اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/02/28 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .26.(ج3) الباب الثاني: العلوم المتعلّقة بالقرآن الفصل العاشر: إعجاز القرآن (ج3)
(تابع) 3 . وجوه الإعجاز القرآني: يقول الله تعالى مخاطبا أهل الكتاب خاصة، والناس عامة: {یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ قَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولُنَا یُبَیِّنُ لَكُمۡ كَثِیرًا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَیَعۡفُوا۟ عَن كَثِیرٍ قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِینٌ} [المائدة: 15]، ويقول سبحانه: {رَّسُولًا یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَیِّنَـٰتٍ لِّیُخۡرِجَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ} [الطلاق: 11]؛ وهذا يعني أن القرآن الكريم هو المظهر الكلامي للاسم "النور"، وأن المؤمنين به يُبصرون ما لا يُبصره غيرهم. والظلمات التي يُخرِج منها القرآن المبصرين به، هي الصور العدميّة المشهودة لهم في خارجهم، وظلمة طبيعتهم المغطّية لبصائر عقولهم (النفس)... والشرط اللازم لخروج العباد بالقرآن من الظلمات إلى النور، هو الإذن من الله لهم بذلك؛ يقول الله تعالى: {الۤرۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰطِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ} [إبراهيم: 1]. وإن عدم العلم بهذا الشرط من قِبل الكافرين، هو من فروع كفرهم؛ لكنّ إغفاله من قِبل علماء الدين يُعدّ من الفسوق الأكبر. وهذا، لأن الناظر في آيات القرآن، أو السامع لها، ليس له من سلطان على مباشرة قلبه لها، كما يكون حاله مع كلام أمثاله من البشر، بحسب الظاهر وفي العادة؛ لا بحسب الحقيقة. ولولا أن الله يأذن لبعض عباده في فهم ما يشاء سبحانه من بعض معاني آياته، ما أدرك الناس منها شيئا لعزّتها. كيف لا، والله يقول: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَجِیبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا یُحۡیِیكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَحُولُ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ} [الأنفال: 24]؛ أي إنه سبحانه يحول بين المرء وفهم قلبه، أي عقْله (بمعنى المصدر) للآيات. وهذا التحذير الإلهي، جاء عقب دعوة الله عباده للاستجابة لله ورسوله لما يُحييهم من كلامه، فظهر معنى الشرط الذي دللنا عليه منه. وكلّ من ظنّ أنه سيعقل عن الله في كلامه بمجرّد النظر إلى الآيات، أو بمجرّد سماعها، فإنه بعيد عن الحق؛ مأخوذ به في جانب الظّلمة، لا في جانب النور. وإن حال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مع القرآن عند نزوله على قلبه الشريف، يقرب منه حال عموم الناس، كما تقرب قطرة الماء في الشّبه من صفات البحر: فعن عائشة أم المؤمنين عليها السلام، أنها أخبرت: "أَنَّ الْحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْيانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ؛ فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ ما قالَ؛ وَأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي ما يَقولُ.»"[1] . وتمثيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوحي بصلصلة الجرس، هو ما أردناه من حال سماع الناس للقرآن، مع عدم عقْلِهم لمعناه في أول وهلة. وأمّا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يَعقل المعنى بعد فصم الحال عنه، أي بعد استقرار نور اللفظ القرآني في القلب الشريف. وإن نحن شئنا أن نميّز بين حاليِ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، مع القرآن، فيُمكننا أن نقول عن الحال الأول أنه نزول نور القرآن على القلب الشريف مباشرة؛ وعن الحال الثاني أنه سماعه عليه السلام من جبريل بواسطة المظهر البشريّ. وهذا يعني، أن ما وصفناه أوّلا بالمباشرة، هو أيضا من جبريل عليه السلام، لكن من دون توسّط للبشريّة. فكان ما هو غير بشري، يرِد على النبي للوهلة الأولى كصلصلة الجرس؛ أي بقوة وإجمال؛ وما يرد عليه وآله الصلاة والسلام بواسطة المظهر البشري من الملَك، أخف عليه من الصنف الأول، فيعقله مباشرة وفي الزمن الأول. وأما عموم الناس الذين لم يأذن الله لهم في فهم الآيات القرآنية، فإنه يكون عليهم كصلصلة الجرس الدائمة إن كان سماعا؛ ويكون عليهم عمى، إن كان قراءة بالمعنى المعتاد؛ وهو معنى الصلصلة بالنظر إلى الإبصار. يقول الله تعالى في وصفه للقرآن العظيم: {قُلۡ هُوَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَاۤءٌ وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ فِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٌ وَهُوَ عَلَیۡهِمۡ عَمًىۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِیدٍ} [فصّلت: 44]. ولنتوقّف قليلا عند الألفاظ الشريفة كعادتنا: - فقوله تعالى: {قُلۡ هُوَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَاۤءٌ}: معناه أن القرآن للذين آمنوا، والمأذون لهم في تعقّل معانيه، نور؛ وإن النور القرآني لهؤلاء المأذون لهم، هدًى باعتبار الأثر العقلي الذي يكون له عليهم؛ وهو شفاءٌ بمعنى التطبيب القلبي الضروري للتكميل إما جزئيا وإما كليّا بالنظر إلى السالكين مع الوصول أو مع عدمه. وإن العقل والقلب من حيث المسمّى، عندنا واحد؛ ولكن من حيث وجه الأثر كما أسلفنا الإشارة، هما اعتباران مختلفان، في المسمّى ذاته. ونحن نقول هذا، هنا، من باب التسهيل على القارئ الذي ما يزال تحت سُلطان الألفاظ؛ وأما من فتح الله له في القرآن، فإنه سيعقل عنّا بأقل إشارة... - وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ فِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٌ وَهُوَ عَلَیۡهِمۡ عَمًىۚ}، فمعناه: أما الذين لا يؤمنون بالقرآن، فهو يكون في آذانهم