اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2022/01/01 الفيزياء الإلهية الفيزياء هي في الأصل علم المظاهر الطبيعية في عالم السفل، وإن كان الفيزيائيون أنفسهم لا يعلمونها على هذا الوجه. ولكن وجود شيء ما، ضمن ما تتناوله الفيزياء في العادة، لا يعني حتما أنه سيكون معلوما لها؛ وهكذا سيبقى ضمن هذا العالم المحسوس، ما لا يكون معلوما للفيزيائيين أبد الدهر من الوجه المعروف لهم. والأصل في الأمر هو: أنه تكون معلومات علم الفيزياء كلها معلومة للعالِم، إن هو أراد تبيّن العلاقات فيما بينها كلها؛ حتى يمكن أن نخرج بعلم نستطيع تسميته علم الفيزياء؛ وإلا فلا... فعالم الجن والملائكة، كان ينبغي له أن يكون ضمن علم الفيزياء، لو أن دراسة الفيزياء تعتمد أجهزة تقيس نورية الأملاك ونارية الجن، بغض النظر عن المحاولات التي تتم في مجال البارانورمال (paranormal). أما إن قصروا معلوماتهم على ما يشاهدونه بأعينهم المجردة، أو ما يظنونه ظنا من وراء قياسات مبهمة لمجالات مغناطيسية، فهذا من غير شك سيكون منهم قصورا مخلا. وهذه العوالم السفلية والعلوية التي ندل عليها، ليست أمرا زائدا لا قيمة له؛ بل هي عوالم توازي عوالمنا؛ وأحيانا قليلة تنفتح تلك العوالم على عوالمنا، لأسباب معلومة ولمدد محدودة. ولعل هذه العوالم هي ما يقابل نظرية العوالم المتوازية، عند من لا يعرف أصولنا المعرفية، كما هو عالم السفل بين مخلوقات طينية، وأخرى نارية، وثالثة نورية. وما نذكر تفاصيله هنا، هو ما دعا المستقرئين إلى القول بنظرية البيغ بانغ؛ وإن كانت هذه النظرية موافقة لوجه من وجوه حقيقة الوجود. لكن الفيزيائي، لا يخوله ذاك أن يزعم أنه يعرف نظرية الخلق: أولا لأن كيفية الخلق، لا تعلم بالنظر؛ وثانيا، فإنه رغم ذلك يؤثثها بما يوافق أوهامه، لا بما يوافق الحق؛ وأنى له!... ونحن عند ردنا السابق على أصحاب النظريات الفيزيائية، المفسِّرة -بحسب أصحابها- لتفاصيل الكون، لن نبقى في مرتبة النقد وحدها، وكأننا على مثل ما هم عليه هم من شك وحيرة؛ ولكننا سنعرض إلى كيفية خلق الله للأكوان، من جهة العلم الإلهي نفسه؛ إن كان الناظرون في كلامنا على استعداد يعينهم على الفهم... وقبل أن نستمر في الدخول إلى التفاصيل، فإنه يجدر بنا أن ننظر في الموجود البسيط، كيف كان وجوده؟... وسنأخذ معلوما بسيطا وقليل التركيب، حتى نبدأ بتطبيقات القانون الإيجادي عليه. ولقد اخترنا البسيط مع قلة التركيب لتبيُّن الأصول؛ لأن البسيط بساطة تامة، يصعب إدراكه، والمركَّب تركيبا شديدا يصعب إدراكه أيضا. ولنعتبر قرصا ذا بعديْن (لأن تناول كرة بأبعادها الثلاثة سيكون أكثر تعقيدا)، أصفر اللون، قطره 3 سنتم (مثلا)؛ ولننظر كيف سنتعرف صفاته والحقائق المرتبطة به. وهذا يجعلنا أولا نصنف كل عنصر من عناصر تكوينه ضمن العناصر كلها؛ إلى أن ننهي كل الاختيارات الممكنة والمتمثلة في القرص المرسوم. ولنعتمد "البِيت" وحدةً للمعلومات، كما هو في المنظومة الرقمية؛ ولنبدأ بتفسير الرقميْن: صفر، وواحد، المحدديْن له: - أما الصفر (0): فهو الحقيقة العدمية البسيطة، والتي يكون اعتبار مجموعها صورة عدمية ما، تكون معلومة لله في حال ثبوتها. والثبوت، هو الإمكان العلمي الذي له استعداد الظهور في الوجود بالوجود. ويجدر بنا هنا، أن نذكر أنّ كل موجود من الموجودات السفلية أو العلوية، هو على هذه الحقيقة، مهما بلغ في البساطة أو في التركيب. وبما أن الفيزياء مخصوصة بالمظاهر السفلية (وإن توهم أصحابها غير ذلك)، فإننا سنقصر الكلام عليها، تسهيلا للأمر، لا جريا