اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/06/09 النظام الإيراني في حكم القدر
قبل أن نبدأ الكلام، علينا أن نتبيّن حكم القدر بما نراه ضروريا في ضبط المنهجية بمعناها العام الشامل؛ وهذا بحسب ما كنا نتغيّاه من دروسنا التعليمية التي قاربت مختلف العلوم من مختلف الجوانب، لكن بالتأكيد على ما هو مشترك بينها، كما يدل على ذلك العقل العالِم. وإن القدر ليس أمرا مجمعا على تبيّنه، خصوصا وأنه يقع خارج العلوم التي تؤسّس لها المؤسَّسات التعليمية العمومية في العالم أجمع. وحتى المؤمنون الذين يُعتبر الإيمان بالقدر أحد أركان إيمانهم، فإنهم تحت تأثير التيار المادي الذي غلب على إدراك الناس الذين هم منهم على كل حال، وتحت التأثّر بالمذهب العقلاني كما يُفهم ضمن السياقات الحديثة، قد انحرف إدراكهم لمسألة القدر، حتى عادوا معه (وأخص المسلمين هنا) لا يكادون يمتازون عن سواهم من أهل الكتاب، وفي أحيان كثيرة عن عموم البشر. كيف لا وقد أصبح القدر لدى علماء المسلمين أمرا لا تكاد تتبين معناه عقولهم، بعد انهزامهم أمام العقل الغربي انهزاما لا خفاء به، رغم المراوغات التي يعتمدها من يزعمون أنهم علماء، والتي لا تنطلي إلا على العوام الذين لا خبرة لهم بالأمور، ولا حماية لهم من متشابهات التنظيرات السقيمة!... ونحن هنا سنبيّن للقدر منطقيْن، من لم يفرق بينهما فإنه قد يصعب عليه قبوله بالطريقة التي يدل عليها الإيمان من حيث أصله: - المنطق الأول، هو المنطق العام الذي ينتظم كل معلومة من المعلومات المستفادة من العالم بجميع أبعاده... - وأما المنطق الثاني، فهو المنطق الخاص المنوط بمسار كل مخلوق من المخلوقات، أيا يكن جنسه أو نوعه، على تفاوت المخلوقات في الصغر وفي الكبر، كما هو الشأن في الاختلاف بين الجسيمات والأفلاك السماوية؛ وفي الغالب عندما يتكلم العامة عن القدر، فإنهم يفهمون منه جزئيا هذا الصنف الثاني. وأما حين يرغب البعض منهم في أن يجمعوا بين ما يقع لهم مثلا داخل المنطق القدري الخاص، وما هو من المنطق العام، فإنهم يعجزون عن الربط بينهما. ومن هذا التضارب الناشئ لدى عموم الناس بين الصنفيْن من المنطق القدري، فإنهم يعجزون عن ترتيب ما يصيبهم من شرور في حيواتهم، ضمن خير عام، يصعب عليهم القبول به، مع تضمنه لشرور محقَّقة. وهنا قد يفقد الإيمانَ بعضُ من كانوا عليه، ويدخلون مجال اللاأدرية (Agnosticism)، سواء كانوا على علم بها من الناحية النظرية أم لم يكونوا... وقد نبه الله تعالى عباده في القرآن الكريم إلى تقاطع المنطقيْن القدرييْن، وعلّمهم بأن اعتبار الواحد منهما لا يصح دون اعتبار الآخر، في قوله سبحانه: {وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ} [يونس: 11]؛ فمنطوق الآية منوط بالمنطق القدري الجزئي، ومفهومها منوط بالآخر الكلي، وكأن الله يقول: يا عبادي ليس الأمر متعلقا بما تجدونه خيرا بالاعتبار الجزئي أو تتمنونه، وإنما هو يتعلق أيضا بشمول القدر لكل قدر جزئي، بما لا يُحيط بعلمه إلا الله. واعتبروا أيها العباد أن ما ترونه شرا لكم، هو داخل في الخير العام الذي لا تحيط به عقولكم عند انحجابها بما يخصّكم (أي بأنانيتكم الصغيرة الضيقة). واعلموا أيها العباد، لو أن الله استجاب لكم فيما ترجونه من خير تتخلله شرور كثيرة، لانتهى أجلكم في أقل مدة، عند حذف الزمن المنوط بالشر من مدة أعماركم، أو من مدة أعمار أممكم عند