اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2018/11/13 العمل الإسلامي ومنطق الإسلام - 10 - التوصيف الخاطئ وأثره إن الإسلاميين، الذين لن نشكك في نواياهم وقصدهم الخير لأنفسهم وللأمة من بعدهم، لا يكادون يعلمون من الإسلام إلا ما أدركوه منه، أو ما تلقوه عن أئمتهم حصرا؛ وهذا بالتأكيد لا يُطابق الصورة الأصلية التي له مطابقة تامة. وهذا الأمر كان ينبغي أن يُعتبر لدى الإسلاميين، ولدى من يُعاملهم؛ حتى لا يقع المعامِلون في الغلط، سواء أكانوا موالين لهم أم معادين. وقد أشرنا سابقا إلى أن من يعيش في حقبة زمانية ما، لا يستطيع أن يُدرك الحقب الأخرى إلا بضرب من التمثل. والتمثل قد يَقرب من الحقيقة وقد يبعد، بحسب مرتبة المتمثِّل العلمية، ومدى تقارب أو تباعد ما هو محل للمقارنة. وهذه الحقيقة يغفل عنها جل المفكرين والدارسين، ويكادون يتجاوزونها؛ بسبب توهمهم أن كل الناس على إدراك واحد، وكأنهم خارج الزمان أو كأن المتناول بالنظر، هو مما يدخل في باب المعقول المجرد. والحقيقة هي أن الربانيين وحدهم -كما نذكّر دائما- هم من يتمكنون بفضل الله، من إدراك الأمور خارج الزمان وخارج التمثل الشخصي. نعني من هذا كله أن حقيقة الدين الأولى، قد طرأ عليها تحريف (وإن لم يكن دائما مقصودا) لا يتمكن المتأخرون من تبيُّنه وإن راموا ذلك، لكونهم لم يعيشوا الزمن الأول، ولا تلقوا الدين عن صاحبه صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة (في صورته أو في صورة الوارثين). وكل ما بلغ المتأخرين من أخبار الأولين، لا يُقطع بأنه قد عم جميع شؤونهم، بحيث يستوي فيه المـُخبَر بالمخبَر عنه؛ إن صح الخبر. والفرق بين الإدراكين: الأصلي والمخالف، هو ما نشير إليه هنا؛ لأجل أن يُعتبر ويُبنى عليه. إن الإسلاميين عندما وجدوا الأمة تعيش منذ القرن الماضي تحت الاحتلال، ولاحظوا أن التخلف الحضاري له صلة بالتخلف الفكري، الذي يحول دون إنتاج ما أنتجه الفكر الغربي على الخصوص؛ ظنوا أن الأمر منوط بقليل من الترتيب، وبتقليد من يرونهم سابقين، بحسب الاستطاعة. وعندما وجدوا أنظمة الحكم (الحكم العثماني في آخر عهده أو الحكم الوطني بعده) مترهلة، وتعتمد أساليب متجاوزة، ظنوا أن الإصلاح المنشود، لا يكون إلا بإصلاح الحكم نفسه ظاهريا. وبما أنهم -جزاهم الله خيرا- عرفوا أن الدين لا يُمكن التنازل عنه في طلب الإصلاح، وقاسوا حال الأمة على ما كانت عليه تحت الخلافة الراشدة، أرادوا أن يجمعوا بين ما هو من الدين وما هو من العصرنة، لعلهم يظفرون بالحسنيين. لكن فاتهم أن أمة الإسلام ليست مهملة مدديا كما هي الأمم الأخرى، التي يبدو للناظر أنها تعيش وفق ما تختاره لأنفسها من أنظمة، ديمقراطية أو شبه ديمقراطية... وما علموا حقيقة أن أمة الإسلام تحمل أمانة خاتمة الرسالات، التي جعلها الله بها شاهدة على البشرية جمعاء، مقيمة للحجة عليها. يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. والشهداء لا بد أن يكونوا محل عناية خاصة من الله، حتى تصح لهم الشهادة. هذا متحقق في مجموع الأمة بما هي أمة، كما أسلفنا في فصل سابق، وإن كان لا يشمل جميع مكوناتها على التفصيل والتمام. والإصلاح في الأمة دائما، لن يكون إلا الجمع بين فِرقها وأفرادها، على ما يكون عليه خواصها (الإمامة)؛ لا ما قد يتوهمه المفكرون بما يعطيه فكرهم، بالقياس على الأمم الأخرى. هذا لا يكون!... وفات الإسلاميين أن أمة معتنى بها، لا يُمكن أن يُجعل أمرها إلى الفكر البشري في الأصول والأمهات، وإن كان منطلقه الوحي ظاهريا. وفاتهم أيضا، عند