اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/09/05 رحلتي إليّ (إلى التسميم الثاني) -2- إلى التسميم الثاني
قد يتساءل القارئ عن آثار التسميم الأول التي ظهرت عليّ في هذه المرحلة، فأذكر أنني كنت لا أتمكن من متابعة حصص التربية البدنية، بسبب حمى تكاد لا تفارقني؛ وهو ما كان يجعلني في بداية كل سنة دراسية أتسلح بشهادة طبيّة تُعفيني من التريّض، هذا مع كون جسمي في أصله يشبه أجسام الرياضيّين؛ أخبرني بهذا أستاذ التربية البدنية في السنة النهائية من الثانوي، والذي لم أكن أحضر عنده في حصصه؛ لكنني كنت ألتقيه في المساء في الساحة بعد العشاء، وهذا، لأنه كان إلى جانب مهمته التدريسية، يقوم بمهمة "مراقب للداخلية" (maître d'internat). وأذكر أنني مرة ذهبت إلى الطبيب، من أجل استصدار شهادة طبية بغرض الاستعفاء، فدهشت معه عندما كشف عن جسمي، عند ملاحظة مواضع شديدة السواد، لا يمكن أن يُحسب سوادها من آثار الشمس، كما كانت أمي تُخبرني عندما أعمل على لفت انتباهها إلى بعض الأجزاء من أطرافي خاصة؛ وهذا، لأن تلك المواضع، لم تكن مما يتعرّض لأشعة الشمس المباشرة كغيرها؛ خصوصا في فصل الشتاء. وقد جعل الله حسن الظن الغالب على والدتي، سببا في رحمتي؛ لأنني كنت أعيش الألم وأنا غافل عنه. ومعلوم للناس قدر الألم النفسي الذي يُصاحب الألم البدني في العادة؛ وهذا يعني أن الجهل في بعض الأحيان يكون نافعا... ورغم أنني أقول الآن ما أقول، فإنني لم أكن وقتها واعيا بأنني قد تعرّضت للتسميم؛ بل كنت أعاني ما أعانيه، ولا أجد له تفسيرا؛ بل لا أتوقف عنده، بسبب خلوّ ذهني من هذه الأمور، وبسبب نقاء سريرتي بحمد الله. وعندما كانت أمي تصرفني عن ملاحظاتي، بالأسباب التي كانت تذكرها لي، والتي كان منها أشعة الشمس، كنت أنصرف بسرعة لوثوقي بها؛ ولكن الحقيقة كانت على غير ما كنا نظن جميعا... وكانت جليّة... وإنما الخلل في جهلي أنا بما أنا عليه، وفي جهل والدتي التي كنت أتبدّل أمامها، وهي مستسلمة. أما الوالد، فإنه كان غير مهتم بنا؛ ومع إدراكنا نحن لذلك، كنا لا نُدخله في أمورنا هذه التي لا أثر عليه منها بصفة مباشرة... كان تدهور صحّتي، يدفعني من جهته إلى المكوث في البيت؛ بخلاف أقراني الذين كانوا لا يعودون إلى بيوتهم إلا في أوقات الضرورة. وهذا كان يدفعني بدوره إلى القراءة، قراءة كل ما يُقرأ؛ وإلى متابعة البرامج التثقيفية على المذياع... وأما بنظرة اليوم، فإنني أؤكّد على أن ما أصابني، كان من عناية الله بي؛ وهو سبحانه، بهذا البلاء قد حجزني عما يقع فيه الآخرون من انحرافات تربوية، بسبب كون مجتمعنا الفقير ماديا ومعنويا، بيئة خصبة لها. هذا بالإضافة إلى ما سيستخرجه البلاء منّي من كمالات، والتي قلّ أن يظفر بها أحد؛ إلا أن يكون من خواص الخواصّ. ومن دون أن أعي الأمر، فقد كان ربّي يربّيني... لم يكن الأمر منوطا بالتربية القلبية كما سأعرفها فيما بعد، ولكنه كان تربية من نوع خاص جدا، كان من وراء كل طموح لديّ، ومن وراء كل طمع كنت قد بدأت أطمعه نتيجة التربية العامة الغالبة على مجتمعي...