اعتبار المشترَك بينكم اعتبارا وسطا بين الاعتبار الشخصي والاعتبار العالمي الكوني. ولن يتمكن من العمل بما تدل عليه الآية من جمع بين النظرتيْن معا، إلا من فتح الله له في فهم بعض الحِكم العامة التي تنطوي عليها الشرور الجزئية الخاصة. وفي هذا الذي نقول رد على تساؤلات فلاسفة الغرب المستنكرين لوجود الشر في العالم، غير أنهم لن يدركوه (الرد) إلا إن أتوه من باب الإيمان الموسِّع لآفاق العقل؛ وأما إن اكتفوا بالفكر الآلي الذي تكون عليه العقول الكافرة، فإنهم سيبقون حتما خارج سياجه وإن شقّوا على أنفسهم بإمعان النظر... ولنعد الآن بعد هذه المقدمة المختصرة إلى إيران التي كان وجودها داخلا ضمن الاعتبار العام للقدر، كما هي داخلة كل الدول الأخرى؛ مع الاعتبار الخاص لقدرها، والذي لا بد أن يُنظر إليه من خلال الأحكام الشرعية التي تزعم إيران أنها مراعية لها. وسيظهر لنا جليا عندئذ أن سقوطها واندثارها هو حتمية قدرية، لا تنتظر من أجل الخروج إلى عالم الشهادة إلا حلول وقت أجلها المعيَّن في العلم الإلهي بالقضاء الأول. وبما أننا كنا قد ألمحنا إلى هذه الحقيقة لإخواننا الإيرانيّين من قبل، برجاء أن يتنبهوا من أنفسهم، فلا نُضطرَّ إلى مواجهتهم بما يكرهون عندما يقترب الأوان؛ وبما أنهم كسائر من تهيمن على عقولهم الأيديولوجيا التي نسجت خيوطها على بصائرهم، كما تفعل العنكبوت بالحشرات التي تصطادها؛ فإننا نرى أنه لا بد لنا الآن من إبراز مناطات السقوط المحتوم، في نقاط متسلسلة، كما هي عادتنا عند إرادة الإيضاح، فنقول: 1. إن تسمية النظام الإيراني لنفسه بـ "الجمهورية الإسلامية في إيران"، تحمل في طياتها أسباب انهيارها من عدة جهات: ا. إن تسمية "الجمهورية"، لا تمت إلى الشريعة الإسلامية بصلة؛ بل هي على العكس من ذلك تحيل على الجماهير التي هي مكونات الشعب الوطني، وهذا يجعل نظام الحكم على عكس ما يُزعم نظاما وضعيا مصادما لربانية التشريع. وإنّ كل ما كان نظاما عقليا نظريا أو سياسيا تطبيقيا، ينبت خارج تربة الشريعة الخصبة، فإنه يكون قد حُكم عليه بالموت ولو بعد حين؛ وهذا لأن ما كان من الشريعة دام واتصل، وما كان من غيرها انقطع وانفصل: في التاريخ وفي العقل. يقول الإمام مالك بن أنس فيما نُسب إليه: "ما كانَ لِلَّهِ دامَ واتَّصَلَ، وما كانَ لِغيْر اللهِ انْقَطَعَ وانْفَصَلَ."، وهو قول ينمّ عن فقه عظيم في أحكام الشريعة الغراء، لا يُستغرب من أمثال مالك وأقرانه؛ وهو وإن كان يتعلّق في ظاهره -على عادة الفقهاء- بأعمال العباد، إلا أنه يتجاوز ذلك في التأصيل إلى العلم بالحقائق التي تنبني عليها أحكام الشريعة كلها، وهو مستوى من العلم لا خبر للفقهاء عنه. وحكمنا على خروج تسمية الجمهورية عن أصل الشريعة، هو من هذا المستوى... ب. إن الجمع في التسمية بين "الجمهورية" و"الإسلامية"، هو من التناقض البيّن، ما دام أصل الجمهورية مخالفا للشريعة الإسلامية كما أسلفنا. وإن هذا التناقض، لا ينمّ إلا عن التلفيق الذي اعتمده الخميني عندما أسس نظاما زعم أنه ينبني على الفقه في الدين، بحسب التنظير الفاسد الشيعي المسمّى "ولاية الفقيه". ولو أن الشيعة كانوا على فقه صحيح، لبيّنوا الحكم الأصلي للشريعة في النظام السياسي (الحكم)، قبل أن يلجأوا إلى حكم استثنائي منبثق عنه، لا نعلم مستنده الحقيقي في التشريع. ونحن هنا لا نعتبر كل ما أراد الشيعة التأصيل به لهذا الحكم البدعي، وذلك