نظرهم في شؤون الحكم -بالمقارنة إلى الأنظمة العالمية- أنهم يجهلون أصوله من شريعتنا على الوجه الأكمل. لا يسلم من هذا القصور كبار الفقهاء الذين يتأسَّون بهم، كما لم يسلم منه الفقهاء السابقون من الأزمنة الماضية، الذين اختلط عليهم أمر الخلافة وما يتعلق بها من أحكام، بما هو من شؤون المـُلك؛ حيث ينبغي اعتبار وجهَي الخلافة الظاهر منهما والباطن. وبما أن الفقه السياسي بقي فقها ضامرا -لحكمة إلهية- لا يتبيّن أصحابه كثيرا من معالمه، ولا يعلمون منه إلا ما يتعلق بظاهره (الملك)؛ فإن جميع المتأخرين انتهوا إلى أنه لا توجد أحكام واضحة تتعلق بالحكم في القرآن ولا في السنة؛ وأن الأمر عائد -بحسبهم- إلى اجتهادات ظرفية تَعتبر عموميات الشريعة وأصولها بحسبهم فحسب. بل إن بعضهم لم يُخْفِ أننا مطالبون بالأخذ عن الفكر السياسي العالمي بلا غضاضة، بما أن التصور العام للحكم به خلل لا يمكن إنكاره. وما علم المساكين أن الخلل هو في تصور الحكم لديهم وحدهم، لا في الصورة الأصلية التي له. وأنى لهم العلم!... والحقيقة هي أنهم كانوا يجهلون الشق الباطن من الحكم، الذي يجلي الصلة بين الله وعباده وجودا، كما يعتني بها الشق الظاهر من الشريعة حكما. وبما أن فقهاء الظاهر، لم يتمكنوا من معرفة الفضل لفقهاء الباطن، فإن اكتمال الصورة بقي متعذرا على الأجيال المسلمة المتعاقبة، إلى أن أصبح الناظر في تاريخ الأمة المعتمد للملاحظة وحدها، يكاد يجزم بقصور ما يقوله الفقهاء في شأن الحكم؛ مع كونه لا يجد معينا على تمييز ما لا يجد له تفسيرا معتبرا من ذلك، يجعله يطمئن إلى أن العلم الديني الشائع، محيط بجميع الأحكام الضرورية، والتي منها أحكام الحكم، إحاطته ذاتها بالشعائر التعبدية والمعاملات البينية المختلفة الأخرى. وعندما يعز الأمر على نخبة العوام، الذين هم الفقهاء، فما الظن بمن دونهم في الإدراك!... إن الفقهاء وعموم المسلمين من بعدهم، عندما أعملوا فكرهم ليعلموا مِن مُدرَكهم في الوحي، ومن واقع الأمة -خصوصا بعد دخول الشوائب الغربية الثقافية والأيديولوجية عليها- مواطن الخلل، توهموا أن ما يتعلق بالحكم، هو أساس الانحراف العام الذي لا يُنكره أحد. ولما وجدوا الحكم العصري عندنا في مجمله، صورة شائهة للحكم لدى الأمم الكافرة -وإن أبقى على أصل المرجعية الإسلامية في دساتيره مضطرا- قالوا بوجوب عودته إلى أحكام الشريعة، إيمانا منهم بأنها شرط الصلاح العام، كما هي شرط الصلاح الفردي الخاص. وقد راق الفقهاءَ هذا الفهم الصحيح في نفسه، بسبب خدمته لأغراضهم الدنيوية، عندما سيُجبَر الحكام على العودة إليهم بالاستشارة والاستهداء، مفتقرين إلى تزكيتهم في نظر الشعوب. وهذا يجعل منهم سلطة معنوية، لها تأثيرها الذي لا تخطئه عين المتفحص لتاريخ أمتنا كله. وفاتهم (الفقهاء) أنهم لن يتمكنوا من إفادة الحكام إلا فيما هو عام، مما يعلمونه من ثقافتهم الإسلامية إجمالا؛ وسيبقى القصور الذي نبهنا إليه آنفا، ماثلا للناظرين، وإن احتيل له في التعمية قدر المستطاع. وحتى الحكام الذين اعتضدوا ببعض الفقهاء من المدعين لأهلية الإرشاد العام، لم يتمكنوا من الخروج بشيء ينفعهم في خصوص بلدهم، بله أن يتعدى إلى غيرهم من البلاد الإسلامية الأخرى. ويكفي أن ننظر إلى دولة قطر التي -بإيوائها للقرضاوي وللمطاردين من جماعة الإخوان المسلمين معه- قد ظنت أنها ستتمكن من التأثير على جميع الدول العربية الأخرى؛ رغم أنها لم تعمل على إبراز أركان الحكم في الإسلام لديها؛ لا علما، وهو ما كان على القرضاوي إنجازه؛ ولا عملا، بما يسهّل على الآخرين