***
عندما عدنا إلى "الكوليج"، بعد اجتيازنا لامتحان شهادة الدروس الثانوية، خضعنا لروائز، ما كنا نعلم منها غايتها. فهي لم تكن أسئلة كالتي اعتدنا عليها، عند اختبار معلوماتنا في المواد التي كنا ندرس؛ وإنما كانت عبارة عن رموز وأشكال وأرقام، كان ينبغي إتمام فراغاتها، بحسب ما ندرك من أنساقها ومنطقها بداهة... ولم نلبث طويلا، حتى أعلنت إدارة المؤسسة عما سمّته لنا "التوجيه"، والذي لم أكن أعلم عنه شيئا ذا بال. وهكذا علمت أنني وُجّهت إلى دراسة العلوم التجريبية، مع بعض زملائي؛ في الحين الذي وُجِّه الباقون إلى دراسة الآداب. ولقد كان هذا مخالفا لطبيعتي، ولميولي؛ فأنا لم أكن أميل إلى جفاف المواد العلمية، كما لم أكن أنفر من شاعرية المواد الأدبية. لهذا، أرى أنه كان يصلح لي، أن أبقى على دراسة جميع المواد؛ خصوصا وأنها كانت تتكامل في نظري بطريقة ما... كان هذا التوجيه قد احتفى به زملائي "العلميّون" على خلافي، وعدّوه امتيازا على "الأدبيّين" الذين رأوا فيهم قصورا عقليا ما كانوا يُخفون ذكره؛ فلقد كانوا يصفونهم بأنهم لا يُحسنون إلا حفظ النصوص من دون فهم؛ بعكس العلميّين الذين تقوم دراستهم على الفهم في شطرها الأكبر. حاولت أنا أن أجاري زملائي فيما يقولون، مغلِّبا كعادتي، أن يكونوا أفهم منّي للأمور؛ خصوصا وأنه قد كان من بينهم من له من قرابته من كانوا أعضاء في هيئة التدريس، كما أسلفت الذكر. بل ربما سمعنا من الإداريّين، ما يزكّي هذا الرأي الشائع؛ ولكن كل ذلك ما كان ليجعلني أطمئن إلى ما كنت مقبلا عليه. وقد زاد من سوء الأمر، أننا كنا أول فوج يتجاوز السنة الثالثة في تلك المؤسّسة؛ مما جعلنا نُقبل على السنة الرابعة من الثانوي على صورة قسميْن يتيميْن: أحدهما علمي، والثاني أدبي. وكانت حجرتانا متقابلتيْن، بحيث كان الأصحاب من هؤلاء وهؤلاء يلتقون في أوقات الاستراحة وكأنهم على تعليم مشترك... ومن تبعات هذا الوضع الناشئ، أننا كنا نعاني من نقص في الأساتذة المتخصصين؛ حتى بقينا لما يقارب الشهريْن، من دون أستاذ للغة الأجنبية الثانية. فالإدارة (ومعها أنا)، رغبتْ في أن ندرس الإسبانية، لنلحق بجهة الشمال المجاورة لنا في التقطيع الإداري؛ وزملائي كانوا يرغبون في دراسة الإنجليزية، لأنهم كانوا يقولون بأنها أوسع انتشارا في العالم من الإسبانية، وأوفق لمتابعة جل التخصصات في العالم، لمن شاء الله له متابعة دراسته العليا، بعد اجتياز الباكالوريا... وبعد مرور فترة الرفض للإسبانية، جاءتنا الإدارة بأستاذة فرنسية تدرسنا اللغة الإنجليزية، كانت تُدعى (مدام العا...)