اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2024/11/05 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .19 الباب الثاني: العلوم المتعلّقة بالقرآن الفصل الثالث :أسباب النزول إن المقصود من أسباب النزول، هو الوقائع والأحداث التي استدعت من جهة الحكمة الإلهية، أن ينزل فيها آية أو أكثر من القرآن. وهو في الحقيقة الربط بين القرآنيْن: المسطور، والمنشور، في الزمن النبوي الأول حصرا. وهو باب من العلم مستقل، يدخل فيه علم الحديث النبوي وعلم حديث الصحابة؛ وهذا، لأن أسباب النزول الأولى، ما كان يعلمها إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حضر من الصحابة أو أُخبر به ممن حضرها. وأما نحن فعندما نربط نزول القرآن بالأسباب من جهة الحكمة، فإننا نريد من ذلك اعتبار الأسباب عموما، ضمن أسباب نزول القرآن في الشريعة؛ ومن لم يعتبر الأسباب، فإنه يفوته من علم الشريعة حظ عظيم. ومن يعلم حقيقة سبب النزول، أو يعلم مقدار عودة النازل من القرآن -إن كان من المتأخرين- إلى سبب النزول، ومدى تطابقهما، فإنه سيوفّق بإذن الله إلى الآية المناسبة للسبب وللنازلة في زمنه، بأكثر مما هو ثابت من السيرة تاريخيا. وهذا، لأن العبد معنيّ بالقرآن، في زمانه، من حيث النسخة الزمانية (التلاوة القدرية)؛ بخلاف ما يفهمه الفقهاء الجامدون، الذين لا يعلمون أن شطرا منهم بجمودهم، يدخلون في زمرة من قال الله تعالى عنهم: {وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَیۡتَ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ یَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 61]... أو من قال عنهم سبحانه (من باب الإشارة): {وَحَسِبُوۤا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِیرٌ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ} [المائدة: 71]... وقد تكون النوازل في الأزمنة المتأخرة مركّبة، فتحتاج إلى أن يُجمع لها في النظر بين سببيْن أو أكثر من أسباب النزول الأصلية. ولولا استمرار العناية بأسباب النزول الأصلية، وأسباب التنزل المتفرّعة، لتوقف تفسير القرآن عند جماعة الصحابة؛ وهذا لا يقول به أحد من أهل العلم المعتبرين. ومن هنا يبدو فساد مـُعتقد المتسلّفة، الذين حصروا الدين (الكتاب والسنة)، فيما فهمه السلف. ولا يصلح لهؤلاء الجهلة، إلا قول نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم (عندما قال أعربيّ: اللَّهمَّ ارحمني ومحمَّدًا، ولاَ ترحم معنا أحدًا!): «لَقَدْ حَجَّرْتَ واسِعًا.»[1] . والقرآن أوسع من فهم السلف والخلف، مع اعتبار خاص لفهم السلف وفهم الخلف. وقد أخذنا عن شيخنا الأكبر عليه السلام قوله (نرويه بالمعنى): "إن الله يفتح في العلم للمتأخرين، ما لم يفتح للسابقين.". وأمّا إنْ أراد العبد أن يتمسّك حرفيا بالتفسير الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما وقع فيه مَن ذكرنا من الجامدين؛ فإنه سيبقى محروما من كل ما يُمكن أن يهبه الله لعباده في الأزمنة التالية (الزمان النبوي الثاني). وحتى يخرج الجاهل من هذا الضيق، فعليه أن يعلم أن القرآن قد أُنزل مخاطبا لكافة المـُخاطَبين من جميع الأزمنة. وقد لا يجد المتأخر في نازلة ما آية صريحة، فينبغي عليه عندئذ النظر في الأسباب المعلومة على عهد الصحابة، وينظر في مدى مطابقة السبب للسبب، وفي الغالب لن يجده مطابقا تمام المطابقة، مما سيجعله مضطرا إلى النظر في السبب الجديد وفي عناصره، التي قد تكون واحدا أو متعدّدة، فإذا انتهى من ذلك كله، فعليه بالنظر في التوفيق بين السبب الأول والسبب الثاني (أو الأسباب الثانية). وهذا الناظر عليه أن يكون على دراية بوجوه الآيات، وبكيفية معرفة العلوم المتعلقة بكل وجه؛ ليدخل بعد ذلك إلى خلط الأسباب في مقابل تركيب النتائج. فإن كان موفّقا، فإنه سيجد الآية أو الآيات، التي يُستجلى أمر النازلة البسيطة أو المركّبة منها، على نور من ربه، إن كان من أهل النور. فيكون بهذا العمل، داخلا في علم التأويل، من داخله؛ أي باعتبار العمليات الجزئية التي يكون القيام بها ضروريا. فإن استأنس باستنباط هذا العلم، فإنه سيستسهله مع المدة، وقد يصبح فيه إماما لغيره، إن تيقّن أنه بعمله لا يزيغ عن التأويل الذي كان ينتهي إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو انتهى إليه أحد أئمة التفسير المعتبرين. وأما إن استطاع أن يفكك الاستنباطات النبوية، وأن يربطها بأسبابها الظاهرة والباطنة، فإنه سيزداد دربة على الاستنباط وفق القواعد التي وضعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو وُضعت له من غير تعمُّل منه صلى الله عليه وآله وسلم. وإن نحن نظرنا إلى تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية، فإن طريقة استنباط الحكم من الآية التي نزلت لسبب معلوم، قد تكون تارة قريبة من إدراك العبد، وتارة تخفى عنه؛ بحسب قربه وبعده من النور النبوي. ونعني من هذا، أنّ من قوي مدده من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يرى الحكم بسهولة، واضحا جليّا؛ وإن زادت قوة نوره، صارت البسائط والمـُركّبات في حقه سواء. فمثل هذا، يُمكن أن يُرجع إليه في تفسير القرآن، عند إرادة المطابقة بين النوازل الحادثة في الأزمنة المتتالية. ولكن عليه ألا يتكلم فيما غاب عن علمه، حتى لا يُفسد أمرَه؛ وربما قد يشطّ في التفسير، فيهلك. ومن لم يقْوَ على قول: لا أدري!... فليبتعد عن الكلام في العلوم الشرعية، ما استطاع. وعلى كل حال، فالمرء فقيه نفسه كما يُقال؛ فلا يُغامر بنفسه في شأن عظيم كتفسير القرآن، ونفسه رأسمال آخرته... وفي زماننا، قد تصدّى لتفسير القرآن أمثال محمد متولّي الشعراوي، وكان مدخله إليه اللغة العربية وعلومها؛ لكنه مع ذلك وقع في طوامّ، بسبب تفكره فيما لا مدخل للفكر فيه. ولو قُدّر لنا اللقاء به، لرددناه عن عدة أقوال بعيدة عن معنى القرآن. ولكن أمر لقائنا، يكون بإذن من الله، قليلا ما يتهيّأ للناس معنا؛ وذلك بسبب الظلمة الغالبة، وقلة التصديق التي هي أول صفة ينبغي أن يتخلّص منها طالب معاني القرآن، لو كان يعلم. ونعني من هذا، أن طالب معاني القرآن، لا ينبغي أن يأتي إلى القرآن وهو يضع عقله إطارا يحصرها فيه، كما يفعل أصحاب العقائد المختلفة؛ فإن ذلك سيمنعه من مباشرة معاني القرآن، فيبقى مع عقله وهو يظن أنه يأخذ عن القرآن؛ كل هذا، لأن القرآن "عزيز"؛ وهذه العزة قد تكون حائلا بين العبد والقرآن، لسبب من الأسباب. وجاهل من يظنّ أن ذلك كان مخصوصا بالكافرين والمشركين وحدهم... ونعني من كلامنا السابق، أن القرآن بما هو "الكتاب"، فإنه ينبغي أن يرتبط بكل الأسباب المناسبة لآياته؛ سواء كانت الأسباب مما سبق، من يوم خلق آدم، إلى يوم البعثة الشريفة، أو يكون ذلك كله مما لحق، ويأتي في الزمان بين البعثة الشريفة وقيام الساعة. فمن الشطر الأول، يَعلم العالِم حقيقة الأحكام النازلة في الكتب السابقة، ويعلم نسبتها إلى أحكام القرآن بما هي أحكام