اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/09/24 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -7- تثلـــيث التسميم
بعد أن أفرغ الوالد البيت من أهله، صار يبحث له عن زوجة يكمل بها مظاهر انتصاره على بناته، بعد أن فسد أمر ما كان يخطط له عندما عُرفت صلته بزميلته في العمل؛ فصار يتنقل بين البيوت خاطبا مرفوضا، إلى أن بلغ به الأمر إلى خطبة طالبة جامعية كان يقطن أهلها بحيّ كنت أعمل فيه مدرّسا، فوافق أهل الشابة على الزواج ظنا منهم أنه كان يخطب لابنه (لي)، وأعلموه بأنه لم يبق إلا أن يأتي إليهم العريس بنفسه، فأخبرهم بأنه العريس، فغضب والد الشابة -كما أُخبرتُ- وأخرجه من بيته طريدا...
***
لم يكن الله ليذَر قوما آذوا عبده، من دون أن ينتقم منهم شرّ انتقام؛ خصوصا عندما يكون العبد مسلّما لربه، لا يسعى إلى الذّب عن نفسه بنفسه. وهذا الأصل في معاملات أهل الطريق أصيل، بسببه يهلك أعداؤهم عن قريب. وهنا سأذكر يسيرا مما نال بعض الناس ممن علمت بهم وبلغني خبرهم؛ وأما من لم يُبلغني الله خبرهم، فإنه سبحانه وحده من يعلم ما حاق بهم. وهنا سأروي بعض ما يتعلق بهذه المرحلة من الزمان حصرا، وسأترك ما يناسب المراحل الزمنية الأخرى لوقتها. والمقصود من وراء هذا، تعليم القارئ حتى يعتبر، ويعلم كيف يُقابل الأحداث التي تحدث له هو، بالإضافة إلى تعلمه كيفية معاملة الخواص من العباد، إن كان يبغي السلامة لنفسه؛ وهذا باب مجهول ومـُهمل من علوم الشريعة ذاتها: = كان (أ. ف) من جيل والدي، وكان من عمال شركة المفاحم الخارجيّين (الذين لا ينزلون إلى باطن الأرض)، ولم يكن بيني وبينه إلا الاحترام الذي يكنه جيل الأبناء لجيل الآباء. وعندما زعم الوالد بأنه قد طُرد من بيته، تبرع الشخص المذكور له ببيت قديم كان في ملكيته ليسكنه من دون دفع إيجار، وهو يعلم أن الأمر فيه سر؛ ولكن يبدو أنه كان مغتاظا منّي لسبب من الأسباب، فوجد الفرصة للتنفيس عن دائه. وكان الوالد قد تزوج حديثا من أرملة قريبه التي ذكرناها آنفا، وبدأ ينتظر إفراغ بيت الأسرة كما كان يتوسّم، أو كما وُعد من قِبل المخزن. لم يستشرني الرجل صاحب البيت الموهوب وقتيّا في شيء، وأنا من كان يعلم سوء صلته بوالدي، الذي كان يحتقره كغيره من الناس، ولا يذكرهم في بيتنا إلا بأسوأ الألقاب، على عادة أهل البوادي عندما يجمعون بين الجهل والجهالة... بلغني خبر مناصرة الرجل لوالدي بدون وجه حق، فكتمت الأمر وسلمت لله في أفعاله سبحانه. فلم يمض يسير وقت إلا وخبر وفاته يبلغني عن طريق أقراني. فقد كان المتوفّى من أنشط أفراد قبيلتنا، ومن وجوه البلدة المعروفين. والذي زاد في انتشار الخبر بسرعة، هو كون الوفاة كانت غير طبيعية، حيث كان المتوفّى في اكتمال كهولته قوي البنية، وكان انتقاله عن الدنيا في مدة وجيزة في مقابل ذلك؛ بل لقد أُخذ الرجل بسرعة بالغة -كما بلغني- من جرادة إلى المستشفى الجهوي بوجدة، حيث أجريت له عملية في التو، فلم يلبث الطبيب الجراح أن أعاد خياطة بطنه على عجل، ناصحا لأقاربه بأن يعودوا به إلى البيت، وينتظروا وفاته... وبعد مدة سيصير الموت بهذه الطريقة حليف جل من آذاني من الناس، مع أن ذلك كان بعيدا عن تصوري بسبب احتقاري لنفسي. فأنا من شدة ذلك الاحتقار، ومن كثرة انشغالي بباطني، كنت لا أمنح الأحداث الخارجية من اهتمامي إلا أقل القليل. والتربية على التصوف الأصيل، كانت تتطلب ذلك مني بصرامة؛ وأنا لم أكن أستهين بسلوكي