اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | «السابقالتالي»
2026/01/08 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -1- تثلـــيث التسميم
كانت المرحلة الفاصلة بين ولادتي ولقائي بشيخي، هي ما يمكن أن أسميه مرحلة تنامي غفلتي، بحسبي لا بحسب عموم الناس؛ وذلك لأنني لم أغفل قط غفلة تامة في يوم من الأيام. وهو ما كان يجعلني في طور نمو عقلي الكسبي، أشعر بغربة كادت في نهايتها أن تقتلني... *** كان أول ما رأيت سيدي ابن الطاهر رضي الله عنه، في قرية العوينات في أواخر السبعينيات، حيث كنت أباشر تدريس اللغة الفرنسية هناك. وكان هو قد جاء زائرا لأخينا (م. ز)، الذي علمت أنه كان يعرفه من إقامته قبل ذلك بزاوية وجدة. وهذا، لأن سيدي ابن الطاهر كان -على غرار أهل الله- قد ابتلي في أمور كثيرة منها صحته، حيث أصيب بالسل، واضطُرّ الأطباء إلى إزالة إحدى رئتيْه؛ فبقي يعيش بواحدة. فلم يعد بعد تدهور صحته قادرا على التكسّب، كما لم تلبث زوجته الجزائرية، أن غادرته إلى بلدها مع ابنها، تاركة إياه وحده في وجدة. فلما سكن في غرفة بالزاوية في وجدة، تفرغ للذكر ولوعظ الفقراء بأمر من الشيخ رضي الله عنه... *** وعندما انضممت إلى الفقراء، بعد أخذي للورد بمدة، وشرعت في الذكر المأذون الجماعي بعد اعتيادي على الذكر الفردي، صارت أحوالي تتقوّى، وصار ذلك يجعلني أزيد من الذكر في كل مرة، إلى أن وصلت إلى عمارة كل أوقاتي به، فضلا من الله ونعمة. هذا، مع الاستقامة على الشريعة التي أفضت بي مع الإكثار من الذكر، إلى توالي الفتوحات عليّ؛ فأخذني السلوك إلى الله، عن كل ما سوى الله؛ وكأن ذلك السِّوَى بالنظر إليّ كان لا وجود له. وهنا تأكّد لي ما كنت أجده منذ أول تديّني، وقبل أن ألتحق بشيخي رضي الله عنه، من عدم التعلق بالآخرة، حتى شككت في نفسي. صرت الآن أعلم أن التعلّق يكون بالله وحده ذوقا، فازددت اطمئنانا بأنني على الطريق الصحيح. وكنت عندما أقارن حالي إلى ما أخبر به أهل التصوف في كتبهم، أجدني أسير موافقا له ظاهرا وباطنا. ولقد بلغ بي الأمر بعد مدة، أنني عندما قرأت كتاب "فتوح الغيب" للشيخ عبد القادر الجيلاني عليه السلام، علمت أنني قد ذقته كله إلا أمرا واحدا، لا أذكره الآن. وربما قد كان ذلك يسبق ببضع سنوات تحقُّقي بالوصول، كما هو في اصطلاح أهل الله... وبما أن سيدي ابن الطاهر، كان من الواصلين الغرباء بين قومهم، فإنه قد تنبه في مدة قليلة إليّ، وصار يتقرب منّي؛ بل لقد وصل به الأمر إلى أن أخبرني بأنه لا يأتي إلى مدينة جرادة إلا من أجلي. فكان صديقي (م. ز) يستغرب تلك المعاملة من ذلك الولي، خصوصا عندما يراه حريصا على استرضائي لأقل الأسباب. فقال لي مترجما عن استغرابه يوما: *** عندما كان سيدي ابن الطاهر يأتي لزيارتي في بيت والدي، كنت أحرص على أن أسأله عن كل ما يستشكل عليّ فهمه من فتوح. كنت أريد من جهة أن أطمئن على حالي، ومن جهة أخرى أن أعلم الدليل الشرعي لما أجد؛ لأن الرجل كان من أكابر علماء الظاهر