وقرا؛ والوقر هو الثقل في السمع، وهو الصَّمَم بكل درجاته. وبما أن السمع صفة وجودية، يجود بها الله على العباد ذوي الأصل العدميّ، فإن هذا يعني أن القرآن صفة وجودية لله، لا تقبلها إلا الصفة الوجودية من العبد؛ أي، إن كان الكلام من "المتكلم"، فإن السمع يكون من "السميع"، الذي هو هنا ظاهر في سمع العبد. وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَیۡهِمۡ عَمًىۚ}، يعني أن العدم قد اتصفت به الأبصار لا الأسماع وحدها، من ذلك الذي لا يؤمن بالقرآن، ولا يؤذن له فيه. وكما أن الوقر والعمى ظاهران من الكافرين تامّي الكفر، فكذلك هما، يُصيبان بدرجات أقل، من كان على كفر غير تام. وهذا يُصيب من كان معدودا من المسلمين، عندما يخرج عن الصراط المستقيم قولا (عقدا) وعملا. وما أكثرهم بيننا، ولكنّهم لا يشعرون!... وأسوأ هذا الصنف من الصُّمّ العمي، هم من تلبّسوا بثوب الفقه؛ لأنهم لا يكتفون بما هم عليه من سوء في أنفسهم؛ ولكن هم عاملون على ثَقب الغشاء الطّبلي من آذان سامعيهم، من جهة المعنى؛ وعاملون على فَقْء أعيُنهم... - أما قوله سبحانه: {أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِیدٍ}: فهو دليل على أن البعد والقرب ليسا حسِّيّيْن، كما تفهم العامة؛ وهذا في الدنيا والآخرة؛ وإنما هما معنويَّان تظهر منهما مكانة العبد عند الله: فالمؤمن قريب، والكافر بعيد. ورغم أنه في الآخرة سيظهر القرب والبعد في الحسّ الأخروي، حتى تُعلم مكانة العبد؛ إلا أنهما مع ذلك، سيبقى شطر منهما مخصوصا بدخول دار قرار العبد (الجنة أو النار)؛ وهذا اختلاف في ظهور القدرة بمظاهرها، لا فيها نفسها. والعبد البعيد (وليلاحظ القارئ أن الحروف مشتركة بين "عبد" و"بعد")، هو العبد المحجوب بنفسه عن الحق؛ أي هو المحجوب بصورته العدميّة عن ربّه الذي جاد عليه بالوجود. وهذا يعني أن أول نعمة ينبغي أن يشكر العبد ربه عليها، هي نعمة الإيجاد؛ مع أن كثيرين لا يشعرون بها، عند انغماسهم في تفاصيل عدمهم. وهذا من أعجب ما قد تسمعه العقول!... ونحن ندل على هذه الحقائق، في كل مرّة، من جهة مناسبة؛ فمن وفّقه الله للجمع بين مختلفات وجوه كلامنا، فإنه سيظفر بكنز لا يفنى!... ب. كشف الضرّ: وهو المدد الشفائي المذكور في مثل قول الله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَاۤءٌ لِّمَا فِی ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحۡمَةٌ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ} [يونس: 57]، وفي قوله تعالى أيضا: {وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦۤ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَاۤىِٕمًا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ یَدۡعُنَاۤ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥۚ كَذَ ٰلِكَ زُیِّنَ لِلۡمُسۡرِفِینَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ} [يونس: 12]؛ وإذا كان العدم المذكور في الفقرة السابقة منوطا بالذات البشرية، فإن هذا الذي سمّاه الله هنا ضرّا، هو منوط بالصفات والأفعال، وما ينتج عنها جميعا في الدنيا والآخرة. هذا الضرّ، المتعلّق بالأعدام (ج. عدم) التفصيلية التي للعبد، لا يسلم منه أحد من العباد، وإن كان نبيّا رسولا؛ ولو في زمن بعينه؛ وهذا لأن الصفات الإلهية (التي نسمّيها صفات وجودية)، لا تكون على تمامها إلا في العبد الكامل التام، في كل الأزمنة، لا في كل زمان؛ لأن الله شاء أن يظهر الفقر على عبده من رحمته به. وهنا ينبغي أن نفرّق بين الفقر والتحقّق بالفقر؛ فالأول عام، لا يتخلف عن أحد؛ والثاني خاص، تكون فيه الإمامة لخواص العباد من رسل وأنبياء وورثة. وإذا شاء الله أن يصيب الضرّ عبدا من عباده، فهو على أحد حاليْن: إما أن يدعوه في كشف الضرّ، والدعاء يكون إما بالحال أو بالقال، أو بهما معا؛ وإما لا يدعوه، فيبقى الضرّ ملازما له طالما هو على حال عدم الدعاء. ولقد ذكر الله في الآية التي صدّرنا بها الكلام، عموم الدعاء، وذكر سبحانه كيف أنه يستجيب للعبد فيكشف ما به من ضر؛ ولكنّ الغالب على الإنسان من حيث هو جنس، هو أنه إذا نال مراده من ربّه، أعرض عنه؛ وكأنه يقول له بالحال: أنا أريد ما عندك، ولا أريدك أنت!... وهذا، لمن تنبّه، هو أسوأ ما يُعامِل به العبد ربّه!... وقد ذكر الله عاقبة من يستمر على سوئه، وهو أن يُكتب عند الله من المسرفين. والإسراف هو مجاوزة الحد في الاستعمال؛ وهي هنا دعاء الله، وقبول كشف الضرّ، مع تراكم الغفلة المرة بعد الأخرى، حتى تستحوذ على القلب. وليلاحظ القارئ أن الإسراف يُقابله في الجزاء تراكم الغفلة، إلى أن تبلغ الكفر الأكبر إن لم يتدارك الله عبده... ج. الكشف العلمي: يقول الله تعالى: {وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّاۤىِٕفَةٌ مِّنۡهُمۡ أَن یُضِلُّوكَ وَمَا یُضِلُّونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا یَضُرُّونَكَ مِن شَیۡءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ عَظِیمًا} [النساء: 113]، والخطاب هنا للعبد الإجمالي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه يعم كل شخص من أشخاص العباد، من كونهم تفاصيل في العبودية والحقيقة. وهذا يعني، أن كلّ عبد معرّض للضلال من قِبل شياطين الإنس والجن، كما أخبر سبحانه في قوله: {كَٱلَّذِی ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّیَـٰطِینُ فِی ٱلۡأَرۡضِ حَیۡرَانَ لَهُۥۤ أَصۡحَـٰبٌ یَدۡعُونَهُۥۤ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ} [الأنعام: 71]، والمعنى هو أن الشياطين من الإنس والجن، تأتي إلى العبد زاعمة له أنها تدعوه إلى الهداية (الحق)؛ وهذا هو ما يجعل المـُضَلِّين من الناس، يُسمّون ضلالهم حيث كانوا: هداية؛ وتارة ينسبونها إلى الله نفسه زورا، كما يفعل أهل الكتاب الآن؛ وتارة ينسبون الهداية إلى العقل، ويشدّدون على كون العقل سراجا منيرا لظلمات