك مرة مع أستاذ (أظنه للتربية الإسلامية)، صار يفسر لنا قول الله تعالى: {یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا۟ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُوا۟ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنٍ} [الرحمن: 33]، جاعلا السلطان بحسبه: العلم. العلم بالمعنى الزائف الذي يعتمده الأوروبيّون، وصار يتبعهم عليه جيل ما بعد الاستعمار. كان الأستاذ ينطق بجهالته، وهو يتوهّم أنه بهذا "التصويب" للتفسير، قد ردّنا إلى سواء السبيل؛ أي إلى الدين الأجوف المنقطع عن المدد النبوي. ورغم أنني كنت ما أزال على التسليم التام لمن يكبرونني، فإني رفضت هذا التفسير بيني وبين نفسي بشدة، ولم أجرؤ على التفوه برأيي لعلمي بحقارتي عند الأستاذ، وعند التلاميذ الذين سيُعجبهم ويُعطي لنفورهم منّي سببا طالما بحثوا عنه، خصوصا بعد أن يعلن الأستاذ عن اصطفافه إلى جانبهم؛ وإن كانوا هم من سيُقلّدونه على عمى، فيما يقوله... أما في مرّة أخرى، وبعد أن كنت أسمع أن أستاذنا الذي كان يُدرّسنا العلوم الطبيعية، كان ملحدا، على غرار ذاك الجيل الجديد، الذي كان يتنكّر لمجتمعنا، ولدينه، وثقافته... كان الإلحاد في بداية السبعينيات "موضة" لدى جيل بأكمله، لم تكن تبدو عليهم أثارة من علم، ولكنّهم كانوا شديدي العداء للدين وبعده للملك. كنت أسمع عن هذا الصنف من الشباب، أنهم أتباع للأيديولوجيا اليسارية؛ وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض، لا يتكلمون إلا عن "ماركس"، أو عن "لينين" و"ستالين" و"تروتسكي" و"ماو"؛ أما من أئمتهم العرب، فإن بعضهم كانوا يزعمون أنهم على عقيدة حزب البعث العراقي. وأما أنا، فلم يكن ذلك كله يعنيني، ولا كنت أتوسّم في هؤلاء المتأدلجين، ما يجعلهم يستحقّون أن ألتفت إليهم. فها أتباعهم، لم يتمكنوا من مجاراتي في العلوم التي كنا ندرسها في المؤسّسات التعليمية نفسها... وأنا كنت بيني وبين نفسي أقول: قبل أن أنهي دراستي، ليس من حقّي أن أبدي الرأي في شيء خارج ما أدرسه. وهكذا، حافظت على بعض "السلام" في حياتي، ولم يخطر ببالي أنني سألج إلى عوالم الرأي والعقائد، من باب لا يلجه أحد ممن كنت أعرف؛ وسأسلك طريقا موحشا، لا يعرفه إلا قلة من أفراد البشريّة... كان أستاذنا في الطبيعيات (أ.إ)، ينتهز كل فرصة بعد انتهاء الدروس، قبل موعد دقّ الجرس إيذانا بالخروج، ليُلقي إلينا بما كان يظنّه "رسالة" ينبغي أن يبلّغها. كان هذا الرجل، هو أول من سمعت منه بأن المغرب دولة أمازيغية، وأن العرب الموجودون به الآن (والذين كنت أنا واحدا منهم)، يُعدّون مـُحتلّين. أدركت حينها، أن فتنة كبرى يمكن أن تنتج عن هذا التنظير الخطير، إن وجد من يعتنقه. وبما أن الأستاذ كان يُدرّس مادة الطبيعيات، فإنه وجدها فرصة للطعن في كل مرّة بالدين، الذي يُظهره وكأنه مجموعة خرافات، لا تليق بمن صار متعلّما مثلنا. فكنت أنا أرى أن العلوم الطبيعية، لا تخالف الدين من حيث أصلها؛ وإنما يقع ذلك بتوظيف، لا يخلو من تحكُّمٍ وعَسْف. كنت أنا أتنبه إلى هذه المغالطات، ولكن كالعادة، لا أتمكّن من معارضتها إلا في نفسي؛ وهذا لأن زملائي، كانوا يتودّدون إلى الأستاذ بإظهار الاحتفاء بكل ما يخرج من فيه. وهكذا، ستزيد