اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/12/24 رحلتي إليّ (إلى التسميم الثاني) -9- إلى التسميم الثاني
عزمت مع رفيق رحلتي بعد تمضية الليلة بسلا، عقب زيارة الأستاذ عبد السلام ياسين، على الذهاب في الغد، وفي طريق العودة إلى الشرق، أن نزور جدّنا المشترك "سيدي أبا القاسم أزروال"، في ضريحه بقرية "الزاوية" التابعة لجماعة "بركين" بجبال بني وراين، من إقليم جرسيف... وصلنا إلى جرسيف عبر القطار، في حوالي منتصف النهار، ثم ركبنا الحافلة إلى بركين. كانت الحافلة بخلاف الحافلات التي نعرف، متينة وسميكة الحديد، ذكّرتني بالحافلات الألمانية في زمن الحرب العالمية، كما كنّا نراها بالأشرطة التوثيقية أو السينمائية... سمعنا أن الناس كانوا يتنقّلون من بركين إلى الزاوية، على ظهور الدواب وخاصة البغال؛ ولم يكن بإمكاننا نحن أن نفعل ذلك، لأننا جئنا إلى المكان من دون أن نمهّد لمجيئنا عن طريق الاتصال بأحد أهل البلدة. وفي غياب وسائل النقل شبه العمومية، ما كان أمامنا سوى قطع الطريق كله على الأقدام. كان صاحبي على لياقة بدنية تناسب شبابه، وأما أنا فكانت المغامرة بعد الشوق إلى زيارة جدّنا، هي وحدها ما يحدوني... سرنا على جانب النهر كما نصحنا بعض من سألناهم عن كيفية الوصول، بين جبال تكاد تكون زاويتها قائمة بالنظر إلى الأرض التي كنا نمشي عليها. كانت الجبال تُشبه ما كنا نراه في بعض أفلام الكاوبويز الأمريكية، وكان جمال المشهد برمّته أخاذا، وهو يشمل أشجار الجوز التي كنا نعرف عنها أن قشرتها هي مصدر السواك النسوي الذي ما كانت المغربيات يعرفن سواه في سابق عهدهن... كانت ألوان المشهد الذي نمر به، تحت أشعة شمس الشرق المغربي السافرة، تذكّرنا بألوان "التكنيكولور" التي كانت تبهرنا في أولى الأفلام الملونة في السينما؛ رغم أن حالتي الصحّيّة بعد التسميم المتكرّر لجسمي، تجعلني أشعر بمشقة كبيرة، لولا طراوة المياه المنعشة التي كنّا نلجأ إليها بين الفينة والأخرى، شاربين أو مرطّبين لأقدامنا... وأخيرا، وصلنا بعون الله إلى القرية (الزاوية)، التي استقبلنا بعض أهلها من أطفال وكبار، على مشارفها، مهلّلين ومرحبين. أدركت من الوهلة الأولى، أنّ بني عمّنا الوراينيّين أفضل حالا منّا نحن بني "المقام"، رغم أن اسم الزاوية، خصوصا بالأمازيغية (الزاويث)، كان جامعا بين القبيلتيْن؛ نظرا لأن جدّنا كان شيخا -على الأقل لأبنائه وأحفاده- في التزكية الشرعية، التي غلبت عليها تسمية التربية الصوفية لأسباب تاريخية مختلفة، ومن قلة التفقّه الشرعي بين عوام الناس...
