اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/03/24 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -2- تثلـــيث التسميم
ولنعد إلى ما بلغته صحتي من تدهور مع مرور السنوات، وحيث كنت ما أزال أعمل في مدرسة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأضطر إلى التنقل إليها على قدميّ، مع أن والدي كان قد اقتنى سيارة مرسيدس. ومع استغراقي في السلوك، ورضاي بما قدّره الله علي، لم أكن ألتفت إلى ذلك، ولا كان باطني ينقبض بإزاء والدي؛ بل كنت كمن ينظر إلى الدنيا وأهلها من الآخرة... لم يكن أحد ليعلم حقيقة ما أنا عليه، ولا كنت أنا ممن يزاحم أحدا على شيء من حطام الدنيا، فمرت هذه السنوات الأولى من سلوكي (بحسب الاصطلاح) وأنا أعيش في سلام تام مع كل من حولي؛ فكان ذلك موافقا لما أخبر به الصوفية عن حال الابتداء لديهم، وعندما أخبروا بأن المريد في بداية أمره يكون مـُجمَعا على صلاحه في مجتمعه. ومن يتأمل في خصوصية مراحل السلوك إن نحن قسمناها إلى بداية ووسط ونهاية، فإنه سيجد ذلك من حكمة الله المربّي لعباده السالكين إليه، والتي ينبغي أن يُشكر عليها كثيرا ضمن ما يُشكر عليه من جزيل نعمه وعطاياه. ولنجعل لمسألة السلوك أرضية علمية، نراها ضرورية ليُدرك القارئ ما نرمي إليه من سلوكنا الخاص: * مرحلة البداية: وبما أن المريد في حال بدايته يكون على ضعف من جهة باطنه، بسبب قرب العهد منه بالجاهلية التي لا بد أن يكون متلبّسا فيها بشرك، فإن الله لم يبتله إلا بما هو من الغيب لديه، لا بما هو من عالم شهادته. ونعني من هذا أن الابتلاء يكون منوطا على الخصوص بتصديقه بشيخه، وما يصب في مثل هذه الأمور، لا بتحصيل العلم من طريق الكسب كما ظنّ كثير من الجاهلين بأصول الدين([1]). يقول الله تعالى عن التوبة وما يتصل بها: {فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ} [البقرة: 37]؛ وإن في تعلّق التوبة بأبينا آدم عليه السلام دليلا على سبقها لكل حال وكل مقام، كسبق آدم في الوجود الأرضي كل ذي مقام أو ذي مرتبة. والتوبة التي معناها الرجوع إلى الله من الأكوان، أو الرجوع إلى أحكام التشريع الإلهي من الهوى، تدل على أن المعصية في بني آدم متأصلة، وراثةً من الأبناء لأبيهم. وقد قال الله تعالى في حق الأب العام عليه السلام: {وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ} [طه: 121]؛ ومن المعلوم أن معصية آدم كانت مخالفته للنهي الإلهي عن الأكل من الشجرة المخصوصة في الجنة؛ وهي (أي المخالفة) ما كان سببا في نزوله إلى الأرض مع زوجه بمعية الشيطان. يقول الله تعالى في إجمال ما يتعلق بمعصية آدم عليه السلام: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ . فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ . إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ . وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَىٰ . فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٍ لَّا یَبۡلَىٰ . فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ . ثُمَّ ٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَیۡهِ وَهَدَىٰ . قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ} [طه:116-123]...
***
ولنتوقف عند بعض معاني هذه الآيات الكريمات: - فأما قول الله تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ}، فإنه يدل على أن قصة آدم عليه السلام (ومن بعده بنوه)، تبدأ من يوم تنصيبه خليفة على المملكة الإلهية، وتحكيمه من هذه المرتبة في جميع صنوف المخلوقين من ملائكة وجن وحيوانات وغيرها. ولسنا نعني هنا ما ينتهي إليه الجاهلون من أن الخلافة بمعناها الأخص، عامة في جميع الأبناء؛ فذلك من الخلط الذي يقع فيه الناس، والذي يمنعهم من تحصيل العلم الحق من القرآن الكريم. ونحن نعجب كثيرا عندما نجد الناس من عوام العوام، يُعربون عن اتصافهم بمعنى الخلافة الآدمية عن الله؛ ونعجب أكثر من ذلك لفقهاء المجتمع وهم يستمعون إلى ذلك ولا يقومون لتصويبه ضمن ما يجب عليهم من الله تصويبه!... ونحن نقول هذا، من باب الإشارة إلى منطق الأشياء، لا لجهلنا بما هم عليه الفقهاء من جهل مركّب في معظمهم... والأمر بالسجود لآدم المذكور في الآية، ليس إلا الأمر بالتسليم له في مرتبة خلافته عن ربه؛ لأن أعمال القوالب حيث كانت، لا تكون إلا من باب الإعراب عما تنطوي عليه القلوب([2]). وإن سجود الملائكة المخبَر عنه، هو بالأصالة عن كل الأصناف من المخلوقين المجبولين على الطاعة، وعن بني آدم الذين ستتحقق لهم التوبة بفضل الله مقاما لا حالا فحسب. وهذا، لأن التوبة لسبقها في الترتيب كل حال وكل مقام، تكون حالا لجميع المسلمين في مرتبة إسلامهم؛ فلا يظنّ مسلم إن وجد ذلك من ذوقه للإسلام، أن غاية ما نتكلم فيه هو ما يُدركه هو من نفسه. ويكفيه في ذلك، أن يعلم الفرق في الآدمية عينها، بينه هو وآدم أبيه عليه السلام؛ وأين النبوة من مرتبة الإنسان الحيوان!... أما إبليس الذي أخبر الله عنه أنه أبى أن يسجد، فإنه كان يفعل ذلك بالأصالة عن كل العصاة من شياطين الجن وشياطين الإنس. وإن إبايته للسجود، كانت من أثر شهود اتصافه بأوصاف الربوبية في نفسه، فكان كمن يشهد صورة خيالية، لحقيقة ثابتة كان آدم مجلاها الحق؛ فضل بالمشهود عن الحقيقة الأصلية، فكان أول من وقعوا في الضلال من المخلوقين. وأما الحسد الذي يذكر