اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/05/25 رحلتي إليّ(نحو التسميم الأول) -5- نحو التسميم الأول لم يدر الحول عليّ، إلا ووالدي في بداية السنة الدراسية، يأخذني من يدي إلى الحيّ الأوروبي، الذي ربما كنت أراه للمرة الأولى. ولقد كان هذا الحيّ يسمّى عندنا نحن العامة "فيلاج النصارى"، لأنه من جهة كان على الطراز الأوروبي، حيث تكون البيوت مسقوفة بالقرميد الأحمر، ومحاطة بحدائق تملأها الزهور؛ وكان من جهة أخرى لا يسكنه إلا الأوروبيون الذين هم في الغالب إما إسبان وإما فرنسيّون. ولكثرة ما كانت المشاهد جديدة علي، طغت صور بعضها على بعض، إلى الحدّ الذي لا أذكر معه منها الآن إلا القليل. دخلنا على المدير في مكتبه، فوجدته لا يُشبه الرجال الذين كنت أعرفهم قبله: كان بنظّارته، ونحافته وميله إلى الطول، مع دقّة قسمات وجهه وثيابه الأنيقة، أشبه بالأجانب (أستطيع الآن أن أقول إنه كان يُشبه الألمان النازيّين)؛ وقد كان من أقارب البقال الذي كنت أتردد عليه، وهو ما يجعله يدخل في دائرة أصدقاء والدي، الذين كانوا يتخذون من دكان البقالة محلا لجلوسهم، حرصا منهم على عدم مخالطة عوام الناس في حاسي بلال، والذين كان جلّهم من الفقراء والعمّال المنجميّين. كانت هذه النخبة لا تمتاز عن غيرها من الناس، إلا باللباس العصري المقلِّد للباس الأجانب، وبصلةٍ ما لها بالإدارة التعليمية أو الإدارة السلطويّة التي كان يترأسها في هذه الآونة "الشيخ". كانت صفة "الشيخ" تُطلق على الرجل الذي يترأس "المقدّمين"، وكان المقدّمون يتوزعون على أحياء البلدة، بحيث يكونون هم صلة الوصل بينها وبين الشيخ أو من يعلوه في السلطة، من قائد أو خليفة للقائد. كان القائد مستقرا بجرادة، في الإدارة المركزيّة التي كان والدي يُسمّيها "البيرو"؛ ولم تكن كلمة "البيرو" إلا اللفظة الفرنسية ذاتها، المرادفة لـ "المكتب". كان والدي كلما عاد إلى البيت، ينصرف إلى الوالدة، يكلمها بأخبار "البيرو" صغيرها وكبيرها. ولم يكن أمام الوالدة إلا الاستماع، إرضاء لنرجسية والدي المتضخّمة؛ واسترواحا إلى هذه الأخبار الخارجية، لأنه لم يكن أمامها إلا ذلك. أما نحن الصغار الذين كانت قد التحقت بنا أختي (را.)، بحيث صرنا الآن ثلاثة؛ فلم نكن ندري أين نحن، لأننا ولدنا داخل هذا البيت الذي لا نكاد نعرف غيره. لو لم يكن بيتنا سجنا، لقضى فيه والدي أوقات فراغه وأيام عطله؛ لكنه لم يكن يأتيه إلا لينام وليأكل، وأما أوقات الفراغ وأيام العطل، فلم يكن فيها ملازما للبيت، إلا عندما يكون منشغلا بإصلاح الساعات، أو منخرطا في صنع طاولة من الخشب وقضبان الحديد، لم تكن لتثبت واقفة كأخواتها برهة. كان والدي عندما يشتغل بأمر في الميكانيكا أو النجارة، وفيما بعد في إصلاح التلفاز، يأخذ منه ذلك كل وقته؛ ويدخل بعقله المريض في كل تفاصيل الآلة، ليُفسدها بأكثر مما يُصلحها. ولكن، ويله مَن يجرؤ على ذكر الإفساد أمامه... بعد سنين طويلة، كنا فيها قد كبرنا، وعندما كان يضع مرآة أمام التلفاز تعكس له شاشته، كانت والدتي تذكّره بأنه قد أمضى وقتا طويلا، من دون أن يظهر على التلفاز شيء؛ فكان ينهرها، ويطلب منها مغادرة الحجرة، لأنه كان لا بد أن ينسب إليها فساد جهاز التلفاز، بدخولها عليه أو بتكليمها له. كان والدي يريد أن يتحكّم في الجمادات، كما يتحكّم فينا نحن؛ مع أن الجمادات أكثر حرية منّا، وأقدر على عصيانه... وهذا يُبين عن مدى سوء حالته العقلية، التي لن نعاني منها إلا نحن من يبقى معه في البيت. وأما الضيوف