***
قادتنا جماعة من أهل القرية بعد تبادل التحايا وانقضاء مدة التعارف، محفوفين بترحاب كبير، إلى الزاوية بمعناها الضيق، والتي كانت هي مسكن الطلبة المتعلّمين للقرآن هناك، إلى جانب كونها مقرّ الضيافة الرسمي للقبيلة. وأذكر أنني عندما دخلت الزاوية، أقبلت على أيدي الطلبة الأطفال أقبل أيديهم، بعد أن قبلت أيدي كل من استقبلونا من الكهول. كان الأطفال ينظرون إليّ ببعض الاستغراب، لأنه لم يكن مظهري يدل على أنني بدويّ قد اعتاد على تقبيل الأيادي، وإن كنت ألبس قميصا سابغا أبيض اللون، مناسبا لحرارة الصيف ولمشقة السفر... كان ما يبعثني على تقبيل يد كل من أقابله من صغير أو كبير، حالٌ تَملَّكني، بعد الزيارتيْن اللتيْن زرت فيهما رجليْن معتبريْن في مجال التربية -بحق أو بباطل- هما الشيخ عبد الله التليدي والأستاذ عبد السلام ياسين. كان الحال الذي تملّكني، حال فرح بالله ورسوله، عندما تأكّد لي أن شيخي حمزة لا يُشقّ لقدمه غبار في ميدان الإسلاك الشرعي؛ فكان قلبي يرقص فرحا بين جنبيّ، وكنت أسير كالمنتشي في كل الطريق الذي قطعناه. وكأنني عندما وصلت إلى حضن جدّي أبي القاسم رضي الله عنه، قد شعرت بالعناية تكتنفني، فلم أجد أقل من تقبيل الأيادي، معبّرا عن شكري لربّي على إنعامه وإفضاله... ما لبثنا إلا قليلا، حتى دُعي لنا فقيه الجماعة ومعلّم القرآن، على عادة كل قرى المغرب المبارك؛ فجاء إلينا ووجهه منطلق الأسارير، يكاد يرفعنا بتواضعه وأخلاقه عن الأرض رفعا. لا أذكر الآن اسم ذلك الرجل، لكنّني موقن أنه كان أحد الصالحين من رجال المغرب العميق، الذي يستغني عن التفات رجال السياسة والمال إليه، بإيمانه القوي، وقناعته الملموسة البادية. وأنا أقول هذا هنا، تنبيها لكل المنفعلين للخطاب السياسي الأيديولوجي، عندما يُشيرون إلى المغرب العميق قاصدين الإشارة إلى فقره وتخلّفه. نعم، هو عميق حقّا، لا بالمعنى القدحي الذي ينطق به الجاهلون؛ ولكن بالمعنى الديني الشامل لمعنَيَيِ التاريخ والحضارة. ليت أن المغرب كله كان عميقا عمق قُرانا ومداشرنا... لم يفارقنا الفقيه، إلا في أوقات قصيرة، كان يعود فيها إلى بيته؛ لأنه كان يشاركنا كل المآدب التي ألح سكان القرية على استضافتنا فيها، من كل وقت لغداء أو عَشاء. كان الرجال يتحلقون حولنا، سائلين ومجيبين وهم يستفسرون عن بني قبيلتنا وأحوالهم، من دون أدنى حرج؛ خصوصا وأن صاحبي كان أكثر صحوا منّي لتفاصيل حياة جدّنا هناك، ولتفاصيل طريقة عيش بني عمومتنا الأكارم. أما أنا فقد كان كلامي قليلا بالمقارنة إليه، وكانت فرحتي بتوفيق الله لي إلى الطريق، تُغطّي على كل مشاعري... وبعد أن تنبهت إلى شدة تواضع الفقيه، الذي كان يؤمّنا في الصلوات بالمسجد، ويُسمعنا ما يتيسّر من القرآن، في كل البيوت التي زرنا؛ كنت مـُصرّا على أن أرى قدمَيِ الرجل، ولو مرة واحدة وهو يجالسنا، فلم أظفر بذلك. كان الرجل، يعد ذلك بمحضرنا، سوء أدب لا يليق بأهل القرآن؛ فكنت أشفق عليه من ذلك، حين يبالغ في سحب جلبابه على قدميه كل مرة؛ وكنت أُعجب بأخلاقه، في زمن كدنا أن نفقد الاتصال فيه بهؤلاء المباركين، الذين جئناهم من أمكنة لو اطلع عليها أسلافنا لشكّوا في إسلامنا، لولا أن الصوامع تُذكّر الناظر بأصل الناس فيها...