أهل العلم أنه هو أصل إبايته للسجود، فإنه من باب الدلالة على ظاهر الحال، عندما كان مشاهدا لربوبية نفسه. ونعني أن شهوده لربوبية نفسه، هو ما جعله يُنكر ربوبية آدم؛ لأنه كان يعلم أن روح الخلافة هي الربوبية من غير شك. وإن الحسد الذي نشأ في باطنه، لم ينشأ إلا عند مقارنته بين ربوبية نفسه وربوبية آدم؛ ونعني هنا أن الحسد لا يكون إلا من تحقّق المزاحمة، وأن المزاحمة لا تكون إلا بين الأقران (مع التوسع في اللفظ). وهكذا فإن إنكار إبليس لخلافة آدم، كان من ضلاله على علم؛ لأنه كان يعلم ذلك من جهة التوحيد الإيماني الذي بلغه فيه علمه الذي نتج له عن عبادته السالفة؛ فهو مشابه في توحيده الإيماني، لما يكون عليه عوام المسلمين من توحيد. ولا نذكر هذا هنا، إلا لتنبيه عوام المسلمين لما يُمكن أن يُنكروه على خواص الأولياء، توهّما منهم أنهم يستندون في ذلك الضلال لديهم على توحيد معتبر. وما أكثر ما يضل العوام، بتوحيدهم من مرتبتهم، إن هم طرق أسماعهم بعض ما يُختَصّ به أولياء هذه الأمة من علوم وأحوال!... وإن في أصل المخالفة الإبليسية، بشارة باطنة يبلغها العصاة عند انتهاء أحقاب عذاباتهم في الآخرة؛ فيعود حكمهم إليها كما تعود المعادن المختلفة في حقيقتها إلى الذهب الخالص عند انتهاء أطوار تدرجها في كمالاتها المتراتبة. وهذه البشارة التي نشير إليها ولا نُفصح عنها، هي من العلم المكنون الذي لا يتسع له إيمان المؤمنين ولا علم العالمين؛ وإن النار في الآخرة، هي لأمزجة الأشقياء، كنار الابتلاء الذي يمر به السالكون في طريق تحقيق كمالات أنفسهم المطمورة في فِطَرهم. وأما الحق الذي تقوم به جميع الحقائق من هؤلاء وأولئك، فهو واحد لا يتعدّد، وإليه تنتهي كل الطرق على اختلافها، والتي يسلكها السالكون على تباينهم. ذكرت هذا المعنى في إحدى محاضرَتيْن لي وأنا بعد في جرادة، واستدللت له بالمقولة الشائعة: "كل الطرق توصل إلى روما"، فقام لي أستاذ للتربية الإسلامية هناك، وكان ينتمي إلى حركة التوحيد والإصلاح المغربية. قام -على عادة أهل الأيديولوجيا- وقد انتفخت أوداجه توهّما منه أنه يُنافح عن التوحيد وأهله. فسكتّ أنا مـُغضِيا، لعلمي بأن المجال عقب محاضرة، يضيق عن الخوض فيما يدخل في نطاق التعليم لا في نطاق التنبيه وحده...
***
- وأما قوله تعالى: {فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ}: فهو من جهة الظاهر امتحان، ومن جهة الباطن ترقية. وقد جعل الله الدليل على ما هو خير لآدم، عدوه إبليس نفسه؛ ونعني أن إبليس لو علم ما كانت ستؤدّي إليه معصية آدم، لاختار أن يُبْقيَه في الجنة بجميع الأسباب، ولكن هيهات له أن يعلم ذلك!... وإن هذا يقع لكثير من الحاسدين الذين يجعلهم حسدهم يسعون إلى إلحاق الضرر بمحسوديهم، فيجعل الله في حركتهم سببا لنيل المحسود لخير إضافي جديد، فيزداد الحاسد حسدا مع ذلك، حتى يصير كمن يستهلك نفسه بحسده. وهذا الأمر هو من الجزاءات المعجّلة، ولكن أكثر الناس لا يعلمونها، بسبب انصراف نظرهم إلى سطوح الأشياء وحدها... وينبغي أن نؤكّد هنا على أن المعصية، لا تُعتبَر كذلك، إلا بأركان هي: =الأول: ورود النهي عنها صراحة، أو ورود الأمر بخلافها صراحة؛ حتى يكون الفعل أو الترك معدوديْن معصية. = الثاني: أن يعزم العبد على مخالفة الأمر أو النهي، بتأويل فاسد أو وهم عارض؛ وهو ما سيَبين في السطور القليلة القادمة بإذن الله... = الثالث: الدخول في فعل المعصية، وإخراج عينها إلى عالم الشهادة، حتى تُكتَب على العبد معصية. فإذا كُتبت عليه معصية، فإنها تستدعي كل ما يتعلّق بها من أحكام وجزاءات، مما يكون محلّه الدنيا، أو مما يُنتظر ظهور آثاره في الآخرة، أو مما هو من ذلك جميعا...
***
ولقد كان آدم قبل أن يوسوس إليه الشيطان غافلا عن حقيقة كونه يمكن أن يعصي ربّه؛ فهو لم يجرّب ذلك من قبل، ولم ير من نفسه لربّه إلا العبودية الخالصة. وهو يُشبه في الحال، بعض أبنائه ممن يُحسنون الظن بأنفسهم عن جهل؛ فتكون من هذا الوجه شدّتهم على بعض العصاة ممن يوجدون حولهم، فإذا سئل هذا الجاهل عن ذلك، أظهر أنه هو لا يمكن أن يقع في مثل تلك الشناعات. فآدم عندما لم يتوقّع من نفسه صدور المعصية، وهو من تنزيهه لها بغير علم، سلّط الله عليه عدوّه بما يُشبه النصيحة، فضلّ على علم، وعصى معصية لا شبهة فيها... ولقد كان الله قد أعذر إليه بقوله تعالى: - {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ}: فهذا ضمان له بألا يناله سوء إن هو جاهد نفسه وبقي على الطاعة؛ والرب على كل حال ليس محل اتهام من أحد العباد من العامّة، فكيف يُتصوّر ذلك من آدم أبي الأنبياء على الجميع السلام؟!... وقد حذّره سبحانه في الآية السابقة مغبّة مخالفة الأمر، وهي الخروج من الجنّة جزاءً، ونيل الشقاء الدنيوي له. والشقاء هنا يُفهم منه معناه العام الذي هو التعب والنّصب، ويُفهم منه المعنى الخاص الذي سيكون حليف شطر من الذرية الآدمية الذين هم بعدُ في صلبه، بالحرمان من جنة الآخرة ودخول النار التي هي دار الأشقياء حقيقة. ومما يدخل في معنى الشقاء العام الذي ذكرنا، ما هو معروف عند المغاربة في عامّيّتهم عند تسميتهم للتعب بالشقا؛ وهو أيضا ما يدخل في معنى قول الله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحًا فَمُلَـٰقِیهِ} [الانشقاق: 6]. والكدح هو ما يلاقيه الإنسان في دنياه من تعب ونصب، وإن وروده في الآية معضّدا بالمفعول المطلق، إنما