حتى ألتفت إلى الأمور التفاتا يُدخلني في الغفلة عياذا بالله. ولذلك كله لم أكن أتشوّف إلى أن ينتقم الله لي ممن يؤذونني، خصوصا في بداية الأمر، حيث لم أكن قد اعتدت على ذلك من ربّي بعد؛ ولم أُميّز الأمر إلا بعد أن صرت أربط بين الأحداث وأتتبع المشتركات. وهنا أذكر كلاما سمعته من سيدي ابن الطاهر رضي الله عنه، وهو يُخبرني مرة بخصوصيته قائلا بنبرة جدّية وملامح صارمة: - من يؤذيني، إما أن يُصاب في نفسه أو في ذريته!... سمعت الكلام، وأنا لا يخطر في بالي حينها أنه يُخبر عن مثل حالي. وعلى كل حال، فإن هذا سيتكرر مع كثيرين ممن آذوني، في جيل الآباء أو جيل الأبناء، أو فيهما معا. وإن من سيعرف الرجل الذي تكلمت عنه، سيعرف كيفية امتداد ذلك إلى أبنائه... ولا بأس هنا من تبيين أحوال العامة مع الخواص، عندما ضعف إيمانهم عند هبوب رياح الفلسفات الإلحادية على مجتمعاتنا. فلقد صار الناس يعدّون التصديق بمثل ما أذكره هنا، تصديقا بالخرافة في أجلى مجاليها، خصوصا إن كان العبد من ذوي الخصوصية عند الله؛ فلا يجدون من بواطنهم العليلة إلا النفور منه، وإنكار أي ذرة من الخصوصية قد يُظهرها الله عليه. وهذا من جهل الناس المتراكم والمتراكب، ما دام الأمر لا يعنيهم بصورة مباشرة. ولكن الجاهل قد يُعرّض نفسه للمهالك، بسبب جهله فحسب؛ وقد ذكر الله كثيرا من ذلك في كتابه العزيز، فقال جل من قائل وهو يصف قوما ممن هذه أحوالهم: {وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبًا فِي قِرۡطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7]، وهذا يعني أن الكافرين (الساترين لأفعال الله) يُنكرون ما هو داخل في مجال المادة، وكأنهم يفرون من الواقع بأقوالهم إلى خيالهم. وقال سبحانه أيضا للعبد المخصوص إن وُوجه بالإنكار: {وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـًٔاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظًّا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 186]. وهذا الذي نذكره هنا داخل ضمن ذوق العبد المخصوص للقرآن العظيم، فإما ذوق بعض دون بعض، وإما ذوق تام، وهو الدليل على الوراثة المحمدية التامة التي تكون للأغواث والأختام (الأئمة) عليهم السلام. والناس عندما يتوهمون بأنهم غير معنيّين بما يقع للخواص بينهم، فإنهم يكونون ساعين في هلاك أنفسهم، لأن نتائج الآيات التي عُرفت في أزمنة النبوات، تتكرر في كل زمان مع الوارثين. وإن إنكار الشطر الأكبر من الفقهاء لذلك، لا يُلحقهم إلا بالأحبار والرهبان الذين ردّوا نبوة زمانهم ظنا منهم أن ما هم عليه من أوهام، يحميهم من السهام الغيبية، وهيهات. وهذا سيؤكّده النموذج الثاني الذي نثبته هنا: = أما الرجل الثاني، فكان إماما لمسجد بالحي الأوروبي الذي كان بيتي في نهاية امتداد عشوائي ملحق به. ولا أشك أن والدي كان قد شكاني إليه، لأنه كان مصادِقا لجميع "فقهاء" البلدة، الذين يشتغل جلّهم بالسحر، على عادة جل العامة من المغاربة (والشياطين بعضهم أولياء بعض). ولما كان هذا الإمام من حثالة القوم، فإنه ما كاد يعلم أن الوالد قد أسلمني له يجرّب فيّ "فقهه"، حتى اعترضني مرة وأنا أسير وسط المدينة، فسلم عليّ بتحية الإسلام، وما لبث أن دخل في صلب الموضوع بجلافة وقلة حياء قائلا: - كيف تواجه والدك وأنت تعلم أن الله قد أوصى بالوالدين؟... فأجبته: - الله أوصى بإحسان معاملة الوالديْن معا، فلمَ تجعلون أنتم هذه الوصية للآباء وحدهم دون الأمهات؟... مع أن الحديث النبوي الوارد بعد سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قِبل أحد الصحابة: «مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أُمُّكَ! قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ! قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ! قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوكَ.»