***
زرنا ضريح جدنا أبي القاسم أزروال، الذي كان قد انتقل إلى هذا الجبل من جبال سكنها مع أهله في شرق المغرب كما ذكرنا، والذي كان قد وفد إليه من ناحية البيّض ببلاد الجزائر حاليا، مع بداية القرن العاشر الهجري. ولقد سمعت ممن سمع من سيدي عبد الحَكَم دين الذي كان من مشاهير أهل النوبة بجرادة (وقد كان يحضر الديوان) أن أبا القاسم أزروال كان من طبقة الأبدال، وأنه كان يغلب عليه حال يبدو معه وكأنه نائم بين الجالسين. وسأذكر نبذة عن هذا الحال، أو عن حال قريب منه، عندما يحين وقت كلامي عن شيخي حمزة أبي دشيش رضي الله عنه. وقد سمعنا من أبناء عمومتنا بعض الكرامات التي تُروى عن جدّنا خلفا عن سلف، لا أرى فائدة من إيرادها هنا، لكوني لا أهتم كثيرا بالكرامات الحسية، كما سيظهر من الأحداث التي مرّت بي شخصيّا... بعد أن أمضيت مع رفيقي ما شاء الله لنا أن نمضي من الأيام بقرية جدنا، عدنا إلى وجدة حيث كان يُفترض أن تنتهي بنا رحلتنا التي كانت مقيّدة بالغاية منها، والتي كنا قد اتفقنا عليها فيما بيننا. ولقد كان اتفاقنا ونحن بعدُ لم ننطلق في رحلتنا، على أن نزور معا شيخي حمزة في ختامها ببلدة مداغ؛ وعلى أن يختار كلٌّ منا، ما يشاء لنفسه بعد ذلك. لكنّني فوجئت بصاحبي، وهو يعتذر إليّ بعد بلوغنا مدينة وجدة، يبغي التحلّل من الوعد الذي انطلقنا به معا. ولعله كان قد تبيّن رأيي في أمر اتباع الشيخ، في أثناء الطريق، ما جعله يفقد الرجاء في انضمامي إلى جماعته: الجماعة التي سيُسمّيها صاحبها فيما بعد "جماعة العدل والإحسان". ولعل سبب تبيّنه حقيقة أمري، كان وضوحي الشديد في الإبانة عما يكون عليه باطني، مما أعد إخفاءه أنا عن أعين من حولي، خيانة منّي لثقتهم. وأما بإزاء اعتذاره عن زيارة شيخي، فقد كنت على عادتي، لا ألح على أحد في شيء، فلم أزد على أن أبديت له موافقتي على قراره. ومن مدينة وجدة، ذهب كل منّا في طريقه، أنا إلى مدينة جرادة، وهو إلى مدينة العيون الشرقية...
***
ولقد كان مما لاحظه عليّ صاحبي في الطريقة من جهة الظاهر (م. الز)، بعد عودتي من هذه الرحلة، أنني عدت "مذبوحا مسلوخا" بحسب تعبيره. ولم يكن صاحبي مخطئا في وصفه لي، لأنني بعد هذه الرحلة كان قد انقطع منّي كلّ تشوّف إلى غير شيخي؛ وكأنه لم يكن في الوجود معي سواه. وهذا يعني أنني لم يبق لي تعلّق بأحد من الأولين ولا من الآخرين غيره رضي الله عنه. وكان هذا الحال، من فضل الله عليّ عند التخلّق بما كان معدودا من شروط الصحبة عند كل أئمة الطريق رضي الله عنهم... عندما وصفت صاحبي المذكور آنفا بأنه كان صاحبي في الطريقة بحسب الظاهر، فأنا كنت أعني أن سلوكي للطريق على يد شيخي، لم يكن على ما كان مشترَكا بين المريدين ممن عرفت وممن لم يتسنَّ لي أن أعرف: من جهةٍ، لأن السلوك في أصله لا يكون إلا على سبيل الانفراد، مصداقا لقول الله تعالى من باب الإشارة والباطن: {وَیَأۡتِینَا فَرۡدًا} [مريم: 80]؛ ومن جهة أخرى، لأن سلوكي كان سلوكا أخصّ من كل سلوك، وإن لم أكن أعي ذلك من بدايتي، وما كان ينبغي أن أعي ذلك؛ غير أن الشواهد الغيبية قد تتالت عليّ من الله تعالى، تؤكّد ما ذكرت... ومما أذكره هنا، مما كان يدل على خصوصيتي الكبرى، أنني وجدت يوما نفسي في واقعة، ضمن جيش للمسلمين. كنت في أول صفّ من ذلك الجيش؛ إلى يساري، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ وإلى يميني، عقبة بن نافع رضي الله عنه. كنّا نسير على أقدامنا في مقدّمة المشاة، سيرا حثيثا، هو أقرب إلى الهرولة منه إلى المشي. وكان يسير أمامنا رجل واحد، نسير بسيره، ونصيح خلفه بأعلى أصواتنا ونحن نلوّح بأيدينا. كان ذلك الإمام هو أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وكنّا نحن نصيح خلفه: - "إنا نبايعك يا أبا بكر!"