والمعارف، فكان يُظهر لهم وجها آخر، كنّا نحن نبقى أمامه مشدوهين، لا نُنكر إلا ببواطننا... وهذا سيدلّ على أننا نحن الأبناء، سنتعرّض لاضطهاد، لن يخرج منه سالما منّا إلا من أنجاه الله. ووالدتنا، بسبب كونها قد تزوجت والدي وهي في السادسة عشرة من عمرها، ستعاني مما عانينا منه نحن الأبناء، وكأنها أختنا الكبيرة لا أمنا؛ وإن كنا نراها نحن من طبقة الوالدِين، وننتظر منها أن تواجه تسلّط الوالد أو تخفف منه. نعم، لقد كانت تخفف منه، بانحيازها إلينا، ومشاركتها لنا في آثار التضييق المستمرّ. أما جدّتنا، فقد كان والدي قد نجح في تحييدها، بإشعارها بطريقته، بأنها أجنبية عن البيت، يمكن أن يستغني عن وجودها في أي وقت شاء؛ فشاركتنا على كبرها، فيما كنّا نجده من قتل معنوي متواصل. وكانت تعمل عند الاختلاء بنا، على إدخال البهجة علينا بحكاياتها الواقعية أو الخيالية؛ وكم كنت أسألها أن تحكي لي حكايات أراها أنا جديدة في كل مرة، وإن كررتها على مسمعي مرّات. ربما هي كانت تراها مكرّرة، أما أنا فكنت بخيالي الواسع، أجدّد منها ما يمكن تجديده، فأسمعها وكأنها تطرق أذنيّ لأول مرة. أظن أن جدّتي لم تكن تعلم هذا!... وعندما كانت والدتي تأتيها متذمّرة أو شاكية، لا أذكر مرة واحدة تركتْها تُفضي إليها بما تجده على راحتها؛ بل كانت تسارع إلى إسكاتها ومقاطعتها، ثم دلالتها على الصبر والاحتمال، مشيرة إلينا ونحن أمامها كالفراخ قائلة: "هؤلاء هم كنزك، فلا تضيّعيهم!...". كان هذا ابتزازا لوالدتي التي كادت أن تفرّ من البيت مرارا... لن يُجازي عما لاقته منه المرأتان إلا الله، الذي كان وحده يعلم كم تحتملان!... أما والدي، فكان كأمثاله من النرجسيّين الخبثاء، لا يستطيع أن يُحسّ بما يُحس به الآخرون. ولقد سبق لي القول بأن حالته كانت مستفحلة، بسبب كونه الذكر الوحيد لوالديه، مع بنتيْن أخرييْن؛ فكنت أسمع أن جدّتي في المقام، كانت تحمله على ظهرها، وهو قد كبر عن ذلك، وتدلّت رجلاه خلفها؛ حتى كانت النساء يُعيّرنها بذلك. وزاد الأمرَ استفحالا، ترك جدّي له يفعل ما يشاء؛ حتى سمعت من والدي أنه كان يُدخّن "الكيف" أمامه، ولا ينبهه إلا نادرا... *** بدأت الدراسة في الحجرة المستقلة، التي كانت لا تبعد عن حجرة (الع. الأ.) إلا أمتارا معدودة؛ والتي كانت توجد في ظهرها حجرة أخرى، مقابلة لواد صغير أسفل تلة يوجد خلفها ما كان يُسمّيه أهل حاسي بلال "الحي الجديد". وكهذا، لم أشعر بالغربة عندما شرعت في أولى سنواتي ضمن التعليم الرسمي، عند بقائي في الحيّز المكانيّ ذاته. كنت حسّاسا جدا، لتغيّر المكان عليّ، أو تغيّر أي شيء؛ وكنت أتشوش كثيرا، عند حدوث تغيير ما على ما يُحيط بي. لم أكن قد وعيت بعد، أنني رادار، يلتقط كل الموجات... لقد دخلت المدرسة وأنا في سن السادسة من عمري، بينما كان الآخرون لا يتمكنون من ولوجها إلا عند إتمامهم السابعة من أعمارهم. كان هذا، بسبب شهادة يدوية، منحها (الع. الأ.) لوالدي؛ كان يطالب فيها المدير بإلحاقي بالمستوى الثالث مباشرة. وما كان المدير ليستجيب لشهادة معلّمٍ في السلك الأوّليّ الحرّ، ولكنه بحكم صداقته لوالدي، قد سجلني في السنة الأولى قبل الموعد بسنة. ربما، كان هذا هو ما يستطيع تحمّل مسؤوليته أمام رؤسائه، كما علمت فيما بعد من مزاولتي لمهنة التدريس بنفسي... ومع أنني لم أقفز إلا على سنة واحدة، فقد أديت في مقابلها ثمنا باهظا من معاناة طويلة، دامت كل فترة تعليمي: أي إلى نهاية تعليمي الثانوي؛ وذلك لأن زملائي كانوا لا يقبلون أن