الحيرة، وهيهات!... فإن العقل ليست له هذه المكانة، كما قد يستخلص القارئ من كل كتاباتنا... ويردّ الله على هؤلاء الضالّين من فاعلين ومفعول بهم، بأن الهدى هو هدى الله، لا غيره؛ والهدى ينبغي أن يوصِل العبد إلى الإسلام، فإن لم يوصله، فليعلم أنه على سبيل ضلال!... وعندما قال الله تعالى لنبيّه، ومِن بعده لكل عبد: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ}، فإنه دلّه على نعمته عليه؛ والتي من دونها كان سيبقى في الظلمات. وتعليم الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، هو تام، كما سبق أن أوضحنا؛ ومن هنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعلم بربّه كلّ معلوم. وجاء ختام القول ليدلّ على عِظم هذا الفضل، فقال عزّ وجلّ: {وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ عَظِیمًا}؛ والصفة حيث كانت، إذا وصفها الله بالعظمة، فهي صفته أوّلا. وهذا يؤكّد ما ذكرناه من تمام علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما إن ضاق عَطَنُ الفقهاء عن هذا المعنى، واختلط عليهم حتى ما وجدوا فرقا بين علم الله وعلم نبيّه، فإننا نقول لهم (من باب التعليم): أولا: إن علم الله لا عن جهل، بينما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو عن جهل. وهذا يعني، أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان جاهلا فعلّمه الله، فعلم ما لم يكن يعلم... ثانيا: ومن الاتجاه الآخر، لا يختلط عليكم توقّف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عند ورود الأسئلة عليه أحيانا، إلى أن يأتيه الوحي؛ بحيث تقولون في أنفسكم، إن مثل هذا، والذي لم يظهر كلّه في باقي أوقات عمره الشريف، لا بدّ أن يكون لا نهائيّا؛ وهكذا، فلن يختلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن غيره من الناس، وهيهات!... ولو فرضنا أن الله أنزل القرآن على عبد آخر، كما اقترح الضالّون من قريش حين قولهم: {وَقَالُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلۡقَرۡیَتَیۡنِ عَظِیمٍ} [الزخرف: 31]، استحقارا لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكان هو ولكنتم مثلهم؛ وهذا لأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مميَّز عن غيره عند خلقه أولا، وقبل خلق المخلوقين بما لا يُقاس مما هو خارج الزمان. فكانت حقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منذئذ، جامعة لجميع الحقائق، وقابلة للعلم بكل المعلومات. ولا يخفى عن علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا علم غيب الغيوب، الذي قال الله له بخصوصه: {قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرٌ وَبَشِیرٌ لِّقَوۡمٍ یُؤۡمِنُونَ} [الأعراف: 188]؛ وهذا الغيب، ليس هو كل غيب، وإنما هو غيب الغيوب وحده الذي يستأثر الله بعلمه. وقد غلط بعض أهل الدين زعما، غلطا فادحا، عندما أنكروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم علم الغيب مطلقا، فوصلوا إلى ما يُقارب الكفر، أو إلى ما هو كفر جزئي حقيق. وإن الدليل على ما ذكرنا، باختصار، هو أن أولياء هذه الأمة يعلمون كثيرا من الغيوب؛ فكيف يعلم التابع ما لا يعلمه المتبوع؛ بل ما يُحيط به المتبوع عليه وآله الصلاة والسلام، من أحد الوجوه. فإن عظم على المتفقّهة ما نقول، ذكّرناهم، بأن حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته الأرضية، كانت على هيئة ما يعيشه البشر، من عدم ظهور العلم عليهم دفعة واحدة، وإنما شيئا فشيئا. وهذا، لا يصح في مستوى الحقيقة المحمدية، التي كان فيها العلم دفعة واحدة... ثم إن الله تعالى عندما حض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمًا} [طه: 114]، فإنه ما كان يعني إلا علم غيب الغيوب، الذي يؤتيه منه في كلّ مرّة ما لم يكن لديه، فتتم نعمة ربه عليه في كل زمن فرد من الدنيا والآخرة. وهذا المعنى، ليس إلا له صلى الله عليه وآله وسلم؛ بخلاف ما يفهم القاصرون من الألفاظ... والطّامة التي لدى بعض المتفقّهة، ليست ما أسلفنا فحسب، وإنما هي إنكار تعليم الله ورسوله لخواص المؤمنين، من دون واسطة كتاب أو أستاذ؛ لأن هذا، يهدم الدين هدما، ويدلّ العباد على الانقطاع عن المدد النبوي، ليبقوا من جملة البهائم، وإن كانوا يشتغلون بحسب زعمهم بالوحي. وأي وحي يبقى، مع إنكار المدد العلمي خاصة!... بل هو الوقر والعمى بلا خلاف!... ويُجاب عن شبهات هذا الصنف، إن كان الله يأذن في هدايتهم، بأن: 1. العلم الذي يأتي العبد من دون واسطة عبد آخر من سوى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو ما سماه الله في حق الخضر عليه السلام "علما لدنيا" في قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبۡدًا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ رَحۡمَةً مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمًا} [الكهف: 65]. وهذا العلم اللدني، ليس محصورا في الخضر وحده؛ ومن قال بهذا، فقد حجر واسعا. وكيف يكون هذا العلم محصورا في الخضر عليه السلام، وكثير مما في هذا الكتاب من سنخه؟!... 2. مِن هذا العلم ما يعود إلى عموم المؤمنين، فإن الله تعالى يقول: {وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ} [البقرة: 282]؛ فلم يشترط الله على عموم المؤمنين إلا التقوى، التي هي العمل بما علموا، وهو سبحانه بعد ذلك يؤتي من شاء من العباد ما يشاء من العلم. ولقد عرف المغاربة وحدهم، من الناس، من لا يحصرهم العدّ من هذا الصنف، اتقوا الله، وعلّمهم الله؛ فظهر عليهم العلم وفاض، حتى كان علماء الكسب يأتونهم ليُعاينوا فضل الله عليهم، فيزدادوا يقينا بالوحي. ويكفي أن نذكر شخصا واحدا للدلالة على هذا الصنف، وهو سيدي أبو يعزى يلنّور الأمازيغي عليه السلام، الذي احتار فيه أهل المشرق وأهل المغرب، وأتاه العلماء يتبركون... ولما نظّر أهل السوء من المتفقّهة لانقطاع عموم المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، صرنا نرى العابد منهم، تمرّ عليه السنون في عبادته، وهو لا يزداد من الله إلا بعدا. ونحن في زماننا نعجب (ولا عجب من أمر الله)، من أناس نراهم ونظنّهم أكثر طاعة من غيرهم؛ لكن نرى على وجوههم سواد المبتدعة وأهل الضلال. ولو بقي عموم المسلمين على أمّيّتهم، مع التقوى، لوصلهم المدد النبويّ وإن كانوا على رؤوس الجبال؛ حتى يُصبحوا أكثر علما بالشريعة من أولئك الذين يستعبد بعضهم بعضا من دون الله، ممن ينسبون أنفسهم زورا إلى الفقه!... ولو أطلنا في هذه المسألة لخرجنا إلى الناس بالعجب، ولكنّ الكتاب له تحكّم علينا، ينبغي أن نراعيه... د. عمل القرآن بالخاصية: لقد علمنا من أئمتنا عليهم السلام، أن لآيات القرآن خصائص، يقع بها التأثير في العالم غيبا وشهادة. وقد دلوا على بعض الخصائص لبعض الآيات؛ ولكن هذا العلم يبقى منوطا بالفتح المخصوص به، وليس متاحا لكل ذي هوى، لا يسعى إلا إلى حتفه. وأما نحن، فلم نسأل الله هذا العلم، لتمام رضانا بقضائه وقدره سبحانه؛ حتى لكأن ما يقع لنا أو حولنا هو مطلوبنا، نستقبله بفضل الله علينا ومنّه، باللذة والطرب. نسأل الله أن يتجاوز عنّا تطاولنا في التعبير، وأن يعفو عنّا ويعافينا... وربما لولا إرادة نفع المسلمين، ما كنّا نذكر هذا لعلمنا بما يتصل به... ومن التأصيل النبوي للعمل بخصائص الآي، خروجه صلى الله عليه وآله وسلم، ليلة الهجرة الشريفة، مارّا بين الحرس الذين كُلّفوا بحبسه من قِبل المشركين، وهو يقرأ صلى الله عليه وآله وسلم: «{یسۤ . وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ . إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ . عَلَىٰ صِرَ ٰطٍ مُّسۡتَقِیمٍ . تَنزِیلَ ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ . لِتُنذِرَ قَوۡمًا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَـٰفِلُونَ . لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰۤ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ . إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَـٰقِهِمۡ أَغۡلَـٰلًا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ . وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدًّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدًّا فَأَغۡشَیۡنَـٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ}» [يس: 1-9]؛ فكان من أثر هذه الآيات، نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب أخذ الله أبصار الحرس وأسماعهم. ولقد سمعت من بعض المسرفين على أنفسهم، نجاتهم عند قراءتهم لبعض ما يُقرأ، عند مرورهم على حاجز للدرك عندنا في المغرب، وكانوا في حالة تلبس بجرم ما (مخالفة قانونية)، فلم يوقفهم رجال الدرك. ولم أسأل عن المقروء وقتها لغلبة الحال الذي ذكرناه آنفا؛ ولست أدري، هل كان عمل الآية (إن كان المقروء آية) بالخاصية، أم من باب إجابة المضطرّ، الذي يقول الله تعالى فيه: {أَمَّن یُجِیبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَكۡشِفُ ٱلسُّوۤءَ} [النمل: 62]، وإجابة المضطر أيضا هي من باب العمل بالخاصية، ولكنّ الناس لا يعلمون وجه ذلك بسبب تركُّبه. ولنتوقف كعادتنا عند ألفاظ الآيات من مطلع سورة يس، لنستكنه بعض ما تحتها من أسرار، فنقول بإذن الله تعالى: - {یسۤ}: وهذان الحرفان من الأحرف النورانية، كسائر الحروف المقطّعة من مطالع السور القرآنية. وهذا يجعلهما حائزيْن على خصائص القرآن التي وقفنا عندها سابقا. والياء لها من العدد العشرة، ولها الأولية من المرتبة الثانية؛ وهذه الصفة لا تكون إلا للحقيقة المحمديّة. وأما السين، فلها من العدد الستون، وصفته التمام من المرتبة الثانية أيضا؛ وهي صفة الحقيقة المحمديّة. ومن قال من المفسّرين: إن معنى "يس"، هو: يا سيّد، فما أخطأ؛ لكنّ الحرفيْن يتضمّنان من المعاني ما لا تحتمله صفحات بأكملها؛ بل مجلّدات. وهذا لأن الحروف لها الإجمال والجمع، بخلاف الكلمات التي تتقيّد بما تعطيه اللغة في العادة. ونحن نقول هذا من باب مقارنة أسرار الحروف بمعاني الكلمات، وإن كنّا قد أثبتنا غير ما مرة أن لسان القرآن ليس من اللسان العربيّ المعتاد، إلا من وجه واحد؛ لا من كلّ الوجوه. وإن نحن أضفنا العشرة إلى السّتّين، فإننا سنحصل على السبعين، وهو العدد المخصوص بالبركة حيث كان. كل هذا يدل على أن هذه السورة لها مكانة خاصّة، ولو صحّ حديث: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس!» [2]، من جهة السند لقلنا به؛ وأما من جهة المعنى فنحن نراه صحيحا؛ لأن لكل شيء قلبا، ولا بد للقرآن من قلب!... - {وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ}: الواو: للقسم، والقرآن: مقسَم به، والحكيم صفة للقرآن. ولا يُقسِم بالقرآن إلا المتكلِّم به. وربما قد سبق لنا أن دللنا على الأصل في معنى القسم، إذا كان من الله تعالى؛ وهو أنه لا بد أن يكون عائدا إما إلى معنى الذاتيّة، وإما إلى تجلّي مرتبة الألوهية بالأسماء المخصوصة التي يكون المـُقسَم به مظهرا لها؛ وهذا الوجه الثاني من باطن الأول الظاهر، وإن كان العقل يحكم بالعكس. ومعنى الحكمة إذا وُصف بها القرآن العظيم، يكون عائدا إلى إعطاء كل المراتب الوجودية حقّها على التمام والكمال، من جهتَيِ الإجمال والتفصيل كلتيْهما، وبحسب الترتيب... - {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ}: وهذا هو المـُقسَم عليه، وما أعظمه عند المـُقسِم!... والجملة توكيديّة على أعلى ما يكون التوكيد، عند اتصال حرف التوكيد بكاف الخطاب المخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ونعني من هذا الاختصاص هنا، أن هذه الكاف، لا تثنية لها ولا جمع، كما قد يتوهّم من يقع عقله تحت هيمنة اللغة. وقد أكّد الله معنى المـُقسم عليه مرة أخرى بلام التوكيد، فلم يبق على هذا التوكيد كلّه مزيد؛ فظهرت عظمة من أُقسم