الاقتداء بها. نعم، نحن لا ننكر انسياق بعض الإسلاميين من دولنا خلف التأثير القطري طمعا في النهوض بالأمة، مع كل هذا الضعف المشهود؛ لكن ذلك لا يبلغ ما كان ينبغي أن نصل إليه جميعا، مما هو مقارب للصورة العلمية الأصلية التي للحكم عندنا، إن لم يكن مطابقا... إن مسألة الحكم، ليست مسألة طاعة ومعصية في البداية؛ وإنما هي مسألة صحة العلم بمرتبته الوجودية، وبالأحكام المتعلقة به؛ مما هو من جهة باطنه ذاته، ومما هو من جهة ظاهره الذي يلي المحكومين جماعة وأفرادا. إن هذه الأبعاد لم تُستكْنَه من قِبل علماء الدين إلى يومنا هذا، ولا هم طلبوا علمها من مظانها. فكيف بعد هذا، يُعلّق الإصلاح بما لا يحاط به علما؟!... أما من جهة أخرى، فإن الإسلاميين بسبب تملك الهوى لهم، قد أناطوا الإصلاح بالحكام وحدهم، ليتملصوا من تبعات المساءلة لهم وللفقهاء الذين لا يبعدون عنهم كثيرا، من قِبل الشعوب؛ ليجدوا بذلك ذريعة إلى القدح في الحكام، وإلى منافستهم على الحكم بعد ذلك، منافسة تبدو شرعية في نظر العوام والجاهلين. ولولا هذا، لكانوا عادوا إلى الوحي يستخبرونه!... ولو فعلوا لوجدوا المنطق القرآني يدل على ارتباط أحوال الناس بصنف الحكام على ضربين: فإما أن يكون الحكام في حكمهم صورة لحال المحكومين، فيكون ذلك جزاء دنيويا لهم (وهذا يصدق على الأغلبية)؛ وإما أن يكون الحكام الظالمون تمحيصا لإيمان المؤمنين (وهذا يصدق في حق الأقلية). وإن ذِكْر الله تعالى لإعزازه عباده ولإذلالهم في قوله (من آية الملك): {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، هو لِيدل على أنه سبحانه يستعمل الملوك في إذلال الناس أو في إعزازهم، ليعودوا إليه سبحانه في ذلك؛ لا لينشغلوا عنه بأحوالهم، كما كان أهل الشرك في شركهم. وقد جاء في بعض ما نُقل عن الكتب السابقة، أن الله تعالى يقول: [أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَالِكُ الْمُلْكِ، وَمَالِكُ الْمُلُوكِ؛ قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي. وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالسَّخَطِ وَالنِّقْمَةِ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. إِذًا فَلَا تَشْغِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالذِّكْرِ وَالتَّفَرُّغِ إِلَيَّ، أَكْفِكُمْ مُلُوكَكَمْ.][1]ومن لا يعمل بهذا الأصل في نفسه، فليعلم أنه على فسق، في هذه المسألة على التخصيص. وإن عدم تصور المعاملة بين الحكام والمحكومين معاملة جدلية لها بعدان، يخرج بها عن موضعها الصحيح، ضمن شبكة الجدليات العامة التي ينبني عليها شأن الوجود بأسره. وإن ترجيح النظر إلى ما هو من الحكام على ما يكون من المحكومين، لَهو بسبب غلبة الوهم على العامة وتصورهم أن السلاطين يملكون الدنيا حقيقة، ولهم التصرف فيها مطلقا. وهذا يجعلهم يحسدونهم عليها، ويرون لهم المزية بها، زيادة على ما في ذلك من شرك غير خفيّ كما نبهنا. وهذه لا شك نظرة الغافلين، الذين لا ينبغي أن يُستمع إلى رأيهم، فيما هو من باب الشؤون العامة على الخصوص، لعدم الأهلية كما هو ظاهر. وحتى يتمكن المرء من تبيّن ما ذكرنا، فعليه تصور حاكم عادل مع رعية فاسدة، مُصرّة على ما هي عليه. ألا يختل لديه الميزان عند إرادته الحكم بالعدل؟!... وهل يُمكَّن من ذلك حقيقة؟!... إلا إن كان المرء من الديمقراطيين، الذين يرون أن للشعب ما يختاره من أحوال؛ من دون اعتبار لشرع ولا لعقل. فإن كان الأمر هكذا، فلا كلام!... ثم إن العامة عندما ينظرون إلى المشهد الجامع للحكام