الشقة بيني وبين أقراني بسبب اختلاف المعتقد، خصوصا وأن ذلك الذي ضربته أنا، وكانوا يتملّقونه، كان أخا للأستاذ المذكور. فازدادت العداوة من طرفهم فوق ما كانت، وأما أنا فبقيت على صفاء سريرتي، لكن مع تعزّز في معاملاتي، كان يغيظهم. أذكر مرة، أنني كنت في منتصف الطريق، أقصد المؤسّسة على قدميّ ، بعد أن انتقلنا من حاسي بلال إلى بيت صار يتملكه والدي في حيّ جديد بجرادة. كنت أسير وأنا أجرّ كل أثقالي، من شعور حاد بالنقص، ومن عجز عن العلم بجلّ ما يحيط بي، بالإضافة إلى عدم القبول الذي يُعاملني به جل الناس من حولي، وفي مقدمتهم زملائي في الدراسة... كنت وأنا على هذا الضيق، أخجل من أن يعرف الناس حقيقة ضعفي، فيزدادوا لي بغضا، أو ربما اجترأوا عليّ بما لا يسرني؛ وهذا لأنني كنت إلى الآن، أعامَل من طرف الجميع باحترام، لم أكن أعلم له تفسيرا حقيقة، وإن كنت أعزو بعضه، إلى تقدّمي على الجميع في الدراسة... كنت أسير على أحد جانبي الطريق، فلم أشعر إلا بأحد زملائي وكان اسمه (م. أ)، يأتي من الجانب الآخر، وينضم إلي؛ فلم يلبث أن نظر إليّ نظرة غيظ وهو يقول: أنت عندك افتخار بنفسك، وإن كان افتخارك صامتا!... كان هذا الزميل، مولعا بالتحاليل النفسية التي بلغت مصطلحاتها أذنه آنذاك. فتعجّبت من أن يقول لي ذلك، وأنا في أشد أوقات إحباطي وضعفي. فلم أُجبه على عادتي، وواصلنا الطريق إلى الثانوية وقد غيرنا موضوع الحديث. ذكّرت هذا الزميل، بعد سنوات طويلة، في مكتبه بإحدى الإدارات الإقليمية، فأطرق وهو خجل من فعله، وكأنه يعتذر. أما أنا، فلم أكن أذكر ذلك، إلا من باب التندّر من طريقة تعاملنا جميعا ونحن صغار... أما الأستاذ الذي تكلمت عنه، فلم تمض سنة أو سنتان، إلا وقد أُخذ إلى السجن، هو وزعيم لكبار التلاميذ اسمه (أ. ي)، مع مهندس كان يعمل بالمنجم اسمه (كا...)، والذي كانت زوجته تعمل أستاذة للغة الفرنسية في مؤسّستنا. وكانت المناسبة هي القبض على مجموعة من عمال المنجم في حاسي بلال، ضُبطت في بيوتهم أسلحة، سمعنا أن القذّافي كان قد بعث بها من أجل الانقلاب على الحسن الثاني. وكان من جملة من أُخذوا أيضا، أب زميل لي في الدراسة، اسمه (أو...)، حيث كان الأب رئيسا للعمال في المنجم. فأما المهندس ورئيس العمال، فقد بقيا في السجن سنوات، إلى أن سمعنا بموتهما فيه؛ وأما الأستاذ وزعيم التلاميذ، فقد عادا بعد بضعة أشهر لا تبلغ العشرة، وقد اصفرّ لونهما اصفرارا شديدا، أوّلناه بعدم رؤيتهما للشمس طيلة مدة اعتقالهما؛ كما ظهرت عليهما نحافة أولناها بسوء التغذية في المعتقل. كانت هذه الأخبار وهذه المشاهد، هي كل ما كنت أعلمه عن هؤلاء اليساريّين المعارضين للملك. لم أكن أعرف معنى "نظام الحكم" بعد، وكان يعزّز قصوري، كلام أشباه المعارضين عن الملِك؛ وكأنه وراء كل سيّئة تقع في مجتمعنا. فكنت أُدرك أن الملك وحده، لا يُمكن أن يكون مسؤولا عن كل ما يُذكر؛ فبالعقل وحده، كنت أعلم أن الملك لا وجود له في بلدتنا، فكيف سيكون مسؤولا عن أفعال أهلها، ولو كانوا من طبقة الحكم!... وكان ذلك كفيلا بأن يجعلني أزداد بعدا من هؤلاء المعارضين المشبوهين، علاوة على ما كنت أنفر منه من عقائد مخالفة للدين الحق، بحسب ما كنت أدرك بفطرتي وحدها...