([1])، فاغتاظ الرجل عند سماعه ما لا يحب، وهو الجاهل بيّن الجهل. وزدته: - أنت تعلم فسق والدي، وهو ما يجعلك تُدرك بسهولة ظلمه لوالدتي؟... ثم ألم تسمع قول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ} [النساء: 135]، فجعل سبحانه الشهادة بالحق واجبة على المؤمنين ولو على الوالديْن؛ فكيف تجعلون أنتم الواجب هو موافقة الوالد في جميع الأحوال؟!... وهذا من التحريف البيّن للكلِم عن مواضعه!... فرأيت وجه الرجل لم يتغيّر منه شيء، إلا أنه ازداد تصميما وهو يسمع النذارة بالكفر. وهذا يحدث كثيرا مع عبدة المخزن، الذين يتوهمون أنهم إن هم أرضوه، فلا عليهم من أحد غيره. ولقد كان هذا المخذول يراني ضعيفا، ويرى والدي امتدادا لقوة المخزن... وما لبث الرجل أن اعترض طريقي مرة أخرى بعد أيام؛ وذلك أن رجلا كان جارا لي في البيت الذي استأجرته حديثا، وكان من المساكين الذين أعظّمهم. استدعاني جاري إلى وليمة لديه، وكنت قد آليت على نفسي ألا أشارك قومي مجلسا أبدا، فلبيت الدعوة مستحييا وعلى مضض. جلس الضيوف في غرفة الجلوس متزاحمين، وكان من بينهم الجوقة المحلية لقراءة القرآن (على عادة العامة): الفقيه المذكور آنفا بوصفه إمام جامع الحي، وأبو شنتوف الذي كان يمثل وزارة الأوقاف لدى السلطات المحلية من قبل أن تُستحدث "المجالس العلمية" ومعها فيما بعد. لم أكن أنا أصنّف نفسي من أهل الدين الرسمي، فكنت أبقى بعيد عن "الجوقة"، وأبقى صامتا مهما خيض فيه من عجائب الدين المحرف. وعندما جاء وقت تناول العشاء، ارتأى صاحب البيت أن يقسم الضيوف قسميْن تخفيفا من الزحام، فخرجت أنا مع الخارجين إلى غرفة أخرى، حتى أستريح قليلا من أصحاب الدين المترسّمين ذوي الوجوه الكالحة؛ ثم عدت مع العائدين فيما بعد إلى حيث كنّا في البداية، فوجدت أبا شنتوف يلقي موعظة كنت أنا موضوعها، وكان إمام الحي قد جهد في تزويده بروايته فيما يخصني. كانت الموعظة تدور حول وجوب طاعة الوالديْن وبرهم، وعِظم الوعيد عن معصيتهم والإساءة إليهم؛ فسكتّ وأنا أعلم أن المراد كان هو إهانتي على الملأ، خاصة وأن البلدة كلها كانت على علم بقصتنا. وعندما انتهت الموعظة، استأذنت من صاحب البيت وخرجت وأنا أقول في باطني: - إلهي أنت تعلم أنني لا أحرص على الاجتماع بالناس، وأنا ما اجتمعت بهم اليوم إلا إكراما لجاري المسكين. فإن كنت تريد أن توصل إليّ الأذى في كل مكان، فأنا راض بما تقضيه علي، وأعلم بفضلك أنه لا مـُنجي منك إلا أنت. دخلت إلى بيتي وأنا أنطوي على مثل طعنة خنجر مسموم. وسرعان ما أخذتني تفاصيل معيشتي اليومية، من عمل ومن أوراد كنت ألجأ إليها كما يلجأ الموجوع إلى راحة الخلوات والصحبة الحسنة (صحبة الله). ولم تمض أيام حتى أُخبرت من قِبل أحد من كنت ألتقيهم، على قلتهم: - هل تعرف الفقيه فلانا؟... فأجبت: - نعم، مِن وراء قلبي. فأضاف المتكلم: - لقد أُخذ إلى وجدة على وجه السرعة، وما كاد الطبيب الجراح يفتح بطنه حتى أعاد خياطته، وهو يقول: - خذوه إلى بيته ليموت فيه!... فعلمت