على ما تقتضيه الحقيقة... - وأما الواحد (1): فهو الوجود البسيط، الذي إذا ظهر في صورة عدمية، كان هو وجه وجودها، وبه صارت تقبل الوصف بالموجودية؛ فنقول تبعا لذلك: الشيء الفلاني موجود، في مقابل آخر غير موجود. وينبغي من الآن فصاعدا لمن أراد الإكمال معنا، أن يفرق بين الوجود، والموجود. فالوجود هو الحق الصرف، الذي يقول الله عن مرتبته في القرآن: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} [الأنعام: 73]، ويقول أيضا: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 118]، ويقول أيضا: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32]... وأما الموجود، فهو الحق الظاهر بالصورة العدمية، أو الممكن الظاهر بالوجود الحق. وعليه، فيكون المظهر: الثنائي (binôme) [0,1] دائما، بسبب جمعه بين الحق والصورة. وأما الصورة هنا، فليست هي ما يُفهم من الصورة في العادة، وإنما هي مجموع الحقائق العدمية التي يكون عليها معلوم ما. فمثلا الإلكترون هو صورة، والبوزون هو صورة أخرى، والسماء هي صورة، والأرض هي صورة أخرى. وعلى هذا السبيل يُنظر إلى كل صورة حسية أو خيالية أو معنوية على المدى العام؛ مهما بلغت من البساطة، أو بلغت من التركيب. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 26، 27]. ولن نخوض في معنى الآيتيْن الكريمتيْن، الذي يمكن أن يأخذ منا صفحات ذوات العدد؛ ولكن سنكتفي بذكر معنى الاستحياء، وكيف هو لا يليق بالله تعالى؛ فنقول: إن الاستحياء المراد هنا، هو ما يُصيب الجاهل عن كلامه فيما لا يُحيط به علما؛ والله يتعالى عن هذا الوصف، لأنه عليم بكل شيء. أو هو ما يصيب الجاهل من كتم للحق، في نظره؛ وهو أيضا، لا يصح في حق الله تعالى. وأما المراد بضرب المثل بالبعوضة فلأنها أصغر معلوم للناس في زمان التنزيل. وأما المراد بما فوقها: فهو ما يفوقها في الصغر هنا، لا في الكبر؛ فيشمل هذا كل الجسيمات ما دون الذريّة المعلومة الآن، والتي لم يبلغها علم الفيزيائيين بعد!... وأما قول الله تعالى عن أهل الإيمان إنهم يعلمون أن المثل هو الحق من ربهم، فيعني أن أصحاب الإيمان الكامل، الذين هم العلماء بالله، يعلمون أن كل موجود من الموجودات، هو مثل مضروب من قِبل الله؛ ويعلمون وجه الحق منه، بالإضافة إلى وجهه العلمي المعلوم للعامة، والذي هو في المثل الأول: البعوضة. فالبعوضة صورة عدمية، هي وجه الحق المقيد بها، عند العلماء بالحق، وهي صورة البعوضة عند المحجوبين... وثنائية الصفر والواحد، تتعلق بكل حقيقة من حقائق المعلوم، لا بصورته الإجمالية وحدها؛ وهذا من أبسط معلوم إلى أكثر المعلومات تركيبا. والقرص الذي اتخذناه نحن نموذجا، هو معلوم بسيط التركيب، سنعلم من حقائقه المتضمنة فيه، كيف يوجد الموجود، من وجه كونه حقيقة ما في موجود ما؛ أو من كونه مجموع تلك الحقائق، والمعلومة للناس باسم لها ما جامع؛ كما نقول عن الشمس شمسا وعن الشجرة شجرة... - فأول ما يتعلق به وجود القرص ذي البعديْن، هو الصفحة التي هو مرسوم عليها. فمن دون صفحة (أو ما يقوم مقامها)، فلا ظهور للقرص. والصفحة الورقية هنا، هي نظير الهيولى الكلي، بالاصطلاح الفلسفي، الذي تنشأ فيه صور الموجودات، ونظير الهباء بالاصطلاح القرآني الشرعي. يقول الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]؛ أي أعدناه إلى حال انعدام صورته، عند سلب الوجود عنها، فانتفى من الوجود. - ثم يأتي بعد ذلك اختيار الشكل: وإن كانت الأشكال منها المستدير والمربع والمستطيل والمثلث، فسيكون كود الشكل المخصوص بالقرص