، وكانت زوجة لمدير المعمل الحراري الذي كان قد أنشأه الروس من مدة قريبة، بين حاسي بلال وجرادة. وإن من يعرفون الفرنسيّين، سيعلمون حتما أنهم من أسوأ من يتكلّم الإنجليزية في العالمين. وهكذا فإن الأستاذة التي علمتنا، كانت قد حرّفت نطقنا، وهو ما سينعكس علينا سلبا في كل السنوات القادمة، التي انتهى بنا الأمر فيها نتعلّم الإنجليزية الأمريكية على يد أستاذ أمريكي بوجدة... بعد الأستاذة الفرنسية التي بقيت معنا سنتيْن، جاءنا أستاذ مغربي للإنجليزية لا أذكر اسمه الآن، بقدر ما أذكر أنه كان أول من علمنا أغنية لـ "البيتلز": (Yellow Submarine). وهذا، لأننا بقينا ندرس سنوات السلك الثاني من الثانوي بجرادة، باستثناء السنة السابعة النهائية، التي جعلتنا نُضطرّ إلى إتمام الدراسة بوجدة على طريقة النظام الداخلي، بثانوية شهيرة هي ثانوية "عمر بن عبد العزيز". ومما كان قد أضر بنا في السنتيْن الخامسة والسادسة، أننا كنا لا نجد أساتذة للرياضيات، وللفيزياء والكيمياء، وللعلوم الطبيعية، إلا بعد انصراف أيام أو أسابيع من انطلاق الدراسة. وأذكر أننا في الأخير، أُسلمنا في جميع هذه المواد، إلى أساتذة استُقدموا من رومانيا. كان الأساتذة الرومانيون متمكّنين من موادهم، لكنهم كانوا لا يكادون ينطقون الفرنسية التي هي لغة تعلّمنا. وهكذا، صرنا لا نفهم عن هؤلاء الرومانيّين إلا قليلا؛ فأبقى ذلك خصاصا في تحصيلنا، أخذناه معنا إلى وجدة في سنتنا النهائية... كان من أغرب هؤلاء الرومانيّين أستاذنا للفيزياء، والذي كان اسمه (جولكانو: Julcano). كان هذا الشخص سلافيا نموذجيا، ذا شعر رمادي، وملامح تشبه ملامح مشاهير العلماء من السلاف في القرن العشرين. وأول ما دخلنا عليه، وجدناه محاطا بأجهزة لقياس الكهرباء تقارب العشرين؛ فبدأ يكلمنا، لكننا لم نفهم شيئا من كلامه. رفع مرة يده وهو يُشير بأصبعيه قائلا: "دوكس"، فلم نفهم مرة أخرى؛ وبعد جهد جهيد منا ومنه، عرفنا أنه يعني (اثنان) بالفرنسية: "Deux"، فعلمنا من وقتها أننا لن نحصّل منه الكثير؛ وهذا يعني أننا حصلنا منه في الفيزياء، أكثر من الكيمياء؛ لأن الفيزياء تعتمد على لغة الرياضيات، بينما الكيمياء كانت تشتمل على نصوص أو فقرات باللغة الفرنسية، والتي كان أستاذنا يقرأ فيها جميع الحروف. بلغ الأمر إلى أننا حينما كنا نراجع ما كتبنا من إملائه، كنا نضحك بيننا وبين أنفسنا من عجيب ما نجد... لا ندري من أين فهم هذا الرجل، بأن "الـ" التي تسبق بعض أسماء زملائي، كانت اسما مستقلا؛ فكان ينادي على أحد زملائنا "El"، فتنفجر الحجرة بالضحك؛ أما هو، فلم يكن يأبه؛ بل يستمر في نطق أسمائنا بطريقة تجعلنا نتعرف عليها بصعوبة. كان هذا الشخص الذي يناديه الأستاذ "إلـ"، أكثرنا مقدرة على فهم الفيزياء والرياضيات، ولكنه كان أكثرنا ضحكا من نوادر الأستاذ، إلى الحد الذي كان يسقط معه على مكتبه يكاد يُغمى عليه من الضحك... كان الأستاذ إذا أراد أن يسأل أحدا عن اسمه، يقول بفرنسيته الخاصة: ?