أن الرجل قد أصابه سهم من الله، كما أصيب قريبنا. ولكنني آثرت السكوت حياء من الله. فله سبحانه أن يفعل ما يشاء بنا، وليس لنا نحن العباد إلا الرضى والتسليم في جميع الأحوال... = وأما الرجل الثالث، فقد كان من جيل والدي، وكان يحضر معنا مجالس الذكر الجماعي إبّان اجتماعنا مع البودشيشيّين، وكان له دكان فارغ أو يكاد أن يكون، لا أدري ما الذي كان يبيعه فيه؛ وكان هذا الرجل ممن ينطوون على الحسد، ويتمنون أن يأتي يوم يجدونني أسفل منهم حتى يستريحوا قليلا. وحدث أن كنت مارا في الطريق أمام دكانه، فسلمت عليه عن بعد وأنا أواصل السير، فرد عليّ الرجل السلام، وكان رغم كل شيء ممن يتوددون إليّ في العادة. فلم تمض هنيهات إلا وأنا أسمعه يناديني من خلفي، فتوقفت، فصافحني قائلا: - أريد أن أسألك. قلت تفضل. فقال: - أليس الله قد أوصى في القرآن بالوالديْن؟ قلت على الفور: بلى!... فقال: - فكيف تقاطع والدك وأنت تعلم هذا؟... كان الرجل يتكلم ووجهه يكاد يشعّ سرورا، لأنني كنت أعلم أنه كان يتوق إلى أن يظهر عند نفسه أعلم منّي، أو على الأقل أتقى منّي؛ لكن كان ينبغي أن يُمسك عليّ شيئا يستحق منه أن يروّجه في المجالس زاهيا. فسألته بدوري: - لقد ثبت أن الله قد أوصى بني آدم بوالِديهم ولكن يوص الوالدين بأولادهم بالقدر نفسه؟... فأجاب على الفور مؤكّدا لمقدّمة كان يبني عليها آمالا عظيمة: -نعم!... فسألته مرة أخرى: فهل أوصى الحيوانات بشيء من ذلك؟... ونحن نرى أمهاتها خاصة تعرض أنفسها للهلاك دفاعا عن صغارها!... فأكد الرجل رحمة الحيوانات بصغارها، وقد بدت عليه الحيرة... فسألته مرة أخرى: - فما الذي ينبغي أن نفهمه نحن بوصفنا مؤمنين حريصين على العمل بما جاء في القرآن من وصايا إلهية؟!... فلم يجد الرجل جوابا، فسألته مبكّتا: - هل تريد أن تعرف المعنى المبطون في الآيات؟ قال: نعم. فقلت له: - إن الحيوانات عندما ترحم صغارها، فهي تكون عاملة بما أودع الله فيها من وحي جبلّيّ؛ وبنو آدم الذين يؤذون أبناءهم كما فعل والدي معي ومع سائر إخوتي، لا يدل فعلهم إلا على أنهم أحطّ عند الله من البهائم والحيوانات من سائر الصنوف!... فبُهت الرجل، وظهر لي أنه ندم على مبادأتي في مثل هذا الموضوع... ولم تمض أيام حتى بلغني أن الرجل قد توفّي وفاة فجأة، والله أعلم بما حدث معه من تفاصيل؛ لأنني لم أكن أهتم... = وأما الرابع، فكان شبه أبله، يعمل سائقا لسيارة إسعاف تابعة لشركة المفاحم. وكان يتودد إليّ كثيرا عندما كان يلتقيني بالمسجد الذي كنت أصلي به. فالتقيته مرة في وسط المدينة، بعد أن كان جميع الناس قد اصطفوا إلى جانب الوالد بحكم العادة وأمور أخرى؛ فألقيت عليه السلام، ولم يرده علي، بل أعرض بوجهه إلى الناحية الأخرى. فتعجبت من دخول البله في الحرب المعلنة عليّ، ولكنني تغافلت عن الأمر وعدت إلى الانشغال بما يهمني. ولم تمض أيام إلا وأنا أسمع بموت الرجل فجأة، وأظنه كان في الأربعينيات من عمره. فقلت في نفسي: - إنّ من السفه حقا، أن يدخل المرء في أمر لا بينة له فيه من ربه، وربما يكون سببا في هلاكه دنيا وآخرة!... ولكنني عندما كنت أنظر إلى الأسباب التي على رأسها الغفلة عن الله، والجهل بأحكام الشريعة؛ مع شيوع التديّن القشري الذي يرعاه المخزن رعاية لا نظير لها، بغرض الإبقاء على العامة تحت هيمنة الفقهاء الذين يأتمرون بأمره في الصغيرة والكبيرة، فإنني كنت أتفهم انحراف التوجه العام الذي ينعكس على الأفراد...