هكذا: المستدير: 01 (في الكتابة من اليسار إلى اليمين نحن نعتبر الصورة قبل الحق، لأن التمييز يكون بها). - فإن نحن عدنا إلى اللون، وجب علينا اعتبار ألوان الطيف السبعة: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، النيلي، الأزرق البنفسجي. وإن كانت الصفحة بيضاء، فعلينا أن نعلم أنها تتضمن كل الألوان، وبذلك يكون كودها: 01010101010101؛ وأما لون القرص فيكون هكذا: - أما قطر القرص، فيكون ما بين الصفر الذي هو نقطة المركز، وطول الصفحة وعرضها؛ وهكذا يكون له اعتباران: أحدهما طولي والآخر عرْضي. فإن كان طول الصفحة 15 سنتم وعرضها 9 سنتم؛ فإن بُعديْ القرص سيكونان: وللقارئ أن يعتبر الآن التعقيد الكودي، الذي ستكون عليه كرة ثلاثية الأبعاد ضمن الحيّز المكاني المعتاد. فإذا ظهر مدى هذا التعقيد، فليُنظر بعد ذلك إلى الأجسام المعقدة التركيب كالشجرة المعمرة، ذات الأغصان المتشابكة، مع أوراقها كلها وثمارها، وغير ذلك مع ما يتعلق بها من تفاصيل، إلى أن نصل إلى صورة الكون كله، والتي لا يبلغ علمَها، إلا من جمع صور تفاصيلها كلها. فإذا عرفنا الطريقة المتبعة في الإيجاد، فلنعد الآن إلى أول موجود، وهو الحقيقة المحمدية (الكلمة). وهذه الكلمة، هي المصفوفة (Matrix) المتضمِّنة لجميع الأكواد المتعلقة بجميع المخلوقات من جميع المراتب، ما كان منها وما سيكون في الدنيا والآخرة. وهذا يعني أن تصوُّر هذه المصفوفة، لا يطيقه العقل مهما اجتهد؛ لذلك فلا يعلم حقيقة هذه الكلمة الأولى إلا الله. ولقد سمى الله هذه المصفوفة إنسانا، كما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]، لأنها مركز الوجود كله؛ قياسا على إنسان العيْن في اللغة، والذي هو بؤبؤها. وهذا الإنسان، هو بعبارة أخرى: الصورة الإلهية من كونها مصفوفة لكل المعلومات المفصلة لها، ومن ضمن هذه المعلومات الألوهية من حيث هي ذات ومرتبة. ولهذا السبب قال العارفون: الحضرة المحمدية أوسع من حضرة الله، لأن حضرة الله من حيث هو ذات ليس فيها إلا هو: 1. وأما الحضرة المحمدية، ففيها ذكر كل شيء؛ وهي جميع أكواد المخلوقين، بجميع مراتبها. وهذه الحضرة، هي حضرة الواحد لا الأحد. والفرق بين الواحد والأحد، هو أن الواحد مجموع الكل، وأما الأحد فليس معه غيره. ومن هنا نفهم أن العبارة المذكورة من الحديث الطويل: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ!»، هي متعلقة بحضرة الأحدية، لا بغيرها. ومن لم يُدرك ألفاظ الوحي على هذه الطريقة، فإنه ستدخل عليه الحيرة، أو ربما الشك، ولو من وجه ما... وأما تعلق الوجود (الواحد) بأكواد المعلومات، فهو ليس بالطريقة العقلية المجردة؛ وإنما هو فيض الوجود على المعدومات القابلة له، بحسب كل مرتبة وكل مقام. ونعني من هذا أن الحق يملأ بوجوده كل محل معبر عنه بـ: 1، وتبقى كل الأعدام المعبر عنها بالأصفار على حالها، ضمن الكود نفسه. فتظهر بهذا الظهور الأولي في الكلمة الاستعدادات كلها في موجود واحد، هو الإنسان أو الحقيقة المحمدية، كما أخبرنا. وهذا الظهور للاستعدادات هو أول تجل نوري لله من اسمه النور، ومنه سيخلق سبحانه الملائكة التي هي مخلوقات نورية، منها المسخرة، ومنها غير المسخرة. ونعني بالمسخرة، التي ستعمل عند تسخير الأسماء الإلهية لها، واسطة في خلق كل المخلوقات التي هي دونها في المرتبة. وأما غير المسخرة، فهي الملائكة التي لن تغادر حضرة النور الأصلي الذي منه كانت، لذلك هي باقية في الوجه الباطن من الحقيقة المحمدية، لا تغادره؛ وهؤلاء هم الذين سماهم الله عالين في قوله