والمحكومين جميعا، لا يرون أنهم مملوكون لله يفعل فيهم وبهم ما يشاء سبحانه، ويبتلي بعضهم ببعض؛ وإن كانوا يقولون ذلك بأفواههم من باب التقليد. وقد قال الله تعالى في مثل هذا المعنى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20]. والآفة هنا ليست سياسية كما يزعم الجاهلون، وإنما هي إيمانية. والإيماني ينبغي أن يُعالج بطرائقه، لا بما هو من الشأن السياسي وطرائقه. وإن نحن عدنا على ما يشيع في زماننا من تصور للحكم لدى المسلمين، فإننا سنجده تصور الكافرين عينهم؛ الذين لا يرون الدنيا دار امتحان، بل دار قرار. ويكفي هذا الضعف في الإدراك، ليجعل أبناء أمتنا يتوبون مما هم عليه من سوء الحال، بدل التمادي فيما يضرهم ولا ينفعهم. وهذه الحال من الخلط، لا تساعد على تبيّن الحق فيما هو بين الحكام والمحكومين من معاملات، وإن زُعم ما زعم. وأما من كان يشهد أن الملك لله، فإنه لا يضجر من شيء من جهة باطنه أبدا؛ لأنه يؤمن -إن لم يكن يعلم- أن تصرف الله في ملكه لا يكون إلا عن علم وحكمة وعدل؛ مهما بلغ الظلم في الظاهر. وإذا لم يُدرِك العبد الغافل هذا، فليس له أن يسأل من الله تغيير أفعاله سبحانه، إرضاء للسفهاء من عباده!... هذا عكس ما ينبغي أن يكون الأمر عليه من تسليم ومن تناصح عام، يعودان بالناس إلى الجادة. ولعل سائلا يسأل هنا: هل تريدون بكلامكم أن يسكت الناس في جميع الأحوال على الحكام، إن هم صدّقوكم؟!... فنجيب: حتى إن طلبنا منهم ذلك، فلن يكون؛ لأن سكوت الناس وكلامهم هما أيضا من فعل الله العليم الحكيم. ولن يستطيع الناس السكوت، وإن صدّقَنا بعضهم؛ لكن مرادنا بكلامنا هذا تنبيه من يريد أن يوسع من نظرته إلى الأمور، لعله يقترب من الفهم الصحيح، الذي يكون عليه الربانيون، دون سواهم من الناس. هذا فحسب!... وعندما غلب على الإسلاميين ما يغلب على سواهم من الغافلين، فإنهم لم يروا الظلم إلا من الحكام؛ في حين أن الظلم الذي لدى الشعوب، قد يفوق ظلم الحكام بأضعاف كثيرة أحيانا. وفي محاسبة طرف، والإغضاء عن طرف، تحامل وإغراض لا يخفيان عن منصف... ثم عندما دخل الفكر الغربي على المسلمين عموما (ومن بينهم الإسلاميون)، فإن العدل صار هو موافقة أغراض الشعوب وحدها في نظرهم. وهذا مخالف للشريعة، التي جعلت طاعة الله ورسوله واجبة على الحكام والمحكومين جميعا، كلاّ بما يناسبه ويخصه. وإلا سيكون الدين أيديولوجيا جاهلية، لا تختلف كثيرا عن الاشتراكية المزعومة، والتي لا تنطلي إلا على عمي البصائر. ومسألة كون الشعوب دائما مظلومة، ينبغي أن يتخلص منها كل من يريد أن يبلغ الحق بنظره في الأمور. فلو تتبع المرء وجوه الظلم عند الشعب من أفراد وجماعات، لوجد العجب!... بل إنه سيرى ظلم الحكام إلى جنب ظلمهم في أحيان كثيرة، لهوا ولعبا. نعم، إن بعض ظلم الشعوب، هو من أثر ظلم الحكام، هذا لا يُنكره أحد؛ لكن أكثر الظلم الذي نسبناه إلى المحكومين، والذي يكون سببا أحيانا في الظلم العام، يأتي من عدم معرفة الله، ومن عدم توقير مقام الربوبية، ومن تزكية النفوس والكبر، ومن احتقار المساكين ومهيضي الجناح (ومنه احتقار المرأة على مر القرون)، ومن إشراك بالله ما لم يأذن به سبحانه، ومن عبادة للحكام بالباطن وإن أُنكرت بالظاهر، ومن إيثار للدنيا على الآخرة، يدل عليه كل ما سبق... ولو فرضنا أن الناس تخلصوا من هذه الموبقات، مع بقاء ظلم الحكام لهم، فإنهم سيكونون على خير كبير؛ ولن يُنقص من حالهم شيئا ما يرتكبه الحكام من مخالفات. وإن ربط طاعة الشعوب لله، بطاعة الحكام ربط لزوم، لا يصح؛ بل هو مغالطة يعتمدها من