…missieu, combien vou -t- appelle ومرة، أمسك أحد رفاقنا وهو يغش، فأخبره: !...misseu, vou n'es pas-êtes l'homme يريد: أنت يا سيد، لست رجلا!... كان هذا الرجل الغريب، إذا أدخلنا في اختبار كتابي، يكتب الأسئلة على السبورة، ثم يولّينا ظهره: إما ليأخذ خبزة من محفظته يشرع في التهامها، أو ليبدأ في شد شعره من الجهتيْن بكلتا يديه، في مشهد لم نكن نكاد نقترب من فهمه (!). كان عندما يذهب مع زوجته إلى السوق، وهي قد كانت ربة بيت، يسير هو من ناحية، وتسير هي من الناحية الأخرى للطريق، وهو يرقبها المرة بعد الأخرى؛ إلا إن أخذا ابنهما الصغير معهما، فإنهما كانا يضعانه في سلة الخضروات، ويُمسك كل منهما بجهة منها. وجدته مرة، بجديته المعهودة، وهو يضع يديه في جيبيه، وسط حلقة من الحلق التي كانت شائعة في المغرب في ذلك الزمان؛ أما الآن، فإنها لا تكاد توجد إلا بجامع "الفَنا" (أي موضع القتل (الإعدام) تاريخيا)، بمدينة مراكش الشهيرة. وبما أن الزملاء، كانوا يفتشون محفظة الأستاذ -حتى يتمكنوا من وضع النقط التي يحبون، أمام أسمائهم على دفتر النقط، والتي كان يُخبرنا بها في الحصة المقبلة، وكأنه لا أحد يعلم بها- فقد وجدوا بها مصحفا مترجما، فأرادوا أن يسألوه من باب الفضول. فمد أحد رفاقنا يده إلى المحفظة أمامه، ليستخرج المصحف المترجم، فإذا بالأستاذ يُمسك يده، وهو يقول: !missieu vou n'es pas-êtes propre من طريقة كلام هذا الأستاذ، وطريقة نظره إلى الأمور، يستطيع القارئ أن يعلم مدى تحصيلنا في السنتيْن اللتيْن أمضيناهما مع الرومانيّين. كان أستاذ الرياضيات منهم يُدعى (توما: Toma)، وكان أستاذ العلوم الطبيعية يُدعى: (سيميون: Simion)؛ لم يكونا أفضل من الأول في الفرنسية، ولكنهما كانا أخبث منه، من دون شكّ...
***
في هذه الفترة من الزمان، ولعل ذلك كان عندما كنت في السنة الخامسة من الثانوي، أخبرتنا جدتي "جمعة" أنها ذاهبة إلى شقيقها في فاس، ثم إلى شقيق طليقها الذي كان يعمل في أحد البنوك بالدار البيضاء؛ فرجوتها أن تأتيني بآلة العود معها، عند عودتها. كان شغفي بالموسيقى قد بلغ منتهاه، كيأسي من أن يلبي والدي طلبي باقتناء آلة أشرع معها بممارسة العزف. وكم كانت دهشتي عندما رأيت جدّتي عائدة إلى البيت بعد بضعة أشهر، وهي تحمل عودا، كانت قد طلبت من شقيق طليقها (العـ. ر) أن يشتريه لي... عادت المرأة وهي تحمل معها العود، ولم أسأل نفسي: كيف كان الناس يفسرون حملها للعود، وهي المرأة ذات المظهر التقليدي؛ ولا تساءلت عن قولها هي أيضا، بخصوص رأي الناظرين من الناس إليها؛ لأنها كانت تحبني من غير حدود... عندما جاء العود، رجوت من والدي أن يأخذني إلى أحد معارفه بالمدينة، ممن كانوا يحسنون العزف على العود، لأتعلم على يديه مبادئ العزف؛ فقد كانت المدينة لا تخلو من عازف أو عازفيْن بالطريقة الشعبية. وبما أن الأمر لم يكن يتطلب بذل نقود، فإن والدي قد أخذني إلى أحد أقرانه ممن كانوا يعملون بشركة المناجم، والذي كان يقضي وقت المساء بدكان يُصلح به المذياعات القديمة، الشائعة