***
لكن مع عدم إدراكي لتفاصيل الأحداث، فإنني كنت أتعجّب للفرق الذي لاحظت وجوده بين ما كنّا نتعلّمه في المدرسة الابتدائية (السنة النهائية)، حيث كنا نصلّي الصلاة إذا حلّ وقتها جماعة في المدرسة، زمن وزير التعليم "محمد بنهيمة"، وما صرنا نتعلّمه في السلك الأول من الثانوي عندما كان يرأس الوزارة "محمد حدو الشيكر". وكأن الوزيريْن، كان كلٌّ منهما على ملة مخصوصة؛ بل وكأن المدينة التي صرنا نحجّ إليها، على ملّة غير ملّة حاسي بلال. ولقد كان من الصعب على فتيان في أعمارنا، أن يتبيّنوا طريقهم، مع كل هذه التناقضات!... لم يكن ما كنا نسمعه عن الحسن الثاني، يساعدنا على تبيّن طريقنا في هذا البلد؛ فهو رغم حرصه على الظهور بمظهر المتديّن في المناسبات المخصوصة، لم يكن يكاد يختلف عن الأوروبيّين في شيء. وازدواجيته الثقافية في نفسه، لم تكن تعيننا نحن مَن كنّا مهيَّئين لأن نكون في صفّه، على أن تكون معنا الحجّة القوية. ولقد كان اليساريّون يعلمون نقط ضعفنا، فيتفنّنون في ذكر التسلّط الذي كان يعتمده الحسن الثاني في حكمه، وذِكر من كان يُزعم أنه كان يؤذيهم بالسجن أو ربما بالقتل من معارضيه؛ فكنّا نشمئز اشمئزازا طبيعيا من ذلك كله، ولا نجد معينا عليه من جهة العلم. وقد كانت معاملة والدي داخل البيت، وهو الظالم لأهله، تزيدني نفورا من الحكم وأهله، بسبب تظاهره بمحبة الملك وتعظيمه له. كان ذلك الانفصال يقع في باطني، في صمت؛ لأنني لم أكن أرغب في مواجهة لا والدي ولا غيره، خصوصا وأن شأن السياسة لم يكن من ضمن اهتماماتي... وحتى لا يفوتني الأمر هنا، فلا بد من أن أذكر أن أحكام الحكم في الإسلام، كانت مجهولة لعلماء الدين أنفسهم (الفقهاء) كما علمت بعد سنين، وكانت مجهولة لمن يأتي بعدهم من الأساتذة والمعلمين الذين كنا نباشر الاتصال بهم. أما نحن الذين كنا في آخر الصفوف، فإننا كنا متروكين لمن يغلبنا بفصاحة أو بخبث واحتيال، لنمشي خلفه حيث يريد... ولقد تبارى في هذه الفترة الزمانية على الشعوب العربية عامة، والشعب المغربي خاصة، تياران: اليساري، والإسلامي. فأما التيار اليساري، فهو دخيل، ولن يتمكّن من التغلغل في النفوس، مهما كثر أهله أو امتدّت مدّته؛ وأما التيار الإسلامي، فإنه بدأ مع ما سُمّي "الصحوة"، مدخولا مخلوطا متعدّد التوجهات. ونتيجة هذا التيار الأخير، لن تكون مخالفة لنظيره الأول، لأن الباطل لا يستمر في الأمة الإسلامية، مهما عُمل له. وربما سندخل إلى بعض التفاصيل، ضمن ما سنذكر من تجربتنا، في محل آخر من هذا الكتاب، وعندما يحين الحين...