يشاركهم الدراسة، من يصغرهم سنّا أبدا؛ فكانوا يطعنون في صدقية تاريخ ميلادي، ويزعمون أنني زوّرته. أنا الذي لم أكن، أتمكن من تزوير كلمة في الهواء، وبعيدا عن كل رقيب من الإنس!... بل قد وجدت من أساتذتي (أذكر منهم من درّسوني في طور الإعدادي) من كان لا يقبل أن أذكر سنة مولدي، ويدخل في سخريّة منّي أمام أقراني، الذين كانوا يجدون في فعل الأستاذ، ما يؤكّد وجهة نظرهم في المسألة. فكان يُرى على وجوههم، عند سخرية الأستاذ من سنّي، ما يجعل أساريرهم تنطلق، وهم يرمقونني بنظرات الحقد. لم أكن أعلم حينذاك، أن الأساتذة هم أيضا، قد يحسدون تلميذهم، إن هم رأوا منه من النجابة وحداثة السنّ، ما لم يكونوا يُدركونه إبان دراستهم. كرهت سنّي، وكم تمنّيت أن يُغيَّر تاريخ ميلادي، لأسلم من كل هذه المماحكات التي كنت في غنى عنها، أنا من كان يتوق إلى قليل من السلام فقط. لقد كنت بطبيعتي مسالما، وزادني ما وجدته من معاداة "العالم" لي، حرصا على الانمحاء قدر مستطاعي، طلبا لسلامتي!... وكم كان هذا المطلب عزيزا!... *** قضينا سنتنا الدراسية الأولى، على وتيرة واحدة، لا يكاد يتغيّر فيها يوم عن يوم: كان المشهد يبدأ بدخول معلّمنا (نـ. الحـ.) كل صباح، ليذهب مباشرة إلى مكتبه، ثم يُشير إلى أحد التلاميذ، وكان أكبرنا سنّا وأطولنا قامة؛ كان يأمره بالخروج إلى المنصة التي توجد بجانب السبورة، ليحرسنا، حتى لا نتكلّم أو نتحرّك؛ فكنت أظنّ أنا، أن الدراسة الرسمية تكون على هذه الصفة... ولكن بقيت أمامي طريقة التلقّي مبهمة، ما دام المعلم لا يُكلّمنا إلا نادرا. أما الآن، فأنا أعلم أن الرجل كان يمضي لياليه في السهر، فإذا جاء إلى المدرسة، لم يكن يقوى إلا على وضع رأسه على مكتبه، لينام من بداية الحصّة إلى نهايتها. وقد كنّا في ذلك الوقت، لا ندرس إلا نصف يوم، لنترك الحجرة لفوج آخر يدرس في المساء. كان هذا يدل على نقص الحجرات، بالنظر إلى عدد التلاميذ المسجّلين؛ وكان التلاميذ خليطا من الكبار والصغار، لأن كثيرا منهم كانوا محرومين من الدراسة في السنوات الأخيرة للاستعمار، وفي السنوات الأولى للاستقلال، ثم التحقوا عندما استطاعوا ذلك، حينما كانت الدولة كلها ما تزال تتلمّس طريقها في جميع القطاعات، والتي كان "التعليم" أحدها... هكذا كان يُسمّى في البداية، قبل أن تتغيّر عليه الأسماء، لأسباب توهم بأن الوزراء الذين اختلفوا عليه ضمن الحكومات المتعاقبة، كانوا يفعلون شيئا ذا بال... انتهت السنة الدراسية بذهابنا إلى المركز الذي كان في الحيّ الأوروبي، لنُمتحن فيما لم ندرسه. ولولا إتقان (العـ. الأ.) لمهمته فيما سبق انخراطي في التعليم الرسميّ، لكنت رسبت مع الراسبين. ولكنّني مع ذلك، أذكر أنه قد طُلب منّا في مادة "الحساب"، أن ننجز عملية جمع، كانت عمودية، يُطلب فيها منّا جمع واحد إلى واحد (1+1= ؟). وبما أن مثل هذه العمليات كنت قد تجاوزتها بمراحل، وأنا بعد عند (العـ. الأ.)، وبسبب الفراغ الذي وقع لي مع معلم السنة الأولى، فإنني قلت بيني وبين نفسي، لا يمكن أن يكون المطلوب منّا في الامتحان، أمرا بهذه السهولة التي لا مزيد عليها؛ وكأنني بدأت أولى عمليات تفلسفي، فقلت في نفسي: لا بدّ أن المطلوب هو من الصعوبة، بحيث لم أُدركه!... وبعد طول تفكير انتهيت إلى كتابة النتيجة التي كانت 100، بدل 2. وعندما خرجت من الامتحان، استُقبلت في البيت وكأنني عائد من معركة مصيريّة، من قِبل كل أهله؛ بل لقد حضر في ذلك اليوم عمّ والدي، الذي كنّا ندعوه نحن تبعا له: عمّي الفقير. وبدأت