في ذلك الوقت... كان الرجل من مجموعة كنا نسميها "مجموعة الصحراويين"، الذين كنا نتفرج عليهم عند حلول عيد العرش (الثالث من مارس كل عام)، وهم يغنون الأغاني الشعبية الفيلالية، أو بعض قصائد الملحون العريقة. كان الرجل يُدعى (الح. الصحراوي)، وكان أسمر اللون طويل القامة، يُشبه مصريّي النوبة. وكان الدكان، تملأ فضاءه رائحة الورنيش الذي تُطلى به الأسلاك النحاسية التي توجد بالمحركات الكهربائية، ممزوجة برائحة الخشب الذي تُصنع منه صناديق المذياعات الكبيرة. كنت أذهب إليه مرتيْن أو ثلاثا في الأسبوع، بعد وقت العصر بقليل. لا زلت أذكر أن العود الفخم الذي كان يعزف عليه الرجل، كان من صناعة "بنحربيط" الشهير، الذي كان يقطن فاس. كان الرجل متمكنا في عزفه البسيط، هادئ الطبع؛ علمني ما كان يُسميه "العفسات"، والتي لم تكن سوى المجسّات بلغة الفصحاء. وكم كان إعجابي به كبيرا، عندما صار يغني أمامي أغنية فريد "أحبابنا يا عيني"، بعد أن أخبرته عن شدة إعجابي به. كان هذا الرجل من المحترمين الذين عرفت وأنا بعدُ فتى، وكان يعاملني بلطف جعلني أتشرب منه ما أُتيح لي...
***
كانت أيام تسجيلي بثانوية "عمر بن عبد العزيز" شاقة جدا، لأن الأوراق التي كان عليّ استخراجها من مختلف الإدارات كثيرة؛ وكان السم الذي يسري في جسمي، قد أنهكني من دون أن أدري. كان الوقت وقت صيام في شهر رمضان، وكنت أعود فيه كل مساء إلى البيت لأتناول حبة مسكّن، قبل حلول وقت الإفطار؛ من شدّة ما كنت أجد، وبعد أن أتجاوز مقاومة والدتي التي كانت تلح عليّ لإكمال يوم صيامي. كنت أنا في ذلك الوقت أصوم موافقة لأهل بيتي، لا عملا بالشريعة التي كنت قد فقدت الصلة بها طيلة سنوات تعلّمي التي طبعها أساتذتي بعلمانية واضحة. كنت أنظر إلى تديّن المجتمع على أنه من الفولكلور، بجانب علميّتي وعقلانيتي؛ أو هكذا كان يُخيّل إلي!... كنت في سنوات السلك الثاني من الثانوي، أصاحب أحد زملائي، ممن كان الآخرون يحتقرونهم، لعيب بجسمه. كان هو لا يجد قبولا عند الآخرين، وكنت أنا مرفوضا بسبب حسدهم، فالتقينا لتلك المدة، إلى أن ذهبنا للدراسة بمدينة وجدة، فافترقنا لأسباب سيأتي ذكرها تباعا... لم يكن طبعي يتقبّل أن أخضع لنظام شبه عسكري طيلة اليوم، فأنا على العكس من ذلك شديد التحرّر، وأحرص على أن يكون أغلب يومي ملكي؛ بهذه الطريقة كنت أتعلّم فيما سبق، طيلة مدة دراستي بجرادة. كنت في ساعات الدراسة، أستمع إلى الأساتذة باهتمام شديد، بحيث كنت أتشرب منهم كل ما يجودون به، إن كانوا ممن يُحسنون التعبير عن ذلك؛ وهذا، لأن شطر الأساتذة كان دون مستوى التدريس الفعلي، فكان يبقى لديّ من الفراغات، بقدر سوء التدريس ذاك. وأما عندما نُخبر باختبار جزئي أو بامتحان سنوي عام، فإني كنت أسأل جدّتي أن توقظني وقت الفجر، لأتناول دفتر المادة التي سأُختبر فيها، وكنت أطالع الدفتر كله