والباطن على أميته، وكان قد تعلم القراءة قليلا على كبر، فكان كثير القراءة للكتب. ومن كثرة إلمامه بالكتب، وعلمه بالكتاب وما كتبوا، قد جعله الشيخ رضي الله عنه لمدة من الزمان قيّما على مكتبة الزاوية في مداغ. فكان في وقت العطلة الصيفية وإبّان اعتكاف الأساتذة والطلبة، يأتونه الواحد بعد الآخر يسألونه، وأنا عنده في غرفته الخاصة، عن مسألة بعينها أين يجدونها؛ فكان يُخبرهم: 1. لأن الشيخ حمزة كان لا يكاد يفارقني في ليلي ونهاري، نوما ويقظة، وكان يعلّمني من جهة الغيب كل ما أحتاج إليه من علوم في الوقت... *** كان مقدَّم الطريقة في هذه الأثناء، قد تنبّه إلى ظهور آثار فضل الله عليّ، فصار يريد أن يجعلني أقر أمام الجمع بأن المدد يأتيني منه. وأنا ما كان يصح لي أن أفعل ذلك لأمور منها أنني كنت ملتزما للصدق، فلا أتمكّن من الكذب في شيء. بل كنت على العكس من ذلك، أشهد بأني ما أنال شيئا إلا من الشيخ رضي الله عنه. وكنت أحضّ إخواني على التوجه إلى الشيخ وحده (مع احترام المقدّم والعمل بتوجيهاته التنظيمية)، حتى ينتفعوا؛ لأنني كنت أعلم من جهة الأدلة الشرعية، ومن جهة ذوقي في سلوكي، أن المريد لا يُفلح إلا إن توجه توجها تاما إلى شيخه، حتى يوصله إلى الفناء فيه. فإن فني فيه، فقد قضى الله جميع مآربه، لأنه يصير منضويا في ذات الشيخ، فيشاركه في جل أحواله وعلومه... *** ومن شدة فنائي في شيخي، وقع لي الاتحاد بذاته الشريفة في مدة غير طويلة. ومما يشهد لي بذلك، أن الشيخ كان في الثمانينيات (على الأرجح)، قد سافر إلى الدار البيضاء، وأقام عند الفقراء هناك مدة. ونحن في الشرق المغربي، لم نكن نعلم من الأمر إلا ذاك؛ لكنّني في ليلة وجدت نفسي بصحبة الشيخ، ضمن مجموعة قليلة من الفقراء، نتجول في أسواق مكّة؛ حتى إني لاحظت اختلاف لون شمس مكة عن لون الشمس عندنا، وهو أمر لم أكن قد تنبهت إليه بعد في الحس... وفي أثناء سيرنا وسط السوق، جاء شاب من سكان مكة قاصدا إلى الشيخ، فسلم عليه ونحن نتعجّب لأمره؛ وأخبره أن والده قد أوصاه أن يترصّده في السوق، فإذا رآه، أن يأتي به إلى بيتهم؛ وكأن الرجل لم يكن يقوى على الحركة. فسمعنا الشيخ يقول له: *** بعد مدة من انتسابي إلى الطريقة، وعملا بأوامر شيخنا، كنا ندعو غيرنا من الناس إليها. ولم يكن الأمر هينا بوجود ما استُحدث للناس من عمل حركي، كان يستهوي الشباب عندما يجدونه "اشتراكية" قد أُسّست بحسب الزعم على الإيمان. وفي الحقيقة لم يكن الأمر إلا أيديولوجيا إسلامية، انتهت إليها عقول مفكّرين في مشرق البلاد الإسلامية وفي مغربها... - لقد كلمت الشيخ عن فعلك في مجالس الذكر (ما كان يظهر عليّ من أثر الحال)، وذكرت له أن ذلك الفعل يُشوّش على الفقراء، ولكنه أجابني بعد كل كلامي قائلا: *** وهنا ينبغي أن أذكر ما يتعلق من علم بمسألة التوجه، وأذكر فيها ذلك على وجه الاختصار، حتى ينتفع منه أكبر عدد من الناس: [1] . أخرجه أبو داود وأحمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.