***
ازدادت متابعتي للإذاعة التي كانت مقتصرة لأسباب تقنية وأخرى شخصية، على إذاعتَي الجزائر والرباط. أذكر من مثقفي الجزائر الذين أعُدهم أساتذة لي: محمد الأخضر السايحي، وعمار الطالبي، وغيرهما... فلقد كانت أصوات هؤلاء الرجال منتقشة في وجداني، فلطالما تشربت منهم ما كان يُعوزني، بسبب فقدي للكتب الضرورية للتثقيف العام. وكنت أتابع المسرحيّات الإذاعية من صنف المسرح المقتبس، وأعرف الممثلين والممثلات واحدا واحدا. أما إذاعة الرباط، ومعها إذاعة وجدة في الفترة المخصوصة بها، فلم تكونا تحظيان بكثير اهتمام من قبلي، لغلبة الأسلوب المخزني الطاغي على البرامج، مع نفوري منه؛ ومع ذلك، فلم تكن تفوتني تمثيلية مساء الأحد، التي كنت أطالع من خلالها طريقة عيش الشعب المغربي في غرب البلاد، مع ممثلين كبار، كالعربي الدغمي، ومحمد حماد الأزرق، وحبيبة المذكوري، وأمينة رشيد وغيرهم... بالإضافة إلى ما كان يُنتج في إذاعات عربية كبرنامج "من المسرح العالمي" الذي كان يأتينا من إذاعة الكويت، فكان شعاره الموسيقيّ الذي علمت فيما بعد أنه "توكاتا" الموسيقي العالمي "باخ" يشدّني ويُشعرني برهبة، كانت تنضاف إلى طريقة إدراكي للموسيقى العالمية، قبل دراستي لها، بمدة غير قليلة. وأما البرامج الفنية، فقد كان من بين ما يسترعي انتباهي فيها، بحسب إرهاصات توجّهي الفنّي: "ألحان وشباب"، الذي كان يُشرف عليه الفنّان الكبير معطي بشير، برفقة المغنية سلوى. أما الحيّز الأكبر من متابعتي، فقد كان منوطا بفريد الأطرش، الذي صرت أحفظ له كل ما أسمعه. ولقد كان من أصدقائي في هذه الفترة أحد أقراني الذين تعرفت إليهم في المؤسسة التعليمية الثانوية الوحيدة في جرادة آنذاك؛ فكنا طيلة وقتنا نتبارى في ترديد أغاني فريد المختلفة. وقد زاد من تمكني من متابعة كل هذه البرامج، اقتنائي لـ"ترانزيستور" صغير، كان لا يكاد يفارقني، إلا في أوقات الدراسة... ومما كنت قد تفطنت إليه أيضا في هذه المرحلة، كتب الأدب العربي والأدب المترجم، وعلى الأخص الروائي؛ فكنت أقرأ لنجيب محفوظ وأمثاله، لا لإعجابي بما أقرأ، ولكن لأطلّ على المجتمعات في صورها الأصلية، وإن كنت أجد لها أثرا سيئا على باطني الساذج النقيّ. وقد قرأت أيضا ما وصل إلى يدي من الأدب الروسي المترجم لأمثال: "مكسيم غوركي" و"دوستويفسكي" و"تولستوي". فقد قرأت شطرا من هذا الصنف بالترجمة الفرنسية فيما بعد، مع ما قرأته من الأدب الفرنسي الأصلي: القديم والمعاصر. فكنت أجد في القراءة الأدبية انفكاكا عن مجتمعنا الجامد المنغلق، وكنت أتعرف على العالم، وعلى الشخصيات البشرية خصوصا إن كان الكاتب يُعنى بشرح النفسيات وتحليل المواجيد، كما هو الشأن في الأدب الروسي على الخصوص. كنت في أيام العطل، وقبل أن ننتقل إلى جرادة، لا أخرج من البيت إلا يوم الأحد، حيث أتوجه صباحا إلى السوق الأسبوعية بجرادة، لأقتني من الكتب ما أمرر به الأسبوع. وهكذا، كنت منسلخا عن مجتمعي المحلّي، وأعمل على تعويضه بمجتمعات تارة شرقية وأخرى غربية، بحسب ما تُتيحه لي قراءاتي المتنوعة والمختلفة... كان العالم الذي أقرأ عنه، مفارقا؛ ليس منه شيء في واقعنا، إلا نادرا؛ وكانت رؤيتي للأساتذة الأجانب، تكون رابطا في كثير من الأحيان بين واقعي والخيال المتاح من خلال القراءة. ولقد كنت أقرأ أيضا الكتب التشويقية والبوليسية المكتوبة بالعربية أو بالفرنسية، وأُجمّع مما يُذكر فيها معلومات أختزنها، لعلّي أحتاجها في يوم من الأيّام؛ أو على الأقل لتزداد معرفتي بالنفس البشرية من حولي. ورغم عنايتي بعلم النفس بمعناه الحق، فإنني لم أمل يوما إلى علم النفس الشائع بين المتعلّمين، والذي كان باطني يمجّه، بخلاف المتعلّمين من حولي الذين يعودون إليه كما يعود المؤمنون إلى الوحي. ولقد ظهر لي مع مرور المدة أنني كنت على صواب في اختياراتي، التي كانت دائما خارجة عن المنظومة (hors système)... ما لم أكن أجد ميلا إليه في هذه الفترة إلى جانب السياسة، هو الفلسفة. وهذا، لأنني كنت واقعيا جدّا: فما أجد له أثرا مباشرا في واقعي (أو واقع غيري)، هو ما كنت أهتم به. وحتى عندما بدأت أدرس في نهاية المرحلة الثانوية الفلسفة، فإنها لم تستثرني، بل نفّرتني، مع أنني فيما بعد صرت أتناول الفلسفة من أصولها، وأنتقدها على بيّنة وعلم. وهو أمر سأعود إليه في محلّه مستقبلا، إن شاء الله...