عليه، بتعظيم الله؛ وليس إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما "مِنْ"، فهي عندنا للتفصيل، لكون كلّ ما مرّ هو منوط بإجماله صلى الله عليه وآله وسلم، من مرتبة حقيقته. ومن فهم منها التبعيض، فإنه يجوز بسبب موافقته لمنطق اللسان. و"المرسلين" مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكّر سالم. والمعنى الذي يُعطيه ظاهر المـُقسَم عليه، من كون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم واحدا من جملة المرسلين، يُشبه جزئيا التنكير الذي يُراد منه التعظيم الذي هو فوق تعظيم التعريف؛ فيكون المعنى الإجمالي للمُقسَم عليه، هو أنك يا محمّد خلاصة المرسلين، لما كنت أوّلهم خلقا، وسيّدهم مرتبة. والآية من جهة باطنها، تُبين عن تواضع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بين يدي ربّه، عندما أثبت له من المكانة ما لم يثبت لغيره من الناس، وعلى الرأس منهم بلا جدال المرسلون عليهم السلام. والمسألة تدخل هنا ضمن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «(...)، وَما تَواضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ!» [3]، ولسنا نعني إلا أن من رفعه الله، لا يكون إلا متواضعا له بحسب الانعكاسيّة. وهذا هو ما يصدق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من مرتبة حقيقته، بما لا يُقارن!... وإنّ من تواضُع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم، الذي نكتفي بالإشارة إليه فحسب، أن يتحرّى من الصفات ما يكون مشترَكا، قدر مستطاعه؛ وما لم يكن في ذلك خيانة لأمانة التبليغ عن مكانته الفريدة، من أجل أن ينتفع بعلمها المساكين من أمثالنا. فما أرأفه بالناس عليه وآله الصلاة والسلام، وما أرحمه!... وقد أخبر عنه ربه في كلامه بقوله تعالى: {لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولٌ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفٌ رَّحِیمٌ} [التوبة: 128]؛ واسم "رسول" المنكَّر في الآية، هو للتعظيم الذي ذكرناه آنفا، فليُعتبر!... - {عَلَىٰ صِرَ ٰطٍ مُّسۡتَقِیمٍ}: أي إنك تدعو إلى ربك على صراط مستقيم، وهو يُشبه قول الله تعالى: {إِنَّ رَبِّی عَلَىٰ صِرَ ٰطٍ مُّسۡتَقِیمٍ} [هود: 56]؛ وهذا، لأنه ما من طريق إلا وهو إما مستقيم وإما غير مستقيم. ومعنى كون الطريق طريقا، أي واصلا بين المظاهر بما هي آيات، وأسمائها التي هي الظاهرة بها. ومعنى كون الطريق مستقيما، هو دلالة الآية في حق الناظر إليها دلالة مباشرة؛ وهذا يعني أن دلالة المظهر النبوي هنا، هي دلالة مباشرة على الاسم الجامع "الله". ومن هنا، كنا نقول نحن: إن من كان من المأذون له، فإنه يعرف الله بمجرّد النظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد أبعد جلّ فقهاء الدين عن هذا الأصل، ففسقوا، وتسبّبوا في الفسوق العام للمسلمين!... وأما الدلالة غير المباشرة، التي تجعل الطريق غير مستقيم، فهي بالنظر إلى الناظر، لا إلى الدلالة في نفسها؛ فيكون الطريق غير مستقيم، إذا دلّ الناظرَ عند نظره إلى الآيات، على الطواغيت، التي يسبق اعتبارها إلى عقله. وهذا يعني أنه لا طريق إلا وهو مستقيم في نفسه، ولكنه باعتبار الناظرين، قد يبقى على استقامته، وقد لا يبقى. وعندما يقول الله سبحانه: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰطِی مُسۡتَقِیمًا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، فإنه يُقرّر أولا أصالة الطريق المستقيم، ويُحذّر من اتباع السبل الناشئة بين الناظر والآيات، من أثر السوء المـُحرِّف لإدراكه؛ وهذا هو السبب في كون السّبُل جاءت بصيغة الجمع؛ أي لعلة اختلاف نظر الناظرين، بخلاف الصراط المستقيم الذي هو بالأصالة واحد، لا بحسب نظر الناظرين. ومعنى قول الله تعالى في ختام الآية: {ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ}: أي إن ذلكم عهد من الله إليكم بأن تحافظوا على أصالة الأمر، لأنكم عند عملكم بما وُصّيتم به مِن قِبل خير الناصحين، فإنكم تتقون سوءكم الذي هو داخل عليكم من عدمكم الذي هو حقيقتكم. وهذا يعني أن الإمكان الإنساني، هو بين خير الوجود الإلهي، وشر العدم الخلقي؛ ومن أعان خيره على شره، فقد اتقى الهلاك المـُحدِق به!... - {تَنزِیلَ ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ}: و"تنزيل" بحسب قراءة النصب، قيل هو منصوب على المدح أو على المفعول المطلق لفعل محذوف؛ وأما نحن فنراه بدلا مطابقا من الكاف في قوله تعالى: {إِنَّكَ} في جواب القسم؛ والمعنى هو إنك أنت القرآن المنزل ذاتاً، من "العزيز": الذي لا يُعرف إلا بإذنه سبحانه، "الرحيم": الذي إنما جعل إنزالك رحمة مخصوصة في حقّ من أُذن لهم في معرفته بصفة مباشرة؛ وفي حق من لم يُؤذن لهم في ذلك، وهم أصحاب الطرق غير المستقيمة، بصفة غير مباشرة. لكن الرحيمية في حقّ هؤلاء، باطنة، لا تظهر إلا معقولة من معنى الاسم "الرحمان". ولهذا المعنى الذي أفصحنا عنه من هذه الآية، سمّينا كتابنا هذا: "الإنسان القرآن"، وليس هو إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حصرا... - {لِتُنذِرَ قَوۡمًا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَـٰفِلُونَ}: أي لتُنذر قوما هم الآن معدودون عرفا قومك، بسبب المعاصرة أو بسبب الاشتراك في العرق، كما أنذرتَ آباءَهم من وراء مظاهر رُسلُهم عليهم السلام، في أزمنة سابقة، وضمن أمم أخرى. ولقد بُني فعل "أُنْذِرَ" على ما لم يُسمَّ فاعله للاستغناء عن الإبانة، وهذا لأنه لا رسول بالمعنى العهدي إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن بصورتيْن مختلفتيْن: الأولى في الزمان غيرُ مباشرة، والثانية بحسبه مباشرةٌ. وأما الإنذار من الصورتيْن، فهو واحد لا يتعدّد، وإن غاب عن جلّ العقول، بحكم العادة. وهذا المعنى الذي نذكره هنا، هو ما غفل عنه القوم المخاطَبون بالإنذار الثاني؛ ولولا هذه الغفلة، ما بقي أقوام مع موسى أو مع عيسى أو مع غيرهما كيحيى وإبراهيم وغيرهما، على الجميع السلام؛ ما دام المـُسمّى من خلف كل تلك الأسماء هو محمد، وما دام الدّاعي من خلف تلك الصور هو محمد. وهذا الذي نُثبته، هو من دلالات التوحيد في الشريعة المحمدية؛ وإن لم يكن كذلك، فما بقي للتوحيد من معنى. ونحن نقول هذا، مع علمنا بما هم عليه الفقهاء من شرك في أدنى درجات إسلامهم؛ ولو أنهم بلّغوا ما أُمروا بتبليغه، من دون أن يدخلوا فيما لا مدخل لهم فيه، لحمدناهم بفعلهم ذاك؛ ولكنّهم توهّموا في أنفسهم الأهلية، واتبعوا وحي الشياطين لهم، ونظّروا بعقولهم القاصرة لشركهم تنظيرا؛ فوجب علينا وجوبا متعيّنا أن نبيّن مرتبتهم وحالهم، من باب النصح لله ورسوله وللمسلمين. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اَلدِّينُ النَّصِيحَةُ! قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ وَلِكِتابِهِ وَلِرَسولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ.»[4] . ولا بأس هنا من التذكير بمعاني الحديث الشريف: = «اَلدِّينُ النَّصِيحَةُ!»: أي، إن الدين لا يقوم من غير نصيحة، فهي بالتالي ركنه الركين، وأصله الأصيل... = «لِلَّهِ»: أي، إن النصيحة فيما يتعلّق بالله، ينبغي أن تكون كلاما موافِقا لما هو عليه الله في نفسه تعالى وتقدّس، لا كما يتصوّر المتصوِّرون. وقد دللنا على فساد كثير من مقولات المتكلّمين، مرارا، في هذا الكتاب، وفي غيره... = «وَلِكِتابِهِ»: أي، إن النصيحة فيما يتعلّق بكتاب الله، ينبغي أن تكون كلاما موافقا لمعانيه حقّا، كما هي عند الله؛ لا كما يفهم الناس من اللسان، سواء وافق المعنى الرباني اللسانَ في بعض إطلاقاته أم خالفها؛ وسواء كانت المخالفة للمعنى الحقّ، مما هو ناشئ عن الإخطاء، أم مما هو ناشئ عن القصور؛ أو مما كان عن تقليد، أم عن اجتهاد... = «وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ»: أي لا ينبغي أن تستثني النصيحة إماما ممن يتقدّمون صفوف جماعة المسلمين؛ وهذا المعنى يصدق على الحكام والسلاطين، فلا ينبغي أن تُؤدّي خشيتهم إلى السكوت على مخالفاتهم للحق؛ ويصدق أيضا على الأئمة في الدين بالمعنى اللغوي، فلا ينبغي أن يُتركوا على مخالفاتهم لسبب من الأسباب. وإن هذا التخصيص بالنصيحة لأئمة المسلمين، هو بسبب عموم أثرهم عليهم؛ وهو إسباق لهم لا قصر... = «وَعامَّتِهِمْ»: ومعنى العامة، يتضمن معنى الجماعة ومعنى الفرد؛ فلا ينبغي أن يُستثنى بهذا الترتيب النبوي أحد. وإن مراعاة الترتيب، لا تكون بالنظر إلى المنصوحين وحدهم، ولكن باعتبار الناصحين أيضا. لهذا، فينبغي أن يضطلع بالنُّصح الأعلم فالعالم، والأوسع سلطة فالواسع، والأقرب قبل الأبعد، إلى غير ذلك من الاعتبارات المعلومة... - {لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰۤ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ}: حقّ: أي ثبت من جهة علم الله فيهم؛ والكلام عن المـُكلّفين من عموم البشريّة، ومن خصوص المـُدرِكين للزمن التشريعي المحمّدي الخاص. و"لقد" من جهة الإعراب: اللام: فيها للابتداء، في غير القرآن؛ لا محل لها من الإعراب. وأما من القرآن فلها معناها الذي يتأسّس على توجُّه الصفات الإلهية على عالم الخلق. وقد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب؛ والجملة الفعليّة "حقّ القول"، هي بالمعنى الذي انطلقنا منه ابتداء؛ وهو الشقاوة المتمثّلة في رفض الدعوة إلى الله تعالى. والأكثرية هنا، هي الأكثرية العددية؛ وقد شاء الله بحكمته، أن يجعلها في مقابل الأقليّة المؤمنة، ليظهر ثقل هذه الأقلية في الميزان الإلهي، من كل الأزمنة، وفي الزمان كله. وإن عدم إيمان أكثرية المكلّفين، رغم أن خاتم الرسل عليهم السلام، الداعي لهم (للمـُخاطَبين)، كان سيّد الرّسل، وأقدرهم على الهداية بإذن الله؛ هو للدلالة على السّرّ الذي ذكرناه عند تحقيق مناط الإعجاز القرآني في فقرات فارطة، وليس الأمر -كما يسبق إلى أذهان العامة- هو لحقارتهم؛ لأنه لا شيء حقير على صفحة الوجود. وإن ورد الوصف بما يقدح في الموصوفين ممن لم يؤمنوا، فهو بلسان الشرع وحده؛ وهذا يعني أن الحكم الناشئ عن الخطاب الشرعي جزئيّ وعَرَضي. ومن هنا كنّا ندعو الفقهاء ومن يقلّدهم، إلى عدم احتقار الكافرين من كل الوجوه. ولسنا هنا في معرض التدليل على هذا الأصل من الدين، فلنكتف بذكر عناية الله بهم من جهة خلقهم أولا، ومن جهة مخاطبتهم ثانيا؛ حتى إنه سبحانه خصصهم في آية يتيمة من القرآن العظيم بالخطاب، فقال جلّ من قائل: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَا تَعۡتَذِرُوا۟ ٱلۡیَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [التحريم: 7]؛ وإن في هذه الآية من الأسرار، ما لو علمه الكافرون، لازدادوا كفرا، فلنُحجم عن المـُضيّ فيما أشرنا إليه... وإن المعنى الذي ذكرناه من قلّة المؤمنين في مقابل الكافرين، لا يخلو منه أي زمان من الأزمنة؛ وبالتالي فهو حكم عامّ. وإن علماء الدين يغلطون عندما يُثبتون الإيمان بالمعنى الشرعي، لكل من يزعمه لنفسه؛ وإن كان من الفرق المنحرفة، أو من غير المعلومة الانحراف، ممن يتوهّمون أنهم على مثل ما كان عليه الصحابة المرضيّون، من مختلف مراتب الدين؛ وهيهات!... ولقد أوضحنا في غير هذا الكتاب، أن الأمة الإسلاميّة تشتمل على كلّ العقائد الموجودة خارجها، عندما شرحنا الحديث النبوي الشريف المخبر بانقسام الأمة، والذي جاء فيه: «(...)، وإنَّ بَني إِسْرائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً واحِدَةً! قالُوا: مَنْ هِيَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي!»