***
أما البيت الذي استأجرته، فقد كان ما يزال جديدا يحتاج إلى تكملات. وكان لوالد شخص من أتباع الطريقة البودشيشية، يعمل آنذاك في مكتب التصاميم الهندسية في شركة المفاحم اسمه (الع. الس). وكان من أطيب الناس، يعاملني بالإحسان لعلمه بحالي من جهة الصحة ومن جهة الحرب المعلنة عليّ من قِبل الوالد وجل المجتمع. وكان هذا الشخص -جزاه الله خيرا- كثيرا ما يُضطر إلى المنافحة عني أمام جماعات المغتابين، ولربما كان يناله من ذلك بعض الأذى هو أيضا في بعض الأحيان. وكان صاحبي (ب.م) ما يزال يعاملني بالحسنى، ما دامت الأمور مع بلائي، كانت تسير في صالحه ظاهرا فيما يبدو له؛ وذلك لأنه كان قد اختار لنفسه أن يكون منافسا لي بطريقة ما. فهو كان أقصى همه أن يُستدعى إلى الولائم بذريعة السماع، فكنت أرافقه أحيانا لتبديل ما بي من أحوال. وكانت في بعض الأحيان تحدث لنا كرامات، كان كثير التنبه لها وشديد الحرص على اقتناصها، ليزهو بها أمام السامعين من عوام العوام. أما أنا فكنت لا أهتم للكرامات، وهي عندي وعدمها سواء؛ لأن اهتمامي كان يدور حول نجاتي عند ربي. فكان صاحبي يذكر تلك الكرامات بمحضري، وكأنه ينال المـُصادقة عليها من قبلي بطريقة لا تخلو من احتيال. ومما حدث لنا من تلك الكرامات: = كنا ذات مرة ونحن خمسة أشخاص داخل سيارة (الع. الس) ذاهبين إلى أحد بيوت البوتشيشيين قبل انقطاع صلتي بهم بقليل، وكان لا بد للسائق أن يخرج من الطريق العام إلى زقاق جانبي؛ ولكنه بسبب ارتباكه، قد عمل على توقف السيارة بصورة معامدة للطريق. وفي انتظار أن يُوفّق إلى إعادة إدارة المحرك، مضت دقائق صادفتنا فيها سيارة علمنا فيما بعد أنها كانت لبعض المهربين، وكانت السيارة تجري بأقصى سرعتها، ومن خلفها سيارة للشرطة لا تقل عنها سرعة. كل هذا، ونحن ننتظر وسط الطريق اصطدام السيارتين بنا... كنت أنا في الجهة التي يُفترض أن ترتطم بها السيارتان، وعندما أيقنت بوقوع المحذور، تحركت بأعلى جسمي إلى الناحية الأخرى بتلقائية، وكأنني أريد الابتعاد عن موضع الاصطدام ولو ذهنيا. عندما مرت السيارتان بنا، سمعنا صوتا كأنه صوت عيار ناري؛ كان الصوت قويا ومركّزا، فأيقنت أن جانبي الموالي لجهة السيارتيْن قد يكون أصيب إصابة لم أتبيّنها في ذلك الجزء من الثانية. وسمعنا في الخارج أصوات زجاج كثير متكسّر، من السيارة الأولى حتى خيل إليّ أنها قد تركت عندنا كل زجاجها قبل أن تواصل المسير. كان الصوت الذي سمعناه، ناتجا عن ارتطام مقدمة السيارة بقطعة الحديد التي في مؤخرة سيارتنا، والتي تُعدّ في العادة لربط حبال الجر أو لتثبيت الجزء المخصوص لعربات الجر. كان هذا الارتطام قد وقع قريبا من إحدى المقاهي التي ما أن سمع زبائنها صوت الارتطام القوي حتى تركوا مقاعدهم وتجمعوا حولنا يتفحصون السيارة والراكبين. تفقدت أنا جانبي الأيمن، فوجدته سليما، فأسرعت إلى النزول من السيارة وأنا موقن بأن جانب سيارتنا سيكون قد انكمش وانضغط بسبب قوة الاصطدام، فتعجبت عندما وجدت السيارة لا تشكو من شيء، وكأنها قد خرجت للتو من مستودعها. وخرج باقي الركاب تباعا، وكلهم يتفقدون أجسامهم وأجزاء السيارة من كل جهة، فأيقن الجميع أن تلك كانت كرامة مشهودة، ثم ركبنا مرة أخرى وانطلقنا هذه المرة خارجين من الطريق العام إلى حيث كنا نريد... = كنا أنا وصاحبي، نتوجه المرة بعد الأخرى إلى قرية تبعد عن جرادة بحوالي ثلاثين كيلومترا. كان أهلها يستقبلوننا بترحاب كبير، وكنا نمضي ليالينا