... نكرر ذلك في كل مرة، وكأن ذلك كان النشيد الذي يسير على إيقاعه ذلك الجيش... لم أتبيّن وقتها وجه الصلة بيني وبين الصحابة المذكورين، إماما ومأمومين؛ فأنا كنت أرى نفسي في آخر صف المسلمين من المتأخّرين. فحفظت تلك الواقعة في ذاكرتي تعظيما لمن ذُكر فيها، وعدت إلى نفسي وكأن الأمر لا يعنيني، إلا من باب المجاز. ولقد كان هذا دأبي، مع كل ما كان الله يُرينيه؛ فانتفعت بانفصالي وجدانيا عن كل ما أرى، انتفاعا عظيما. وكان هذا العمل منّي، من العلم الذي أجده بدَهيّا في باطني، ومما كان يوافق ما كنت أتعلمه من كتب أهل الله، ضمن وصاياهم للمريدين... كنت أخالف في عملي كل من حولي من أقراني: فهم في الغالب، كانوا مخالفين لأصول الطريق، لأنهم كانوا يسعون في أمورهم إلى الجمع بين عيشهم أحوال عصرنا، وبين ثمار السلوك؛ وهو ما يحتاج إلى نظر. أما أنا، فكنت على خلافهم، أسلك الطريق على الهيئة التي سلك عليها أسلافنا؛ وكأنني أعيش في زمن غير الزمان. وكان هذا، مما منّ الله عليّ به من خصوصية...
***
ومما وقع لي مع شيخي رضي الله عنه، في زياراتي الأولى: * أنني كنت مرة ضمن صف من المريدين، نتقدّم شيئا فشيئا، إذا دخل أحدنا على الشيخ، يخرج بعد انتهاء زيارته، تاركا الفرصة لغيره. وعندما حان دوري لأدخل على الشيخ، تذكّرت تخويف المـُغرضين لي من اتباع شيخي، فدعوت الله في سرّي قائلا: - "اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه!"، وقد أردت بهذا الدعاء أن أخرج من أثر كل اعتماد على نفسي إلى تمام التوكل على الله، فاطلع الشيخ على دعائي من خلف الجدار، وخاطبني قبل أن يرى بعينه الشريفة شخصي: - تقدّم يا سيدي، فليس هنا إلا الله!... كانت العبارة بالعامية المغربية (زد آسيدي، ما كاين غير الله)... نزل عليّ كلام الشيخ كأقوى ما يكون نزول الحق على قلب بشر، فأسرعت إلى الدخول على الشيخ والسلام عليه، وأنا لا أشك ذرة في أنه مظهر ربّاني كامل، أسلمت له أمري بالكلّيّة، وقد انزاح عنّي ثقل النفس انزياحا أوليا، هو بالنظر إلى حال الوصول معدود ضمن البشائر الإلهية التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده... كانت هذه الحقيقة، مما لم يسبقني إليه إلا أمثال سيدي ابن الطاهر رضي الله عنه، الذي كان من أقران شيخي، قد تتلمذ على يد سيدي أبي مدين بن المنوّر، وعلى يد سيدي العباس أبي دشيش، ثم على يد سيدي حمزة ابنه، رضي الله عن الجميع. أما أقراني، فإني قد تركتهم بعدما جاوزت معاشرتي لهم العَقد والنصف من السنين، على شركهم الذي يكون عليه أهل مرتبة الإسلام، إن لم يزيدوا عليه بالشرك الذي يتعلمه المتصوّفة بعضا من بعض، كما هو شأنهم على مرّ القرون... * ومن ذلك أيضا، أنني رأيت مرّة شيخي رضي الله عنه، وهو يقوم للرقص مع قصيدة كنت أسمعها لأول مرة، هي قصيدة "شتتوني في البوادي"... فكانت