هو للدلالة على بلوغ الغاية من ذلك. ولا يسلم من هذه الحال أحد من بني آدم، وإن فُرض فيه أنه يعيش في أفخم القصور محاطا بصنوف الخدم الساعين جميعهم في حمايته من كل مظانّ التعب والنصب، والجالبين جهدهم كل ما يُتصوّر أنه ينفعه حسّا ومعنى. ولكن أنّى لهم ذلك!... وإنّ حصر الله في معرض التهديد لعبده آدم في أصليْن كبيريْن للسوء، هما: الجوع والعُري، هو لكونهما أصل كل سوء يأتي بعدهما، مما يكون معتبرا من الدرجة الثانية (الفروع الأولى) فما فوق. ونعني من كلامنا، أن الجوع قد تخفى صورته عن كثير من الناس، لمفارقته الصورة الأصلية فحسب؛ وما يُقال عن الجوع يصح أن يقال عن العُري. وحتى نتبيّن معنى الجوع والعري، فعلينا أن نعود إلى الكلام عن حقيقة المخلوق الإمكانية؛ ونعني أن آدم ليس إلا واحدا من الممكنات، لذلك فهو يُشاركها في فقرها التام العام، من جميع الوجوه. غير أن حقيقة الممكن وهي في العدم، تختلف عنها في حضرة الإمكان الوجودي. ولسنا نعني من الإمكان الوجودي، إلا ظهور الوجود الحق بالحقائق العدمية التي للممكنات، والتي يكون آدم أحدها. ونعني أن الله لما خلق آدم، ظهر سبحانه بوجوده الذي لا يتعدّد في كل حقائق آدم العدميّة، والتي تعود في أصلها إلى مراتب ثلاث، وفق ما هي عليه ذات الله العليّة في نظامها. فظهر آدم بذاته وهو لا يملك منها شيئا سوى النسبة، ثم ظهر بصفاته فكان كما أخبر الله عنه سميعا بصيرا، إلى غير ذلك من الصفات، وهو لا يملك منها إلا النسبة، ثم ظهر أخيرا بأفعاله التي لم يكن يميّز منها في البداية إلا الطاعة وحدها، والتي كانت ما تزال مندرجة في فعل الله الواحد، كما يندرج فعل المجذوب في فعل الحق... وأما أصل الجوع من الفقر، فهو كل فقر ذاتي؛ وأما أصل العري من الفقر، فهو كل فقر وصفيّ على الخصوص. ولولا تفضُّل الله بقيام وجوده بذات آدم العدمية، ما ظهر آدم إلا في العلم، كما كان أزلا؛ ولبقي مجهولا في العيْن، مع ثبوت وجود الخلق السابقين له، أو مع عدم ثبوتهم، وإن كان حكم الحكمة ظاهرا لا يُخالَف. ولما نظر آدم في مرآة الوجود، وتعرّف على صورته وميّزها، صار عارفا بنفسه محجوبا بها عن ربّه؛ وهذا، لأن الله يعزّ أن يعرفه مخلوق من مخلوقاته بفعله هو (أي بتعرّف المخلوق)؛ فهذا، هو ما استدعى سبق الغفلة للذكر. والفقر الذاتي الآدمي، هو ما سيعرفه عندما يعرف أن ذاته قائمة بربّه لا بنفسها. فهذا هو الجوع الأكبر، وكل جوع يأتي بعد ذلك فهو من الفروع: كالجوع إلى الطعام والشراب وما تقوم به الذات البشرية من جهة تفاصيلها المنوطة بالأزمنة المتعاقبة. ولقد كان آدم في الجنة، غنيا بوجود ربه، عن الخبز والماء واللبن وما يجري مجراها، وأما أكله وشربه فيها، فإنه كان بدايةً من باب الاستلذاذ والتنعّم لا الحاجة؛ لذلك فلا ينبغي للقارئ أن يخلط فيجهل، وإن هذا العلم رقيق سريع التفلّت ممن لا إذن له فيه... وقبل أن نواصل الكلام، علينا أن نبيّن سبب إطالتنا في ذكر هذه الجوانب العلمية، التي يبدو أن الكتاب لا يتقصّدها بالاعتبار الأول، وربما قد تكون تشوّها في كتابته إن نحن اعتبرنا الجانب الشخصي الظاهري أولا. والحقيقة هي أنني عندما أتكلّم عمّا هو من مستوى أبينا آدم عليه السلام، فإني لا أبتعد بذلك عمّا هو خاص بي؛ ببساطة لأن قصتي تبدأ مع أبينا عليه السلام، كما هو شأن كل ذرّيّته، وعلى الخصوص منهم من كانوا ورثة مثلنا. وأنا عندما أريد تناول أمور شخصية من عمق يفوق المعتاد، فإني أعود إلى آدم لأسهّل تناولها بأوضح مما لو انطلقت من الأحداث التي عشتها؛ وعلى كل حال، فإن الأمر جدليّ بين ما هو عام وأصلي، وما هو خاص وشخصي؛ ولا يُحسن الخوض في هذه الأمور إلا من رُزق الكمال في النظر، بحيث لا يحجبه أصل عن فرع ولا فرع عن أصل، وإن كان يفرّق ضرورة بين الصورة النظرية والصورة الحسية التي تكون أمامه، والتي لا بد لأحد الوجهيْن منها أن يكون مواليا له دون الوجه الآخر. وعلى الرغم من أن من سبقني من أئمة الطريق (عدا الشيخ الأكبر والشيخ الجيلي وأضرابهما على الجميع السلام) كان يغلب عليه الطابع الشخصي، حتى كاد الدارسون أن ينظروا من خلاله إلى صورة لا تتكرر لا في السابق ولا في اللاحق بسبب تلك الشخصانية؛ فإنني أنا أنظر إلى البعديْن (الشخصي والعام)، على أنهما تجليان للحقائق ذاتها، لكن باعتباريْن مختلفيْن أو أكثر. بل إن هذا المستوى هو ما أسّس له القرآن عينه، لو أن الناظرين فيه كانوا يعقلون الجهات المعنوية منه دفعة واحدة. لهذا، فأنا أطلب من القارئ -إن لم يتمكن من الربط بين العام والخاص دائما- أن يصبر إلى أن يتبدّى له ذلك على التتابع وشيئا فشيئا. ولنعد الآن إلى ما كنا بصدده:
***
- يقول الله تعالى: {وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَى}: ولقد تكلّمنا عن الظمأ آنفا، ضمن معنى الغذاء العام الذي يدور حول معنى المحافظة على الصورة الإمكانية للوجود، وهو معنى الاستغناء بإغناء الله لمن كان يفهم عنّا. والإضحاء المذكور في الآية هو من باب الكناية عن نيل الشمس من مقدار الرطوبة الضرورية للحفاظ على الحياة الطبيعية للإنسان، من طريقين: كمية الماء ذاته في الجسم، والحرارة التي تكون محيطة بذلك الجسم ومتطلِّبة للإبقاء على المقدار الكافي من الماء فيه. وإن هذا الاعتدال الضروري من جهة لاستمرار حياة الإنسان، ومن جهة أخرى لعدم شعوره بالألم بقدر ما (وهو معنى العذاب في أصله)، لا يتحقّق إلا في الجنّة. ولقد حذّر الله عبده آدم، من فقدان كل ما كان مـُغنيا له عن المكابدة، ما لمْ يعص؛ فإن عصى، فإنه سيُكشف عنه ستر الاستغناء بإغناء الله، وسيوضع في مواجهة فقره الأصلي، بما لا يملك أن يجتازه إلا بمشقة قد تكبر أو تصغر... - {فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٍ لَّا یَبۡلَىٰ}: ومعنى وسوس إليه الشيطان: ألقى إليه في قلبه. ولقد وسوس الشيطان بما يتمنّى آدم من جهة فقره توهما، وكأن العلم هو ما حداه لا الذوق، ما دام ذوق الفقر لم ينكشف له إلا بعد المعصية؛ فدله الشيطان على الخلد وعلى الملك الذي لا يبلى في مقابله؛ فكأنه منّاه من جهة بالملك مع الغنى، ومن جهة ثانية بدوامهما، وهذان هما متعلَّق الفقر الذاتي والفقر الذي دونه (الصفات والأفعال). وهذا يعني كما أسلفنا الإشارة، أن آدم عليه السلام كان على علم بفقره، مع عدم اضطراره حال وجوده في الجنّة؛ فكان خطاب إبليس له من باب الدلالة على قطع أصل الفقر منه، الذي هو أيضا سبب كل معصية يقع فيها بنوه من بعده؛ وإن كان الأبناء يقعون في ذوق الفقر منذ أول زمن لهم في الإدراك لحالهم (الوعي). ومن تتبع طوائف الضالّين من أهل زماننا، ونظر إلى ما يفعلونه طلبا للخلود ونفي الموت عنهم، فإنه سيقع على العجب الذي لم يسبق مثله في الأزمنة الماضية. والسبب في ذلك، هو قرب بني آدم من القيامة المقتضية لخروج جميع ما تحمله الدنيا في بطنها من أحوال للعباد. وقد أشار الله إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا} [الزلزلة: 2]، فجعل سبحانه ذلك الإخراج من علامات الساعة!... - ثم يقول سبحانه: {فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ}: فنسب الله فعل الأكل إلى آدم وزوجه. وهذا ليدلّ على أن المقصود بالوسوسة كان آدم عليه السلام، وأن فعل المعصية وقع منه ومن زوجه معا، لكونه صاحب الرأي الذي يُرجع إليه، بسبب المرتبة التي له على زوجه، والتي يذكرها الله في قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَیۡهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]؛ وليس ذلك إلا درجة الأصل التي تكون له على الفرع، كما كان للسماوات والأرض على آدم أيضا درجة من كونهما أصليْن له. وأما قول الله تعالى في موضع آخر: {فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا} [الأعراف: 20]، فهو يعني أن حواء من جهة كانت محل الوسوسة الشيطانية مع آدم، وربما كانت عونا للشيطان عليه بتزيين الأكل له من الشجرة؛ ومن جهة أخرى، فإن الإشراك لهما في حال الانفعال للوسوسة، يعمّ بعموم الأثر والنتائج، وإن تفاوتت الأسباب واختلفت. وأما القصة التي مفادها أن الشيطان دخل إلى الجنة في صورة حيّة، ليتمكن من إنفاذ مكيدته، فنظنها من الإسرائيليات؛ لأن الشيطان لا يحتاج عند الوسوسة إلى أن يظهر في صورة طبيعية؛ بل يكفيه أن يتوجّه على الحقيقة المناسبة له من النفس الإنسانية ليحصل منها الخطاب. وهذا يدخل في قول الله تعالى: {إِنَّهُۥ یَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِیلُهُۥ مِنۡ حَیۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ} [الأعراف: 27]؛ أي يرى الحقيقة المناسبة له منكم؛ خصوصا وأن هذا جاء بعد قوله سبحانه: {یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ یَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوۡءَ ٰ تِهِمَاۤۚ} [الأعراف: 27]. وما القرين الذي يُخلَق مع كل فرد من بني آدم إلا من الحقيقة الآدمية التي ذكرنا أنها مناسبة للشيطان، وهذا لأن الحقيقة الآدمية جامعة لجميع حقائق العالم التي من بينها الشيطنة نفسها. ويدل على هذا أيضا، تحوّل بعض بني آدم إلى شياطين، عند غلبة الشيطنة عليهم وخلوصهم لها من أثر التّدسية التي هي نقيض التزكية، وهو ما أخبر الله تعالى عنه في قوله: {وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوًّا شَیَـٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورًاۚ} [الأنعام: 112]، فظهر من هذه الآية أن من بني آدم من يُخلّصه الله من أصل شيطنته كالأنبياء والورثة عليهم السلام، ومنهم من يبقى على أصله فيجمع الله له بين الطاعة تارة والمعصية أخرى؛ ومنهم من تغلب عليه الشيطنة فيصير شيطانا خالصا، مع بقائه على أصل الصورة الآدمية الظاهرة. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى انتفاء أصل الحقيقة الشيطانية عنه تبرّأ وتقدّس، بقوله: «ما مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ! قالوا: وَإيَّاكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وَإيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلا يَأْمُرُنِي إلَّا بخَيْرٍ. [وفي رواية]: وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ الْمـَلائِكَةِ.»