هناك في الذكر والسماع. وكان من بين من يجتمعون بنا، أحد رجال التعليم بالقرية المذكورة، والذي كان في بعض الأحيان يستضيفنا عنده. وفي إحدى المرات، ذهبنا على غير تصميم أو تخطيط، فكنا نظن أننا سنجد أهل القرية غافلين لا يخطر لهم أننا سنسهر عندهم؛ ولكننا عندما وصلنا إلى القرية وطرقنا باب المعلم، فتح لنا ببشاشته المعهودة وهو يقول: - أنا عرفت أنكم قادمون، وكنت حائرا بين إعداد الشاي أو إعداد القهوة فحسب. فتعجبنا من ذلك، وزاد صاحبي هذه الواقعة في عداد كراماتنا... = ومرة قصدنا بيتا لأحد البدو على رأس جبل، فخرج صاحب البيت مرحبا بنا، وعندما دخلنا إلى غرفة الضيوف، أخبرنا أنه كان يعاني من ألم في رأسه، ألجأه إلى الذهاب إلى شخص يسكن أسفل منه، كان معروفا بأنه يعالج الناس بالطرائق التقليدية الشهيرة في بلادنا. ولكنه قال وهو ينظر إلينا: - عندما جئتم أنتم، ذهب الألم لتوه!... وصار ينطق بعبارات الندم على ذهابه إلى ذلك الرجل الذي كان يبصق على رأسه!... فعد صاحبي هذا أيضا من كراماتنا. وكان عندما يُخبر الناس في المجالس بإنجازاتنا وهو في غاية الزهو، أبقى أنا ناظرا إليه متعجبا لجرأته وكأنني أجنبي عن كل قصصه؛ أما هو فكان كأنه في كل مرة يرتقي درجة في سلّم وهمه. بل كان ذلك الكلام من ذلك الشخص يتسبب لي في انقباض شديد، أخاف معه أن ينزل عليّ بسببه بلاء من السماء. كان الرجل يستعد بذلك لأن يكون بطل ليالي الإنشاد في جرادة، وكنت أرى على وجهه علامات الحرص على ذلك؛ بل لقد رأيت الحرص ذاته على ملامح زوجه التي كانت لمدة محدودة زميلة لي في العمل. كان الزوجان يُخطّطان لأن يظفرا بتعاقد غير مكتوب مع أهل البلدة، ليكون ذلك عملا جديدا لصاحبي الذي كان من أولئك الذين أرغمتهم شركة المفاحم على التقاعد المبكّر...
***
وأما مما حدث لي أنا من الكرامات وحدي، فهو أنني كنت في أحد أيام الشتاء الباردة، منطلقا من بيت والدي في الصباح إلى المدرسة التي أعمل بها؛ وكنت أمر في طريقي على واد معروف منه أصعد إلى الطريق الرئيسية التي توصلني إلى مدرسة رابعة العدوية، لأنعطف يمينا لأجل بلوغ مدرسة ابن سينا التي كنت أعمل بها. وعندما كنت على رأس ضفة الوادي من جهة المساكن هناك، أبصرت جريدة مفتوحة على الأرض من الجهة المقابلة، فقلت في نفسي: - سأجد في تلك الجريدة ذكر حالي مع الله، وقد كنت مهموما بذلك على طول أوقاتي... فكنت كلما اقتربت من الجريدة وهي على مبعدة من السبيل التي يمر منها الناس صاعدين الجبل أو نازليه، أتبيّن قطرات الندى عليها وهي تعكس أشعة الصباح المحتشمة. وعندما خرجت من السبيل المطروقة، وذهبت إلى المكان الذي توجد فيه الجريدة، وجدتها مبللة من الصقيع الذي كانت تُعرف به ليالينا، فنظرت إلى ما هو مكتوب، فوجدت جملة بأسمك خط ممكن تكتب به الجرائد، وكانت الجملة كالعبارات الإعلانية تغطّي صفحة اليمين مع صفحة اليسار في أطول سطر يمكن أن تحتمله الجريدة، وكان المكتوب هو: - ما هذا الإعراض في حقنا!... فكأنما طُعنت في صدري، فسارعت إلى العودة إلى مساري الذي يأخذني إلى مقر عملي، وأنا أكاد أذوب خجلا مما قرأت، وأسرعت الخطى مبتعدا. وعندما حكيت هذه الكرامة مرة في جماعة، وكان من بينها رجل يتوهّم في نفسه أنه من العلماء بالتصوف، بادرني قائلا: - وهل أخذت معك تلك الصحيفة؟... فأجبته بالنفي، فقال لي: - لو كنت مكانك، لاحتفظت بها. فهمت من الرجل أنه كان يُكذّبني فيما أخبر به، وسكتّ تأدبا مع ربّي، وفهمت منه