تعالى لإبليس: {أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75]. فلما شاء الله ظهور العالم، وإخراجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود، أمر سبحانه أن تخرج الأصول الأولى، ثم الأصول الثانية، ثم الأصول الثالثة، التي تكون عنها جميع الموجودات. وهذه الأصول ليست إلا الأسماء الإلهية من مرتبة الذات، ومن مرتبة الصفات، ومن مرتبة الأفعال. فكانت هذه الأسماء، هي المدبرة لظهور كل الأكواد التي ستظهر عنها المخلوقات السماوية والأرضية. وعلى هذا، فإن الاسم النور، هو الاسم الذي تخرج به المعدومات إلى الوجود. والوجود الذي هو الحق بالاصطلاح القرآني، لا ظهور له في عالم الأسماء إلا بالضمير "هو"، كما في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [الحشر: 22]؛ لأنه يبقى باطنا خلفها؛ والذي ينوب عنه من الاسم الله في مرتبة الألوهية هو الاسم النور من كونه سببا لظهور كل ظهور. فلهذا قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]. ولا بأس هنا، من تناول هذه العبارات واحدة واحدة، لتأكيد المعاني التي أسلفنا ذكرها في الفقرات الماضية: - {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي إن السماوات والأرض وما فيهن من مخلوقات علوية وسفلية، إنما ظهرت بوجود الله المنير لظلمات تعيناتها الثبوتية. فكان الله من جهة كونه وجودا، منيرا لكل الأعدام التي لها القابلية للظهور، إجمالا وتفصيلا. ولهذا كان الصوفية يقولون: ما ظهر في الوجود إلا الله، ويعنون وجوده سبحانه؛ لكن من جهة رؤيتهم هم؛ أما المحجوبون، فلا يرون إلا الصور العدمية التي تلبست بالوجود، والتي هي السماوات والأرض وما فيهن. فالمشهود للفريقيْن واحد، والمـُبصَر مختلف؛ وهذا من عجب القدرة. ولهذا السبب اختلف الناس في حقيقة الألوهية وفي حقيقة العالم، ولن يزالوا كذلك... يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118، 119]. والمقصود من جهنم: الصفة المستوجبة لها، وهي الانحجاب عن الحق. - {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}: المشكاة هي الصورة العلمية الثبوتية للشيء، والتي لم تخرج من حقيقتها العدمية، ولن تخرج. وهذه حال كل الموجودات الإجمالية والتفصيلية. والمصباح، هو المحل القابل للنور من تلك المشكاة؛ وهي مواضع الـ 1، التي بين كل الأصفار. فالمصباح بعبارة أخرى هو الاستعداد القابل للوجود من تلك الحقائق الثبوتية، وسمي مصباحا لأنه سيصبح منيرا بالوجود الحق. وإنارته ظهور صورته هنا بالحق، لا ظهور الحق. - {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}: الزجاجة هي الصورة العدمية التي ستظهر عند ورود الوجود عليها، والتي ستبقى محفوظة في الظهور بحسب الأجل المقدر لها. فبعض الزجاجات تحفظ صورها لأجزاء من الثانية كما هو شأن بعض المخلوقات الدقيقة، وبعض الزجاجات تبقى طول اليوم الدنيوي، وهي الصورة الدنيوية الإجمالية المتغيرة بحسب الأزمان التفصيلية في ذلك اليوم. وبين هذه وتلك، صور بني آدم والجن والأشجار والبحار وغير ذلك من المخلوقات على جميع أصنافها... - {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}: المقصود بالكوكب الدري: ظهور الصور بالوجود الحق، وهذا الظهور هو المعبر عنه عند العارفين بالجمال الإلهي. ولا يشهد هذا الجمال من الناس، إلا من كان الله بصره؛ كما أخبر سبحانه في الحديث القدسي: «... فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ... »[أخرجه البخاري عن أبي هريرة]. وهذا يعني أن يكون بصر العبد