لأننا نجدهم على جهل كبير بالخلافة الربانية كما هي في أصلها، ونجدهم يخلطون في المعنى بين "الخلافة" و"الإمامة الدينية"، إلى الحد الذي جعل شطرا كبيرا منهم (وهم الرافضة) يُنكرون خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، من سوى خلافة عليّ عليه السلام، والتي انطلقوا في النظر إليها من معايير الإمامة وحدها لا من معايير الخلافة. وقد نشأ عن جهل الشيعة بهذه الأصول، إخطاؤهم لفهم الإمامة عينها، عندما فهموا أن كل إمام من الأئمة الاثني عشر، كان يجدر بالناس أن يبايعوه بصفة الخلافة. وقد خالفوا بهذا الخطأ الفادح في الفهم، موافقة الاعتبار العام للقدر، والذي كان ينبغي أن يفهموا منه أنه لا يتولّى الخلافة بمعنى الحكم السياسي إلا من كان في القدر خليفة؛ وبما أن بعض الأئمة لم يتولوا الخلافة، فهذا يعني أنهم ليسوا خلفاء عند الله بكل بساطة. ومن خالف في علمه ما عند الله من علم، فلا يُعتدّ بكلامه، وإن كان كلامه المـُفضي إلى الضلالات الناشئة عنه معتبرا في القدر من جهة أخرى أعم من التي خولفت؛ ونعني أن ظهور الأقوال الباطلة هو منوط بالقدر أيضا، ولولا ذلك ما ظهرت قطّ... ج. أما ختام العبارة بـ "في" الدالة على الظرفية، وإتباعها بذكر البلد "إيران"، فإنه يعني أن نظام الحكم هو نظام عالمي في تصور المنظرين له؛ وليست إيران إلا بداية انطلاقه ومركز قراره، في انتظار أن تعمل الثورة على إيصاله إلى جميع أصقاع الأرض، وعلى الأخص في البداية إلى جميع البلدان الإسلامية. ورغم أن مصطلح "الثورة" الذي يرد ضمن التنظير العام لهذا النظام، فهو أيضا مصطلح بدعي ينبت خارج التشريع الإلهي، فإن وروده ضمن سياق التسمية الدالة على هذا النظام، لا يؤكّد إلا خروج عبارته من جميع عناصرها، عن الأصل الشرعي الذي كان ينبغي أن يُراعى. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأجيال التي أعقبت الجيل المؤسِّس لهذه الضلالة، لم تعمل على إعادة النظر فيما أُسِّس من قِبل جيل الخميني، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى كون الساهرين على المحافظة على النظام من فقهاء، يقصرون عن فقه الدين في مظانه من نص قرآني أو حديثي، أو فيما نطق به أئمة الدين وفي مقَدّمهم الخليفة الإمام علي عليه السلام؛ بل إننا نجد متأخّري المحافظين على معالم النظام يلجأون إلى الفلسفات الدخيلة التي لا تقبل التلاقي مع أصل الوحي، كما هو شأن الديمقراطية التي يُعمل عليها ظاهرا فيما هو دون مرتبة رئاسة الدولة وما يتعلق بالبرلمان. أما الحرس الثوري وما شابهه من التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية كالباسيج و(MOIS)، فإنها تكاد تكون مفارقة لما هو من صميم الإسلام عند دخولها في الإجرام، ومشابهتها لما كان عليه تنظيم الحشّاشين، أو التنظيمات العسكرية الشمولية كالجيش الأحمر السوفياتي، وجيش ماو تسي تونغ الذي أخضع بالقسر الصين "الشعبية"... وإن اعتقاد حكام إيران بعالمية نظامهم، من دون عودة في ذلك إلى الأصول الشرعية الإسلامية، يكون مـُنذرا منذ بداية التأسيس بانهياره، بسبب مخالفته لمسار القدر الموافق للتشريع الإلهي. وإن إصرار حكام إيران على المـُضيّ فيما أسّسوه أو أُسِّس لهم من ضلالات، خصوصا بعد تنبيهنا لهم منذ عقود إلى مكمن مخالفاتهم، لا يدل إلا على كونهم غير حافلين بالشريعة، وداخلين في المستهزئين بها وإن راموا بتكرار عبارات تشتبه