له مآرب أخرى، غير ما يعلن عنه؛ أقلها إرادته التنصل من واجباته!... فلما غلب هذا النظر الأعور على عمل الإسلاميين، ورأوا عيوب الحكام وتغافلوا عن عيوب الناس وعيوب أنفسهم؛ أدى هذا، إلى تأسيس نظرية عرجاء تحاسب الحكام وتضخم مساوئهم. بل إن الأمر قد فاق ما ذكرنا، عندما استغفل الإسلاميون الناس وحرضوهم على الحكام، وكأن الشر كله محصور فيهم. وهذا على ما فيه من تحريف لأحكام الدين، هو احتيال ومخادعة، يبغي الإسلاميون منهما توظيف العوام في المعركة ضد الحكام فحسب. ولقد رأينا فعل الإسلاميين عند بلوغهم الحكم (الحكومة) في المغرب، بعد وعودهم العريضة للشعب، فوجدناه بعكس ما وعدوا، إمعانا في إذلال الناس وفي التضييق عليهم من جانب معيشتهم!... ولعل قائلا يقول (كما سمعناه مرارا): إن الإسلاميين لم يُمكَّنوا من الحكم حقيقة، حتى تجوز محاسبتهم!... فنقول: بما أنهم لم يُمكَّنوا -زعما- فقد كان ينبغي عليهم عدم قبول المناصب، حتى لا يكونوا متحملين لأوزار من يمنع الإصلاح!... وبما أنهم رضوا بما أريد منهم، فإنهم سيكونون أسوأ من الحكام أنفسهم؛ لأنهم بهذا صاروا تبعا لهم في السوء، ولا أصالة لهم تُرجى في أنفسهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحذيرا مما ذكرنا: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا؛ وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا.»[2]. ويكفي من الإسلاميين أن يكونوا إمعة، ليفقدوا كل مصداقية لهم. وإن لم يكن هذا من الفتن الكبرى، التي عانت منها الأمة الويلات ماضيا وحاضرا، فما عسى أن تكون الفتن؟!... وإن لم يكن الإسلاميون بفعلهم هذا من دعاة الفتنة الواقفين على أبواب جهنم، والمنفرين عن الدين، فما عساهم يكونون؟!... لو أن الإسلاميين كانوا على الجادة، لطالبوا الشعوب بطاعة الله أولا، على الوجه الصحيح؛ بتركهم للتديّن الصوري الذي صار شعارا نفاقيا عصريا، وبالعودة إلى التدين المبني على التزكية التي هي فرض عين على كل مسلم ومسلمة. نعم، إن فعلوا هذا، فنحن معهم على نصح الحكام بما ينفعهم وينفع شعوبهم؛ لأننا لا ندل على ترك العوَر لنقبل العور المقابل له؛ وإنما نريد استعادة البصيرة والشفاء لجميع النفوس؛ ونريد الخير لجميع الفئات والطبقات. وإن شاعت الطاعة في الناس وقلت المجاهرة بالمعصية، فإننا لا نشك أن الله سيغّير ما بالناس من أحوال ذميمة، إلى ما يرتضيه سبحانه لعباده منها؛ وهو القائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. فهل يصدّق الإسلاميون والشعوب من بعدهم القرآن تصديقا عمليا حقيقيا؟ أم يكتفون بقول "صدق الله العظيم" كذبا، عند سماعه يُتلى!... وإذا تبيّن أن الإسلاميين عاصون لله بمخالفة توجيهه سبحانه، فكيف يدلون غيرهم على ما هم أحوج إليه!... فإن كانوا يظنون أنفسهم صفوة الأمة، كما يريد أئمتهم لهم أن يتوهموا بالباطل، فليعلموا أنهم مظهر من مظاهر ضعف الأمة وانحرافها؛ حيث ينبغي التخلص من تنظيراتهم ومن تنظيماتهم، لتسهل على الناس العودة إلى الدين الأصيل السهل الميسر البسيط الشامل، من غير تنطع ولا مغالاة. ولا تنفع هنا كل التخريجات الفكرية التي يستحوذ بها حذاق الإسلاميين على عقول البلهاء من الناس؛ لأن الدين لا يُبنى على الفكر المجرد أبدا، بله أن يكون الفكر فيه ضلاليا شيطانيا!... بل إن التخمة الفكرية التي يعاني منها الإسلاميون والنخبة المثقفة معهم، ليست هي الأخرى إلا مظهرا من مظاهر الانحراف الديني والمرض القلبي (نحن لا نفرق بين القلب والعقل كما تفعل العامة). ونحن لا نفتأ نذكّر إخواننا أن