وجوديا، لا عدميا؛ أي أن يكون من صنف الآحاد، لا من صنف الأصفار. ولهذا قال القائلون: ما عرف الله إلا الله!... وقالوا صراحة ما عرف الواحد إلا الواحد!... وهذا لأن الصفر لا يمكن أن يعرف الواحد وهو غيره!... - {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ}: أي يستمد نوره من الأسماء المدبِّرة له، والتي لا نهاية لها في نفسها؛ فكثرتها هي بركتها. وأما شجريتها، فهي من تقابلها وتشاجرها فيما بينها، مع أن أصلها واحد وهو الألوهية. والتقابل يأتي من الاختلاف في التجلي بين الجلال والجمال. وكل الصراعات الظاهرة في العالم حسا ومعنى، هي من أثر ذلك التشاجر العلوي الذي للأسماء. ولو رأى العبد اختصام الأسماء حوله، لذهب عقله!... وهذا الاختصام هو الذي ذكره الله في قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]؛ والملأ هنا هم الأسماء الإلهية. وقد غلط من فسره بالملائكة. وسبب الغلط هو قول الله مباشرة بعد القول الأول: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]. وورود ذكر الملائكة بعد ذكر الملأ، لا يعني أنهم الملأ؛ ولكن جاء هذا، لكون الملائكة تكون تحت حكم الأسماء. وما تحكم به الأسماء بعد اختصامها، تنفذه الملائكة في العوالم كما حُكم. فقول الملائكة لمريم، هو بعد انتهاء الأسماء إلى حكم فيها، وهو أن تكون أما للكلمة العيسوية العلوية عليها السلام.. - {زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ}: أما كون الأسماء زيتونة، فلإمدادها، كما يمد الزيت القنديل. وهذا الإمداد يكون من جهة معانيها. وهكذا تكون الأسماء الإلهية تفاصيل في الحق، من دون تعدد له. ولهذا لم يرد الحق في القرآن إلا مفردا، وإن قابل في حقيقته أعداما مختلفة، هي الباطل من حيث إجمالها أيضا، ومن حيث تفاصيلها. ومثال ذلك: العلم، الذي هو صفة وجودية لله، يمد بها الله من يشاء من عباده. وأما الحقيقة العدمية المقابلة للعلم فهي الجهل، الذي ليس إلا عدم العلم. فالعلم هو 1، في حقيقة العلم حيث كانت من الأكواد؛ والجهل هو 0، الذي في المرتبة العلمية، ولا يقبل ظهور الوجود فيه. ولكن هذا من حيث الصفات التي هي لا شرقية ولا غربية، لا من حيث الذات. وهذا يعني أن 1 في مرتبة الذات، ليس هو 1 في مرتبة الصفات؛ لأن 1 الأول هو أحد، و1 الثاني هو واحد؛ وقد أشرنا إلى هذا فيما قبل، بعبارة أخرى. وللقارئ أن يتصور صعوبة إدراك الأكواد الشاملة لحقائق فلان من الناس (مثلا)، الإجمالية والتفصيلية؛ بحيث سيكون الكود الجامع لهذه الحقائق كلها والمتعلقة به وحده، بالغا في الطول أضعاف أضعاف محيط الكرة الأرضية نفسها؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا كان هذا كود واحد من الناس، فما الظن بجميع أكواد الكون!... أما كون هذه الزيتونة لا شرقية ولا غربية: فهو لأن النِّسب المسماة أسماء إلهية، لا هي وجود ولا هي عدم. وكونها لا وجود، من مقتضى الذاتية (الحق)؛ ولو كانت الأسماء وجودا لتعدد الوجود، وهذا محال. وأيضا هي لا عدم: لأنها لو كانت عدما من صنف الممكنات، لكانت من الحقائق الخلقية؛ بينما هي من الحقائق الحقية، والحق لا يشابه الخلق. وهذا من أعجب العجب!... وهي مسألة عويصة، يصعب تصورها حتى للعقول الكبيرة. ولم نر لهذه الحقائق ذاكرا لا من الأولين ولا من الآخرين، وإن كنا نجزم بأن الشيخ الأكبر عليه السلام، لا يعزب عن علمه هذا. ولكن هل ذَكَره أم لم يذكره، فلا ندري ذلك، ولا نذكره. ومن توصل إلى حقيقة ذكر الشيخ لهذه المسألة بالإثبات أو بالنفي، فليُثبتها في هذا المحل من هذا