الأسئلة تتقاطر عليّ من كل صوب، يبغي أصحابها التحقّق من إجاباتي بعد معرفتها، فكنت أنا أذكر الأسئلة وأذكر الأجوبة، والمستمعون معجبون بإتقاني لها؛ إلى أن وصلت إلى العملية الحسابيّة التي كان لا ينبغي لمثلي أن يتوقّف عندها، بله أن يُخطئها. وكم خجلت عندما ذكرت الجواب، فضحك "عمّي الفقير" منّي ساخرا، بينما خاب ظن والدتي وجدّتي، لأنهما كانتا تعلقان على دراستي آمالا كبيرة، لم أكن في ذلك الوقت أميّز قدرها... *** وبما أن مجتمعنا كان حديث عهد بالتعليم النظامي العصري، المنقول نقلا عن فرنسا، فإن العائلات (وخصوصا الأمهات)، كانت تتبارى فيما بينها، برهان كلٍّ منها على "فرسها". وقد كانت نتائجنا الدراسيّة، ربما تتسبّب في نشوء العداوات بين العائلات وفيما بين أولياء الأمور الذين كنّا نظنهم عقلاء. كان الكبار، ينظرون إلى الأطفال، وكأنهم فروع متصلة بهم اتصالا عضويا؛ وكان هذا يعني أن نجاح الواحد منّا، يعني نجاح أسرة بكاملها، وأن رسوبه يعني رسوبها كلها في المقابل. كان هذا المنطق، يدل على أن مجتمعنا ذا الأغلبية الأمّيّة والجاهلة، لم يكن يعي الغاية من التعليم والتعلّم، وإنما كان في ذلك يخضع للسياسات الحكومية التي لم يكن أحد يُدرك مراميها. ما كان يُدركه جيل والدِينا، هو أن الدراسة قد توصل الناجحين فيها، إلى وظائف كانوا هم ينظرون إليها بانبهار؛ لأنها كانت فيما قبلُ، مقصورة على الأجانب وحدهم. لهذا كثيرا ما كنّا نسمع من الكبار، عبارة "اقرا باش تخدم"، التي تعني: "ادرُسْ كي تظفر بعمل". لا أدري هل كان أقراني يفهمون ما يُطلب منهم بتلك العبارة، أما أنا فلم أكن أفهم منها شيئا؛ فأضفتها في ذهني إلى كل ما يُثير مخاوفي من المجاهيل... عندما صُعِّدت إلى السنة الثانية من التعليم الابتدائي، انتقلت إلى الحجرة التي كانت في الخلف، وكان يُدرّسنا أحد معارف والدي، من أشباه الأميّين. كان جلّ هؤلاء المدرسين في ذلك الوقت، من الذين درسوا في الكتّاب، فحفظوا القرآن كله أو بعضه؛ فكانوا يُدرّسون بطريقة بدائية، قريبة من طريقة الكتّاب التي لم يعرفوا غيرها. أول ما أثار فضولي في المعلم الجديد، هو شعره الذي كان مصفوفا إلى الخلف كعادة ذلك الجيل، وكان صقيلا، ربما لأنه كان يستعمل "الملمِّع" (brillantine)، الذي عرفته عند الحلاق، إذ كان هو ما يختم لنا به الحلاقة. كنّا نعرف هذه المادة، من أثرها على شعورنا، ومن رائحتها المحبذة لدينا، في بيئة لم نكن نكاد نعرف فيها روائح زكيّة غيرها. لقد كنّا نعيش في بيئة بدائيّة، وفقيرة، يُعدّ العطر فيها مادّة نادرة؛ كنت أنا لا أجد العطر إلا ضمن مخصوصات والدتي، وكنت ألاحظه بقوة عند شمه في المناسبات العائلية لدى جلّ النساء. علمت أنهن كنّ يبالغن في التعطّر، بعطر رخيص، كنت أرى العطار يأتي به عند القدوم إلى حيّنا، في جولته الدورية، التي كان يصحبه فيها حماره. كان العطّار، يُقايض بضاعته الرخيصة من عطر وغسول، وعقود بلاستيكية، وأمشاط وأقراط وأسورة؛ أو من بعض الأواني المطبخية البلاستيكية أو القصديرية؛ بما تأتيه النساء به من صوف أو بيض أو غير ذلك من المنتوجات البيتيّة. كان واضحا، أنّ أهل الحيّ، يعيشون على النمط القروي، وإن كانت البلدة تكاد تكون مدينة صغيرة. فنشأنا نحن، على هذا الخليط من الثقافة، فازددنا غرابة في أمورنا، وفي طريقة نظرنا إلى مختلف الأمور... اكتشفت في هذه السنة الثانية، أننا نتعلّم في كل يوم شيئا جديدا، وأن هذا التعلّم هو الأصل في المدرسة، لا الحبس عن الحركة والكلام الذي ما