[3]. ومن أدرك المعنى، علم أن آدم كان ما يزال على أصل نشأته، فلم يكن إبليس بحاجة إلى أن يخاطبه من خارجه، بل من نفسه. ويندرج تحت ما ذكرناه في هذه الفقرة علم التزكية وعلم التدسية، وعلم أسباب كل منهما، وعلم آثارهما وأحوالهما، وعلم مقامات أهل السعادة في الآخرة، ومقامات أهل الشقاء فيها... وأما قول الله تعالى: {وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِ}، فلأنه قد بدت لهما سوءاتهما. والسوءة من السوء، ولا سوء إلا تفاصيل العدم من الحقيقة الإنسانية. وبما أن العدم ينشأ عنه الفقر، فإن ذلك الفقر جعل الله عليه دليلا من ذات آدم وحوّاء، وهو السوأتان. فإحداهما تدل على الفقر إلى الطعام، والأخرى تدل على الفقر إلى الشراب، بما يخرج منهما من فضلات مما لم يُستهلك من الطعام والشراب في الحفاظ على الحياة الطبيعية للذات الآدمية. وعند ظهور السوأتيْن من آدم وحوّاء، بعد أن لم تكونا ظاهرتيْن، دلّ هذا على وقوع الأبويْن تحت حكم طبيعتهما، بحيث سينجم عن أكلهما وشربهما فيما بعد التبوّل والتغوّط الخبيثان، وهما أمران لا يُسمح بهما داخل الجنة، فكانا سببا مباشرا للهبوط منها... وأما قول الله تعالى: {وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ}، فهو إثبات للمعصية لآدم، التي مع ثبوتها في كلام الله، قد نفاها عنه قوم بسبب جهلهم، وبسبب دخولهم في مجال العقائد بعقول قاصرة لم تُكلَّفْ من ربها ذلك. ومعنى غوى هو: ضلّ بالخروج عن الحدّ ومجاوزته. وهو هنا مجاوزة لأحكام العبودية المتأصّلة في آدم، إلى حكم الربوبية التي ظهرت فيه بعد الوسوسة وما بعدها من معصية. وأما هذه الربوبية فإنها كانت مطمورة في باطن آدم عليه السلام، لكونها مناط الخلافة التي بُوِّئها عند أمر الله الملائكة بالسجود له حال فنائه عن نفسه. وأما إبليس، فكما كان أجنبيّا في المرة الأولى عن فقه الخطاب بالسجود، فإنه استمر في ضلاله عند دلالة آدم على الأكل من الشجرة. وهذا، لأن الأكل من الشجرة، هو السبب المباشر للنزول إلى الأرض؛ والنزول إلى الأرض هو السبب المباشر لممارسة الخلافة بالفعل، بعد أن كانت لدى آدم بالقوة في الجنّة. وهكذا، فإن إبليس بحسده، لم يتسبب لآدم إلا في نيل الخير من ربّه؛ فما أعظم حسرته وما أشدّ غيظه من فعل نفسه بعدوه!... وهكذا يكون شأن ذرّية آدم أيضا، ما بين حاسد ومحسود!...
***
- ثم يقول الله تعالى: {ثُمَّ ٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَیۡهِ وَهَدَىٰ}: والاجتباء هو الاصطفاء والاختيار من بين الأقران والنظراء، وهو هنا ليس إلا التمييز بالفوز عن إبليس الذي باء بالخسران المبين. وهذا يعني أن الله إن كان قد اعتنى بعبده في قضائه، فإن أمره لا بد من أن ينقلب إلى خير، ولو بعد السقوط في المعاصي والمخالفات. فتاب الله على آدم، أي عاد عليه بسابق عنايته فآل أمره إلى خير؛ وهو معنى الهداية التي نالته بعد إضلال إبليس له. وهذا يعني أنْ لا توبة إلا بعد معصية، ولا هداية إلا بعد توبة!... وهكذا سيُصبح آدم نبيّا من عند الله، خليفة عنه على المملكة الربانية (الكون). وسيظهر لإبليس السرّ الذي من أجله أُمر الملائكة بالسجود، عند علمه ظاهرا، بخلافة آدم الفعلية، والتي يكون إبليس نفسه تحت حكمها من جهة لا علم له بها. ونعني من هذا، أن الملائكة سجدوا لسر الخلافة الإلهية في آدم، ولم يسجدوا لما سوى الله، كما يتوهّم من لا علم له من المتفقّهة وأتباعهم من العامة؛ حتى توهّموا أن هذا الفعل المشبوه في نظرهم، يتطلّب إعانة منهم لعامة المسلمين على الخروج مما يدل عليه الظاهر، وهو "السجود لآدم"؛ فتفتقت الأذهان الظلمانية عن القول بأن ذلك السجود لم يكن سجود عبادة، وإنما هو سجود تعظيم، كذاك الذي كانت الأمم تأتيه عند دخولها على ملوكها. وهذا التفسير لا يُنبئ إلا عن جهل القائل، وعن جرأته على اقتحام مجال الحكم والفتوى في فعل كان الآمر به هو الله تعالى!... وهذا يعني أن هذه الفئة من الفقهاء، يُهمّها استتباع العامة لأنفسهم، أكثر مما يهمها الظفر بالحق ونيل رضى الله ربهم. يقول الله تعالى في هذا الصنف: {یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ یَقُولُونَ إِنۡ أُوتِیتُمۡ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُوا۟ۚ وَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَیۡـًٔاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا خِزۡیٌ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ} [المائدة: 41]؛ والمعنى من قوله تعالى: {یَقُولُونَ إِنۡ أُوتِیتُمۡ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُوا۟ۚ}، وهو يُفهم بخصوص من خاضوا في مسألة الأمر بالسجود لآدم: إن قيل لكم إن ذلك السجود كان على جهة التعظيم فاقبلوه، وإن قيل لكم خذوه على جهة العبادة، فاحذروا!... ومتى كان فهمهم (الفقهاء) معيارا يقاس عليه فهم كل فاهم لكلام الله؟!... إلا أن يكونوا في أنفسهم من المفتونين، ومن أسباب فتنة سواهم من الناس، مع اشتراك الفاتن والمفتون في عدم طهارة القلب؛ لأن من يكون على طهارة القلب، يُرجى له أن يُدرك المعنى المراد من الوحي. وهو ما أخبر الله تعالى عنه بخصوص القرآن في موضع آخر بقوله: {لَّا یَمَسُّهُۥۤ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]... - وأما قول الله تعالى: {قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ}، فهو تنبيه إلى التكليف الذي سيُكلَّفه آدم وبنوه من قِبل الله، الذي ليس إلا اتباع الشرائع ومخالفة الإضلال الإبليسي، والذي سيستمر فيهم إلى ما شاء الله. والسالكون التائبون، هم من بني آدم الذين جاؤوا من الجاهلية والمعصية، إلى طاعة الله باتباع شريعته من كل زمان. وهو ما دللنا عليه من بدايتنا التي هي المرحلة الأولى من السلوك، والتي يتحقق فيها المريد بمرتبة الإسلام حصرا، حتى إذا صار قابلا للترقّي رفعه الله من جهة باطنه إلى مرتبة الإيمان التي هي المرتبة الثانية والثالثة من الدين كما هو معلوم، ما دام الإحسان هو إحسان الإيمان فحسب...