على العامة من الناس، أو بالحفاظ على نمط مخصوص من تقليد اللباس، أن يتقمّصوا التزاما بالدين لا يشهد لهم العلم بأدنى درجات موافقته. يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]. ولو شئنا تقصي مخالفة النظام الإيراني لما قضى الله ورسوله، لتطلب ذلك منا كتابا ضخما؛ ولكننا نكتفي في هذا الصدد بالإشارة إلى عمل الدولة الإيرانية على الإضرار بكثير من الشعوب الإسلامية، إضرارا بيّنا، بزعم كونهم مخالفين للحق الذي هي وحدها عليه، مع أن مفهوم مصطلح "الأمة" هو أوسع حتما من مفهوم "الشعب الإيراني"، وإن كره المـُبطِلون... 2. أما زعم رجال الحكم في إيران من مدنيّين ومن عسكريّين، بأنهم في كل ما يأتونه من أفعال أو ينمقونه من أقوال ينطلقون من محبة آل البيت وموالاتهم، فهو بروباغاندا على طبقات متراكبة من التنظير التاريخي، والتي لا شك قد خرجت عن حدود مسارها الأصلي، ثم ازدادت انحرافا مع مرور القرون. وأول ما يطعن في التأسيس على موالاة آل البيت، هو مخالفة الروافض لما عليه الإسلام في أصله، عندما رفضوا خلافة أبي بكر وعمر عليهما السلام، مع ثبوتها شرعا وقدرا؛ ومع وجوب محبتهما وتعظيمهما حكما شرعيا لا شبهة فيه. وكل ما يُحاك من تأويلات سقيمة حول بيعة أهل السقيفة من إسقاطات لعلل النفوس وأمراض القلوب، فهو تفسير بَعديّ لما وقع بأمرٍ وإرادةٍ من الله تعالى، لا ينطبق إلا على حال من تزعّم به من أهل الضلال المبين... وإن انحصار الدلالة على الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام، في التعمم بالعمائم السوداء في زماننا، لا يخفى ما به من اختزال ظاهري من جهة، ومن سَوْق للعامة الذين لا يعلمون بأسخف الأسباب من جهة أخرى، كما هي عادة ربط أئمة الضلال لأتباعهم بالرموز التي يجعلونها جامعة بينهم فيما هم عليه من ضلال؛ وهذا أمر يشهد عليه التاريخ من مختلف حقبه، على الجماعات السرية خاصة كالماسون وحماة الهيكل وغيرهم... وهذا في الوقت الذي يكون فيه الانتساب إلى أهل البيت، ومن ثَمّ موالاتهم على التحقيق، لا مستند له إلا نور البصائر والهداية المستمدّة من الأصل النبوي الأصيل الذي هو الشخص المحمدي عليه وعلى آله الصلاة والسلام. ونحن نرى أن حكام إيران قد اصطنعوا لأنفسهم أصلا زائفا، لا صلة له بالأصل النبوي الأصيل؛ وهو ما يجعل للشياطين سبيلا عليهم بإضلالهم من ناحية المبادئ العقدية الضالة، ثم بإمدادهم بمدد شيطاني يزدادون معه بعدا مع مرور الأيام... وحتى الإمام الثاني عشر عليه السلام، والذي هو المهدي حقيقة، الذي يزعم حكام إيران أنه سيكون منهم وعلى طريقتهم، بينما هو من غيرهم قطعا، وعلى الأصل النبوي السليم للدين، مبرأً من ضلالات الشيعة ومن ضلالات أهل السنة الذين يكون الشطر الغالب منهم أهل بدعة لا أهل سنة، فإنه مخالف لهم كما هو نظام حكمهم مخالف لنظام حكمه الذي هو الخلافة الخاتمة. وهذا الأمر وحده، يحكم باندثار النظام الإيراني الحالي، عند تعقّل الناس لمزاحمته لخلافة المهدي نفسه، الذي يؤسِّسون شطر ضلالاتهم عليه. ولو كان حكام إيران على بعض نور فحسب، لفقهوا ما دللناهم عليه منذ عقود، من أصول كان ينبغي أن يعودوا إليها، بدل التمادي في عنادهم الذي لا مستند له إلا تغرير إبليس وغلبة ظلمة أنفسهم التي لم تتطهر بطهارة أهل البيت عليهم السلام. ولسنا جميعا ببعيدين عن التصديق القدري لما نذكره هنا، ما دام المهدي يُحتمَل أن يكون