عرفنا سواه في السنة الأولى. ولقد كان معلّمنا الجديد، يختبر في كلّ مرة مدى تحصيلنا، وهو ما جعلني أتقدّم في كل مرّة. كنت كعادتي، أُرتَّب في كل مرة الأول، في الاختبارات، التي كنّا نخصّص لها دفترا خاصا مطبوعا؛ لم أكن أدري من طباعة صفحاته الأخيرة التي تُسجّل بها نتائجنا، إلا أن الأمر خطير، وأنه يُشبه الوثائق الإدارية التي كنت أراها عند الكبار. ومما بقي عالقا بذهني من الأسئلة الكبرى، التي لم يكن رفاقي ليُنجدوني بإجابتها، ولم أكن لأجرُؤَ على سؤال المعلم بخصوصها، وقد بدأ الخوف مجهول السبب، يعبُر بقوة إلى وجداني، من البيت ومن المدرسة. كان ذلك السؤال هو: ما معنى العبارة التي كنت أجدها مطبوعة على "دفتر التناوب" (cahier de roulement)، والذي كان المعلم يُشعرنا بخطورة الكتابة عليه، وينبّهنا إلى استعمال "المنشفة" كلما كتبنا، لأننا كنّا ما زلنا نكتب بالريشة والمداد السائل؛ وكانت العبارة المطبوعة هي: "لصحّتكم كلوا البرتقال". فلقد كنت أعرف البرتقال، من سابق تحصيلي ومن الرسم الموجود فوق العبارة؛ وكنت أعلم معنى الصحّة من العاميّة المتداولة من حولي؛ ولكنني لم أكن أعلم الصلة بين الصحة والبرتقال، وبالتالي فقد بقيت العبارة لغزا محيّرا في نظري. وأذكر أنني سألت والدتي عنها، والتي كانت ملاذي الوحيد في مثل هذه الأمور خارج المدرسة؛ ولكنها لم تتمكن من إيصال المعنى إليّ، ربما لأنها صرفتني ولم تهتم. فبقيت هذه العبارة من أغمض ما تعلّق به ذهني، لمدة سنوات تلت... *** لا شك أن القارئ يذكر أنني تكلّمت عن ولادتي على أصل المعرفة بالله، ولا شك أنه سيتساءل: كيف يولد المرء عارفا، ومع ذلك يكون محتاجا إلى التعلّم بالمعنى المعهود، كسائر الناس؟... بل ويتعثّر في تعلّمه أحيانا؟... وقبل أن أمضي في سرد سيرتي، لا بأس من التأصيل لهذه المسألة؛ خصوصا، وهي خارج عناية المتعلّمين بالطريقة النظامية، وإن بلغوا النهاية منه في التخصصات المختلفة، وعلى الرأس منها هنا "الفلسفة" وما يدخل منها في "الإبستيمولوجيا"... لا بد أن نميّز في البداية بين صنفيْن من العلوم، قد يكون القارئ على علم باسميْهما، لكنه بالتأكيد لن يكون مميّزا بينهما التمييز الدقيق؛ لسبب بسيط، وهو أن هذا التمييز، لا يكون إلا ذوقا. والعلمان هما: - العلم الوهبي. - والعلم الكسبي. والعلم الكسبي، هو هذا الذي بدأت أتلقّاه أنا في المدرسة العمومية، بعد المدرسة الخصوصية، وبعد البيت والمجتمع. ويدخل ضمن هذا الصنف: المعلومات التي يتلقّاها المرء عن غيره، بعد أن كان ذهنه خلوا منها؛ والخبرات التي يُراكمها من مباشرته لمختلف الأمور مادّيا ووجدانيا... وأما العلم الوهبي، فهو ما يتلقّاه العبد عن الله، عن طريق الملائكة. وهذا العلم الوهبي، ينقسم في حقّ أهله، إلى ما يكون من قبيل المعلومات الغيبية، كعلم واقعة من الماضي أو من المستقبل؛ أو حتى الحاضر إن لم يشهد وقوعها المرء بحواسه، ولم يستنتجها بعقله؛ وإلى ما يكون شبيها بالعلوم الكسبية، ولا يخالفها إلا من حيث طريق التحصيل. وأما القسم الآخر من العلم الوهبي، والذي هو الأصل فيه، فهو معرفة الحق من جهة الإجمال والتفصيل. وعلى هذا، فإن العلم الوهبي مقابل للعلم الكسبي، لكن يسبقهما في الاعتبار العلم الجبلّي الفطري. وهذا العلم الفطريّ، يختلف بحسب مرتبة الشخص: فإن كان من العوام، فإنه يكون على علم مجمل عند ولادته، هو ما يكون أصل إيمانه فيما بعد؛ وأما إن كان من الخواص، فإنه يكون على علم مجمل أقوى، يكون مشابها لمعرفة الإجمال التي يكون