القصيدة معبّرة عن حالي، وكنت أتعرّف في وجه شيخي، الذي كان نورا ساطعا، ينزل من عينيه المغمضتيْن على جانبيه خطّان كأنهما خيطان من "الصّقِلّي" الفضّي المعروف في التطريز المغربي النفيس؛ فتيقّنت وأنا أنظر إليه أنه "معلم العشق". كان الاصطلاح وليد لحظته، بإلهام رباني لا أشك فيه. ورد هذا المعنى على باطني، كما ترد المسلّمات، ولم يغادرني منذئذ؛ فانتفعت بمعرفة حقيقة شيخي، أعظم انتفاع، جزاه الله خيرا عني وعن أمة الإسلام جمعاء... * ومن ذلك أيضا، أنني كنت أطالع في كتاب "الإبريز" للغوث الدّبّاغ رضي الله عنه، وكنت على الخصوص أبغي استقاء أصول المعاملة بين المريدين والشيوخ، ما دامت الفتوحات الخاصة المبثوثة فيه لا ترقى إليها كل العقول، ولا أتكلّف أنا التعلق بها من باب الحفظ الإلهي والتوفيق الرباني؛ فحدث أن ذهبت مع صاحبي (م. الز) إلى زيارة الشيخ، وكنّا نجلس معه في الفسحة التي كانت تطل على مدخل البيت، كما كانت عادة الشيخ في أيام الصيف؛ فكان رضي الله عنه يتعهدنا بالنصائح الضرورية، والتي كان دائما في الرأس منها: الذكر وما يتعلق به. فعرّج الشيخ في حديثه على ذكر الشيخ الدباغ، وذكر أن مقامه، ليس شرطا في التشيّخ للتزكية. وكان هذا التفصيل من عيون العلم التي سمعتها من شيخي حمزة، ولم يكن غيره قد فصل فيها. والمقصود من كلامه كان كما علمت أنا فيما بعد، هو التفريق بين الصنفيْن من أهل الولاية: أصحاب المراتب، والأفراد. ووجدت أن هذا التفريق كان ينبغي أن يُبرز في الدراسات الصوفية خاصة، بقصد التقليل من الخلط الذي طبع المجال، وتفاقم مع مرور القرون وتزايُدِ البعد عن الشيوخ الأئمة... وعندما انصرفت أنا وصاحبي من مجلس الشيخ، صرنا نمشي على جانب الطريق هناك، ففاجأني صاحبي (وقد كان يعلم بقراءتي في الكتاب المذكور) بقوله: - لم أسمع الشيخ يوما يتكلم عن سيدي الدباغ، إلا في هذا اليوم. ولا شك أن لقراءتك كلامه المنقول عنه، مدخلا في هذا. وقد كان صاحبي يسبقني بسنوات عديدة في الطريقة، لذلك أخذت كلامه على أنه من إكرام الشيخ لي، عند إبدائه عناية خاصة بالعبد الضعيف، خصوصا بتبيين شروط التشيّخ في مجال التصوف. ولقد كان هذا من باب صدقه رضي الله عنه، في إخبار مريديه عن نفسه؛ وهو خلق الصدّيقين على مر الزمان...
***
أما طريقة تربية الشيخ لي، فإنها كانت تعتمد إتيانه إليّ في المنام كل ليلة تقريبا؛ إلى الدرجة التي توثّقت صلتي به في يقظتي، حتى ولكأنه لا يفارقني لحظة. كنت أعلم أنني أعيش أطوار التربية، في أرفع مجاليها، لأن رفاقي في الظاهر لم يكن يظهر عليهم شيء من ذلك. وكنت في السنين الأولى لي في الطريق، والتي قطعت بها مدة ما بين بداية الثمانينيات إلى منتصفها، ملازما لأذكاري الفردية والجماعية، بحيث لم أكن أتغيب عن مجلس الذكر إلا لعذر قاهر، ونادرا. وكنت لا أسمح لنفسي بالكلام في شيء، بل كنت أتشرّب كل ما كنت أراه داخلا فيما ينبغي أن أتشربه. كما كنت أخدم جماعة الفقراء بما أستطيع، وبالإنشاد لهم، وبتجويد القرآن. وهذا، لأن الشيخ نفسه، كان قد أمرني بذلك في حضرته، بعد أن أخبروه أنني كنت موسيقيا في سابق عهدي. فمضت هذه السنوات الأولى، وكأنني في خلوة مع الشيخ، لا أعبأ بشيء مما يشغل الناسُ به أنفسهم من أمور الدين أو من أمور الدنيا؛ إلا ما كان من محافظتي على الحد