***
* مرحلة الوسط: وهي المرحلة التي يستخلص الله عبده من الأكوان ومن نفسه الاستخلاص المعنوي (الإيماني)، وهي تكون للأولياء من أمتنا على طريق الأنبياء فيما ابتُلوا به، غير أن المدد في ذلك يكون من نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة؛ وهذا يجعلنا معشر خواص هذه الأمة نظراء للأنبياء من هذا الوجه. وهو أمر لو تفطّنت إليه الأمة لماتت طربا!... وإن كل ما جاء في القرآن من صنوف البلاء التي أصابت الأنبياء عليهم السلام، يأخذ منها السالك منا حظّه على قدر ما يطيقه استعداده: فيكون له حظ من المرض اقتداء بأيوب عليه السلام، ومن السجن اقتداء بيوسف عليه السلام، ومن العذاب المهلك ما يجعله على قدم إبراهيم عليه السلام، ومن أذى قومه عند دعوتهم إلى التوحيد ما ينخرط به في المقام النوحي، ومن العلوم اللدنية ما يجعله إدريسي المقام، ومن المفارقة بالحقيقة للعالم عند خلوصه، ما يجعله عيسويّا؛ فإذا جاء في تربية غيره بما يُختص به من دون سواه، كان من هذا الوجه موسويّا... ولا ينبغي للقارئ أن يجهل حقيقة الأنبياء عليهم السلام، فيتوهّم أن السالك الجامع لأسرارهم يكون أعلى منهم مرتبة؛ وهذا، لأن كل الأنبياء جامعون للمقامات على الكمال؛ غير أن الله عند ذكرهم لنا قد اختار من كل نبيّ وجها أو أكثر ليجعله لنا إماما من الحقيقة المحمدية الجامعة. وهذا يعني أن هذه الحقيقة المحمدية هي ما نستمدّ منه إيماننا وعلومنا، ولذلك حق للواحد منّا أن ينتسب في الدين إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وألا يُحجب بالنبي المخصوص الذي يكون إمامه في مقام ما من المقامات. ومن لم يفهم الصلة بينه وبين الأنبياء من جهة، وبينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، على ما ذكرنا من التوحيد، فما صحت له قدم واحدة فيه، ولا كان من أهل القرآن الذين هم أهل الجمع... وأول ما بدأ الاختصاص يظهر على العبد الفقير، بدأ الناس ينقلبون عليّ انقلابا، لم يكن ليوقفه بحسب ما كنت أرى منهم، إلا هلاك مبرم يحيق بي. فداخلَ الطريقة ومع ازدياد حنق المقدَّم عليّ، صارت دائرة الرافضين تتسع، ما دام رفضي كان هو ما يُقرب الفقراء إلى المقدّم الذي يتوهّمون أنه سببهم إلى نيل الدنيا والآخرة. ولقد عجبت في البداية من هذا الأمر، لأنني كنت أُحسن الظنّ بغيري، ولا أتهم إلا نفسي؛ لكن الأيام أسفرت لي من رفاقي عما لم أكن أتوقّعه. وهكذا، صرت منبوذا في جماعتي، ومحلّ سوء ظنّ منهم، مع أنني لم يكن يصدر منّي تجاههم إلا الخير. ولكن، ألم يكن الأنبياء عليهم السلام في أقوامهم معادن الخير المحض، ومع ذلك آذوهم بصنوف الإيذاء؟!... ومما قوّى من اشتداد البلاء عليّ، دخول والدي في صف الأعداء، وما كان ذلك ليخطر لي في بال حينئذ. ولقد كان السبب المباشر في ذلك: 1. أن محبتي لشيخي ظهرت منّي، فكان يرى ذلك تنقيصا من توقيره ومعرفة حقّ أبوته لي. والحقيقة هي أنني لم أكن أقصّر في محبته، وخدمته، والصبر على أذاه لي، الذي لم يكن ليجعلني أتذمّر مما ألاقيه منه. وقد ازداد حنقه عليّ عندما اقتنع أهل بيتنا معظمهم بطريقي، فأخذوا الذكر المأذون عن شيخي رضي الله عنه، حتى صار بيتنا بيتا نموذجيا لأهل الإيمان. وكم كنت غريرا عندما توسمت في والدي أن يلتحق بنا، وأن تتم فرحتنا باجتماعنا على ذكر الله في الدنيا، قبل اجتماعنا على نعيم ربنا في آخرتنا. لكن والدي لم يكن من جهة استعداده من صفّنا، بل كان من الصف المقابل. وإن كونه من الصف المقابل، جعله يتأذّى من ذكرنا أذى شديدا، ما كنت لأعتبره من شدّة حرصي عليه وتمنّي الخير العظيم له، مع جهلي في مقابل ذلك بما أودعه الله في استعدادات الناس. ولقد بلغ به الأمر، أن صار يُصرع كل مرة، ويبقى جسدا هامدا لا يختلج فيه شيء، المـُدَد الطوال؛ وكنت أنا بسبب جهلي أجلس عند رأسه وأذكر الله لعله يُسرَّى عنه، فلم يكن يزداد إلا سوءا مع ذلك الذكر. ولقد أفهمني الله فيما بعد، أن الأمر فيما يخص والدي معكوس: فما كان يُفرحنا نحن المؤمنين ويشرح صدورنا، كان يؤلمه هو مَن كان من أتباع الشيطان، ويزيد من ضيقه وقنوطه؛ وسنرى إلى أين سيوصله نفوره منّي ومن النور فيما سيأتي من الأيام... 2.أنه كان لا بد لي بعد ارتقائي إلى مرتبة الإيمان، من أن أذوق ألوان البلاء الذي ذاقه الأنبياء عليهم السلام. فكانت معاداة والدي لي شبيهة بما وقع لإبراهيم مع أبيه، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰهِیمُ لِأَبِیهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّیۤ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِی ضَلَـٰلٍ مُّبِینٍ} [الأنعام: 74]؛ ولن ندخل هنا فيما اختلف عليه المفسّرون بخصوص لفظ "أبيه"، وهل هو على الحقيقة أم على الكناية؛ ولكنه كان بالنظر إليّ على ظاهر الحقيقة. وأعني من ظاهر الحقيقة أنني من جهة الروح لم أكن ابنا لوالدي المعروف لقومي. وهو أيضا ما جعلني أولد على الولاية، كما أخبرت في الجزء الأول من هذا الكتاب؛ فأنا بحمد الله، لا أقول شيئا اعتباطا، وإنما أقصده قصدا... ووجه الشبه بين والدي وأب إبراهيم، هو أنهما معا كانا على الشرك، رغم أن والدي كان يُظهر الإسلام للناس في المناسبات. وهذا يعني أن الأمر ليس منوطا بالظواهر هنا، بل بالمخابر. فوالدي كان على دين المخزن الجامع بين الصور الباهتة للتدين ظاهرا وفي المناسبات، وما يُرتكَب من قِبله من صنوف المنكرات التي لم يكن يراها هو منكرات، بقدر ما كانت داخلة في معاني الرجولة والقوة المطلوبة بين الخانعين ومـُنمحي الشخصيات من أفراد مجتمعاتنا التي تُعامَل مـُعاملة الأنعام!... هذا، بالإضافة إلى اعتقاده في الجن وبالتالي إلى ارتكاب فعل السحر لسبب من الأسباب. وهذا من الشرك الجلي الشائع في البلدان العربية عامة... كان والدي في البيت أو مع العائلة المقربة، يتصرّف وكأنه "القائد" في مقاطعته: كان متكبّرا على وضاعته، وكان وقحا لا يحسب حسابا لأحد من المستضعفين، بل يسعى إلى التنكيل به كلما تمكّن من ذلك؛ وكان يتلذّذ بمن يركع له، خصوصا من أولئك الأمازيغ الطيّبين الذين كانوا ينادونه: "سيدي فلان!"