[5] . ولقد زعمت كل فرقة من فرق الأمة لنفسها أنها على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه، وزعم الفقهاء من كل فرقة أنهم على بيّنة من أمرهم وأمر أتباعهم؛ ووالله إن الأمر كما أخبر الصادق المصدوق عليه وآله الصلاة والسلام، مخالف لكل ما يزعمه الزاعمون، مخصوص بفرقة واحدة، قد بيّنّا شرط كونها على الحق، في الكتاب المذكور، فلا داعي إلى إعادة الكلام هنا. ووالله، لقد وجدنا من الفرق الضّالة من هذه الأمة، الإباية التي كان يجدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أولئك الذين لم يكونوا على إيمان بالمعنى الشرعي؛ وهذا مع حرصنا على هدايتهم، ومع بذل النُّصح لهم إلى الغاية. فسبحان من له الحكم في عباده وحده، وصلى الله على من أرشدنا إلى الحق الذي لا يتبدّل ولا يتغيّر، بفضل الله وبفضله علينا؛ وعلى آله، وسلّم تسليما... - {إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَـٰقِهِمۡ أَغۡلَـٰلًا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ}: والأغلال -بخلاف المتنطّعين من بعض المفسّرين- هي جامعة بين الأعناق والأيدي، مع تضييق في المسافة؛ إلى الحد الذي إذا رفعوا معه رؤوسهم، صارت أيديهم على أفواههم؛ وإذا أنزلوا معه أيديهم، صارت أذقانهم على صدورهم؛ وهذا هو معنى الإقماح. وهذه الصورة التي وصفها الله، هي ما سيكونون عليه حسّا في جهنّم؛ أما في الدنيا، فهي صورة معنوية لهم، تدلّ على عدم حرّيتهم فيما صاروا إليه من الإصرار على الكفر، مع شدّة سطوع الهداية النبويّة؛ حتى إن العقلاء، يتساءلون عن سبب إصرارهم ذاك. والذقن، هو مجمع الَّلحْيَيْن، كما هو معروف... وقد يتساءل متسائل، عن نسبة الغلّ إلى الجعل الإلهي، بنون الجماعة؛ وكيف يكون ذلك، مع ثبوت محاسبة الكافرين على كفرهم، وثبوت معاقبتهم؟... فنجيب: إن هذه المسألة، هي مما يعلق فيه عوام النّاس من متفقِّهة ومـُقلِّدة؛ لظنّهم بأنهم على عقل معتبر فيما يرون وما يحكمون. وهم لضعف عقولهم، لا يقبلون المحاسبة والمعاقبة من الله، إن كان هو الماسِك للكافرين عن الإيمان؛ ونحن هنا قد أوردنا هذه العقيدة، على ما هي عليه من بشاعة، ومن تأصيل للكفر بحسب القائلين بها، لندلّ على بُعدها عن الحق بعدا لا شُبهة فيه!... وحتى نُعين مَن ذكرنا من أصناف الناس، على تبيُّن الحق المأذون لهم في تبيُّنه، فإننا نذكر لهم أن مسألة الجعل هي غير مسألة الحساب والعقاب؛ وذلك لأن الجعل منوط بأوّلية شؤون الخلق في العلم الإلهي، والحساب والعقاب، منوطان بآخِرِيَّة شؤون المـُكلّفين في العلم الإلهي؛ فلا مسوِّغ على هذا، للجمع بين المسألتيْن عند العلماء الرّاسخين؛ وإنما وقع في الخلط العوامّ الذين أقحموا أنفسهم في النظر إلى ما هو فوق أطوارهم من مسائل، مع تحقُّق قصورهم وعدم أهليتهم. ولقد كان لعموم الفقهاء مدخل في الدلالة على هذه الآفة، لكي يجدوا مكانة لأنفسهم في القول أولا، ويجدوها عند أتباعهم ممن هم أدنى منهم درجة في التعقّل ثانيا. وإن هذا كلّه، ومن الفريقيْن، كان لاشتراطهم أن يكون الدين في متناول عقولهم على اختلاف درجاتها، وإن لم يكونوا دائما يُصرّحون بشرطهم؛ ولكنّه عندنا جليّ، وهو من أثر السوء الأصلي الذي تكون عليه النفوس... وبسبب الغلّ الذي هم عليه الكافرون بالجعل الإلهي، كانوا على ضيق شديد من جهة نظر عقولهم (قلوبهم)؛ حتى كانوا لا يتمكّنون من الإيمان من الأصل، أو كانوا سرعان ما يعودون إلى كفرهم، إن لاح لهم بصيص إيمان. والصنف الأول من الكافرين الثابتون في كفرهم، ومنهم يكون الجبابرة في العادة؛ وأما الصنف الثاني فهم المنافقون المتردّدون بين إيمان وكفر إلى أن يختم الله عليهم بما يشاء سبحانه. ومن عرف حال كبار المنافقين مع تردّدهم، فإنه سيُشفق عليهم رحمة لهم بسبب المشقّة التي يجدونها. وهذا العلم مع هذه الرحمة، لا يكون إلا لخواص كبار هذه الأمة؛ وأما عوامّها، فهم إما على إيمان منجٍ لهم من الحيرة؛ وإما على قصور عقلي، يعيشون معه بعض حال المنافقين... - {وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدًّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدًّا فَأَغۡشَیۡنَـٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ}: وهذا الجعل الثاني، تابع للجعل الأول من الآية الفارطة، والسُّدّ بالضم أبلغ من الفتح وإن كانا معا قرائتيْن معتبرتيْن؛ والضمّ أوفق للقبض الذي ينشأ عن السّدّ، لمن كان يعقل الفروق. ولقد جعل الله السّدّ من بين أيديهم الذي هو جهة الأمام، ومن خلفهم؛ حتى لا يستطيعوا تقدّما ولا تأخّرا. ومتعلَّق التقدم والتأخر، هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كساه الله ثوب عزّته، فلا أحد من المخلوقين يتقدّم إليه بغير إذن، ولا أحد يتأخّر عنه بغير إذن. وهذا لأن بعض المـُدبِرين عن نظرائهم، يكونون أحرارا في التأخّر كما يشاؤون؛ فشاء الله أن يُبرز مخالفة حقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسائر المخلوقين، بإظهار توابع العزة الإلهية عليه، كما لا ينبغي أن تظهر على أحد من النبيّين والمرسلين غيره، بله سواهم من الناس. ومعنى تغشية الكافرين، في ختام الآية، هو تحكيم ظلمتهم الأصلية فيهم على التمام، لا من جهة إبصارهم وحده، كما قد يُفهم. فهم من هذه الحيثيّة أعدام بالحكم، وإن ظهرت أعيانهم بفضل الله إمكانات على ما هي في حقيقتها. ولقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قرأ الآيات، من أجل إظهار خصائصها ليلة الهجرة الشريفة؛ فكان هذا المعنى من ضمن ما اشتملت عليه من المعاني التي لا يتسع لها كتاب. وما ذكرنا نحن من ذلك، إلا نبذة مما تطمئن به قلوب المؤمنين فحسب... 4. وجه العجز من الناس (عن الإتيان بمثل القرآن): ولقد رأينا لبعض علماء الدين قولا بصرف الله لفصحاء العرب عن الإتيان بمثل القرآن، وقد كان ذلك مقدورا لهم([6])؛ وهو من أشنع الأقوال. وذلك لأنه لا إعجاز فيما أُقدر الناس على الإتيان به، وسيكون الصرف لهم من قِبل الله تعالى، أمرا عارضا؛ وسيبقى الحكم للأصل كما هو غير خاف. ولقد تفطّن إلى هذه الشناعة فقهاء من الضعفاء، من أمثال القاضي أبي بكر المعافري؛ كما تمادى قوم في الغيّ إلى أن نفَوا المباينة بين كلام الله وكلام البشر. وعجز آخرون عن الوفاء للقرآن