الأدنى من صلتي بالجماعات الحركية، عندما كنا نلتقي بعد أداء الصلوات في المسجد. كنت أنا أنوي بذلك أن أحافظ على أواصر الأخوة العامة في الإسلام، ولكنّ المقدَّم (النقيب) كان يرى في ذلك تشويشا على العامة الذين كانوا يتبعونه على عمه؛ فوصل به الأمر إلى أن اشتكاني للشيخ. وعندما ذهبت مرة للزيارة، وقد أُدخلت على الشيخ في غرفة نومه، ولم يكن معنا أحد وقتها؛ فأمرني رضي الله عنه، بأن أقطع صلتي بكل من كنت أعرف من الحركيّين، وهددني مشيرا بيده كمن يمسك مقصا، بقطع الصلة القلبية بيني وبينه، إن أنا استمررت على حالي. فامتثلت لأمره وقطعت كل صلة لي بهم، وفرحت من باب حركة الشيخ ومفهوم الكلام، لثبوت الصلة القلبية بيني وبين شيخي فرحا شديدا؛ لا لأنني كنت أشك بها، ولكن لأن التأكيد قد جاء من المعصوم (العصمة هنا بالمعنى الذي تعطيه الحقائق لا بالمعنى الأيديولوجي الذي تكون عليه بعض الفرق الكلامية)... ومن شدة رِضى المقدّم عنّي، في سنواتي الأولى معه، جاءني مرة أحد الأساتذة المنتسبين إلى الطريقة (س. أبـ) وقال لي: - إن المقدّم يقول عنك: إنك صحابيّ!... فغضبت أنا لذلك غضبا شديدا، فور سماعي للكلام، وقلت للناقل: أنتم تشتمون الصحابة عندما تقارنونهم بي؛ فأنا لا أبلغ أن أقارن إلى إحدى دوابّهم رضي الله عنهم. وطلبت منهم ألا يعودوا إلى ذلك، إن كانوا يحرصون على مودّتي... كان هذا الموقف، بداية للتباعد الذي سيقع بيني وبين المقدّم ومن يتبعه؛ لأن القوم كانوا على مذهب العوام في التخلق بالمجاملة والتطلع إلى تزكية النفوس. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سيزداد بعد حادثة بعينها... كان مقدّم الطريقة وهو من أقارب الشيخ، يرى أنه يملك زمامها، وبالتالي زمام من ينتسب إليها؛ وكأن الشيخ كانت تتلخص مهمته في جمع الناس له، ليتصرّف فيهم هو بعد ذلك بما يراه. وليته كان على بعض علم بالأصول العقلية والشرعية، حتى نضمن معه بعض السلامة في الدين؛ ولكنه كان على جهل مطبق، وعلى عقائد بدعية، لا يحلّ السكوت عليها. وكان قد عوّد الجاهلين من أتباعه على أن يعتقدوا أنه هو المتصرف في ظواهرهم وفي بواطنهم، وكانوا هم لجهلهم يُظهرون ذلك له في الاجتماعات الأسبوعية، التي كان يحضرها غالبا ضيوف بقصد التعرف إلى الطريقة؛ ليسلموا من أذاه، لا لأنهم يصدّقونه في مزاعمه. وهذه الآفة من موافقة من يُخشى جانبه، هي مما يسود في المجتمع المغربي، مع أصحاب السلطة من رجال المخزن. وبدل أن تكون التربية في الطريقة مصححة للخلل الذي تعرفه التربية العامة في المجتمع، صارت الطريقة تقبل أن يتسرّب إليها من الأخلاق ما لا يكون من الدين بحال من الأحوال. بل إن هذا المقدّم، كان يتقمّص بعض ما كان يتوهّم أنه من أحوال الجذب، حتى في المدرسة التي يعمل بها مدرّسا إلى جانب آخرين ممن تقتسمهم المشارب المختلفة التي كان يعرفها مجتمعنا في تلك الحقبة. وقد شاء الله لي أن أنتقل أنا من المدرسة التي كنت أعمل بها، إلى المدرسة التي كان المقدّم من مدرسيها القدماء، لأرى عن كثب، ما كنت أخجل منه بيني وبين نفسي، غيرة منّي على طريقة شيخي. ومما وجدت العمل جاريا به، أن الزملاء الذين كانوا مختلفي المشارب كما أسلفت، كانوا يلجأون إلى حركات مع مقدَّمنا، لا يفعلها الناس عادة إلا مع سفهائهم: كانوا يعمدون إلى نغز جسمه