الدين أصله رباني من خارج دائرة العقل؛ وما كان ربانيا لا يُدرك إلا بالربانية من العباد. وأما الفكر (ما تسميه العامة عقلا)، فلا يُدرِك إلا جزءا يسيرا مما هو في متناول العقول المعاشية، لتقوم عليها حجة التكليف. وتبقى المعارف التي يزخر بها الوحي مستغلقة دون كل هؤلاء المخالفين... فإن نحن أضفنا إلى الأغلاط المنهجية السابق ذكرها، ما ينتج عن السياسات العالمية من مضاعفات، فإننا سنجد أنفسنا أمام صور قلّ من يستطيع تعرّف الحق منها لتشعبها وتداخلها. وإنما الناس فيها، بحسب ما يُوجَّهون عن طريق وسائل الإعلام، وما يجري مجراها من أسباب التوجيه الجماعي. وإن نحن عدنا إلى ما تعيشه أمتنا في هذه الحقبة، ما بعد انقداح شرارة "الربيع العربي"، فإننا سنجد الصورة تزداد انبهاما مع مرور الأيام... ورغم سقوط الدول العربية القطرية تباعا، فإن العامة من المسلمين، ما عادوا يفقهون من ذلك لا أسبابه الحقيقية، ولا نتائجه ومآلاته؛ فضلا عن أحكامه الشرعية. وإن نحن أردنا معرفة موضع الإسلاميين، مما يجري إقليميا وعالميا، فإننا سندهش عندما نجدهم قد صاروا أدوات في أيدي دول بعينها؛ يخدمون أغراضها وأغراض من خلفها من القوى العالمية. وإن نحن عدنا إلى الدول نفسها، فإننا سنجدها للوهلة الأولى، قسمين رئيسين كالعادة: أهل سنة، وشيعة. فالشيعة تعمل دولتهم (إيران) بعكس ما تعمل دول أهل السنة؛ وكأن الإسلام إسلامان على طرفَيْ نقيض. ونحن هنا نوصّف الوضع، ولا نحكم بالصواب لأي من الطرفين، لعدم خلوّهما معا من مخالفات؛ على تفاوت لا يُنكر. وأهل السنة نجدهم فريقين: فريق السعودية والإمارات ومن يتبعهما؛ وفريق قطر وتركيا. فأما الفريق الأول، فيعمل تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية؛ ظاهرا من أجل بلوغ صورة "معتدلة" للإسلام، يبدو أن سلفنا الصالح أنفسهم لم يُدركوها بحسب هؤلاء؛ وباطنا من أجل التمهيد للحكم الدجالي العالمي. والدليل على كون الدولتين يجمع بينهما الولاء لأمريكا أكثر من أي شيء آخر، هو كون السعودية على المذهب الوهابي الضال (إلى زمن قريب)، وكون الإمارات على إسلام مائع (يزعمونه صوفيا) لا يلتقي مع الأول أبدا. وأما تركيا وقطر فتتبنّيان الطرح الإخواني العالمي، الذي تروم به قطر الطّفُوّ على سطح الأحداث، جبرا لنقصها الجغرافي؛ وتريد منه تركيا استرجاع مكانة لها في الإسلام هي حديثة عهد بها، كانت بها قائدة لجل العالم الإسلامي. لكن الدولتين، لم تميّزا إلى الآن بين ما هو من الإسلام، وما هو من الأيديولوجيا الإسلامية الحديثة... وإن نحن أردنا أن نتبيّن أثر عمل الفريقين المذكورين في الأمة الآن، فما علينا إلا أن ننظر إلى سوريا، وما أصابها من دمار وتقتيل... فإن قال قائل: إنما ذلك من عمل بشار ونظامه!... فإننا نقول: عندما انطلقت "الثورة السورية" -وقد كنا حينها في دمشق- كان الأمر بين النظام السوري والشعبِ، على ما يُعلم من انحراف النظام وقسوته على شعبه، الذي لا يُمكن أن نبرئه من السوء تماما، رغم شيوع التدين الظاهري فيه، والذي يقوده الفقهاء. والفقهاء قد أبنّا قصورهم ومخالفاتهم مرارا، بما لا يخفى عن متتبع؛ فلا حاجة إلى التكرار. والأمر على هذه الصورة، قد لا يبعد أن يتوصل أهل البلد معه إلى حل، رغم صعوبته. لكن الأفواج من الإسلاميين التي دخلت سوريا من كل الجهات، والذين كانت تمدهم السعودية والإمارات من جهة، أو تمدهم قطر وتركيا من جهة أخرى، بالإضافة إلى الإسلاميين من أهل البلد الذين انضموا إما إلى هذا الفريق أو إلى ذاك، قد "خلطوا الأوراق"، وأعطوا لبشار نوع مشروعية