المقال، مع ذكر اسمه في الهامش، وله الجزاء من الله على ذلك. وحقيقة أن تكون الأسماء لا وجودية ولا عدمية، لا يعني أنها من مرتبة الإمكان الخلقي كما أسلفنا؛ بل هي مرتبة مخصوصة بالحق وما يتعلق به من ظهور لنفسه ومن بطون؛ لا من ظهور لخلقه وبطون عنهم؛ فالمعنيان مختلفان، وشتان ما بينهما... وهذه المرتبة التي هي لا وجود ولا عدم في الحق، هي أصل الإمكان الثاني، في الخلق؛ ونعني أن الإمكان امتداد في العلم قبل العيْن، لهذه الحقيقة؛ يكون بها أصلا للظل الممتد في العين بعد إيجاد الخلق، والذي يقول الله تعالى عنه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان: 45، 46]. - {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}: أي تكاد معاني الأسماء الإلهية تظهر في الذات من شدة نورية حقائقها، وإن كانت مطموسة بالحقيقة الذاتية، وممحوة الذكر لهيمنة الحق الصرف والسذاجة الذاتية. أما النار التي ستمس الأسماء فتظهر معانيها في الذات، من غير أن يتعدد الوجود الحق، فهي نار المحبة الإلهية، المعبر عنها بالتعلق؛ وهو نظير التوجه عند الخلق. يقول الحق على لسان بعض عباده المقدسين (وهو الختم): "كُنْتُ كَنْزاً مَخْفِيّاً، فَأحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ؛ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفوني؛ فَبي عَرَفوني."؛ فذكر المحبة أصلا للتجلي. ومن سريان حقيقة المحبة الإلهية في صنوف المحبة الطبيعية السفلية، تكون الحرارة التي يجدها المحب في قلبه، والتي عبر عنها الشعراء كثيرا بالإحراق؛ وتكون المغناطيسية الناتجة عن الطاقة، والتي هي الكهرومغناطيسية. والصورة هنا منقلبة بسبب الانعكاس. - {نُورٌ عَلَى نُورٍ}: والمعنى هو أن المظاهر العدمية عند ظهورها بالوجود الحق، قد صارت نورا جديدا حادثا، مضافا إلى نور الحق الأصلي؛ وليس النور الجديد إلا نور الأسماء الإلهية. وهذا يعني أنه ما في الوجود (الكون) إلا النور الحقي الأصلي، والنور الاسمي الفرعي؛ فهما نور على نور؛ والنور لا يكون إلا وجودا. وأما العدم، الذي هو أصل صور كل ما سوى الله، فهو باق على حاله؛ لأن الأكواد التي تنشأ عنها صور تلك المخلوقات، لا يظهر منها في الحقيقة إلا ما كان آحادا، كما بيّنّا؛ وأما الأصفار، فلا ظهور لها البتة؛ وإلا انقلبت بالظهور إلى آحاد، وهذا محال. ولكن ظهور الأصفار في ترتيب الأكواد العلمية للمخلوقات، على هيئة مخصوصة وترتيب مخصوص، هو ما يجعل وجود هذا المخلوق وصورته، غير وجود المخلوق الآخر وصورته. ونعني من هذا أن العدم هو الذي ينشأ عنه الاختلاف، وأما الحق فلا ينشأ عنه اختلاف، بسبب سريان حقيقته حيث كان. والعقل البشري، يكاد لا ينضبط له هذا المعنى الذي نتكلم فيه هنا، بسبب علو مرتبته في العلم... - {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ}: أي يتجلى الله لخواص عباده -الذين يرون بنوره القديم- في الصور الحادثة للأكوان، فيعرفونه، ويعبرون عنه فيقولون: ما شهدنا إلا الله!... وأما من شاء الله أن يُبقيهم في عماهم العدمي الأصلي (لأن العمى هو عدم الإبصار)، فإنهم بنور الحق الأصلي يشهدون صور الأكوان، وبانعدام نور الحق الفرعي لديهم، الذي سماه الله هداية، فإنهم لا يشهدون الحق المتجلي بها. فمشاهدتهم من جهة هي 1، ومن جهة هي 0؛ بخلاف مشاهدة الربانيين التي هي من الجهتين 1. ولولا الواحد في المشاهدة، لدى المحجوبين، ما ظهروا ولا ظهر لهم شيء. وهذا يعني أن الكافرين بالحق، هم يكفرون بما لولاه ما عرفوا أنفسهم. وهذا المعنى، هو ما دل عليه قول الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]؛ أي فإذا أنكرنا، فإن عليه أن يُنكر نفسه أولا. وهذا تناقض عند الكافر، لا يشعر به!... وهكذا فإن الهداية نور فرعي، يهدي الله به من يشاء من عباده إلى شهود نوره القديم (الحق). وهذا الأمر يخرج عن علم العلماء، ويدخل في علوم المشاهدة، والتي لا تكون إلا لخواص العباد. والقرآن يعج بهذه العلوم، بحيث لو رام أحد تفسير القرآن من جهة الشهود، لما كفته كل صحف العالم، ولعجز عن استيعاب ذلك التفسير الزمان!... - {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ}: ويعني أن الأمثال المضروبة بالصور المعلومة من عالم الطبيعة والسفل، بعد الصور الروحانية والعلو، إنما يُريد الله بها الدلالة عليه من جهة الذات ومن جهة الصفات والأفعال؛ حتى لا يكون معروفا للناس إلا هو، لولا أن المشيئة خصصت. ومن حصل هذا العلم، فإنه يتمكن من العبور من كل الصور الظاهرة في الأكوان، إلى الحقائق الإلهية المناسبة لها؛ وهذا العبور هو أصل التعبير في الشرع وفي العرف. وهذا بحر من العلم لا ساحل له، ولا يكون إلا لأصحاب الأنفاس، رضي الله عنهم. - {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: أي هو يعلم سبحانه من الاسم العليم الحق الصرف (نفسه)، والحق الذي به ظهرت الموجودات، ويعلم المعدومات في حال ثبوتها في العلم، ويعلم ما يخرج منها إلى الوجود، وما لا يخرج؛ وهي الممكنات التي لا ظهور لها إلا في العلم الإلهي؛ وهي غير المحال. وهذه معلومات لله، لا يتعلق بها علم المخلوقين أبدا؛ إلا من كان من العلماء الربانيين، فإنه يأخذ علمه عن الله كالخضر عليه السلام، الذي أخبر عنه ربه بقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]. فمن كان علمه بالله، فهو يعلم الحق والخلق، ولكن لا على وجه الإحاطة؛ لأن الإحاطة التامة لا تكون إلا لله، والإحاطة غير التامة لا تكون إلا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، من كون حقيقته جامعة لجميع الحقائق الحقية والخلقية، كما ذكرنا في بداية المقال. فهو عليه السلام يعلم الأشياء من علمه بنفسه الشريفة، لا من خارجه؛ وهذا أعلى صنوف العلم طرّا!... فما أعلاها من مرتبة، وما أسماها من مكانة!... ولقد قلنا عن علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه غير تام، لأن الله يزيد فيه ما يشاء في كل زمان. وهذا يدخل ضمن قول الله تعالى له: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، فلو كان علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاما، ما كان يقبل الزيادة. أما علم الله القديم، فهو محيط وتام، من وجه الحق الصرف. وهنا لطيفة: وهي أن كلمة شيء، تنطلق على جميع المعلومات، والتي من ضمنها الحق نفسه، والاسم الله؛ لأن الله عند قوله {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، قد عم كل معلوم، قديم أو حادث. وإن نحن عدنا إلى الفيزيائيين، وإلى صنف علمهم، فإننا سنجده من صنف العمى، الذي هو ثابت بوجود الحق، وفاقد لنور الهداية من الجهة الأخرى؛ وعلى هذا، فإنهم لن يعلموا من الأكوان إلا صورها العدمية. وكل علم الفيزياء المعلوم لأهله، لا يخرج عن النسب الموجودة بين المخلوقات ذات الأصل العدمي؛ لذلك فلا نهاية له، كما أن الإمكان لا نهاية له. ونعني أن المخلوقات كثيرة العدد في نفسها، رغم أنها متناهية في الدنيا؛ وأما في الآخرة فهي غير متناهية. فما أوسع خلق الله!... ولو رجعنا إلى أصحاب نظرية البيغ بانغ، لوجدناهم يصادفون بعض الحقائق في نظريتهم، كما