بأصابعهم، وهو يقفز ويتلوى، محمرا ومصفرّا، ومصدرا لأصوات لا صلة لها ببني آدم؛ ويبقون على ذلك مدة من أوقات الاستراحة التي كانت تتخلل أوقات العمل، قبل أن يتوقّفوا. فهمت أنا من ذلك، أن القوم كانوا يجارون الرجل فيما كان يتوق إليه من زعمه الخصوصية لنفسه؛ لو أنه كان على علم بها، أو كانوا هم حريصين على صدقهم له. ولكنني بعد أن صرت أرى ذلك ولا أدخلُ فيه، وربما بدا عليّ النفور منه، صارت مظاهر العته هذه تقل، على الأقل بمحضري... أما في إحدى المرات، كان المقدّم الذي عوّدنا على شدة عنايته بشيخ السلطة، من باب التقرّب إلى "القائد"، قد دعاني إلى مرافقة جماعة الفقراء إلى المسجد الكبير قبل أن يُهدم ويُعاد بناؤه، من أجل قراءة ختمات من القرآن ترحما على محمد الخامس في ذكرى وفاته. فقلت في نفسي: إن الملك محمدا الخامس مسلم من المسلمين، لا شك أن الترحّم عليه سيكون عملا محمودا، لا يحسن بي التأخر عنه، فقبلت المشاركة. ولكنّ المقدّم كان على نية أخرى، ولم يُخبرني بها، وهي التقرب إلى السلطة بعرض خدمات الطريقة لها في مناسباتها التي تعتني بها عناية فائقة، ضمن توظيف بعض مظاهر التديّن الاجتماعي، التي ما كنت أنا لأحفل بها. بل زيادة على نية التقرب، أراد المقدَّم أن يجعلني أمام الأمر الواقع، لأنه لم يكن قد جرّبني بعدُ حقيقة؛ خصوصا وأنني في الأوقات التي أُترك فيها من غير استفزاز، كنت بالغ الهدوء والوداعة، وهو ربما ما كان يُغري بعض العوام عليّ... ذهبنا إلى المسجد، فعلمت أن السلطات المحلية كانت حاضرة، وأن أئمة المساجد قد حضروا من كل الإقليم أيضا، إلى جانب عوام الناس الذين يستنفرهم مقدّمو الأحياء، فكان الجامع غاصّة جوانبه بالمصلين على غير عادته. فقُدِّمت إلى الصف الأول خلف الإمام، على غير العادة عند معاملتي، وصلينا العصر... جلسنا بعد الصلاة في صفوفنا، فظننت أنهم سيشرعون في توزيع المصاحف من أجل القراءة، وإذا بأحدهم يناولني مصحفا ويطلب منّي أن أجود ما تيسر من القرآن؛ فاتضح لي أن الأمر مجاملة للسلطات بدين الله، وليس ترحما على عبد من عباد الله؛ وما كان لي أن أردّ المصحف وهو يُمدّ إليّ، ففتحت المصحف وبدأت أقرأ من بدايته قراءة كما يُقرأ أي كتاب، وأقل حتى من الترتيل في حدوده الدنيا. كنت أريد أن أجمع بين التلاوة لمن كان يبغي سماع القرآن، وبين رفض التغنّي به أمام رجال السلطة الذين قلما كانوا يُعظّمونه حق تعظيمه على الملأ... كان جمع الناس كبيرا، وكان الفعل صادما بقدر كبر الجمع!... وعلمت فيما بعد أن "القائد" قد وبّخ المقدّم على تسببه في ذلك الموقف الصعب، فكان هذا بداية معاناتي مع ذلك المقدّم. واتضح الفرق بيني وبينه في طريقة نظرنا إلى الشيخ وإلى التربية مع مرور الأيام، ومع إصرار كلٍّ منّا على سنخ معاملته: فأنا كنت متبعا في ذلك للأصول العلمية والشرعية، وهو كان يتقصد من ذلك التقرب إلى السلطة ونيل الحظوة عندها وعند عموم الناس. وهذا يعني أننا كنا على طرفي نقيض، وأنني قد أصبحت بمواقفي مهددا لوجوده في الطريقة، ومهددا لغاياته منها في المدينة... ولم يكن المقدّم وحده من سيتخذ منّي موقفا جليّا نتيجة فعلي في الجامع، وإن كنت أنا بسذاجتي المفرطة لم أتنبه إلى كل الأبعاد التي ستذهب فيها ردود الأفعال المختلفة. ولعل في مقدمة أصحاب ردود الأفعال، يأتي