، من تعظيمهم لأهل البيت. وكنت أنا أشعر به في مثل تلك المواقف، يشمخ بأنفه إلى الأعلى وكأنه يقول للمسكين أو المسكينة التي أمامه: هذا من واجبك نحوي، وليس منك تكرّما!... ولكنه مرة دفعه شيطانه إلى أن يجرّب ذلك معي بخصوص شيخي، فصار يتنقّصه أمامي، ظنّا منه أنني سأسكت له كما اعتدت أن أسكت فيما كان يتعلق بخصوصية نفسي، ولم يكن يعلم أن الشريعة تأبى عليّ ذلك؛ لذلك تفاجأ وهو ينظر إليّ بعينين مستديرتيْن، عندما رددت عليه بالعامية المغربية: - "بزّاف عليك!"، وهو معنى يُشبه قول القائل العربيّ: خسئْتَ!... ولقد كنت في هذا الردّ على قدم إبراهيم عليه السلام، عندما أخبر الله عنه بقوله: {وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَ ٰهِیمَ لِأَبِیهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٍ وَعَدَهَاۤ إِیَّاهُ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥۤ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَ ٰهِیمَ لَأَوَّ ٰهٌ حَلِیمٌ} [التوبة: 114]. ولقد ضل كثير من بني قومنا عند التباس الأمر عليهم، وتوهُّمهم بسبب أثر الفقه المحرَّف أن مرتبة الوالديْن لا تبلغها مرتبة أحد من الناس، بله أن تجاوزها. والحقيقة هي أن النبي الذي أمر الله عباده بتوقيره وتعظيمه، في مثل قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا یُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجًا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَیُسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا} [النساء: 65]، هو المـُعامَل من قِبل جميع المؤمنين في صور جميع الورثة على مر الأزمنة والسنين؛ وإلا فكيف يُعقل استمرار الدين في الأمة؟!... وهذا عام يشمل حتى ما يكون بين الأولاد والوالِدِين، بخلاف مظنون العامّة. وفي مثل قوله تعالى أيضا: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَمۡرًا أَن یَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلًا مُّبِینًا} [الأحزاب: 36]، وهو مثل الأول في عمومه. وفي مثل قوله سبحانه أيضا: {إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِیرًا . لِّتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةً وَأَصِیلًا} [الفتح: 8-9]، فجعل الله الحكمة من إرسال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أن نؤمن بالله ورسوله في مظهره، وأن نعظّمه وأن نوقّره بتعظيم جنابه فيه؛ ثم جعل الله كل ذلك داخلا بحسب مقتضى التوحيد في معنى تسبيحه هو سبحانه بكرة وأصيلا. ومن باب تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نهى الله أن يخاطب كما يُخاطب غيره من الناس، فقال سبحانه: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَ ٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَـٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} [الحجرات: 2]، والمعنى هو أن من كان في ظاهر أمره من أهل الإيمان، ولم يحافظ على الأدب في محضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (والأمر متضمِّن لمعنى الغيبة الجسمية بحسب مبلغ علم العوام)، فإن أعماله التي يظنها مقرِّبة له إلى ربه، ستحبَط وتصير كأنه لم يُصلّ عمرَه ولا صام؛ وإن هذا المعنى يغيب عن كل المشركين من أهل العقائد البِدعيّة من المتسلّفة أو من المتأخونة؛ ما دام شركهم يمنعهم من معاملة الله في نبيّه، ومعاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الربانيّين من ورثته. بل لولا ثبوت هذا المعنى الذي نذكّر به في هذه السطور، ما صح للمتأخّرين تديّن بالمعنى التام، وهو يشترط معاملة لله ورسوله على الحضور، بحسب ما يُعطي الذّكر، لا على الغيبة الإيمانية دائما، كما تفهم العامّة. ومِن معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة، توقيره من قِبل السالك في مظهر الشيخ الرباني؛ فإن خالف العبد أمر الله بالتعظيم والتوقير، فإنه يتقهقر إلى أسفل سافلين ويُسلب ما كان قد حصله من ثمرات الإيمان. ومن مكر الفقهاء المحرّفين للكلم عن مواضعه، إيهام الناس بأن لا أحد يأتي في التعظيم بعد الله فوق الوالديْن، وهو أمر مخالف لصريح الوحي، ما دام التعظيم والتوقير يُتوجّه بهما في الأساس إلى الله ورسوله، مع اعتبار أهل البيت وأولياء الأمة داخلين في دائرة تعظيم النبوة من غير أدنى شك. ونعني أن النبوة هي في المثل كالرمّانة، وأشخاص الربانيّين من ورثتها يكونون كحباتها. فمن فرق بين الرمانة وحباتها، فقد غالط في تعريف الرمانة ذاتها؛ ومن عامل حباتها على أنها ليست غيرها، فقد ظفر بسرّها ونال خيرها!... وهكذا، فإن الله قد وفقّني عندما اجترأ والدي على شيخي إلى ما يحفظ عليّ ديني، وإن كان ذلك سيستخرج من الوالد كل السوء الذي في مستطاعه...