***
كانت مواهبي في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي، قد تفتّقت، ولكن من دون أن أجد من يُساعدني على تنميتها. فلقد صرت أغني أغاني فريد الذي كنت متعصّبا له، لمناسبة أغانيه لسنّ المراهقة؛ كما كنت أجيد الرسم أيضا. كنّا ندرس الرسم، على يد أستاذتيْن فرنسيتيْن على التوالي، هما: "مدام دانيال"، و"مدام شطورينو"، اللتيْن ذكرتهما آنفا، عندما أُضيف تدريسه إليهما إلى جانب مادتيْهما الأصليتيْن. كنت أفهم من ذلك كله أن الرسم لم يكن مادة أساسية، مع أن الأستاذتيْن كانتا تدرسانه بطريقة شبه احترافية. لقد تعلمنا بعض تقنيات الرسم، بالأقلام، أو بالألوان المائية، وكانت في السنوات الأخيرة من هذه المرحلة، تأتي الأستاذة بصورة ما، وتُلصقها على السبورة الخشبية، وتطلب منا رسمها كما هي. فكنت لإجادتي لهذا الصنف من التقليد، تأتي الأستاذة، وتفصل الورقة من كراستي لتحتفظ بها عندها. وكانت تشيد بعملي كثيرا، أما أنا، فكنت أرى أنها تبالغ في ذلك... ولقد توجّهت في البيت إلى النحت على الجبس، وأذكر أنني مرة نسخت صورة الحسن الثاني التي كانت على الدرهم، على قطعة دائرية من الجبس علّقتها في البيت طلبا لرضى والدي، الذي تقبّلها بقبول حسن، وإن كنت أعلم أنه لا قدم له فيما يدخل ضمن الحسّ الفنّي الحقيق... وقد اشتغلت كثيرا برسم البورتريهات، بدءا من رسم كل أهل البيت من كبار وصغار، وانتهاء فيما بعد إلى رسم بورتريه لفريد الأطرش علقته على جدار غرفة "الصالة" في البيت الذي انتقلنا إليه بداية السبعينيات...
***
عندما أنهيت السنة الثالثة من السلك الأول من الثانوي (سنة 1973)، طولبت كأقراني باجتياز امتحان جهوي في مدينة وجدة التي كنت أزورها للمرة الثانية بعد تلك التي دخلت فيها المستشفى. كانت الشهادة التي نتقدم لنيلها تُسمّى (Le brevet)، أو (C-E-S)، وهو ما يعني بالعربية اختصارا: "شهادة الدروس الثانوية"... ذهبت إلى وجدة برفقة جدتي التي تطوعت كعادتها، لاصطحابي عند أسرة من قبيلة والدي. كان والدي يجبن عن مثل هذه الواجبات، ويُنزلها على جدّتي؛ بالإضافة إلى أنه تركني حبيس البيت، لا أكاد أعرف حتى مدينة جرادة التي كنت لا أقصدها، إلا للتفرّج على فيلم سينمائي وصل إليها؛ أو فيما بعد لزيارة أحد رفاقي في الثانوية القليلين... عندما ذهبت إلى وجدة، ورحّبت بي الأسرة التي كان عائلها (أ. ع)، يذهب في الصباح الباكر من بيته، قاصدا إلى الأوراش البنائية التي يعمل بها؛ هذا، بعد أن يصنع لنفسه قهوة تملأ البيت من رائحتها الزكية، ويتناول فطوره وحده، قبل أن يستيقظ أحد من أهل بيته. ثم كان يأتي دورنا، لنفطر نحن، ثم أتوجه أنا بعد أن تعرّفت على الثانوية التي سأُمتحَن فيها في اليوم السابق، إلى مقر الامتحان الذي أظنه دام يوميْن أو ثلاثة؛ كان آخرها الامتحان الشفوي، الذي أذكر أن الأستاذ الممتحن، بعد أن اطمأن إلى مستواي الدراسي، وتوسّم فيّ النباهة، صار يسألني عن جرادة وأهلها، وعن سير أمور منجمها. فكنت أنا بسبب شدّة انغلاقي على نفسي، أتعجّب