عليها عوام العارفين من الواصلين. وأنا كنت قد وُلدت على هذا الصنف: وُلِدْتُ عارفا بالله، جاهلا بالعالم من جهتَيِ الإجمال والتفصيل معا. وهذا يعني، أنه لم يكن يبقى أمامي في مجال العلم بالله، إلا العلم التفصيلي، الذي يحصل للعارفين من سلوكهم الثاني. وهكذا، فإنني كنت عند تحصيلي لأصول العلوم المختلفة في المدرسة، على أرضية معرفيّة تدخل ضمن إدراكي، بعيدة عمّا يُدركه الآخرون؛ وإن لم تدخل ضمن قدرتي على التعبير. وهذا، لأن اللغة نفسها -سوى اللغة التي كنت أتكلّم بها من نفسي بالحروف التي قد ذكرت نماذج منها- كانت من العلم الكسبي لديّ. والصلة في إدراكي، بين الصنفيْن من العلم، الوهبي والكسبي، ستكون محل جدل داخليّ عندي، سيصل عند نهاية طفولتي، إلى صراع كبير، كدت أهلك معه. ولنتوقّف عند هذا القدر من التأصيل هنا، لنعود إلى ما كنّا بصدده من سرد... *** انتقلت من سنة إلى أخرى فيما بعد، بسهولة كبيرة، لم يتخللها إلا حدث انتقالي من فصل (قسم) دراسي إلى آخر، في السنة الرابعة. وقد كان سبب ذلك الانتقال، هو أن معلمنا الذي اسمه (الشـ.)، كان يظهر أنه حديث الالتحاق بالمهنة، وكان لا يُحسن إيصال المعلومات للتلاميذ، مع خوفه من المحاسبة من رؤسائه. فكان إذا سأل أسئلته بعد إلقاء الدرس، لا يجد مجيبا؛ وبما أنني كنت أنا الأول في القسم، كان في النهاية يعود إليّ لأُنجده؛ فكنت من شدّة الرعب أفقد تركيزي، فينهال عليّ ضربا، بلغ ذات مرّة أنّي قد أُغمي عليّ، بحسب ما أخبر به رفاقي جدّتي التي ذهبت تتقصّى أخباري منهم، بعد أن وجدتْ أثر الضرب عليّ. أما أنا فقد كان اجتمع عليّ الخوف من والدي والخوف من المعلّم، فآثرت السكوت والموت، على أن أدخل في أمر لا قِبل لي به. لم أكن قد شعرت بغيبوبتي في حجرة الدرس، وإنما لاحظت اعتناء المعلم بي على غير عادته، وملاطفتي ملاطفة زائدة. انتفضت والدتي وجدّتي، وضغطتا على والدي من أجل نقلي إلى معلّم آخر. وبعد إلحاح، ذهب والدي إلى المدير وأخبره الخبر، فنقلني المدير إلى معلم آخر، كانت حجرته إلى جوار الحجرة الأولى؛ فكان هذا الانتقال، أمرا جديدا عليّ وأنا من كنت لا أحبّ التغيير خوفا من المجهول. وحتى معلمي الجديد، استقبلني بامتعاض، تضامنا مع زميله الذي غادرته؛ لكنه سرعان ما ارتاح إلي، عندما وجدني سريع التفاعل والتلقّي... ومما أذكره من هذه السنة، أو من السنة التي قبلها، أن معلّمنا كان يمرّ بين صفوفنا، وهو يضع سماعة صغيرة على أذنه، علمت أنها متصلة بمذياع صغير في جيب سترته. لم أكن أعلم سرّ هذا الأمر وقتها، ولكن علمت فيما بعد أن ذلك كان وقت الحرب التي نشبت بين إسرائيل وبعض الدول العربية، عام 1967م. لم نكن نحن الأطفال ندري ما الذي يقع حولنا، فقد كنّا نسمع آباءنا يناقشون فيما بينهم أخبار "النشرة"، أما أنا كنت أعجز عن إدراك الأمر كما يعجز غيري من أقراني؛ لكنّني كنت أزيد عليهم بكوني لن أهتم بالأمور السياسية فيما سيأتي من شبابي، بخلاف أقراني الذين سرعان ما انخرطوا في عالم التحاليل، وممارسة بعض الأنشطة السياسية تحت رعاية فروع حزبيّة محلّيّة... ما كان يفصلني عن عالم السياسة والأحداث، كما علمت بعد سنين طويلة، هو معرفتي بالله؛ فأنا لم أكن أُدرك نسبة الأفعال إلى المخلوقين إلا بقدر ضئيل. فكيف أدخل في تقييم تلك الأفعال أو نقدها، وأنا بحقيقتي داخل مع العالم في حال من التسليم لله... كان ما يترسّب في وجداني من حال بيتنا، قد بدأ يضرب بيني وبين العالم جدارا من التوجّس والانكماش. كنت قد بدأت ألاحظ، أثناء