عامة مهيمنة؛ ومن الشطر الثاني، ما يتعلق بزماننا على الخصوص. والبحث في أسباب النزول من الزمان المتأخر، يقتضي نورا -كما أسلفنا- إن غاب -كما هو شأن غالبية الناس اليوم- فإنه لا بد أن يخرج مع غيابه أئمة الضلال الذين حذّرنا منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليدلّوا الناس على معان لا أصل لها في الدين؛ كمن يُدخل المبادئ الديمقراطية في اعتباره، ومبادئ حقوق الإنسان، وغيرها مما انكشف عنه هذا الزمان. فلا شك سيكون ما يأتي به من هذا شأنه، ضلالا، يراه فاقدو النور إصلاحا للدين، وما هو إلا هدم لما بقي منه. ومن أئمة الضلال الكبار في زماننا، محمد شحرور (ومن شابهه)، الذي خرج عن الجادّة خروجا بيّنا ومـُبعدا؛ حتى إننا عندما كنا نريد أن نستمع إلى ما يقول، لأجل أن نعرفه ونعرف مكانته العلمية، ما كنا نطيق المتابعة، بعد سماع بضع جمل منه، لشدة ظلمته، ودخول وحي الشيطان عليه... وهذا الوجه العام الشامل، من أسباب النزول (الشامل للزمان كله)، هو وحده المناسب للقرآن العظيم، من حيث هيمنته على كل الكتب الأخرى. يقول الله تعالى: {وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ} [المائدة: 48]. والمراد: فاحكم بينهم (أهل الكتاب) بما أنزل الله عليك في القرآن. ونعني من هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كان يُحاكم اليهود إلى التوراة، لا من كونها كتابا إلى جانب القرآن؛ ولكن من كونها بعضا منه. ولا يحجبنّ أحدا اللسان، والأحكام التشريعية المتباينة جزئيا، عن إدراك المعنى الذي نشير إليه. ولولا أن القرآن من هيمنته كان مغطّيا لجميع أسباب النزول، ما صحّ أن يُوصف من قِبل الله بما وُصف في الآية السابقة. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى تضمّن القرآن للتوراة والإنجيل والزبور، بقوله: «أُعْطِيتُ مَكانَ التَّوراةِ السَّبْعَ الطِّوالَ، وَأُعطِيتُ مَكانَ الزَّبورِ الْمِئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكانَ الْإِنْجيلِ الْمَثانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ.»[2] . وهذا الاشتمال من القرآن على الكتب السابقة، هو ما يُعطيه الهيمنة عليها، كما أسلفنا؛ فالهيمنة تبع للاشتمال ليس غير. ولم نر من يشير إلى هذا المعنى بوضوح، مع ورود الأحاديث الصحيحة فيه، بما لا يدع محلا للاشتباه. وهذا القصور، سببه عدم تزكية كثير من المفسّرين، ومن علماء الدين عموما؛ وبالتالي فقد بقيت الغالبية منهم، في المرتبة العامة من الإسلام، فحصروا أفهام الناس فيما عقلوا هم من القرآن. وهذا أمر ينبغي التنبه إليه، عند كلام عبد من العباد في آية من آيات القرآن!... فإذا تقرّر ما سبق، فإن أسباب نزول التوراة والإنجيل والزبور، منضوية حتما، تحت اسم "أسباب النزول" بالاصطلاح العام عندنا. وليس الأمر محصورا في الكتب المذكورة وحدها، بل هو شامل لكل كتاب أنزله الله على رسول من الرسل عليهم السلام، كصحف إبراهيم، ونوح وإدريس، عليهم السلام. ولولا هذا الذي نذكره، ما قال الله عن أهل الكتاب: {ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا یَعۡرِفُونَ أَبۡنَاۤءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِیقًا مِّنۡهُمۡ لَیَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ} [البقرة: 146]. ولا نعبّر في اللغة بـ "عرف"، إلا إن كان المعروف معلوما من قبلُ للناظر؛ إما كليّا، وإما جزئيا بالقرائن. وأهل الكتاب قد عرفوا القرآن من معاني كتبهم، وإن لم يُخبَروا دائما بالدلالة اللفظية من قِبل أحبارهم، حرصا من هؤلاء على الحفاظ على البناء الاجتماعي السياسي المالي، الذي يُسمّونه "دينا". وهذا -مع الأسف- هو ما وقع فيه شطر كبير من فقهاء أمتنا؛ وهو مما تابعوا فيه الأمم السابقة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ. قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟!»[3] . وعندما ذكرنا أن القرآن لا بد أن يكون شاملا من حيث التعلق، لأسباب النزول في زمن الأمم السابقة، فلا بدّ من التذكير بأنه ينفرد عن الكتب الأخرى، بما لم تحتمله هي منه. وقد تكلمنا في الباب الأول، عما انفرد به القرآن، دون الكتب الأخرى؛ وإن وجدنا داعيا إلى العودة إلى ذلك من وجوه أخرى، فلن نتوانى بإذن الله تعالى... وأما ما عنيناه بتنزل معاني القرآن، في المرحلة المحمدية الثانية، ضمن الزمن التشريعي المحمدي كله؛ فهو ما يقع منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤذنة باكتمال نزول ألفاظ القرآن، وإلى قيام الساعة. وهذا يعني أن الله لا يزال يبعث جبريل بمعاني القرآن في كل زمان، إلى قلوب الورثة؛ ليعلموا القرآن بفهم ذلك الزمان خاصة، وهو ما سميناه قبلا "التلاوة المخصوصة بالزمان"، التي يتلوها الختم. وحتى يُدرك القارئ ما نقول، فلينظر إلى الأمة المحمدية، في شبهها بأمم مختلفة متتالية؛ فإنه سيجدها كانت تحتاج من الله أن يُنزل عليها الرسالات تباعا، على رسل مخصوصين بالمراحل الزمنيّة. فعندما شاء الله أن يبعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفه خاتم النبيّين، وأنزل عليه القرآن المطابق للكتاب مطابقة تامة، فإنه أبقى تنزيل المعاني متاحا للورثة في كل الأزمنة التالية، لكيلا يبقى شطر من الأمة المحمدية منقطعا عن كتابه. ولكن عموم الأمة انقطعوا، رغم ذلك؛ بسبب اتباعهم التنظيرات الفاسدة من الفقهاء، والتي أوهمتهم بأن تنزل معاني القرآن قد انقطع، وما بقي إلا التفكر فيها؛ والأمر بخلاف ذلك!... وهذه المسألة، لم نر لها ذكرا عند الفقهاء المترسّمين، مع أن منطق الدين يدل عليها دلالة جليّة!... وقد شهد لما نقول الواقع، بحيث نجد من كل زمان وارثا يتكلم في القرآن بما لم يعلمه الأولون؛ وذلك لا شك، من علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم علوم الختم المحمدي الخاص عليه السلام. وعندما يشهد الواقع بشيء، فإن من العبث إنكاره؛ وإلا وقع المنكرون في صفة الكتابيّة، وصاروا لا يختلفون في كثير من الأمور عن أهل الكتاب، كما وصفهم الله في القرآن. وقد ذكرت مرّة في جماعة من الناس، أن هذه الأمة منها يهود ونصارى في الصفات، وإن كانوا على إسلام عام؛ فلم يُطق ذلك أحد من حضر، وعندما انفضّ المجلس، أنكر عليّ قولي. فأخبرته بأنني على رأيي ما أزال، وعليه هو أن يجتهد في فهم ما دللت عليه. وقد كان ينبغي أن تُدرج هذه المسألة ومثيلاتها، ضمن "علم أصول الفقه"، لو أن واضعيه كانوا من طبقة الورثة أئمة الدين!... ولنضرب هنا مثلا بـ "سبب نزول" أول ما نزل من القرآن العظيم، لنجتلي ما يتكرّر منه في كل زمان من جهة المعنى. قالت عائشة أم المؤمنين عليها السلام: "أَوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ؛ فَكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. فَكانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا؛ حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ، فَقالَ: اِقْرَأْ! فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فَقُلْتُ: ما أَنَا بِقَارِئٍ! فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقالَ: اِقْرَأْ! فَقُلتُ: ما أنَا بِقَارِئٍ! فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي، فَقالَ: اِقْرَأْ! فَقُلتُ: ما أنَا بِقَارِئٍ! فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ} حتَّى بَلَغَ {عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ} [العلق:1-5]. فَرَجَعَ بهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حتَّى دَخَلَ علَى خَدِيجَةَ، فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي! فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ، فَقالَ: يا خَدِيجَةُ، ما لي؟ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ؛ وَقالَ: قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي!» فَقالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ! فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا: إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ..."[4] . فهذا من المعلوم عند علماء أسباب النزول اللفظي، بالتواتر؛ واللفظ هنا لا ينفصل عن المعنى، بما يجعل المعنى متنزّلا على أهله من أهل القرآن. وليس الأمر مقتصرا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، ولا فرق في المسألة إلا من حيث الإمامة النبوية، والمأمومية الوراثية فحسب. وأما من يرى المعنى منقطعا في التاريخ، فإنه يكون من أهل التديّن التاريخي، وإن علم ما علم؛ وهو ما سيُبقيه ضمن دائرة العوام من هذه الأمة. وهكذا، فإن الوارث، يذوق في بدايته صدق الرؤى، ويذوق العزلة والانقطاع عن العالم. وقبل أن نمضي، لا بد من أن نشير إلى تفسير "العلماء" لتحنث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على أنه تعبّد بالمعنى الشرعي، الذي لا يصح عندنا؛ وذلك لأن الشريعة، لم تكن قد نزلت عليه بعدُ، كما لم يكن عليه وآله الصلاة والسلام على علم بشريعة مَن مضى من الرسل. يقول الله تعالى: {قُل لَّوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَیۡكُمۡ وَلَاۤ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِیكُمۡ عُمُرًا مِّن قَبۡلِهِۦۤۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [يونس: 16]؛ أي، لبثت فيكم عمرا من قبله على الجهل. لكنه -عليه وآله الصلاة والسلام- كان على الفطرة التامة، التي هي المـُعتمدة في بداية حاله الشريف. لذلك فنحن نفسر تجرُّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء، على أنه كان تفرغا من الشواغل، من دون اعتقاد أو فعل أي شيء. وهذا الحال، توفيق له من الله، ليستقبل الوحي إذا جاءه؛ وهو ما كان. والوارث يبلغ هذا الحال -على قدره- بعد قطعه لجميع مراحل السلوك المعروفة لأهلها، وقُبيل مفاجأة الفتح له. وهذا الذي نقوله، لا يعني أن الوارث لا يكون على فطرة قبل ذلك؛ بل العكس هو الصحيح؛ ولكننا نقصد أن بلوغ شيء من فطرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يتحقق له إلا في النهاية، بعد تخلّصه من الشوائب التي شابته في أثناء قطعه لسابق زمانه... وكما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من اتهام لنفسه، عند بداية نزول الوحي؛ فكذلك يتهم الوارث نفسه إذا بدأت تلوح له لوائح الفتح. وهذا ضروري لمن كان على الصراط المستقيم، لأن تزكية النفس، من علامات الضلال لا الاهتداء. وإبليس يستحوذ على كل من يُحسن الظن بنفسه، ليوهمه بما شاء. وأما من يشك في نفسه، ويُمحّص أموره، فإنه يُغلق باب الشيطان؛ ليبقى اللعين خلفه طريدا. وعلى القارئ أن يستنبط المعاني الأخرى من الحديث، بنفسه، إن كان يبغي الوقوف على التفاصيل. وأما ما وقع لنا خصّيصا، فإن أذن الله بإظهاره، فإننا سنكتبه في قسم "مذكرات" من موقعنا على الإنترنت؛ لأن هذا الكتاب لا يحتمله مفصّلا... وحتى لا يفتتن أحد بما نقول، ويظن أن الأمر ادّعاء لشيء يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإننا نتساءل: من أين يأتي الفهم الخاص في كتاب الله؟... فإن قيل: من الله!... قلنا: كل شيء هو من الله رب العالمين؛ لكن من جهة التفصيل، ينبغي أن نعلم أن الملَك المـُكلّف بالوحي (ما دام الأمر متعلقا بالوحي)، هو من ينزل على القلوب المهيّأة لقبول تلك المعاني، بإذن الله ورسوله. وهذا لأن جبريل عليه السلام لا يُجامل أحدا من العباد، ولا يخضع لحكم أحد سوى ربِّه سبحانه. وقد أشار الفقيه الوليّ سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه، إلى هذه المسألة، في مقدمة كتابه النفيس "الطبقات الكبرى"؛ وأشار إليه الغزالي في "الإحياء"، عندما تكلم عن لمة المـَلَك. وعلى كل حال، فإن هذا الصنف من الوحي (الوحي بمعاني القرآن)، يدخل ضمن صنوف الوحي المذكورة في قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤىِٕ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولًا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمٌ} [الشورى: 51]. وهو سبحانه "عليٌّ"، لأن الوحي ينزل من العلو إلى السفل؛ و"حكيمٌ"، لأنه يختار لوحيه من يليق له. يقول سبحانه في موضع آخر: {ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَیۡثُ یَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ} [الأنعام: 124]؛ وهذا في حق الرسل عليهم السلام وحدهم وبالأصالة. وأما الوحي الذي تكلمنا عنه، والذي للورثة حظهم منه، فهو الداخل تحت ألفاظ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا}؛ وهذا، لأن كلمة "بشر" عامة، وتشمل الرسول والوارث؛ بل تتسع لغيرهما. وللوارث كذلك مدخل في التكليم من وراء حجاب، عندما يكون في حال المشاهدة. وهذه الصنوف، نخبر عنها نحن ذوقا لا غيبا أو إيمانا، بحمد الله. ولو كان القرآن منحصرا في المعاني التي تُفهم من اللسان عادة، أو التي سمعها بعض الصحابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لانتهى الأمر بحفظ القرآن، مقصورا على صورة الأحرف وحدها، مع الانحطاط العام. ولكننا نرى رأي العين، أن من عباد الله من يؤتيه الله فهما جديدا في القرآن، لا يماثل فهم الأولين فحسب؛ ولكن يجاوزه إلى ما لم يُعرف لهم رضي الله عنهم. غير أنه لا بد هنا من الدلالة على أن فهم الخواص للقرآن في أزمنتهم، هو غيض من الفيض النبوي القرآنيّ، الذي لا يعلمه بتلك الدرجة إلا هو صلى الله عليه وآله وسلم. ومن صدّق بما نقول، فإنه سيجد النبي باقيا بين ظهرانينا، باطنا في صور ورثته عليهم السلام، معلما لأمته اليوم ومُزكيا لها؛ كما علمها أمس وزكّاها. وكل من لم يجد هذا ظاهرا له، فليعدّ نفسه من عوام هذه الأمة، وإن زعم هو -أو زُعِم له- غير ذلك... ولنذكر هنا ثلاث مراتب لفهم القرآن في الزمان تعريفا بهذا الباب العظيم: 1. ما يتعلق بالإلهيات: ونعني ما يتعلق من تنزيل الآيات القرآنية بمعنى الذات بمراتبها الثلاث: الذات بما هي ذات، وصفات، وأفعال. وهذه الثلاثة، لا تُعلم إلا ذوقا؛ وكل تَعلُّم لها من جهة التلقين العقلي (العلم المجرد)، فهو إما حاجب عنها أو مضلِّل. وقد يبلغ المرء إذا اعتقد كل ما يسمع في هذا الباب، أن يكفر كفرا أكبر، وهو لا يدري. وقد كان لدينا -زمن تلمذتنا لشيخنا عليه السلام- مقدَّما (نقيبا)، كان من أجهل الناس بأصول الدين عملا واعتقادا؛ وأوحى له إبليس لكونه نقيبا، أن يتكلّم فيما لا مدخل له فيه، معتمدا على ما سمعه (بحق أو بباطل) من بعض قدماء المريدين. وقد سمعنا من غيره ممن كان معتبرا ضمن الزاوية، ما يُشبه ذلك؛ ولكننا كنا بحمد الله محفوظين من الضلال، وغير متتبعين لعورات الناس؛ لذلك فلا نذكر شيئا من هذا الباب، إلا تذكيرا للناس وتحذيرا!... فكنا يوما في بيت أحد رفاقنا من جهة الظاهر، لأنه لم يرافقنا من جهة الباطن أحد؛ وبعد أن انتهينا من قراءة الورد الجماعي، أراد المـُقدَّم أن يتعالم علينا احتقارا لنا (وهو ما لا يجوز في عُرف المريدين)، فأخذ يتكلم عن الذات، وخلص إلى القول بأن المخلوقات كلها، أجزاء منها. فنطقت أنا العبد الضعيف، وقد كنت حديث عهد بالطريق نسبيا، فذكرت له أمام الجماعة أن مقالته تلك كفر، وقرأت عليه قول الله تعالى: {وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِینٌ} [الزخرف: 15]. فلم يجد بدّا من الرضوخ، وابتسم ابتسامته الخبيثة، وانقلب إلى إطرائي وتذكير الحاضرين بأنني صرت أعلم ما لم أكن أعلم؛ وكأنني كان لا بد لي في هذه الحال أن أُؤدّي له ثمن نعمة الله علي، فهو لم يكن يفقه من تقديم الشيخ له علينا إلا ذلك. وكانت هذه الحادثة، من أول أسباب محاربتي من قِبل المقدَّم حربا لا تخطر على بال أحد... والذي ينبغي أن نثبته هنا، هو أن الذات في مراتبها الثلاث المذكورة آنفا، لا تُعلم إلا من مستوييْن اثنيْن، لا ثالث لهما: ا. من مستوى أعلى مرتبة الإحسان: وهذا يكون عن طريق المـُشاهدة؛ لكن المشاهدة من هنا، لا تكون مشاهدة لله بالله، حتى تكون خالصة من جهة العلم؛ ولكن تكون مشاهدة لله بالنفس. وهذا من أعجب ما يقع للسالكين!... وأذكر أن سيدي ابن الطاهر رضي الله عنه -وكنا في "مداغ" خارج غرفته- قد نبّهني إلى الفرق بين المشاهدة بالنفس والمشاهدة بالله؛ ولعلّي كنت أعي ذلك من الناحية العلمية؛ ولكن كلامه بقي محفورا في ذاكرتي، جزاه الله عني خيرا... ب. من مستوى الوراثة الكاملة: وهي الأعلى. فيكون المشاهِد لله مشاهِدا له به سبحانه، لا بنفسه. ولا يقع هذا للواصل، حتى يبلغ في ترقّيه الحقيقة المحمدية، ويفنى فيها كما تفنى قطرة الماء في البحر المحيط. فإذا بلغ العبد هذه المكانة، صار ربّانيا بالمعنى الأعلى للربانية، الذي تكون منه المواجهة؛ وصار يعلم من ذاته (شخصه هو)، كل ما شاء الله له من علوم الغيب وعلوم الشهادة. ومن لم يأخذ أموره كما أخبرنا، وتكلم في علوم الخواص، ككثيرين من المتصدّرين في زماننا، فليعلم أنه مبتلى بلاء سيئا، وأنه على خطر عظيم؛ وليعلم أن التوبة العاجلة في حقه واجبة على الفور، قبل أن يتورّط في إضلال غيره من الناس، فيصبح من أئمة الضلال الذين حذّرَنا منهم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، في مثل هذه الرواية: "خَطَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: «هَذا سَبيلُ اللهِ مُسْتَقيمًا.». وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمالِهِ، ثُمَّ قالَ: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْها سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ. ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}»[5] . ولقد ألِفنا من العامة، أن ينزّلوا اسم الشيطان الذي يكون على رأس سبيل الضلال، على شياطين الجن وحدهم؛ والحقيقة أن شيوخ الضلال الإنسيّين، أيضا هم شياطين؛ بل إنهم من أكثر الشياطين شيطنة. والدليل قول الله تعالى: {وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوًّا شَیَـٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورًاۚ} [الأنعام: 112]؛ أي: يوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس، أو يوحي الجن إلى الجن والإنس إلى الإنس، أو الإنس إلى الجن. وهكذا، فإن من يتكلم بالكفريات، وهو يُعلّم من هم أجهل منه، فإنه يكون شيطانا، كائنا من كان!... وفي مستوى الوراثة الكاملة، يكون الوارث نفسه قرآنا؛ فيشهد شهودا علميا ذوقيا، تنزُّل القرآن منجّما على قلبه الطاهر؛ ثم يشهد تنزل الآيات منجمة على جوارحه، بحسب ما يجري به القدر عليه. وهذا العبد إذا كمل له ذوق القرآن، فإنه يكون أعلم الناس بالسيرة النبوية الشريفة؛ لأنه يعلمها من نفسه، كما علمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولا فرق في هذا العلم بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن علم النبي يكون من الاسميْن "الأول" و"الآخر"، من مرتبة الأعلوية، في حين يكون علم الوارث من مرتبة أدنى وهي العُلوية. ونحن نقول هذا من باب التحقيق، حتى لا يلتبس على الناس ما نتكلّم فيه؛ وإلا فإن للوارث أحوالا يغيب فيها عن نفسه، ويكون هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإن نطق -وهو نادر لدى الكمّل- كما نطق الشبلي عليه السلام، وقال لمريده: "اشهد أني رسول الله"، فينبغي للعالِم أن يتسع وعاؤه لما يسمع؛ لأنه شائع في الورثة، وهو دليل لديهم على التوحيد المخصوص بهم من مرتبتهم، الذي لولاه، لعدّوا أنفسهم مشركين... 2. ما يتعلّق بالعالَم: ونعني منه، ما يتعلق بتنزيل آيات القرآن على العالم من حيث جوهره وأعراضه جميعا. وإن نحن تقصّينا أسباب ضعف الأمة الإسلامية في هذا الزمان، فإننا سنجد السبب الرئيس هو انقطاعها عن القرآن عند النظر إلى العالم. ومن عجيب الأمر، أن يقع هذا الانقطاع عن طريق فقهائها؛ وذلك بزعم تمحيص التديّن!... وبما أن القرآن هو الكتاب الذي فيه ذكر كل شيء، فينبغي -على الأقل من جهة الإيمان- أن يعلم المسلمون أن ما يحدث في جميع أزمنتهم، من صغيرة وكبيرة، في جميع المجالات، له آيات تخصّه من القرآن؛ علموا بذلك على وجه الدقّة، أم لم يعلموا... ولقد طغى على الناس، منذ القرون الأخيرة التي ادّعت أوروبا أنها خرجت فيها من عصور "الظلام" إلى "النور"، نمط التفكير "العلمي" المخالف بحسب الزعم، للدين بما هو دين؛ وهذا لأن الأوروبيّين لم يعلموا من الدين إلا النصرانية. فألزموا الشعوب المسلمة التي كانت تحت نفوذهم العسكري، أو التي هي الآن تحت نفوذهم الفكري، بتنزيل ذلك الفهم القاصر والخاطئ، على دين الحق الذي هو الإسلام؛ وهو ما لا يصح!... فانقطع الناس بانقطاعهم عن الدين، عن فهم الواقع المخلوق لرب العالمين، عند انقطاعهم عن فهم كلامه الحق المـُبين. ويدخل ضمن هذا العلم ما يتعلّق بباطن الإنسان نفسه، بالمعنى العام الذي يُعتبر بحسب العقل الكافر، مجالا لعلم "النفس". ويدخل ضمنه أيضا العلم بما يحدث في العالم من تغيُّرات غير مسبوقة، ومن ذلك الطفرة التكنولوجية، التي