***
كنت بعد أن انسلخت من الدنيا، أعيش في البيت مع والديّ من دون أن أعتبر لنفسي عليهما من حقّ؛ وكأنني ما زلت دون سنّ الرشد. ولأن والدي كان يعتبر في مقدَّم أي معاملةٍ المالَ، فقد كنت أتنازل له عن راتبي الشهري، كما يتنازل العبد لسيّده؛ إلا القدر الذي كنت أستبقيه بين الفينة والأخرى من أجل السفر إلى شيخي بما أن زيارته كانت واجبة عليّ بمقتضى الشريعة، كما كنت أستبقي في بعض الأحيان، ما أقتني به بعض الكتب التي تعينني على سلوكي من جهتَي الظاهر والباطن معا، أو ما أُنفق به بين الحين والآخر على جمع الفقراء، على طعام يذكرون الله عليه. ولقد كنت أنا راضيا بحالي على ما كنت عليه، لا أسأل شيئا مما يسأله أقراني من ضرورات الدنيا، كالزواج مثلا؛ بل إن الزواج ما كان يصلح لي وأنا بعدُ أخوض غمار السلوك ولججه، ولكن هذا العلم يخرج عما يُدركه الفقهاء من ظاهر الشريعة؛ ولعلي أن أبيّن بعض أحكامه حين يحين أوانه، لينتفع طلاب العلم منه. أما والدتي وإخوتي الذين كنت أرجو أن يصيبهم بعض ما يُوسّع عليهم عيشتهم الضّنك، فإنه لم يكن يصلهم إلا النادر القليل في بعض المناسبات المعدودة على رؤوس الأصابع في العمر لا في السنة. وقد بلغ من شظف عيش أهل بيتي، أن والدتي لم يكن لها في بعض الأوقات إلا فستان واحد، حتى إذا غسلته لضرورة، بقيت في غرفتها لا تبرحها حتى يجف، وربما حضرت به وليمة من الولائم التي كانت تُدعى إليها، وهو لم يجفّ على التمام. ولقد كان للوالدة من الصبر، عملا بنصائح الجدة رحمها الله المتوالية، ما يجعلها تتجاوز متطلّباتها وهي بعدُ في شبابها. وهو عينه ما فتح لها أبواب الترقي الإيماني، ففرحت بربها في دنياها قبل آخرتها... وأما إخوتي، فإنهم لم يكونوا استثناء، وهم يتوارثون الثياب بعضهم عن بعض مع توالي السنوات؛ ويقنعون بالقليل من الطعام، الذي كثيرا ما كان عبارة عن بقايا ما يبيعه الخضّارون، الذين يؤثروننا به عندما يذهب أحدنا يسأل واحدا منهم بعينه: - يقول لك والدي: أعطني كيلو بطاطس، ونصف كيلو طماطم، ونصفا آخر من الجزر أو الجلبان إن كان الفصل يسمح بهما... لم نكن نعلم أن الوالد كان ينوي أن يأخذ ذلك مجّانا، لأنه يعتبر نفسه فردا من أفراد السلطة الحاكمة، وكنا نتعجّب لرداءة ما كنا نعود به إلى البيت، والذي لم يكن ليختلف عما يعود به المتسوّلون إلى بيوتهم. لم نكن نعلم آنذاك أن ما كان يُسمح لنا به من خضر، هو ما كان في العادة يُلقى به في المزابل. واستمر ذلك سنين عددا، لم يكن يستحيي والدي حيالها، وأنا أتحول بجانبه إلى رجل، وبعض إخواني من بعدي إلى شباب وشابات، يستحقون من عرض الدنيا ما يُناسب -على الأقل- كمالاتهم الجسمية والعقلية؛ ولكن مع مَن؟!... مع من لا يعرف إلا نفسه ربّا، ولا يعرف غيرنا عبيدا خلّصا؟!... نعم، هذا هو الدين الذي كان يعرفه والدي، ولا يعرف غيره. ومن أراد أن يُدرك ما نرمي إليه، فليستبدل أحوال ما يعرفه عن بعض متجبّري العرب بما ذكرناه عن الوالد، وليُطابق بين الوضعيْن مطابقة تامة، فإنه سيجد نفسه قد ازداد فهما للجانبيْن معا من تلك المطابقة؛ وهو ما سينفعه في دينه عند إرادة معاملة ذوي السلطة في بلده مثلا، بما لن يُحصّله من غير اطلاع على كلامنا في هذه المسائل!... والفضل في ذلك لله وحده!... أما أنا، فما كنت أتبيّن هذه التفاصيل التي أذكرها من التحليل في ذلك الوقت، ولا كان خيالي يُسعفني لأتصوّرها، ولا كان انخراطي في السلوك فيما بعد يسمح لي بالانشغال بها؛ ولكنّ الوالد كان قد بلغ في المقابل معي غرضه، وهو: ألا أتبرّم من معاملته أو أن يبدو منّي ما يُشجّع إخوتي على التمرّد على أوضاعنا المزرية ولو قليلا... لم يكن أحد ممن حولنا، يعلم ما نقاسيه من سوء المعاملة إلا الأقربون من عائلتنا، من عمّتيَّ وأسرتيهما، أو من عائلة عمّ والدي، من ابنه أو زوجته خاصة؛ لكنّ ذلك كان يخدم السوء الذي في أنفسهم، فصاروا لنا كما كانت قريش في عمومها لأبي جهل منها. فلقد كانوا، وهم من يُعانون في بيوتهم بعض ما نُعانيه أحيانا، يستمتعون في مجملهم بما كنا نلاقيه من سوء المعاملة من والدنا، وكأن في ذلك تفريجا عن بعض ما بهم من جهة، وانتقاما لهم مما كانوا يرونه علينا من نعم الله التي لم نكن قد تنبهنا إليها بعد، ولا تنبهنا إلى أن أقاربنا كانوا يحسدوننا عليها؛ والتي نترك للقارئ مهمة استنباطها من كل ما مرّ من تفاصيل قصّتنا، أو مما سيأتي منها فيما بعد إن شاء الله تعالى... [1] . أصول الدين هنا بالمعنى اللغوي، لا بالمعنى الاصطلاحي، فليتنبه القارئ... [2] . على القارئ أن يلتقط مثل هذه القواعد في الإقبال على كتاب الله، لأنه يصعب علينا نحن أحيانا أن نشير إلى قيمتها في المنهجية العلمية، بسبب وقوعنا تحت حكم السياق السردي... [3] . أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.