لذلك كثيرا، وأتوجّس لعدم علمي بالغاية من ذلك. فأنا لم يكن يخطر ببالي أن الأستاذ قد يستلطفني، لأن والدي كان قد نجح في غرس الشعور بالنقص في نفسي، إلى حدود بعيدة، لا تُرضي إلا أمراضه النفسية. أما أنا، وفي المقابل، ومع انفتاحي على العالم عن طريق القراءة، فكنت أحتاج إلى رعاية نفسية خاصة؛ ولكن أين من يدري... عندما طفقنا عائدين من مدينة وجدة إلى جرادة، بعد اجتياز امتحان شهادة "البروفي"، فوجئت بزملائي ذكورا وإناثا متناثرين جماعات وفرادى، في محطة المسافرين، حيث كنّا نبغي ركوب الحافلة التي ستعيدنا جميعا إلى مدينة الفحم. جلست أنا على مقربة من بعض زملائي، من دون أن أختلط بهم، لعلمي بأنهم كانوا لا يرتاحون لاقترابي منهم؛ وهو ما كان يزيد من شعوري بالنقص، ومن انغلاقي على نفسي أكثر فأكثر... فوجئت بأستاذ لنا، كان يُدرّسنا الرياضيات (وهو مغربيّ من الجهة الشرقية، لا أذكر اسمه الآن)؛ كان يتنقل بين مجموعات التلاميذ، ويُخبرهم ببعض النتائج التي أخذها مبكّرا من المؤسّسة التي امتُحنّا فيها. وصار لدهشتي الكبيرة يسأل عن اسمي، فدلّه بعض التلاميذ عليّ، وأنا أجلس على طرف مقعد اسمنتي في المحطّة. كان يقول، وهو متوجه نحوي، كيف لا أعرف هذا الشخص وهو تلميذ عندي!... فقد حاز على النقطة الأولى في الرياضيات، على صعيد كل الثانوية!... تعجّبت أنا، كما كان يتعجّب هو، لأنني ما كنت أطمع أن أكون الأول على المؤسسة كلها. وخفت على عادتي، عندما صار الجميع يتفحصونني، بعد أن كانوا يتجاهلونني لسنوات... صافحني الأستاذ أمام أقراني، وقد احمر وجهه، وكأنه يعتذر لي عند عدم معرفته بي طيلة السنة الدراسية. وأما لمَ أفلحت في التخفّي في الفصل الدراسيّ، حتى لا يعرفني الأساتذة؟ فقد كان ذلك لصغر سنّي من جهة، ولشعوري بالنقص من جهة أخرى؛ وهو ما كان يحدو بي أن أختار في كل بداية سنة -ما لم يكن الأستاذ يتدخّل ليأمرني بتغيير مكاني- مقعدا قبل الصف الأخير الذي كان يحتله في الغالب كبار السن والجسم، وبهذه الطريقة كنت أغيب عن نظر الأساتذة. وأما الكلام أمامهم، أو الخروج إلى السبورة، حيث تكون كل الأعين متوجهة عليّ، فهو ما كنت أتجنبه قدر المستطاع. وهكذا، مرت عليّ السنة الثالثة من الثانوي، من دون أن يلاحظني أستاذ الرياضيات... ولا بد هنا أن أذكر الفرق بين المؤسسات التي تعلمنا فيها، والمؤسسات التي يصح أن تتسمّى تربوية في العالم. فبدل أن يتنبّه الأساتذة إلى مراهق، كان في أشد الحاجة إلى المساعدة، كانوا يكتفون بالاهتمام بالتلاميذ الآخرين الذين يتقرّبون إليهم بشتّى عبارات الثناء والتملّق. أما أنا، فكنت على خلاف أقراني، لا أتملّق أحدا، ولا أطلب القرب من أحد؛ وإنما أقوم بما كنت أراني مطالبا به، على أنه واجب عليّ القيام به على أحسن وجه. كان هذا، يدل على أنني منذ هذه السن، أشق طريقي خارج المنظومة المجتمعية. ولم أكن أعلم بعدُ شروط ذلك ولا نتائجه، لكنّني كنت أعلم أني على طريق، قلما ينجو منه أحد... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.