أعمت الأبصار والبصائر. وقد زاد من انهزام العقل المسلم العامي، الهزيمة السياسية والعسكرية التي أصابته، حتى عاد يُشكّك في الدين؛ وكأنه لضعفه صار يقول: إن أنا اغتنيت وغلبت، فسأؤمن بالله وأتبع التعاليم؛ وإلا فلا!... وهو أمر من جهة الإيمان، نظير للمصادرة على المطلوب، من جهة المنطق العقلي. والفقهاء الذين كان يجدر بهم أن يكونوا أدلّاء على الهدى والخير، هم أنفسهم قد تنكّروا لمـُعظم الدين عند انطماس بصائرهم؛ وصاروا يجترئون على الكلام في شؤون الله وأحوال رسوله، بما لا تبلغه عقولهم ولا هممهم. فخذلوا عموم الناس، وتركوهم نُهبة الشياطين؛ بل لقد زادوهم رهقا، بدل أن يأخذوا بأيديهم!... وإن من أعجب ما وقع من الضلال في هذه الأزمنة المتأخرة، تسمية النور ظلمة، والظلمة نورا. والأعجب من ذلك، هو انطلاء ذلك الضلال على المسلمين، وفيهم من لا يزال يصلي ويقرأ القرآن!... وإن التفصيل في هذا الجانب من القرآن، والذي عددناه سابقا من التلاوات القرآنية المخصوصة بكل زمان، لا يصلح والعقول على ظلمة؛ لأن البداية تكون من تصحيح الإيمان، باتباع سبيل المؤمنين، لا بالكلام الذي سيعجز العامي عن فهمه، وهو يُحسن الظنّ بنفسه. ونعني من هذا، أن الناس ينبغي أن يشكّوا في مقدراتهم العقلية، حتى لا يقبلوا من عقولهم الحكم على كلّ شيء، من دون تمحيص؛ كما نعني منه أيضا، أن كلامنا لا ينبغي أن يعرضه القارئون على عقولهم، وهم لم يُحكموا أصول عملها ونظرها. وينبغي في المقابل على العباد أن يسعوا إلى تحصيل النور، حتى يتأهلوا للإبصار. ولسنا نعني بهذه الفقرات من كلامنا، ما يُسمّيه بعض السطحيّين "الإعجاز العلمي في القرآن"؛ لأنهم لم يعلموا من القرآن لا علما ولا إعجازا؛ ولكن نعني قراءة شهودية للقرآن، يعلم بها القارئ مناطات الآيات الكريمة، من الواقع على جميع واجهاته ومستوياته. وهذا الذي نتكلم عنه، ليس في متناول الفقهاء، وهم من المـُكذّبين به؛ ولكنه مما يُختص به أهل القرآن: أهل الله وخاصته... 3. ما يتعلق بالإنسان: ولسنا نعني هنا حقائق الإنسان وحدها، بل نعني كل ما يتعلق بالإنسان من جهة الظاهر العام: - صلة الإنسان بربه. - أهمية الدين في حياة الإنسان الدنيوية. - ربط الأسباب بالنتائج: الطاعة بالرضى والإنعام العاجل، والمعصية بالغضب والعقوبة العاجلة. ويتفرع عن الإنسان الفرد، ما هو من شؤون الجماعة (الأمة)؛ والأمة لا يُنظر إليها النظرة الشرعية، إلا بوجود إمام لها؛ لأنها عند فقد الإمام ظاهرا، تصير شبيهة بالفرد من الناس عندما يفقد عقله. وإن أكبر المصائب التي تحل بالأمة، ستكون ما بين الخلافة الحادية عشرة والخلافة الثانية عشرة؛ أي ما بعد عام 1924م، الموافق لعام 1342ه. وهو ما نراه من انحلال ما تبقى من تفاصيل عرى الإسلام، ما دامت عروة الحكم قد انحلت إبان سقوط الخلافة. وقد جاء في الحديث النبوي: «لَتُنْتَقَضَنَّ عُرى الْإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّما انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتي تَليها: فَأَوَّلُهنَّ نَقْضًا الحُكْمُ، وآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ.» [6]. والمقصود من الحكم "القضاء"، لأنه مظهر احتكام الناس إلى الشريعة بعمومهم، لا السلطان بالمعنى السياسي؛ وإن كان هذا، لا ينفصل عن ذاك. فما بقي اليوم من عرى الإسلام إذاً، إلا الصلاة والأركان الأخرى من أركان الإسلام؛ من جهة الصورة. ولكن من ينظر إلى هذه الشعائر، يجدها قد بدأت في الانحلال، عند انقلاب صورها، وذهاب روحها... ومع ضعف صلة الناس بربهم، أو انقطاعها، فإن الناس قد دخلوا زمن الدجّال، مع شيوع المعاصي، وانقلاب الإنسان مما كان عليه إلى الحيوانية والشيطنة. وهذا أسفل ما سيبلغه الناس من الانحطاط. ولقد شاء الله أن تكون الفتوحات التكنولوجية الكبرى، في هذا الزمان، ليزداد الناس بعدا بها عن الحق؛ وأوهمهم الشيطان أنهم الآن قد بلغوا عصر ألوهية الإنسان، عند تحقُّق تحكمه فيما حوله بحسب الزعم؛ حتى لقد سمعنا بأذننا من أحد رواد هذا المجال، القول بأنهم سائرون نحو القضاء على الموت عند استبدال أجزاء كثيرة من الإنسان بقطع آلية!... والعجب ليس من هؤلاء الشياطين وحدهم، بل ممن يُصدّقهم في هذيانهم!... ونسوا أن حلول هذا الوهم، هو العلامة على اقتراب فناء الدنيا. يقول الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا یَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَـٰمُ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّیَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَاۤ أَنَّهُمۡ قَـٰدِرُونَ عَلَیۡهَاۤ أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارًا فَجَعَلۡنَـٰهَا حَصِیدًا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَ ٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمٍ یَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]. وليتنبه القارئ إلى ارتباط توهم القدرة على الدنيا، بفنائها؛ فإنه سيكون نافعا له بإذن الله... وعندما فقد الإنسان الفرد صلته بربه، حيث تسبب الفقهاء المنقطعون عن الدين في ذلك وفي تقويته، فقد صار من أضعف المخلوقات، وداخَله الرعب من المجهول، مع الرغبة في تحقيق المأمول، في ظروف حيوانية، يأكل فيها القويّ الضعيف، من دون أدنى رحمة أو خشية. فدخل المجتمع الإنساني كله -والإسلامي منه- في حالة مَرضية هي: مرض الكفر والنفاق، الذي تتفرع عنه كل الأمراض "النفسية" والاجتماعية المتنامية مع الزمان. يقول الله تعالى: {إِذۡ یَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ دِینُهُمۡۗ وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمٌ} [الأنفال: 49]، ويقول سبحانه أيضا: {وَإِذۡ یَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]، وهو ما صار يقوله بعض أبناء المسلمين الذين كفروا ونبذوا الدين. وعلى كل حال، فإن مرض القلوب هو الشائع في زماننا، والمرض يكون دائما مضعِفا إن عاد صاحبه إلى حال الصحة بعده؛ أو يكون مميتا للقلب بالكفر، إن شاء الله للعبد ذلك. ولا يغتر أحد بفقهاء العصر، لأنه يغلب عليهم ما ذكرنا؛ وقنعوا من تديّنهم، أن يرتزقوا بوظائف الإمامة في الصلاة، أو بالإشراف على المناسبات الاجتماعية، فحسب. ومن أمعن النظر، فإنه سيجدهم يُشبهون في ذلك القساوسة والرهبان والأحبار في المجتمعات التي كنا نعدها وحدها كافرة. وعلى كل حال، فإن ما ذكرناه، قد أصبح معيشا يراه الناس رأي العيْن، فلا سبيل إلى إنكاره!... ومن أسباب النزول التي ينبغي إعادة النظر فيها اليوم، هي أحوال أهل الكتاب في الزمن الأول؛ فإن إناطتها اليوم، بأهل الكتاب وحدهم، هو جهل بالدين، ناتج عن ضعف نور البصائر إن لم يكن عماها. ونعني أن كثيرا من الآيات التي نزلت في أهل الكتاب، تنطبق اليوم على شطر كبير من المسلمين، بما أنهم نزلوا إلى مرتبة الكتابيّين في تديّنهم. - فمثلا، يقول الله تعالى: {مَّا یَوَدُّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِینَ أَن یُنَزَّلَ عَلَیۡكُم مِّنۡ خَیۡرٍ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ} [البقرة: 105]: والمعنى هو أن أهل الكتاب من المسلمين اليوم، إذا سمعوا بأن الله قد أنزل على بعض عباده فهما في كتابه (وهو أعظم الخير)، فإنهم يكرهون ذلك، ويودون أن يبقى الجميع منقطعين. وقد ختم الله الآية بذكر رحمة الاختصاص والفضل العظيم، ليُذكّرنا بأنه سبحانه، من رحمته وفضله، قد أنزل على الرسل السابقين الوحي؛ ومن حكم بانقطاع الرحمة والفضل، عند انقطاع الوحي التشريعي، فقد جهل؛ لأن الله ما يزال يرحم بإفهام الكتاب، ويتفضل على المتأخرين بما يُجاوز ما عرفه السابقون كما سبق أن ذكرنا، في غير هذا الموضع!... وهذه قاعدة سارية في العالم، يجهلها الجاهلون، عند قطعهم بأن الفضل محصور في السابقين وحدهم... - ويقول سبحانه: {وَدَّ كَثِیرٌ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَـٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُوا۟ وَٱصۡفَحُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ قَدِیرٌ} [109]: وأهل الكتاب من المسلمين اليوم، هم المقطوعون عن المدد النبوي، وعلى رأسهم الفقهاء المـُثبتون للقطيعة. فهؤلاء، إن هم رأوا من اختصه الله برحمة من عنده يكون له بها برهان على اتصاله بالمدد النبوي، حيث ينتج له به فهم في القرآن لا يبلغه المنقطعون؛ فإن الحسد يسبق إليهم، ويعملون بالقول أولا، على ردّ هؤلاء المؤمنين عن إيمانهم بما أصابهم من خير (والكلام على عمومه هنا)، إلى الكفر (بالمعنى اللغوي) الذي هم عليه. وكل ذلك من بعد أن يتبيّن لهم الحق، الذي هو صلة هؤلاء المرحومين من المتأخرين، بالمرحومين من الصحابة والتابعين!... فيدعو الله عباده المرحومين في زمن نقض عرى الإسلام، إلى معاملة أولئك المحرومين ممن يزعمون أنهم مسلمون، بخُلق العفو والصفح؛ لعل ذلك يكون سببا لهم في العودة إلى الحق، قبل قيام الساعتيْن: الصغرى بالموت، والكبرى بفناء الدنيا... - ثم يقول سبحانه: {قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَیۡـًٔا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: 64]: وهذا مطابق لما هم عليه أهل الكتاب من المسلمين في عصرنا، من شرك بلغ حدّ السجود لصور بعض الحكام القُطريّين (والمقاطع موجودة على اليوتيوب)، وإلى حد وصفهم بصفات الربوبية. وقد حكمتُ -أنا العبد الضعيف- بهلاك القذافي، يوم تسمّى بـ "مَـلِك ملوك أفريقيا"؛ لأن ملك الملوك هو الله وحده؛ وحكمت بهلاك صدام حسين، عندما سكت على الشاعر شفيق عبد الجبار قدوري الكمالي، الذي قال فيه: وأما قول الله تعالى، في ختام الآية: {فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ}، فمعناه: لا تنساقوا أيها الباقون على الإسلام الأصلي، الذي لا مجاملة فيه ولا مداهنة على حساب الحق، واثبتوا على معنى الإسلام لله ربكم، ولا تُطيعوا عبادا أمثالكم فيما يُغضبه عنكم!... وأما الكلمة السواء التي تصدّرت بذكرها الآية، والتي أُمِرْنا أن نحتكم إليها، فهي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، بالقول والفعل؛ لا باللسان وحده، كما يفعل منافقونا... - ثم يقول سبحانه: {یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [آل عمران: 71]: والخطاب دائما لأهل الكتاب من المسلمين اليوم، الذين يتكلمون بكلام من الحق المعلوم لدى عموم الأمة: فهم إما يستدلون بآيات قرآنية، على خلاف مدلولها؛ أو يذكرون أحاديث من أقوال خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم، ليُثبتوا بها أباطيلهم. وهذا هو لبس الحق بالباطل عينه: أي إلباس الباطل الحق كما تُلبَس الأجسام قمصانها، ليثبُت ولو لمدة يسيرة، هي مناط الإضلال عند أهله. والمصيبة هي أن عموم المسلمين يعلمون أن ذلك الكلام المـَقول، يخالف معلومهم من الدين من جهة باطنهم، ولكن يسكتون عليه، لعلّة الشرك في قلوبهم. وهو المرض الذي ذكره الله مـُلحَقا بالقلوب... - ثم يقول سبحانه أيضا: {قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمۡ شُهَدَاۤءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} [آلا عمران: 99]: وهذا ينطبق على شطر من المسلمين الذين يعسّرون الطاعة على إخوانهم، وييسرون لهم المعصية. فشطر من ذلك الصدّ عن سبيل الله، يتم باسم الرياضة، وشطر باسم الفن؛ وما هو إلا أعمال شيطانية، تكون عاقبتها إظلام القلوب وطمس الفطرة... وإن شطرا آخر ممن نزلوا بعد الكفر إلى الحيوانية، يصدق عليهم قول الله تعالى: {أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ یَسۡمَعُونَ أَوۡ یَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِیلًا} [الفرقان: 44]؛ وهم عدد من الشعوب المسلمة لا يُستهان به (والكفر دركات). وعلامتهم أنهم لا يغضبون ولا يرضون، إلا لدنيا فاتتهم أو لدنيا أصابتهم. ومنهم أولئك الذين تعجّ بهم شوارع المدن والقرى، مطالبين حكامهم بشتى المـَطالب؛ في غياب كلي أو شبه كلّي لسؤال ربهم حقيقة، ما يحتاجون... من كل ما سبق، نريد أن نخلص إلى أن أمة الإسلام اليوم، صارت تنطبق عليها كثير من الآيات التي كانت تنطبق على أهل الكتاب في الزمان الأول. فإن قيل: فما حكم أهل الكتاب اليوم؟... وهذا حتى لا يختلط على الناظر التصنيف؟... قلنا: نعم، نحن نُدرك ضرورة بقاء فروق بين المسلمين وأهل الكتاب، إن أحببنا أن نكون ملتزمين في كلامنا بالعلم. وما يحل هذا الإشكال، هو القول بأن كثيرا من أهل الكتاب، لم يعودوا كذلك، بعد دخولهم في الكفر والشرك الأكبريْن. ولننظر كمثال على هذا الصنف إلى الأوروبيّين: فهل بقوا على النصرانية كما كانت لديهم؟ الجواب هو: لا!... بل تركوها، وصاروا إما على ما يُسمّى في العصور المتأخرة إلحادا، أو على عبادة للطبيعة من دون الله، أو بوذيّين أو طاويّين أو شامانيّين؛ أو غير ذلك من الضلال الأكبر... وهذا يُجنّبنا الخلط في التوصيف، عندما نصف بعض المسلمين بالكتابيّين. وأما المتمسّكون ممن كانوا من أهل الكتاب، بظاهر ما يزعمون أنه نصرانية أو يهودية، كما هو شأن شطر من الأمريكيّين، فإنهم قد نزلوا إلى عبادة الشيطان الموحي لهم بالثبات على ما يزعمون. وأما المنظمات السّرّيّة، فمنهم من يعبدون الشيطان كفاحا، من غير شبهة. والأقلية القليلة ممن ذكرنا، هم من يمكن أن يُعتبروا من أهل الكتاب، بالإضافة إلى بعض الجماعات المنغلقة والمنفصلة عن الزمان، من مثل طائفتَيْ: "المورمون" و"الأميش"، وما شابههما... وإن كانت الآيات القرآنية توجد لها أسباب نزول في كل الأزمنة، فإن مما ينبغي أن نتكلم فيه، الآيات التي نزلت في أشخاص بأعيانهم. فالآيات الأخرى، قد سبق لعلماء التفسير أن ذكروا أن ألفاظها تعمّ، بحيث لا ينحصر معناها في سبب نزولها المعلوم، ولكن يتعدّاها إلى ما ينضوي تحتها من الأحداث والوقائع بالإلحاق؛ ولكنْ مع هذا، يبقى مجال هذا الصنف من الآيات خاص السبب عامّ اللفظ، كما يقولون، غير منسحب على كثير من آيات القرآن، ومنها الآيات التي نزلت بذكر أسماء الأشخاص. وقبل أن نفيض في الكلام، ينبغي أن نسأل: هل هذا الصنف، يعم أيضا؟ فإن أجبنا بالإيجاب: فكيف؟... وإلا، فإنه سيبقى من آيات القرآن ما يكون غير قابل للتنزيل في الزمان، ويكون ذلك منّا تناقضا، وكلاما بعيدا عن العلميّة؟!... فنقول: أولا: نحن على مذهبنا الذي أوضحناه، وهو القول بأن كل الآيات لها تنزيل مخصوص في الزمان؛ وإن نزلت بذكر أسماء شخصية... ثانيا: هذا يستدعي منّا، أن نفصل القول في صنفيْن من الآيات: ا. ما كان سبب نزوله خاصا، وعم لفظه: وهذا كقول الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمٌ} [آل عمران: 105]، الذي يظهر منه أنه نزل في أهل الكتاب السابقين، ولكن بما أنه نهي للمسلمين عن الوقوع فيما وقعوا فيه، فهو متعلّق بالمختلفين من المسلمين الآن، والذين صاروا فرقا متناحرة؛ مع بدوّ إرهاصات التفرقة الأولى، زمن الصحابة والتابعين كما هو معلوم. وأما عندما ظهرت معالم الفرق المختلفةِ العقديةُ والفقهية، فقد صارت الآية تنطبق على كل فرقة على حدة: من جهة نزول الفرقة إلى مرتبة أهل الكتاب، كما أسلفنا؛ وهو الوقوع في النهي الأول: {وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ ...}، ليسوا غير أهل الكتاب؛ ومن جهة النهي عن الافتراق في شريعتنا. وهذا يجعل المفترقين من المسلمين، يخافون من اشتراكهم مع أهل الكتاب في النتيجة التي هي: {وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمٌ}؛ أي من التابعين ومن المتبوعين، إلا أن يعفو الله!... ولن نطيل بذكر هذا الصنف من الآيات، لأن أغلب الكتب المتناوِلة لأسباب النزول، قد اشتملت على تفاصيله. ولننصرف إلى الصنف الثاني: ب. وهو ما خص لفظه، وعمّ معناه جميع الأزمنة: وهذا، كقول الله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَیۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعًا سُجَّدًا یَبۡتَغُونَ فَضۡلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰنًاۖ سِیمَاهُمۡ فِی وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَ ٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِی ٱلۡإِنجِیلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ یُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةً وَأَجۡرًا عَظِیمَۢا } [الفتح: 29]. فمحمد الرسول، واحد في الدهر، ولكن مع هذا يوجد في كل زمان من تتنزل عليه هذه الآية بحذافيرها، وهو الوارث المحمدي الكامل؛ على قدره هو، لا على قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن حصر قول الله: {وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَیۡنَهُمۡۖ}، في الصحابة المرضيين وحدهم، فقد ضيّق واسعا؛ لأن كثيرا من الأمة المحمدية هم على هذه الصفة: من جهة العموم ومن جهة الخصوص. فمن جهة العموم، فلا يخفى أن المؤمنين في الأزمنة المتأخرة هم داخلون في المعيّة النبوية، لكن لا كدخول خواص الصحابة في الزمن الأول، ولا كدخول من يكونون ضمن دائرة الوارث الكامل. وإن لم يكن لهم ذلك، فما معنى أن يكونوا أتباعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!... وهكذا فليُنظر إلى قول الله تعالى: {إِنَّاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ كَمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِیسَىٰ وَأَیُّوبَ وَیُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَیۡمَـٰنَۚ وَءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا} [النساء:163]. ونعني أن لكل زمان من حيث المقام، إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويونس، وهارون، وسليمان، وداود؛ كما لكل زمان آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط؛ وهؤلاء الذين يُسمّون من جهة المقام في الزمان الواحد، باسم أحد من الأنبياء والرسل، هم أولياء وارثون لذلك المقام (من دون نبوة)، يكون على رأسهم الأفراد، الذين لهم الخلافة المحمدية عن الله في أنفسهم؛ لا الخلافة على العالم التي تكون للقطب الغوث. وقد يلتبس كلامنا على من طالع كلام بعض السابقين، والذي منع من القول بوراثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكيف نقول بها نحن؟!... ونحن إنما قلنا ذلك من إخبارنا عن ذوقنا، عندما وجدنا نفسنا نذوق السيرة النبوية من حقيقتها وباطنها، من دون أن نقول بنزول وحي تشريعيّ علينا عياذا بالله؛ بل إنما نتبع في التشريع نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم. ولنترك هذه المسألة حتى نعود إليها لاحقا، ولنعد إلى وراثة الأولياء من هذه الأمة للأنبياء من الأمم السابقين من محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ أي من قرآنه. وكما ينقسم القرآن المتلوّ إلى سور مخصوصة، ورد فيها ذكر أنبياء مخصوصين؛ فكذلك يرث أولياء هذه الأمة كل نبي ورسول من الحقيقة المحمدية، فيكونون إبراهيميين من محمد، أو موسويّين من محمد، وغير ذلك... وهذا، لأن فرقان الولاية، لا بد له من العودة إلى قرآنها. ومن قال في الزمان التشريعي المحمدي بوراثة نبي من الأنبياء مباشرة، فليُعلم أنه على طريق منحرف، وأن إمامه إبليس لا غيره. ومن كان وارثا لنبي من الأنبياء كإبراهيم -مثلا- فإنه يرث من أحواله وعلومه على قدره. ونعني من هذا، أنه لا بد له من وجود النار في طريقه؛ ولا بد من إلقائه فيها مع تحقّق نجاته بعد ذلك. وهكذا مع كل نبي، في أحواله مع أمته وأتباعه، كل ذلك من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. وإن هؤلاء الورثة من الأولياء، هم أحق الناس بتفسير الآيات التي يُذكر فيها موروثوهم، وما يتعلّق بهم. وأما وراثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وجدنا كلاما للشيخ الأكبر عليه السلام، ننقله هنا تعلُّما وتبركا: [واعلم أن لله عبادا أخفياء أبرياء أصفياء أولياء، بينهم وبين الناس حجب العوائد، غامضين في الناس لا يظهر عليهم ما يميزهم عن الناس؛ وبهم يحفظ الله العالم، وينصر عباده. معروفون في السماء، مجهولون في الأرض عند أبناء الجنس. لهم المـَهْنأة في الدنيا والآخرة، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لا في الدنيا يعرفون، ولا في الآخرة يشفعون؛ انفردوا بالحق في سرائرهم؛ وما كنتُ عرفت أن الله قد جعل في الوجود وليا له، على كل قدم نبي. فإن الله تعالى لما جمع بيني وبين أنبيائه كلهم، حتى ما بقي منهم نبي إلا رأيته في مجلس واحد، لم أر معهم أحدا ممن هو على قدمهم؛ ثم بعد ذلك رأيت جميع المؤمنين وفيهم الذين هم على أقدام الأنبياء وغيرهم من الأولياء. فلما لم يجمعهم مجلس واحد، لذلك لم أعرفهم؛ ثم عرفتهم بعد ذلك، ونفعني الله برؤيتهم، وكان شيخنا أبو العباس العُريبي على قدم عيسى عليه السلام؛ وكنا نقول قبل هذا: إن ثم أولياء على قلوب الأنبياء! فقيل لنا: لا! بل قل: هم على أقدام الأنبياء، لا تقل على قلوبهم. فعلمت