بحقّه، حينما قالوا: إن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن تركيبا ووزنا؛ وخفي عن هؤلاء أن هذا لا يكون إعجازا، وإنما هو تفوُّق على غير القرآن من الكلام فحسب؛ وهو عندنا لاحق بالإسفاف السابق. وقيل إن هذا المعنى من التفوُّق، قد اختاره ابن الزملكاني في كتابه "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن". وأناط غير هؤلاء الإعجاز القرآني بوجه الإخبار بالمغيّبات، كقول الله تعالى: {سَیَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ یُرِیدُونَ أَن یُبَدِّلُوا۟ كَلَـٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَ ٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَیَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُوا۟ لَا یَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِیلًا} [الفتح: 15]؛ وظاهر المعنى متعلّق بوعد الله لأهل الحديبية بمغانم خيبر، من دون المنافقين الذين اشرأبّت أعناقهم إلى المشاركة في الغزو. وكقول الله تعالى أيضا: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ} [الفتح: 27]، المتعلّق بالرؤيا التي أراها إياه قبل فتح مكّة، فكانت كما رآها صلى الله عليه وآله وسلم. وكقول الله تعالى: {سَیُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَیُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقد نزل في هزيمة المشركين التي تحققت يوم بدر. وكقول الله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ} [النور: 55]، وقد تحقّق ذلك في الزمان تباعا، بما لم تبلغه أمة في الاتساع. وكقوله سبحانه: {الۤمۤ . غُلِبَتِ ٱلرُّومُ . فِیۤ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَیَغۡلِبُونَ} [الروم: 1-3]، ووقع الأمر كما أخبر الله، وكان ذلك في مواجهة فارس في ريف الشام؛ وغير ذلك مما هو معلوم لأهل التفسير ظاهرا. وقد حصرنا هذا الإخبار بالغيب في ظاهر الآيات، لأن الغيوب التي تضمّنتها الآيات القرآنية من غير جهة الظاهر، لا حصر لها؛ ثم إنّ قصر الإعجاز القرآني على ما ذكرنا من إخبار بالغيب معلوم، سيكون حجرا لواسع، كما لا يخفى. ويدخل ضمن الغيوب، إلى جانب ما يتبادر إلى الذهن من إناطة بالمستقبل، ما أخبر به القرآن عن قصص الأولين، مما لم يكن لأحد به عهد من قبل. والأمر هنا، كما أخبر الله تعالى: {تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهَاۤ إِلَیۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَاۤ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَـٰذَاۖ} [هود: 49]؛ وإن هذا الوجه وحده، من الإخبار بالغيب، جدير بأن تُفرد له التصانيف، وما نراها تفي به!... ومما قيل في شأن الإعجاز القرآني: [واعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يُدرك ولا يُمكن وصفه؛ كاستقامة الوزن تُدرَك ولا يمكن وصفها، وكالمـَلاحة؛ وكما يُدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفِطر السليمة إلا بإتقان عِلْمَيِ المعاني والبيان والتمرُّن فيهما.][7]؛ وعلى ما قد يبدو لهذا القول من وجاهة لدى العوامّ، فإنه يبقى ركيكا وقاصرا. وقد ذهب غير هؤلاء، إلى أثره في قلوب سامعيه، وهذا، وإن اعتُبر، فإنه يكون إعجازا بمَلحظ الغير؛ ونحن ما ذكرنا هذه النبذة من الآراء، إلا لنؤنس من كان من أهل الاتباع لأصحابها، أو من المعتبِرين لها، ضمن ما يُعدّ لديهم علما؛ وأما عندنا فكل هذا بعيد عن الإشارة إلى إعجاز القرآن، بله الإعراب عنه... ولنعد إلى ما انطلقنا منه، بخصوص عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن، الذي نراه نحن عائدا إلى معنييْن لا ثالث لهما: الأول: وهو أن القرآن كلام الله، وكلام الله لا يتكلّم به إلا الله وحده؛ وأنى للعباد بتوهّم الاقتراب من هذه المكانة!... ومن علم هذا الملحظ، فإنه سيرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة بشريته (مخلوقيته)، أجنبيّا عن كلام الله، وسيعلم أن القرآن مباين لكل كلام الناس. وهذا الملحظ وحده، كاف لإقامة الحجة على سامعه، من غير أيّ اعتبار غيره. ونحن هنا لا نعتبر علما لعالم، ولا جهلا لجاهل؛ لأن الصفة المعتبرة هي المتعلّقة بالكلام، لا بسمع السامع له، أو فهم الفاهم... الثاني: وهو أن القرآن بيان للحقائق الوجودية والعدمية، التي تجلّى الله بها في كل المظاهر الخلقية. وهذا البيان، لا يقدر عليه إلا خالق الخلق، والمتكلّم بحقائقهم إيجادا وكلاما... وبهذيْن الاعتباريْن، لا يصحّ أن يُقارن أحدٌ بين كلام الله وكلام الخلق؛ وإن كان كلام الخلق عندنا، فرع عن كلام الحق من أحد الوجوه. وهذا الوجه من الربط بين الكلاميْن، ليس في متناول علماء الرسوم من المعتبرين أئمة باصطلاح الفقهاء؛ أما الأئمة بالاصطلاح الشرعي الأصلي، فهم أهله والجديرون به... وتتميما لهذا الجزء من هذا الفصل، نردّ على من قال بأنّ التحدّي بالقرآن، قد جاء للإنس دون الجنّ؛ بأن قول الله تعالى: {قُل لَّىِٕنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِمِثۡلِ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا یَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ ظَهِیرًا} [الإسراء: 88]، وما شابهه، كافٍ بأن يكون تصريحا بالتحدّي للإنس والجنّ جميعا؛ ولكنّ القائلين بذلك القول، قد تفطّنوا إلى ما أوضحناه نحن سابقا، من أن الإنس وحدهم، هم من لهم الجرأة على تحدّي ربّهم. وما تحدّى الله الجن لذواتهم، وإنما تحدّاهم باعتبار من يُعظّمهم من الإنس، ويرى القدرة له. وأما من أرجع ذلك، إلى كون الجنّ لم يكونوا يتكلّمون باللسان العربي، فهو محض جهل؛ لأن الجنّ يتكلّمون بألسنة الإنس عينها، وذلك بحسب مساكنهم من أقاليم الأرض. وفي هذا القدر الذي أوضحناه هنا كفاية لمن كان ذا لبّ... (يُتبع)
[1] . متفق عليه، عن عائشة أم المؤمنين عليها السلام. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.