في مواجهتهم، وبالتالي في قمع شعبه والتنكيل به، بحجة الدفاع عن سلامة الوطن. وهذا لا يخلو من وجه صحة!... ولقد بلغ الأمر أشده عند استدعائه هو نفسه لفريقين آخرين هما: إيران وروسيا. فازداد الوضع تشعبا وتركيبا، إلى الحد الذي صار معه تفاهم حكام سوريا مع شعبها ضربا من المحال. وكأن تفاهم الحكام مع الشعب، قد أصبح مرهونا بتفاهمهم مع الأطراف العالمية كلها قبله. وهذه وضعية غريبة، صارت جديرة بالدراسة والتحليل... لقد أخطأ الداخلون إلى سوريا الحساب، عندما ظنوا أن نظام الحكم فيها سينهار بسهولة، وسيستلمون الحكم هم بدله، ليكون النظام الجديد إما وهابيا أو إخوانيا أو سروريا جامعا بينهما. فلما دخل الإيرانيون صار النظام أكثر تشيعا باعتبار أن النصيرية الحكام شيعة غلاة في أصلهم. وأما الروس فقد وجدوا في البلد موطئ قدم استراتيجيا، تُمْكِن منه المشاركة في صياغة النظام العالمي بفاعليّة، ضمانا لبقائهم ضمن عناصر المعادلة السياسية العالمية. كل هذه لا تعدو أن تكون حسابات بشرية، لا يُلام أصحابها عن تحري مصالحهم، كما يفعل جميع الناس؛ وقد تصدّقها الأقدار كما قد تكذّبها... لكن الإسلاميين من كونهم مسلمين، ما كان ينبغي لهم الدخول في هذا الأمر وهم يجهلون آثاره على مسلمي سوريا وشعبها عموما؛ ولا وهم يجهلون مقدار خدمتهم للجهات العالمية المتصارعة، مع إغفال ما قد يصب في مصلحة المسلمين عالميا، وما يضرهم. ولا ننسى هنا فتوى القرضاوي بإباحة دم بشار (بعد فتواه عن القذافي)، وكأنه تجسيد الشر وحده في المشهد العام كله. وهذا تسطيح لما هي الصورة عليه، ودفْعٌ بالناس إلى المجهول، ما زال إثمهما جاريا على أهله إلى الآن. ولا بد هنا أن نذكر ما بلغنا من جهة الغيب حينها، مباشرة بعد عودتنا من الشام إلى المغرب في صيف عام 2011م. بلغنا أن رجال الغيب في أحد اجتماعاتهم، قد قرروا التمديد لبشار، مع كون جل الناس في العالم ضده. هذا قبل أن يُمدد له في عالم الشهادة لفترة أخرى من الحكم عام 2014م، بسنوات... وقد تعجبنا نحن من ذلك، لكوننا في الظاهر كنا كسائر الناس، لا نوافق على حكم حزب البعث، ولا على العنف الذي مارسه النظام ضد الشعب من أول يوم. نقول هذا، للدلالة على ما يكون أحيانا من البعد بين حكم الشيء عند أهل الباطن، وحكمه عند أهل الظاهر؛ مع الجزم بنفاذ حكم أهل الباطن ولا بد، الذي يكون موافقا لإرادة الله من غير شك. فأين الإسلاميون من اعتبار ما ذكرنا؟... أو حتى التصديق به!... فإن أقروا وأقررنا معهم بأنهم لا يحوزون بنظرهم إلى الأشياء، إلا نصف الصورة الظاهر على قصور، فكيف يتوخون مع ذلك إصابة الحق في أحكامهم وفي أعمالهم، التي يجرّون الناس خلفهم فيها؟!... ألا يجدر بهم إدخال ما ذكرنا في الاعتبار، خصوصا وأنه من شؤون الأمة التي تنفرد بها، من دون سائر الأمم الأخرى؛ لكون رجال الغيب لا يكونون إلا منها وحدها!... وخصوصا لأن المرحلة الزمانية التي نحن مقبلون عليها، سيكون فيها الحكم الظاهر للأولياء!... حري بهم أن يتدبروا هذا، وحري بالدول التي تستعملهم في المغالبة الاستراتيجية أن تعتبره أيضا. ورغم ما نعلمه نحن من الخير لدى الشعب التركي، فإننا نرى أن رهان حكامه على التيار الإخواني في هذه المرحلة، سيكون جالبا للوبال عليه، بسبب معاكسة رجال الغيب لهم للأسباب التي ذكرنا كلها. والأمر نفسه يصح في حق قطر وغيرها، وإن كانت هي أقل استقلالية من تركيا. إن عدم تثبت العاملين للإسلام، من حقيقة ما يعملون له، بمحاولة بلوغهم معرفة التوجه القدري الذي يعمل عليه رجال الغيب، قد يجعل من الدول