تعالى أنه ينهاني عن حكاية هذا الأمر. وكان ذلك الشخص كثير الاعتراض عليّ في المجالس، يريد بذلك أن يثبت للناس أنه هو الصوفي الحق في جرادة. ولم أكن أنا أعيره اهتماما، إلى أن أكثر عليّ في إحدى الجلسات، فتغيّر باطني عليه، وانقبضت انقباضا متواصلا. ولم أكن قد اعتدت على هذا الحال منّي، والذي كان لا ينفرج إلا بوقوع مصيبة للشخص الذي يتسبب لي في ذلك. كان (ع. إ) من معارف ذلك الشخص الذي كان يسكن في حاسي بلال لا في جرادة، وكان صاحبي المذكور يذهب في زيارات متكررة إلى الحي الذي يسكنه ذلك الرجل، فحكى لي أنه في إحدى زياراته لبيت والدته هناك، خرج ليصلي الظهر (أو ربما العصر) في مسجد الحي، فالتقى بصاحبنا. نقل إليّ صاحبي أنه بمجرد أن خرجا معا من المسجد، انطلق الرجل الذي أغضبني في البكاء، وهو يقول: - أنا لن أعود إلى الاعتراض على عبد الغني، وإن نطق أمامي بما لا يُطاق!... ما شأني وشأنه!... فمنذ الآن أنا لا يعنيني ما يقول، ولا رأي لي فيه... وزاد قائلا بالعامية: - [أنا راني بايت ناكل العصا] (لقد بت أُضرب طيلة الليل). ومنذ ذلك الوقت، لم يواجهني ذلك الشخص إن التقيته إلا بالسكوت... وحدث مرة أخرى أن استدعانا (ع. إ) إلى بيت والدته، لأنه كان يعزم بمعية أخيه أن يقيما هناك ليلة للذكر. فحضرت أنا ظانا أن الجماعة ستكون صغيرة، ولولا ذلك لم أحضر؛ لأنني كنت قد عاهدت نفسي ألا أحضر وليمة لقومي. وعندما استقر بنا الجلوس، وجدت جماعة من الهبريّين المتصوفة، وجماعة من جيران المرأة. فعندما وجدت نفسي في جماعة كبيرة، آليت ألا أنطق بكلمة حتى أخرج، ولكن الرجل الذي حكيت عنه سابقا، والذي كان خطيبا للجمعة، وكان بين جيرانه في الحي، لم يستطع أن يُمسك نفسه عن الكلام. فبدأ بجملة أولى، وعندما رآني ساكتا، صار يزيد، وكلما زاد ازددت أنا سكوتا؛ إلى أن عيل صبري ونفد، فتوجهت إلى الحاضرين قائلا: - هل تعرفون من أفسدوا الدين على الناس؟... فصار الجميع ينظرون إليّ وهم يترقبون المزيد، فقلت: - هم خطباء الجمعة!... الذين يتكلمون عن نصف الدين ويكتمون النصف الآخر. كنت أنتظر من الرجل أن يردّ عليّ الكلام، لأنتهي منه في مرة واحدة؛ ولكنه اختار الصمت التام وهو ينظر إلى أرضية المكان. ولم يذهب ما بي من غيظ، فزدت: - الخطباء موافقون لأوامر رجال السلطة من عمال وقواد، والتي في أحيان كثيرة تكون تابعة للأهواء الفردية، ولا ينطقون بما أوجب الله النطق به عليهم!... فنطق رجل عن يميني، لا يفصل بيني وبينه إلا أحد الجيران: - لماذا تقول هذا عن رجال السلطة، وهم يفعلون كثيرا من الخير لمصلحة السكان!... فأجبته وأنا أشير إليه من خلف الرجل الذي بيننا: - اسكت، أو ستكون منهم!... وأُخبرت بعد أن خرجنا أنه كان منهم: كان هو "الشيخ" الذي يترأس المخبرين الذين يتسمّون عندنا في المغرب بالمقدَّمين. وهم كلهم يُعدون من أعوان القائد الذي يترأس السلطة في المقاطعة التي هي جزء من الإقليم... أُخبرت أن الشيخ عندما خرج، صار يلوم أهل البيت قائلا: - لو أخبرتموني أن الرجل على هذه الشاكلة حتى أتجنبه، لأن الوادي (يقصد النهر من باب الاستعارة) قد جرفني، ولم تبق إلا ثيابي على جانبه. يريد أن يعبر بهذه العبارة العامية عن عدم مقدرته على احتمال كلامي، وأنا أتكلم بالحال. وعندما أخبرني من دعاني بما جرى، أخبرته أن الرجل محق، لأنني أنا أيضا لم أُخبَر بأن رجلا يمثل السلطة كان معنا. ولكن القدر غلب الجميع ووقع ما وقع لحكمة يعلمها الله وحده...