مرة واحدة من بدايته إلى نهايته، ثم أعود لاستكمال نومي، قبل أن أعود للاستيقاظ لموعد الإفطار بقليل. كنت عند الاختبار، يتمثّل الدفتر أمام مخيلتي، في الصفحة المخصوصة، فأجيب طبقا لذلك، مع ما تتطلبه أسئلة الفهم من إعمال للعقل. وهكذا كنت دائما الأول على القسم الذي أدرس به، وكان زملائي يتساءلون عن الوقت الذي كنت أمضيه يوميا في مراجعة الدروس وحفظها؛ لا أظن أن أحدا كان يتصور أنني كنت أتحرر من الدراسة بالكلية، خارج أوقاتها، طيلة الأسبوع. وهذا الفراغ الظاهر، كان يتيح لي أن أهتم بكل ما يعرض لي من أمور، وأن أقلِّبها في ذهني كما أشاء... في السنة الخامسة من الثانوي أو بداية السادسة، كنت قد جددت التعرّف على قريني وقريبي (ب. م)، والذي كنت قد فقدت الصلة به منذ أن غادر هو مقاعد الدراسة في نهاية المرحلة الابتدائية؛ وعرفت منه أنه كان يُحسن العزف على آلة "السويسن"، وهي آلة مغربية تراثية، تُقدّم ضمن أجواق الملحون، لا تتجاوز أوتارها الثلاثة. فكنت آخذ قريبي إلى البيت، ليعزف أمامي على أوتار العود الثلاثة الأولى، بعض أغاني حميد الزهير المشهورة بين المغاربة. ورغم أنني كنت أنفر من الغناء الشعبي المغربي، بسبب إدراكي لفقره وعدم تطوّره، فإني كنت مضطرا من أجل ضبط بعض المجسات، أن أساير معلمي الثاني؛ ولكنني بقيت تائقا لتعلم الموسيقى بمنهجيتها وعلى الطريقة العلمية...
***
ذهبت للدراسة بمدينة وجدة، فكنت أخضع للنظام الداخلي بجسمي، وأعاني منه بوجداني وعقلي، وكأنني أُقضّي مدة لي بالسجن؛ وهذا، لأنني لم أكن أفهم كيف يكون "السجن" ولو بمعنى جزئي، محلا للتعلّم (!). كان التعلّم في نظري يتطلّب الحرية التامة، وإلا فإنه الانغلاق منّي والنفور. لم أكن أعلم وقتها، أن هذه الصفات، هي من صفات المتعلّمين ذوي الكفاءات العالية (HP ou surdoués)، ولا أنني كنت منهم؛ ولكنني علمت فيما بعد بسنوات طويلة، أن هذا الصنف من المتعلّمين، يكون قليل العدد، ويتطلب طرائق خاصة، منها: ألا يُخالطوا غيرهم من المتعلّمين المتوسّطين، وأن تُترك لهم الحرية حتى أثناء الدروس، فهم قد يشتغلون يدويا بأمور، لا تمنعهم من سماع كلام الأستاذ وحفظه؛ وعلمت أن هذا الصنف -إن لم يجد البيئة التعلّميّة المناسبة- فربما قد ينفر من التحصيل نفورا تامّا. وهذا، هو ما وقع لي، من دون أن أدري شيئا عن خصوصيتي... منذ الأسابيع الأولى، أخذت معي عودي إلى المهجع، لأروّح به عن نفسي قدر المستطاع. ولكن كان لي مأرب آخر، وهو البحث عن مدرّس للموسيقى بوجدة، أبدأ معه بدراسة الموسيقى بالمنهجية اللائقة. في المهجع، كنت أنام على السرير الأخير، الذي لم يختره رفاقي؛ لأنني لم أكن أزاحم أحدا على شيء؛ فكان هذا السرير، بجانب المرحاض، حيث لا تكاد خطوات الداخلين للاختلاء تنقطع طيلة الليل؛ وهذا كان يزيد من أرقي، الذي يتسبب فيه بالمرتبة الأولى تنبّهي الشديد. وهكذا، كانت