المسلمة خادمة للمشروع الدجالي العالمي الذي يبسط نفوذه على الأرض يوما بعد يوم، والذي سيلتهمها كلها من دون تردد، حالما يستغني عن خدماتها. لا يظنّ أحد أن النظام الدجالي سيبقي على هذه الدول الموجودة الآن!... هو يبغي إقامة دولة عالمية، تتنافى وكل الدول القائمة الآن؛ إسلامية كانت، أو عربية؛ شرقية كانت أو غربية!... إن العلم بالواقع كما هو، لا شك ضروري لكل بلد، ولكل سياسي ينشد الفلاح فيما هو عامل. إن ما نقوله هنا، يغيب عن جل حكامنا؛ بسبب كونه من الأسرار التي يعمل عليها النظام الدجالي العالمي، والتي يحرص أشد الحرص أن لا تعلمها الشعوب. ذلك لأن النظام الدجالي لا يتمكن الحكام من القيام له، إن لم يكونوا معضدين بشعوبهم. لا يهمنا هنا كيف يلتقي الحكام مع شعوبهم، ولا ما هي الخطوات المقربة لذلك، بقدر ما تهمنا معرفة شروط مواجهة النظام العالمي، التي مضى علينا رَدَح من الزمان ونحن ننذر بها. إن حكامنا ما زالوا يُنبئون عن قصور جلي، في سياساتهم الداخلية والخارجية؛ وما زالوا متخلفين عما تتطلبه المرحلة الراهنة، من إعداد وتهيئة. إن على حكام دولنا، إن كانوا لا يريدون أن يكونوا أول وقود للفتن القادمة، أن يبدأوا في تجسير الهوة التي تفصل بينهم وبين الشعوب؛ وأن لا يتّكلوا على سياسة الإرشاء الموسمية والظرفية، التي يعتمدونها من أجل امتصاص الغضب في كل مرة، بعد قيام فئة أو جماعة للمطالبة بحقوقها. فإن ذلك كله لا ينفع، عند تيقن الشعوب من أن الحكام يعملون لما يضر بالدين وبالأمة؛ إما جزئيا، بسبب الانقهار تحت نفوذ القوى العالمية، كما لا يخفى؛ وإما كليا، عند الانخراط طواعية في المخطط الدجالي، إذا غلب الوهم منهم بفلاح أصحابه وانتصار أهله. وإن الصورة صارت تزداد وضوحا مع مرور الأيام، فلا يغتر أحد بالهدوء الذي يسبق الإعصار!... إن كان بحكامنا بقية حكمة وعقل، فعليهم أن يجتمعوا في صف واحد، للإعداد للمواجهة المحتومة. وإنهم ما زال بمقدورهم -إن فعلوا- حصر الأضرار التي تتفاقم فينا يوما عن يوم. بل ما زال في مقدورهم إيقاف الدجاليين المحليين بذلك، أو إبطاؤهم على الأقل. نقول هذا، ونحن نؤكد على ضعف إدراك الحكام، ونعلم مدى استحكام القبضة الدجالية منهم. لكن هذا لا يمنعنا من دلالتهم على ما ينفعهم وينفع شعوبهم في العاجل والآجل، لعل الله أن يبعث فيهم بذرة الإيمان والخير، وأن ينميها بعد ذلك لتبلغ بهم أطوار الرجولة التي قال الله فيها: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]. لهذا، كنا لا نقبل من الإسلاميين مصارعة الحكام، من دون إعذار. أما إن تبيّن من بعضهم إصرارهم على خدمة المشروع الدجالي، فإنه لن يبقى لنا ما نؤخر به عنهم أمواج الجموع الهادرة، التي هي قادمة لا محالة، إن استمرت الحال على ما هي عليه... وعلى الإسلاميين حيال ما ذكرنا، أن ينسلخوا من المشاريع الإقليمية التي ترعاها دول لا تنظر إلى أبعد من هذه المرحلة، وأن ينخرطوا جميعا في عمل استراتيجي على المدى المتوسط والبعيد، من أجل الحد من الأضرار التي تصيب أمتنا على قدر المستطاع، لعل الله يتقبل منهم من بعد توفيقه وإذنه سبحانه، فينالوا بذلك عنده الحظوة بمنه وفضله. فإن لم يقبل أصحابنا منا ما ننبه إليه، فليعلموا أنهم على ضعف إيماني شديد، يجعلهم أضعف حتى من عوام أعدائهم. وهذا أمر عظيم الأثر على مصير الأمة ومصير الفرد معا!... [1] . رواه ابن أبي شيبة (34218) عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، ورواه غيره عن مالك بن دينار. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.