هو شأن اتساع الكون المستمر، الذي يقولون به. أما ما يسمونه انفجارا، فهو عندنا التجلي؛ والتجلي، هو امتداد الظل؛ والظل هو ظهور الإمكان بالوجود. وعند محو السبورة الوجودية بإعادتها إلى الصفر الأول الأكبر مع فناء الدنيا، تعود كل الصور المخلوقة إلى العدم من جهة العين؛ فلا يجد الحق مع نفسه شيئا مشهودا، فيقول سبحانه لنفسه بنفسه، ومجيبا لنفسه بنفسه: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]. أما الصور العلمية، فلا فناء لها؛ فتنضاف الصور البرزخية إلى الصور العلمية الثبوتية، لذلك عبر الله قبل الكلام السابق عن هذا المعنى فقال: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} [غافر: 16]؛ أما عن أنفسهم فإنهم خافون لا يظهر منهم شيء، ولا يعودون إلى الظهور إلا بعد النفخة الثانية التي تقوم بها صور الآخرة إجمالا وتفصيلا. ولهذا، كنا نقول إن للآخرة فيزياء أخرى، وقوانين فيزيائية أخرى غير المعلومة الآن. وإذا كان الفيزيائيون، لا علم لهم في الدنيا (مع علمهم) حقيقة، فكيف يكون حالهم في الآخرة، إن كانوا بها كافرين عُمْيَ البصائر!... يقول الله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 125، 126]. ومعنى تُنسى: أي لا يأتيك منا النور الذي تشهدنا به في الآيات الأخروية، موافقة ومطابقة لحال عدم شهودك آياتنا في الدنيا. والآيات، هي كل الصور التي يظهر بها الحق تعالى، فتدل بظهورها على اسم من أسمائه، بساطة وتركيبا. ومن هنا نفهم أن الآية قد تكون بسيطة، أو تكون مركبة تركيبا شديدا، من آيات تفصيلية كثيرة، كما هي حال الآية الآدمية الإنسانية، كما ذكرنا آنفا. وإذا جعلنا الفيزياء متعلقة بالمظاهر، التي هي الصور العدمية، فإنه يتحتم علينا النظر فيما وراء هذه المظاهر؛ وهو ما سماه الأقدمون من الفلاسفة الميتافيزيقا. فتسمية الميتافيزيقا تسمية صحيحة لها أصل إلهي، ومن لا علم له في هذه المرتبة، فإن علمه بالفيزياء نفسها سيكون ناقصا. وهذا، هو ما جعل فلسفة الفلاسفة اليونان فلسفة تامة؛ عند خوضهم في الإلهيات، وإن لم يتجاوزوا مبادئها، ووقعوا في أخطاء كثيرة بسبب قصورهم عما يُنتجه الدين لأهله؛ ما دامت الألوهية لا تُعلم إلا بالتشريع والوحي. وأما الفلاسفة المنكرون للألوهية، فإن فلسفتهم تكون ناقصة، وعلمهم بالطبيعة أيضا يكون ناقصا؛ على عكس ما يُصنفهم الدارسون. وقد وقع في آفة النكوص، من يسمون بـ "الفلاسفة المسلمين"، عندما لم يتجاوزوا ما يُدركه الفيلسوف اليوناني من العلم بوجود الحق؛ وهذا رغم استدلالهم أحيانا بآيات القرآن، أو بالأحاديث. والكلام في تفصيل هذه المسألة يطول، فلنمسك عنه هنا، حتى لا يصرفنا عن الغرض... أما النقطة التي يتكلم عنها أصحاب نظرية البيغ بانغ، والتي يصفونها بأكثف نقطة مادية، فهي صورة بدء الخلق في العالم السفلي وحده؛ بل هي صورة جزئية له. وهم بعدم ردهم لهذه الصورة إلى أصلها من الحق، سيبقون حبيسي العالم السفلي؛ وبالتالي فإن معرفتهم بحقيقة العالم، وحقيقة الخلق، لا تعدو أن تكون تخرصات. يقول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 116، 117]... ولا شك أن ما بقي من الفيزياء خارج تناول هذا المقال، سنعمل -بإذن الله- على تناوله في مقالات أخرى بحسب ما يعرض لنا. وللمخاطَب المتخصص، إن كان من أهل نور الهداية، أن يجمع هذه المقالات بحسب الترتيب الذي يخدم أغراضه؛ فإنها من كنوز العلم، ومن مفاتيح الغيب. ولولا أن أوان ظهورها قد حان، ما كنا نبرزها لعزتها!... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.