موجودا الآن بيننا، ولعله لا ينتظر إلا الإذن الإلهي له بالخروج. وليستعدَّ المسلمون جميعا لِأنْ ينكشف لهم ما هم عليه من تديّن مزعوم، يقلّد فيه كل فريق آباءه الأولين، وكأننا أُمرنا باتباع آبائنا، وما جاء الوحي إلا للفصل بين الدين الرباني وذلك الأبوي الذي ما ينفك أن يعود جاهليا كما كان قبل سطوع شمس الهداية النبوية على العالمين. يقول الله تعالى: {إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ . فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ . وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [الصافات: 69-71]، والضلال في الآية قد يؤخذ بمعناه الكلي، كما يؤخذ بمعناه الجزئي الذي يصدق على ضلالات المسلمين في أزمنة الغفلة. وقد توهّم جل المسلمين أن آباءهم لا يدخلون ضمن النهي الإلهي عن اتباع الآباء في ضلالهم، بسبب كونهم على الإسلام في عموم أمرهم؛ وما تفطّنوا إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر -وهو الصادق المصدوق- بانحراف عموم أمته عن سواء السبيل، بمثل قوله عليه السلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموهُ. قالوا: آلْيَهودُ وَالنَّصارى؟ قالَ: فَمَنْ؟!» [متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]؛ فلم يبق لعموم الأمة من شيعة أو من أهل سنة إلا تصديق نبيهم أو تكذيبه!... ومن كذّب، فسيجد نفسه عن قريب في مواجهة المهدي الذي سيفضحه على رؤوس الأشهاد... 3. إن كلامنا عن المسار القدري لنظام الحكم في إيران لا يعني أن سواه من أنظمة الحكم في بلدان المسلمين أو في العالم عموما، هو ما ندل عليه من حق في مقابل الباطل الإيراني؛ ولكن يعني أن من أراد أن يتبيّن حقيقة المسارات المختلفة، فليعد إلى تتبعها في القدر واحدا واحدا، وبالاعتبارات المخصوصة المتباينة، مع إرجاعها إلى حكم القدر العام الذي هو المعبّر حقا، عن المشيئة والإرادة الإلهيتيْن، مع تكميل نظره بالرجوع إلى الأحكام الشرعية الناظمة. وهذا يعني أننا الآن لسنا مع جهةٍ على جهة أخرى، خصوصا ونحن نشهد حرب أمريكا وإسرائيل على إيران؛ ولكن ندل على الحق الذي سيكتمل ظهوره في العالم بعد إعادة تأسيس نظام الخلافة الرباني مرة ثانية على يد المهدي عليه السلام حصرا. وليس أمام جميع العالمين إلا الاقتراب قدر مستطاعهم من هذا النموذج الرباني، على ضوء الوحي الذي بين أيديهم، والذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه. فمن نصح لنفسه وعرض أموره على الوحي، ثم عمل بما يظهر له، فقد استبرأ لدينه؛ ومن تمادى في اتباع هواه، على تقليد في ذلك لمن سبقه، أو على ابتداع وتجديد للضلال باختراع تنظيرات تُسكت العوام، فإنه لا يلوم إلا نفسه؛ وعن قريب ينجلي ضباب القدر، ويضح لكل امرئ موضع قدميه من الطريق، ومدى قربه أو بعده من الحق. فلا يغتر أحد بكثرة المناصرين الآن، ولا بقوة سلاح يتوهم بها أنه سيهزم أهل الباطل وهو لا يضمن ألا يكون منهم... وفي الختام ننبه الشعوب إلى ما ذكرنا، إن كان الحكام غير قادرين على مفارقة ضلالاتهم، لينظروا فيما يعود عليهم بالنفع، بعيدا عن كل اصطفاف سياسي خادع، أو عن كل انفعال لقوة حاكم يأخذهم بالقهر حيث يريد هو. يقول الله تعالى: {وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} [البقرة: 120-121]. والحمد لله رب العالمين... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.