أوقات نوم الآخرين، أوقاتا من العذاب لي، بسبب المرض والأرق... كان رفقاؤنا في الداخلية، من الأقاليم المحيطة بعمالة وجدة، قبل التقسيم الإداري الذي صارت معه وجدة ولاية شاملة لعدة أقاليم منها إقليم جرادة. كان التلاميذ، من جرادة، وتاوريرت، وتويسيت، وسيدي بوبكر، والسعيدية... وبما أن زملائي من جرادة كانوا يرفضونني، فإني انضممت إلى جماعة من أهل تاوريرت على مائدة الطعام، وكنت أجاور في المهجع ثلة من أهل تاوريرت والسعيدية. كانت هذه الغربة الداخلية، تجعلني صامتا طيلة الوقت، أستمع إلى أهل تاوريرت وهم يتكلمون عن شؤون مدينتهم، وعن بعض شخصياتها. أما في المهجع، فقد تعرفت على جاري الذي كان من تاوريرت، والذي كان مهتما بالمسرح؛ وهو ما كان يجعله يتردد إلى بعض الأندية والجمعيات الثقافية الوجديّة. أسررت إلى رفيقي في المهجع، بأنني عازم على تعلّم الموسيقى على يد أساتذة متخصصين، فوعدني بأن يسأل عن الأمر... لم تمض مدة يسيرة، حتى عاد إليّ رفيقي بعنوان النادي البلدي للموسيقى بوجدة؛ فسارعت إلى الذهاب وأنا متأبط عودي. وجدت شخصا على باب "المعهد"، يسير جيئة وذهابا رفقة طفل صغير، وكأنه ينتظر أحدا أو شيئا، فسألته، فدلني على المدخل من دون أن يزيد شيئا. كان هذا الشخص، هو ابن الشيخ صالح رئيس الجوق الغرناطي لوجدة... دلفت إلى قاعة أُشير لي إليها، فوجدت مجموعة من الشباب جالسين في زاوية من زواياها، وكأنهم يتخفّون من شيء يسوءهم أن يُعرفوا به؛ كانوا في حوالي العشرين من أعمارهم، يعزفون على آلات التخت العربي ما عدا القانون. وجدتهم يعزفون مقدمة "القلب يعشق كل جميل" للسنباطي، وكان عزفهم متقنا بالنظر إلى مستواي الموسيقي. بقيت جالسا على كرسي يبعد عنهم قليلا، وأنا أنتظر رئيس الجمعية الذي لم يمض وقت طويل حتى دخل علينا، وكأن ريحا تسوقه رغما عنه. كان هذا الشاب الثلاثيني بعكس العازفين، على جرأة واندفاع؛ وبعد إلقائه التحية علينا، وملاحظته للعود الذي أتأبطه، طلب منّي أن أعزف تقسيما، وطلب من الآخرين التوقف عن العزف؛ فأخبرته أني أريد التعلّم، ولا أُحسن العزف؛ ولكنه لم يكن من الذين يعقلون، فازداد إلحاحه، وما وجدت نفسي إلا وأنا أمسك العود في وضعية العازفين المنفردين الذين كانوا يضعون أرجلهم على الكرسي أثناء العزف، وبدأت أنقر على الأوتار كمن وُضع مسدّس على رأسه من أجل أن يقرّ ويعترف. وكم كنت خجلا، وأنا ألاحظ خيبة العازفين وخيبة "الرئيس"، الذين حالما توقّفت أطرقوا في صمت، من دون أن ينبسوا بشيء... ثم سارعت إلى توديع الجميع بمصافحة ذاك الجاهل الأحمق، وأنا أُضمر في نفسي ألا أعود أبدا... ولكنّني -مع هذا- كنت قد عرفت محل أستاذة "البيانو": مدام جيلابير (Mme Gilabert)، التي سأعود إليها بعد أشهر، من أجل دراسة الصولفيج والعزف على البيانو...
|
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.