بعض مشاجراتي مع من حولي من الأطفال، أن والدي يُسارع إلى إلقاء اللوم علي، فاكتشفت فيه مبكرا جبنا خطيرا، صرت أعلم معه أنني موكل إلى نفسي. كانت جدّتي بذكائها، تعوّض هذا النقص من والدي، فتخرج إلى الخارج مدافعة عني أمام خصومي وأوليائهم، كلما دعت الضرورة إلى ذلك. وهذا، لأن والدي، لم يكن يجرؤ على منعها من الخروج، كما يفعل مع والدتي التي كانت حبيسة الجدران. وكانت جدتي -إلى ذلك- امرأة قوية البنية والشخصية، كثيرا ما يبلغ بها الأمر أن تهدّد الآخرين. وهكذا حمتني طيلة هذه السنوات، في الوقت الذي كان والدي يُخفي جبنه خلف لا مبالاته. لم تكن لا مبالاته، منوطة بالمشاجرات التي كنت أُضطر إليها اضطرارا من أجل الدفاع عن نفسي بعد لأي؛ وإنما كانت مرضا نفسيّا لديه... بلغ الأمر بوالدي، أنني عندما كنت أمرض أنا أو إحدى أخواتي، يتجاهلنا، متنصّلا من كل مسؤولياته، ومنتظرا أن يذهب المرض عنّا لوحده، ومن دون سبب؛ إلا إن بلغ الأمر مبلغا خطيرا، كما وقع عندما أخذني إلى الطبيب في وضعية حرجة ذات مرّة، فأمره الطبيب بأخذي على وجه السرعة إلى مستشفى الفارابي بوجدة لإجراء عملية الزائدة الدودية في الحال، وقبل أن تنفجر. وكعادته، ألقى بالحمل على عمه، الذي كانت لديه سيارة من نوع "سيمكا أروند" الفرنسية، بما أنه كان رئيسا للعمال في المنجم. ركب والدي إلى جانب عمه في المقاعد الأمامية للسيارة، وقبعت أنا عند قدمي والدي، متلويا، لا أستطيع رفع رأسي من شدة الألم. كنت أجد السيارة تسير ببطء شديد، لأنني كنت كمن تُنتزع نفسه، أريدها أن تطير... *** كم تعجّبت عندما توقفت السيارة، ودلفنا ثلاثتنا إلى بهو المستشفى الكبير، لأن آلامي كانت قد توقفت، وصرت متمكنا من السير على قدميّ، وهو ما كنت أفضّله، لسبب تنبهي إلى حقيقة ما كان يجري حولي من تنصّل جليّ. وبعد أن استقبلني الإداريون في المستشفى، وأنشأوا لي ملفا، أُخذت إلى الغرفة التي بها سريري، فاستلقيت عليه، وقد نُبه الممرضون إلى عدم إعطائي أكلا أو شرابا. لم أعرف تفاصيل ما يجري، ولكنني كنت متوجّسا... لم تمر إلا ساعات قليلة، حتى أُخذت ووضعت على سرير متحرك، لا أرى معه إلا المصابيح تمر فوق رأسي، وكأنها العلامات الوحيدة على هذا الطريق الجديد عليّ، والذي لا أعلم منتهاه. أذكر عندما حقنوني بالمخدّر، فجاء أحدهم إلى جهة رأسي، وطلب منّي أن أعدّ، فبدأت بالعد بسلامة طوية، لكن سرعان ما ضاع منّي العدد، ربما قبل أن أبلغ عشرة. كنت قبل أن أغيب عن وعيي، قد لاحظت مصباحا كبيرا في وسط سقف الغرفة، تحيط به مصابيح أصغر. ولاحظت على أحد جانبَيِ الغرفة، منضدة طويلة، عليها مقصّات مختلفة الأحجام وكثيرة العدد، مع آلات أخرى لم أميّزها... عندما أفقت في الليل، وجدت نفسي في السرير المخصص لي في الغرفة التي دخلتها زوالا، ولكنني وجدتُني على عطش شديد، لم أعهده فيما قبل. فلم أصبر، وبدأت أنادي الحارس؛ الذي جاء بعد أن علم أنني لن أتوقف. فطلبت منه أن يناولني ماء، فأغلق الباب، وقفل عائدا، من دون أن يكلّمني؛ فعاودت الصراخ، وفي كل مرة كان لا يُستجاب لي؛ إلى أن رقّ لي أحد المرضى ممن يضطجعون على الأسرة الأخرى، التي لم أكن أميزها في ظلام الليل؛ أو ربما ليظفر بقليل من الهدوء الذي ينشده هو والمرضى الآخرون؛ فأخبرني بأن أتوقف عن الصراخ، لأنهم لن يأتوني بالماء؛ وذلك لأن العادة، بعد إجراء العمليات الجراحية، كانت هي أن يُمنع المريض الماء مدة، وإلا انتكس. وعندما فهمت الأمر، توقفت عن مناداة الحارس، لكنني تعجبت: لمَ لم