ما أراد بذلك، لما أطلعني الله على ذلك. رأيتهم على آثارهم يقْفون، ورأيت لهم معراجَيْن: المعراج الواحد، يكونون فيه على قلوب الأنبياء، ولكن من حيث هم الأنبياء أولياء النبوة، التي لا شرع فيها؛ والمعراج الثاني، يكونون فيه على أقدام الأنبياء أصحاب الشرائع، لا على قلوبهم. إذ لو كانوا على قلوبهم، لنالوا ما نالته الأنبياء من الأحكام المشروعة، وليس ذلك لهم؛ وإن وقع لهم التعريف الإلهي بذلك. ويأخذون الشرع من حيث أخذته الأنبياء، ولكن من مشكاة أنوار الأنبياء، يقترن معه حكم الاتّباع؛ فما يخلص لهم ذلك من الله ولا من الروح القدسي. وما عدا هذا الفن من العلم، فإنه مُخلَص للأولياء من الله سبحانه، ومن الأرواح القدسية. وهذا كله لتتميز المراتب عند الله، لنعرف ذلك، فنعطي كل ذي حق حقه، كما أعطى الله كل شيء خلقه. وهذا كله، من رحمة الله التي أفاضها على خلقه.] [7]. ولقد عنى شيخنا من كون الوليّ على قلب نبيّ سابق، ما يرثه من أحواله في سلوكه من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ وما يكون على قدمه، ما يرثه من اتباع ذلك النبي من السلوك على شريعته في زمانه. وفي هذا ينبغي التفريق بين الوارثين من هذه الأمة، والذين يرثون جميع الأنبياء من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبين الوارثين من الأمم السابقة، الذين يرثون رسلهم من حيث هم. ولو تصورنا نبينا بحرا، وتصورنا الأنبياء أنهارا، فإن الولي الوارث لنبي سابق من محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أي من هذه الأمة)، هو سابح بالضرورة في البحر المحمدي؛ وأما من كان من المنتسبين إلى نبي من الأنبياء في زمانه التشريعي، فإنه يكون سابحا في نهر من الأنهار. ولو جئنا بمن كان عيسويّ الميراث: أحدهما وارث من عيسى مباشرة داخل زمانه التشريعي، والآخر وارث لعيسى من محمّد ضمن هذه الأمة، فإننا سنجد أذواقهما تختلف لاختلاف نسبتيْهما. ونعني من هذا، أن الوارث إذا كان محمديا، فإنه سيزيد على ذوق الوارث العيسوي ذوقا آخر يكون كالخلفية له. وفي الغالب يكون إدراك ما هو محمدي لورثة الأنبياء من أممهم، إجماليا لا تفصيل فيه... وأما ما أنكره الشيخ الأكبر عليه السلام، من أن الوارث من أمتنا، لا يأخذ ميراث الأنبياء السابقين من أحد الوجوه عن الله، وعن الروح القدس؛ فذلك، لأن هذا المـَأخذ مخصوص بأولئك الأنبياء عليهم السلام. ولا يُمكن أن يُشارك الوارث موروثه في مأخذه؛ وإلا شاركه في علومه وأحواله، وهذا محال، بسبب القول بعدم انمحاء الفوارق بين الصنفيْن انمحاء تاما؛ وهو ما دلّ عليه الشيخ في آخر هذه الفقرة المنقولة. وأما إخبارنا عن نفسنا بأننا ورثنا نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم، فمن الوجه الآخر الذي أشار إليه الشيخ الأكبر عند إثباته لشطر ما نفى؛ وهو الأخذ عن الختم المحمدي الذي ليس هو إلا الشيخ الأكبر عليه السلام ذاته. ونعني أن ختمنا زاده الله من فضله على الدوام، يأخذ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجه يخصه، ولا يتعداه؛ ويأخذ عن الروح القدس من كونه روحا محمديا ليس غير. وأما نحن، فرغم أننا نأخذ عن ختمنا -جزاه الله عنا خيرا- إلا أنه يجوز لنا من أحد الوجوه أن نقول: أخذنا عن الله وعن الروح القدس، وذلك عند فنائنا في الحقيقة المحمدية من وجه ختمنا فيها. ولنا أمداد محمدية من ختمنا، تأتينا من سلسلة أهل البيت أيضا، عليهم السلام جميعا، ابتداء من عليّ عليه السلام، وانتهاء بمهدي آخر الزمان، من دون أن نجاوز الأئمة منهم في كل الأزمنة السابقة. فإن قلنا عن نفسنا: إننا وارث محمدي، فقد عنينا ما يوافق كلام شيخنا الأكبر عليه السلام، لا ما يخالفه. وهذا كما أخبر هو عليه السلام، لتمتاز المراتب فيما بيننا، وتمتاز الأذواق تبعا لها. وخلاصة الكلام، وهو أن في زماننا -وهو يشبه سائر الأزمنة داخل الزمن التشريعي المحمدي- من يكون محمديّ الوراثة، جامعا لكل ما يذوقه أولياء زمانه من أحوال وما يحوزونه من علوم؛ وهذا، هو من يُسمّى ختما محمديّا في الزمان. وأما الأولياء الآخرون، فمنهم من يكون وارثا لآدم، أو لإبراهيم، أو لنوح أو لموسى أو لعيسى، أو لغيرهم، عليهم جميعا السلام؛ لكن من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فهؤلاء الأولياء، يكونون بمثابة أجزاء الفرقان، لقرآن الختم في زمانهم حصرا. فمن شاء أن يمثّلهم بالسُّوَر، ويمثّل الختم بصورة الفاتحة في الزمان المخصوص؛ فله ذلك. وهؤلاء الأولياء، لا يُعرفون من جهة خصوصيتهم، وهم مَن تتقدّمهم طبقة الأفراد الذين لا يتقيّدون بعدد. وأما الأولياء المتقيّدون بالعدد، فهم يكونون تحت القطب الغوث في الزمان. والقطب الغوث، له الوراثة النيابية في الخلافة المحمدية عن الله. وهذه الدائرة، لها تدبير العالم المسمّى اصطلاحا بـ "التصرف"؛ في حين يكون للدائرة الأولى (دائرة الأفراد) تصرفات من وجه تحقُّقهم بحسب دوائرهم. ولقد وجدنا خلطا كبيرا في أحوال هذيْن الصنفيْن المتباينيْن من الأولياء، على مر الأزمنة، وفي كثير من كتب الأولين. ولم نجد من يفصّل القول فيها على علم، كشيخنا الأكبر عليه السلام؛ لكن كلامه في كثير من الأحيان يتطلب شرحا وتوضيحا، وإلا وقع الناظر غير المؤهل به، في الخلط والالتباس أحيانا... ويندرج ضمن هذا الصنف الأشخاص من الأشقياء المذكورين بالاسم، في مقابل ذكر الأنبياء عليهم السلام، كفرعون، وهامان، وأبي لهب؛ فهؤلاء أيضا لهم ورثة في الزمان لشقاوتهم. ومن كان ذا نور، فإنه إذا عرف أحد الأولياء، يسهل عليه معرفة الشقيّ المخصوص به؛ حتى إذا عرفه، ازداد معرفة بالوليّ الذي يناسبه، وإن كانت المناسبة على المقابلة هنا؛ وربما عرف به، موروث ذلك الولي من الأنبياء أيضا. هذا إن لم يكن من أهل الكشف، وكان من أهل الاستقراء... وهذا الباب من العلم، يُشبه علم الرجال في علم الحديث؛ ولكنه مخصوص بالرجال الوارثين للأنبياء المختلفين. ونحن قد عرَفنا الأشقياء المعادين لنا، فوجدنا أن الشبه ثابت بين ما عشناه من أحداث، وأحداث السيرة النبوية الطاهرة؛ من دون تنطّع منّا، ولا تطاول. نعوذ بالله من الخذلان!... وعلى كل حال، فإننا بهذا الفصل، لم نرد التفصيل في أسباب النزول المتعلّقة بزماننا؛ لأن ذلك علم واسع، وهو خاص؛ لو سمع به العامة، لافتتنوا في دينهم. أما من كان يسير على درب السلوك، فإنه سيزداد به إيمانا مع إيمانه بإذن الله... ونرجو من الله أن يكون هذا الفصل مفتاحا للمؤهّلين من أمتنا، حتى يتتبعوا آيات القرآن في زماننا، فينالوا بذلك من الله رحمة خاصة، بتلاوتهم تلك. فلا يُسارعْ أحد إلى إنكار ما ذكرنا هنا، حتى لا يُحرم من ذلك، ويبقى الباب مفتوحا في وجهه في مستقبل أيامه؛ خصوصا إن كان مع أحد الوارثين، حتى يحميه من غواية إبليس اللعين؛ فإننا ما رأينا من يسلم منه إلا إن كان على نور بيّن في نفسه، أو كان مع أُولي النور الباهر من أهل زمانه، رضي الله عنهم... [1] . أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.