***
وأما أكبر الكرامات التي وقعت لي في آخر سنة لي بمدرسة ابن سينا، فهي تعرف والدتي من إحدى معارفها على العشبة التي يُعالَج بها السمّ في بلدنا؛ وهي عشبة صحراوية مجرّبة لأهل الصحراء. فبدأت في استعمالها، وقد كنت أشرب منها في البداية ملء إبريق الشاي، فكنت أشعر لأول مرة بأن أمرا يحدث في جسمي الذي كان متيبّسا كجسد المومياء. وأعني من هذا، أنني ما كنت أشعر بجلدي ولا بالذي من تحته!... لم يكن جسمي كله إلا كتلة من الأوجاع المتنوعة، وكان أقلها ما أجده من ثقل عند جرّي لقدميّ وأنا أذهب مضطرا إلى العمل كل صباح. كنت قد اعتدت على العمل بتلك المشقة الكبرى، منذ كنت أعيش مع الوالد؛ لأنه كان سيطردني حتما لو لم آته بالراتب في نهاية كل شهر. وكنت أحتمل كل ذلك، لأنني كنت أعلم أن الله يربيني بما يشاء من البلاء؛ فإن تفضل عليّ سبحانه بمعرفته فإن ذلك سينسيني كل آلام الدنيا الجسمية والنفسية، وإن أبى سبحانه ذلك، فإنه ليس لعبد أن يكون له رأي مع ربه؛ وإن متّ على الإسلام قبل ذلك أو بعده، فلا أسعد منّي حينها!... كانت صلتي بمجموعة المدرسين المنتسبة إلى الطريقة، والتي أعمل معها في مدرسة ابن سينا تكاد تنقطع، رغم حرص أحدهم على الحفاظ على الحد الأدنى من المجاملة. وأما آخر، فكنت أعجب لمَ يقابلني بمعارضة تكاد تخرج من صدره على لسانه، مع أنه كان من السلبيّين الذين لا يُشعر بوجودهم في العادة. كان وجود مقدَّم الطريقة معنا يسمم العلاقات، وكانت رائحة المخزن الذي أصبح وكأن لا هم لديه في كل البلاد إلا إخضاعي لإرادته كما يخضع الجميع؛ وعندما أقول الجميع، فأنا أعني الجميع. كنت أتعجب من انقلاب من ليس بيني وبينه شيء، في معاملته لي، وكأنني كنت في شراكة معه على شيء لا أعلمه، فيقطع عني فجأة التحية، أو يُبقي عليها ليرجمني بعبارات من الطعن واللمز كم كانوا يُتقنون استعمالها. ولم يكن من مخرج لي في مجتمع على تمام المعاداة لي، إلا أن أتصنع البلادة، حتى لا أُضطر للرد على تلك العبارات. أما العبارات الواضحة والمباشرة، فإن أحدا لم يجرؤ على مبارزتي بها، وهو يعلم أنني سأجعله فُرجة للصغير والكبير. كنت بإزاء هذه الحرب التي لم أخبرها ولا سمعت عنها، أتوقع أي شيء من الحثالة التي كانت تحيط بي، ولم أكن أتوكل إلا على الله وحده، فكان سبحانه يُخرجني من بين أيدي الأعادي سالما في كل مرة، وهم يكادون يتميّزون من الغيظ. فلم أجد بدا من الانتقال من هذه المدرسة إلى مدرسة كانت قد أُنشئت حديثا في الحي الذي كان به بيتنا القديم. كان ذلك في سنة 1994، وكانت المدرسة الجديدة تحمل اسم "الانبعاث". كان الوقت وقت انبعاث حقيق لي، لأنني في أثناء عملي بهذه المدرسة قد تحقق لي الوصول...
(سنتوقف لبعض الوقت عن مواصلة الكتابة لهذه المذكرات من أجل التفرغ لبعض الكتابات الأخرى التي بقيت غير مكتملة) [1] . متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.