يُكلّف أحد نفسه إطلاعي على الأمر، وأنا كنت مستعدا لمجاراتهم فيه؟... بعد هذه الحادثة، صار يتأكّد لدي كل مرّة، أن هؤلاء الكبار، لا يعرفون طريقة معاملتنا، وهم يروننا -ربما- غير قادرين على الفهم كحال البهائم. ولكنّ هذا الحكم لم يكن صحيحا فيما يخصّني، لذلك كنت أرى أن كل من لم يكلمني بوضوح، كان عاملا على تحريف إدراكي، ومتسببا لي في مشكلات معرفية قد تكون متفاوتة في خطورتها... بدأت أتماثل للشفاء، وكان الطبيب يزورنا في كل صباح، ليتأكد من سير الأمور كما يُحبّ. كان يوجد على السرير الذي على جانبي الأيمن، شاب من سيدي "أبو بكر" (مدينة عمالية على الحدود الجزائرية)، يرقد من دون حراك؛ سمعت ممن يتكلمون حولي، أنه قد أُصيب في حادث سير بالسيارة، قد أودى به إلى الشلل التام؛ وهو ما كان يجعله كثير الكلام، مع كل من يتطوّع لمشاركته فيه. كنت أرى الممرضات يضعن على سرير ذلك الشاب أسلاكا، كانت الغاية منها ألا يمس الغطاء جسمه. وكانت الممرضة تأتيه كل يوم، لتميط عنه الأذى، كما تفعل الأمهات برضّعهنّ؛ وتمرر عليه منشفات مضمّخة بالكحول، حتى يبقى طاهرا. فكنت أنا أنظر إلى هذا المشهد يوميا، إلى أن أُذن لي بالخروج، من دون أن أعلم حقيقته؛ وهذا، لأنني كنت قليل الخبرة بالعالم الخارجي، بسبب سياسة والدي لنا في البيت؛ حيث كان الخروج منه، لا يتأتّى إلا في أوقات قليلة، وبشروط صارمة. كان هذا التصرف من والدي، ينفعني من وجه، ويضرني من وجه آخر. نفعني، لأنه حماني من الانحطاط الذي كان يُحيط بي؛ وأضرّ بي، لأنه منعني من الاطلاع على العالم الخارجي؛ حيث بقيت دائما، أقل خبرة به من كل أقراني... كان أحد سكان حاسي بلال، من الكهول، متواجدا في المستشفى معي لمرض ألم به؛ وكان والدي قد تعرّف عليه هناك، فاستعمل معه سلطته التي تفتح له الأبواب عادة في حاسي بلال. فعلمت أن موعد خروج الرجل من المستشفى، كان في اليوم ذاته الذي أخرج أنا فيه؛ فهل كان ذلك صدفة، أم كان بطلب منه؟!... وكان المطلوب من الرجل، أن يصحبني معه في الحافلة، إلى محطة حاسي بلال للحافلات؛ كل هذا، حتى لا يأتي والدي بنفسه من أجل اصطحابي؛ وهو من كانت تُشغله سهراته المشبوهة مع بعض رفاقه حتى عن العودة إلى البيت أحيانا. تأكّد لي من كل ما مرّ بي، أن والدي كان يتنصّل منّا، ولا يريد أن يتحمل أعباءنا؛ وبقي ذلك مستقرا في وجداني، وبدأت أستنقص نفسي وأحتقرها لذلك ظنّا منّي أن السبب كامن فينا نحن؛ أو على الأقل هكذا كنت أفضّل أن أفسّر الأمر... كان هذا الأمر يدخل بي في دائرة المرض النفسي، الذي سأعاني منه سنين طويلة؛ ولكن المرض النفسي عندنا نحن الخواص، ليس مرضا كما هو عند عموم الناس، ولكن هو تربية من الله لنا، يهيئنا به لما خلقنا له. وسيظهر هذا المعنى بالتدريج، مع التقدّم في السرد... بعد مغادرتي لموقف الحافلات، بأمتار قليلة، وجدت أختي (را) نازلة من التل الذي يوجد خلفه حيّنا وحيدة. استقبلتني فرحة، وهي تعطيني شيئا في يدي مما يكون للأطفال، كأنه منشفة ورقية، مما نستعمله في المدرسة. عدت إلى البيت، وأنا أعلم أن من سيفرح لعودتي هي أمي وجدّتي، وحدهما، وأما الوالد فقد كان منفصلا عنّا، يتشاغل بتصليح ساعة من ساعات زبائنه، أو غير ذلك مما يتعاطاه... صرت أعي أنني أسوأ من اليتيم، لأن اليتيم قد انتفى عنه خير أبيه وشرّه؛ أما أنا، فقد انتفى عني جل خيره، وبقي شره يتربّص بي طيلة حياته... كل هذا، من جهة الظاهر، لا من جهة الباطن، كما سيأتي... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.