اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2012/11/23 البقرة: (181-200) 181. { فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }: [فمن بدله]: من غير وصية الله؛ [بعدما سمعه]: من الله على سبيل الإلقاء؛ [فإنما إثمه]: النقص الذي يلحقه من ذلك؛ [على الذين يبدلونه]: من كونهم ارتضوا ذلك من غلبة الحال؛ [إن الله]: من حيثما هم؛ [سميع]: لما أوصى؛ [عليم]: به. وهذه بشارة منه سبحانه برجوع الحكم إليه من حيث هم، فيعطي للمظهر نصيبه الإلهي. 182. {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }: [فمن خاف من موص]: من خاف من المقبل على الموت؛ [جنفا أو إثما]: ميلا أو تجاوزا؛ بحيث يتضرر من ذلك بعض ورثته، الذين هم قواه. وقد جاء في الدعاء النبوي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري؛ واجعله الوارث مني»[أخرجه الترمذي في جامعه]. [فأصلح]: أحد الأولياء؛ والمقصود أحد الكمل؛ [بينهم]: بين الموصى إليهم والورثة. والمقصود أن لا يحرم العبد الفاني جوارحه من الأعمال الشرعية المندوبة إبقاء لها على رزقها منه؛ أما المفروضة فلا مجال لتركها البتة. والكامل من الأولياء من يعطي حقه وخلقه حقهما على السواء. [إن الله]: من حيث هويته؛ [غفور]: سادّ لخَلة الوصية؛ [رحيم]: بالموصى إليهم وبالورثة وبالموصي. 183. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }: [يا أيها الذين آمنوا]: الخطاب للمقبلين على الله؛ [كتب عليكم]: صار لزاما عليكم من منطلق تصديقكم؛ [الصيام]: وهو الاستغناء عن الاستمداد الطبيعي بالقدر المستطاع؛ [كما كتب على الذين من قبلكم]: وهم من سبقكم في الطريق، حتى لا تظنوا أنكم وحدكم من خوطب بالصيام. [لعلكم تتقون]: ظلم أنفسكم. وذلك لأن الصيام صفة إلهية، ومن اتصف بصفة إلهية فقد أشار إلى الموصوف منه. ومن كثرة هذا الاتصاف والمداومة عليه، يظهر الموصوف بفناء النفس. وقد جاء في الحديث القدسي: «إلا الصوم فإنه لي»[متفق عليه]؛ يعني أنه صفة من صفاتي. 184. { أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }: [أياما معدودات]: أي هو من باب الحال لا المقام. [فمن كان منكم مريضا]: بالعقائد المقيدة؛ [أو على سفر]: أو لا زال سالكا لم يبلغ طور النهايات؛ [فعدة من أيام أخر]: فليترك هذا الاتصاف في حاله، رجاء أن يتدارك ذلك في مآله. [وعلى الذين يطيقونه]: الذين يطيقون أن يفعلوا، لجبر نقص عدم الاتصاف بصفة الحق؛ [فدية]: يفدي بها نفسه من حال الفرق؛ [طعام مسكين]: إطعام من حاله الافتقار إلى الأسباب؛ وهذا الإمداد، صفة إلهية تجبر منه غياب الأولى، دون أن تبلغها في المرتبة؛ لأن الأولى صفة أحدية وهذه واحدية. [فمن تطوع خيرا]: بزيادة الإطعام؛ [فهو خير له]: فهو زيادة خير عنده. [وأن تصوموا]: الصوم الذي هو من الأحدية؛ [خير لكم]: أي من كثرة الإطعام؛ الذي هو من الواحدية. [إن كنتم تعلمون]: المراتب وتميزونها. 185. { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }: [شهر]: من الشهرة التي هي الظهور الذي لا يشك فيه أحد من الناظرين؛ [رمضان]: والرمض شدة الحر؛ والمعنى أن هذا التجلي محرق للنفس ماحق لها، مشهر للحق لا يشك فيه الناظر. [الذي أنزل فيه القرآن]: في هذا التجلي تنزلت الأسرار الذاتية وظهرت؛ [هدى للناس]: يهدي العموم إلى الحق، لأن النفوس عارفة بربها بالفطرة؛ [وبينات من الهدى]: وهي معرفة تفاصيل الهدى الخاصة بالسالكين؛ [والفرقان]: وهو العلم الخاص بمقامات السلوك من جهة نسبته إلى الحق ونسبته إلى الخلق معا؛ وهي المسماة بالمنازل. ومن هذه المنازل كان أحدهم يقول: قال لي كذا، وقلت له كذا؛ فهذا هو الفرقان. ونحن لا نحصر السلوك هنا فيما تعارف عليه المريدون، وإنما نجوز به إلى مقامات العارفين. [فمن شهد منكم]: من كان ذا شهود منكم أيها الخواص؛ [الشهر]: وهو هذا التجلي الأحدي؛ [فليصمه]: لأنه تجل تجدونه من أنفسكم، وتشهدونه فيها. [ومن كان مريضا]: لا يسعفه الاستعداد؛ [أو على سفر]: لا يزال سائرا في الطريق إليه؛ [فعدة من أيام أخر]: فليؤجل ذلك إلى حين اكتمال استعداده، أو وصوله لمقامه. [يريد الله بكم اليسر]: بأن تعرفوا حقيقتكم؛ [ولا يريد بكم العسر]: العسر هو أن تبقوا في مقام الفرق الحجابي، الذي يسميه أهل الطريق بالفرق الأول. [ولتكملوا العدة]: من المقامات التي أصلها التجليات، حتى تعرفوا الله في كل منها. [ولتكبروا الله]: فيطغى حكمه على حكم النفس؛ [على ما هداكم]: وفق ما بيّن لكم من علم؛ [ولعلكم تشكرون]: بشهود شكركم لله، وشكر الله لكم، منه ومنكم؛ أي منه وله. 186. { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }: [وإذا سألك]: أيها الوجه البدري، الذي هو الواسطة بيني وبين عبادي؛ [عبادي]: الذين يعبدونني منك. والسؤال هنا سؤال حال؛ لأنه متعلق بالمؤمن والكافر. [عني]: وإن كانوا لا يسمونني باسمي؛ لكن حركتهم إلي. [فإني]: من حيث الذات؛ أنا هو السائل والمسؤول؛ [قريب]: من السائل من حيث الصفات. [أجيب]: ولا أهمل أحدا؛ [دعوة الداع]: كل داع من أي مقام دعا؛ [إذا دعان]: بمجرد أن يدعو. [فليستجيبوا لي]: أي لأمري، إذا أرادوا أن ينالوا رحمة التخصيص. [وليؤمنوا بي]: على ما أخبرت، لا على ما يدركون؛ [لعلهم يرشدون]: لعلهم يهتدون إلي فيفوزوا الفوز الأعظم. 187. { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }: [أحل لكم]: مباح لكم؛ [ليلة الصيام]: من باطن الأحدية؛ [الرفث]: وهو أدنى ما يكون من الفرق؛ [إلى نسائكم]: التي هي نفوسكم التي دون مرتبة الرجولة؛ [هن لباس لكم]: هن ستر على الحق من حيث أنتم؛ [وأنتم لباس لهن]: والحق لباس لهن؛ فمن حيث هذا الفرق الأدنى الذي يكون بين اللابس والملبوس فلا حرج. [علم الله]: من حيث المرتبة؛ [أنكم]: أيها المظاهر الربانية؛ [كنتم تختانون]: تفضون على سبيل الخيانة؛ [أنفسكم]: إلى أنفسكم بسبب ضعفكم؛ [فتاب علكم]: رجع على أنفسكم بحكمه؛ [وعفا عنكم]: ستر حكمكم؛ [فالآن باشروهن]: مباشرة حق لحق؛ [وابتغوا]: واطلبوا؛ [ما كتب الله لكم]: من فوائد هذا التجلي؛ [وكلوا واشربوا]: استمدوا العلوم والأذواق؛ [حتى يتبين لكم الخيط الأبيض]: الذي هو حكم الوجود؛ [من الخيط الأسود]: من حكم العدم؛ [من الفجر]: من عموم حكم الحق للخلق. [ثم أتموا الصيام إلى الليل]: واصلوا الاتصاف بالصوم إلى غيب الأحدية، فإنه منتهى ما تصلون إليه. [ولا تباشروهن]: أي لا تباشروا النفوس؛ [وأنتم عاكفون]: مقبلون على الحق؛ [في المساجد]: في حال الفناء، لأنه يأبى ذلك. [تلك حدود الله]: من جهة الحق ومن جهة الخلق؛ [فلا تقربوها]: بطمس معالمها، فيصيبكم عمى الأحكام. [كذلك يبين الله آياته]: الدالة عليه؛ [للناس]: كل حسب مقامه؛ [لعلهم يتقون]: الضلال في الحق. 188. { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }: [ولا تأكلوا]: لا تتغذوا أيها المظاهر؛ [أموالكم]: ما لكم من علم مختص بمقام كل منكم ومرتبته؛ [بينكم]: يتناول كل منكم ما للآخر؛ [بالباطل]: من غير إذن إلهي، وإن كان عن إرادة إلهية؛ [وتدلوا بها]: أي تستشفعوا بها؛ من الدلو لاتخاذها وسيلة إلى الماء؛ [إلى الحكام]: وهي الأسماء الإلهية التي تربي المظاهر المختلفة، كلا بما يناسبه؛ [لتأكلوا]: تريدون أن تستمدوا؛ [فريقا من أموال الناس]: مما يختص بغيركم؛ [بالإثم]: بغير وجه حق؛ [وأنتم تعلمون]: أن الأرزاق قد فرغ من قسمتها، ولا تؤخذ بالأماني. 189. { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }: [يسألونك]: أيها الوجه البدري؛ [عن الأهلة]: وهي الوجوه النبوية النيابية، ووجوه الخلفاء من الأمة؛ يسألونك لأنك الأصل، فأنت صاحب القول الفصل فيها. [قل]: بالله؛ [هي مواقيت]: متعلقة بمواقيت من دهري؛ لكلٍّ منها وقت يخصه؛ [للناس]: هذه المواقيت جعلت لأناس مخصوصين في كل زمن؛ [والحج]: وهو قصد الله في بيته، وليس إلا سلوك طريق المعرفة؛ [وليس البر]: صلاح الأمر؛ [بأن تأتوا البيوت]: البيت من حيث المعنى، هو المظهر الهلالي؛ [من ظهورها]: المقصود ضد بطونها؛ [ولكن البر من اتقى]: أي اتقى الظاهر لأنه صورة عدمية ستحجبه عن الحق؛ [وأتوا البيوت من أبوابها]: ولم يقل من باطنها؛ لأن الباطن لا يعلم منها من بداية السلوك، وإنما المطلوب الإتيان من قِبل الباب، لرجاء الدخول إذا حصل الإذن. وليس الباب إلا التصديق، ولا برهان عليه إلا المتابعة والموافقة. [واتقوا الله]: إذا جئتم إلى البيت، لأنكم لا تعلمون ما يريد منكم؛ [لعلكم تفلحون]: في إصابة التوفيق، فتُقبلوا. 190. { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }: [وقاتلوا في سبيل الله]: أي من أجل سلوك سبيل الله الموصلة إليه، قاتلوا بالمجاهدة؛ [الذين يقاتلونكم]: الذين يريدون قتلكم بقطعكم، وليست إلا الأهواء منكم. [ولا تعتدوا]: بعدم استخلاص العبر من الهوى، ومعرفة الحكمة منه. [إن الله]: رب كل شيء؛ [لا يحب المعتدين]: المتجاوزين للحِكم المخزونة في الأشياء. 191. { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ }: [واقتلوهم]: أفنوا حقيقتهم؛ [حيث ثقفتموهم]: إذا ظفرتم بهم، ونصركم الله عليهم. [وأخرجوهم]: من القلب؛ [من حيث أخرجوكم]: حتى تسترجعوه منها. [والفتنة]: التي هي اتباع الهوى؛ [أشد من القتل]: الذي هو الانقطاع عن الحق؛ لأن المنقطع واقف، أما المتبع فهو متحرك في الاتجاه الخطإ. [ولا تقاتلوهم]: لا تفنوا أعيانهم؛ [عند المسجد الحرام]: في الحضرة الإلهية المنزهة عن المغايرة؛ [حتى يقاتلوكم فيه]: حتى يطالبوكم بفنائكم هناك، وهم محقون في ذلك. [فإن قاتلوكم]: فيه ابتداء؛ [فاقتلوهم]: بالحق، لتنقلب أعيانهم. [كذلك جزاء الكافرين]: الذين يسترون الحق بمظهريتهم، حقيق بهم أن يزال عنهم حكمها ليعودوا إلى الأصل. 192. { فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }: [فإن انتهوا]: فإن استسلمت الأهواء، وكشفت لكم عن باطنها؛ فخلوها. [فإن الله]: ربها؛ [غفور]: لها ماحِق مظهرها؛ [رحيم]: بكم؛ حتى لا تضلوا عنه سبحانه بها. 193. { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ }: [وقاتلوهم]: أي الأهواء؛ [حتى لا تكون فتنة]: حتى لا تُبتلَوا بتحكمها؛ [ويكون الدين لله]: لأنه مع الأهواء يصير لغير الله. وهذه هي آفة التدين، التي تُحبط الأعمال، وتُضعف الإيمان. [فإن انتهوا]: بأن أصبح القلب في مأمن من تحكمها؛ [فلا عدوان]: لا تتابعوها تبغون إفناءها تماما، بل خذوا منها باطنها الذي هو الحكمة منها؛ [إلا على الظالمين]: ما تجاوز منها الحد، وصار مهدِّدا لسلامة القلب. 194. { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }: [الشهر الحرام بالشهر الحرام]: إن الله يُظهر من الأهواء بعد انكشاف باطنها، مقابل ما أخذته من سلامة القلب في وقت تحكمها؛ [والحرمات قصاص]: الحرمات ما كان لله من الأشياء والأمور، يأخذ الله من بعضها لبعضها ما يعوض منها ما ضاع منها في حال الانحراف. [فمن اعتدى عليكم]: بعد أخذ حقكم منه، وصار كل منكم إلى أصله؛ [فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم]: اعتدوا عليه، على قدر ما اعتدى عليكم، وبما يعطيه العلم في نوع الاعتداء؛ حتى تحافظوا على الاعتدال المطلوب. [واتقوا الله]: بأن تعلموا أنه رب كل شيء ووليه. [واعلموا]: علم يقين؛ [أن الله مع]: المعية معية ولاية؛ [المتقين]: الذين يراعون نسبته تعالى في الأمور. 195. { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }: [وأنفقوا]: من علم مجاهدة الأهواء الدقيق؛ [في سبيل الله]: لكل من سلك الطريق إلى الله؛ [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة]: بكتم هذا العلم الضروري لتحقيق سلامة القلوب، التي هي المخاطَبة للشرع؛ [وأحسنوا]: صرف هذا العلم بمراعاة الفروق الشخصية، لأنها من أسسه. [إن الله يحب]: ويرتضي؛ [المحسنين]: من يضعون الأمور في مواضعها. 196. { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }: [وأتموا الحج]: أنهوا السير الواجب العام الذي تصح به الأوبة؛ [والعمرة]: وهو السير الخاص الذي يصح به التحقق؛ [لله]: من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل؛ [فإن أحصرتم]: فإن حبسكم حابس مما يعرض للسالكين من آفات القلوب؛ [فما استيسر من الهدي]: فلا أقل من أن تبعثوا بهدي أشواقكم إلى حضرة ربكم. [ولا تحلقوا رؤوسكم]: بإظهار شعار سلوك الطريق؛ [حتى يبلغ الهدي محله]: حتى يحل شوقكم في الحضرة نائبا عنكم؛ وإلا كنتم من الكاذبين في دعوى الانتساب إلى الطريق. [فمن كان منكم مريضا]: عنده انحراف في الاستعداد يقصر به عن مواصلة السير؛ [أو به أذى من رأسه]: به ضرر لا يحسن معه التحكم في عموم أمره بما يخدم غرض السير؛ بحيث تتشتت جهوده، أو ينقض بعضها بعضا؛ [ففدية من صيام]: فاستخلاص من حكم السلوك بترك أعماله القلبية؛ [أو صدقة]: بجهده على السالكين يخدمهم؛ [أو نسك]: أو اشتغال بعبادة يحصل بها أجرا. [فإذا أمنتم]: على أنفسكم من تبعات المؤاخذة؛ [فمن تمتع بالعمرة]: تلبس بظاهر السنة تعبدا وتبركا، مع كونه لا يبلغ علم حقيقتها؛ [إلى الحج]: يتخذها وصلة بالسلوك من حيث الظاهر؛ [فما استيسر من الهدي]: فليذبح نفسه بأخذها بالشرع دون أن يترك لهواها حظا منه. [فمن لم يجد]: قدرة على اتباع الأمر على التمام؛ [فصيام]: وهو ترك نسبة النفس، فلا يدعي شيئا؛ [ثلاثة أيام]: من حيث مراتب التجلي الثلاث، والتي هي الذات والصفات والأفعال؛ بحيث تكون معرفته سلبية؛ [في الحج]: أي في عين السلوك العام الذي لا يخرج عن حكمه أحد؛ [وسبعة]: أي صيام سبعة، والمقصود براءة النفس عنده من دعوى الصفات السبع، التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام؛ فيكون عند نفسه على عكسها، مقرا بحاله؛ [إذا رجعتم]: إذا عدتم إلى مقام النفس، بعد أن عجزتم عن إتمام السلوك. [تلك عشرة كاملة]: أي عشر مراتب إيمانية يكون عليها المتحلل من السلوك الخاص، وكمالها من حيث الإيمان فحسب. [ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام]: ذلك لمن لم يدخل بالنفس فيما سبق الأمر بتركه؛ لأنه بدخوله فيه، فقد وقع في الهلاك؛ [واتقوا الله]: بالحذر من الاتصاف بما لم يأذن به سبحانه؛ [واعلموا أن الله شديد العقاب]: لمن خالف أمره، وليذيقنّه الهوان بعد دخوله بيت التعزز من غير إذن. 197. { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }: [الحج]: الذي هو السلوك إلى الله؛ [أشهر معلومات]: تجليات معلومة يتطور فيها العبد من النفس إلى الحق. [فمن فرض فيهن الحج]: أي أوجبه على نفسه بنيته؛ [فلا رفث]: وهو الوقوع تحت حكم النفس، باستلذاذ حظوظها؛ [ولا فسوق]: بالخروج عن حدود السلوك الحاكمة له؛ [ولا جدال]: وهو خصومة الغير؛ [في الحج]: لأن السالك مطالب بما يليق من أدب في طريق التقرب، وكل ما ينافيها فهو مذموم له؛ [وما تفعلوا من خير]: مما يوافق الأصول؛ [يعلمه الله]: فلا يكن همكم الإعلام به؛ [وتزودوا]: من كل ما يقربكم إلى ربكم؛ [فإن خير الزاد]: المبلغ لكم منزل الوصول: [التقوى]: وهي التقوي بالله على النفس. [واتقون]: من حيث الغيرة؛ [يا أولي الألباب]: يا أصحاب القلوب السليمة. 198. { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ }: [ليس عليكم جناح]: لا ضرر عليكم؛ [أن تبتغوا فضلا من ربكم]: أن تريدوا لأنفسكم ما فضل عن مراد قلوبكم. وذلك أن السالك إذا كان قلبه معلقا بالله، لا يضره أن يريد لنفسه ما عند الله. [فإذا أفضتم]: أي اندفعتم مجتمعين في زمرة الطالبين؛ [من عرفات]: من مقام المعرفة؛ [فاذكروا الله]: اذكروا أنه هو؛ [عند المشعر الحرام]: المعلم الذي به يميّز الحق من الخلق؛ وهذا من ذكر السر. [واذكروه]: من حيث الباطن لا الظاهر؛ [كما هداكم]: إليه في كل شيء؛ [وإن كنتم من قبله]: من قبل هذه الهداية؛ [لمن الضالين]: عنه فيه. 199. { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }: [ثم أفيضوا]: سيروا برغبة؛ [من حيث أفاض الناس]: كونوا في غمارهم لا تمتازون؛ [إن الله غفور]: يستركم وسطهم، فلا تظهرون إلا مثلهم. [رحيم]: بكم في هذا الستر، حتى لا يتشوش عليكم المقام. 200. { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ }: [فإذا قضيتم مناسككم]: وهي مقتضيات مقامات السلوك والمعرفة؛ [فاذكروا الله كذكركم آباءكم]: اذكروا الله كما تذكرون أصولكم؛ لأنه قد صار لكم الحق عوضا عن غيره؛ [أو أشد ذكرا]: بما يليق بمرتبته تعالى؛ [فمن الناس يقول ربنا آتنا في الدنيا]: من الناس فئة، تريد رزق معرفتها عاجلا بالتصرف في دنياها؛ [وما له في الآخرة]: يوم تحققه؛ [من خلاق]: من نصيب. فمثل هذا، يبقى في المعرفة العامة، ولا سبيل له إلى التحقق. وهذا يكون من استعجال النفس على رزقها، لذلك جوزيت الحرمان. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.