المخبرون الذين لن يتركوا واقعة مثل تلك، تمرّ من دون أن يدبّجوا لها التقارير المرفوعة إلى جميع مستويات السلطة. ولعلّهم يكونون قد صنفوني من أكبر المعارضين لنظام الحكم في البلاد، أو من الممهدين لثورة توشك أن تعصف بالاستقرار المعمول على تثبيته بكل الوسائل. أما الحقيقة التي كان الله يعلمها مني، فهي أنني قد صدر منّي ما صدر، من جهة إيماني، لا من جهة تقصّدي السياسي، أو تحرِّيَّ العقلاني. والعمل وفق الإيمان، لا يعلمه فقهاء الدين منّا أنفسهم، لكونهم لا خبرة لهم بأحوال مرتبة الإيمان، عند كونهم في الغالب من أهل مرتبة الإسلام. وهذا يعني، أن لا أحد من الناس، سيكون قد علم منطلقي في فعلي الذي فعلت، بل إن جلّهم سيذهب إلى ما ذهب إليه رجال السلطة والمخبرون. وأنا لا أشك أن صفة معارضة نظام الحكم، عند الحكام وعوام الناس، هي ما التصق بي في أغلب سنواتي اللاحقة، إلى أن تتصحّح هذه النظرة بمواقف مخالفة للمظنون، جاءت مع الأيام موافقة لمبادئي، من الوجه المكمّل للوجه الأول، من دون حرص مني على تغيير الأمر، وأنا مَن لا يجعل موافقة الناس (بمن فيهم رجال السلطة) مطلبا لي في مختلف أفعالي أو سكناتي...
***
كان مقدم الطريقة عندنا جاهلا بالدين جهلا كبيرا، وكان يحرص على استتباع كل جاهل من المدينة، ويتجنّب عن قصد كل من يراه على بعض الفطانة أو متعلما؛ بل لقد سمعته بأذني في إحدى "الليالي"، وهو يقول (وكان يقصدني أنا بلمزه): - إن طريقنا هذا ليس طريق علم!... فقلت أنا في نفسي: فهو إذاً طريق جهل!... نعم، هو كان يريد أن يتكلم كما يتكلم الصوفية، مفرّقا بين طريق العلم الكسبي والعلم الوهبي؛ ولكنه بما أنه لم يكن لا من هؤلاء ولا من أولئك، فإنه ما بقي أمامه إلا الانتساب إلى الجهل من أقصر الطرق؛ وهو أمر كان يخالف فيه الشيخ مخالفة تامة. وقد تيقّنت منه هذه المخالفة مرارا وتَكرارا، حتى لم يبق لديّ أدنى شكّ في أن الرجل، لا يُمكن أن يُعدّ بحال من الأحوال مريدا بالمعنى المجازي، بله المعنى الحقيقي... كان شيخنا رضي الله عنه، يحضّنا على التعريف بالطريقة في كل الأوساط بالمدينة: العمالية، والتعليمية، والتجارية، والحِرفيّة، وغير ذلك... وربما كان للمقدم نية في ذلك، تخالف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن النقيّ السريرة؛ ولكنني أنا كنت لا أعمل عملا حتى يوافق فيه ظاهري باطني، وطاعة لشيخي. فكنت أحضر مجالس خاصة للتعريف بالطريقة، أقوم فيها بتوضيح الأصول الشرعية التي تنبني عليها؛ وكان المقدّم مضطرّا لأن يعتمد عليّ في ذلك، إلى أن يأتي من يتوسّم فيه إغناءه عنّي. علمت هذا، لا من فطانتي وأنا الساذج، بل من معاملته لي بعد أن التحق بالطريقة من ظنّهم سيُغنونه؛ وليت الأمر تمّ على ذلك النحو، لأرتاح أنا من الأعباء التي كانت تُثقل عليّ من الناحية الصحية، ولتكسب الطريقة رجالا كنت أرجو مخلصا أن يكونوا أفضل منّي؛ ولكن هيهات!... أول من عملت على أن ينتسبوا إلى الطريقة، اثنان ممن كانوا معي في الفرقة الموسيقية قبل أن أنخرط في دراسة الموسيقى: كان أحدهما ابن قبيلتي (ب. م)، وكان الثاني موظّفا إداريا بإحدى الإعداديات (ق. م). وأول ما فعله المقدّم، هو أن أدخل الاثنيْن معا في مجموعة المنشدين؛ فكان هو يبغي التقليل من حضوري في ذلك، وكنت أنا أقصد التقوي بهما على الإنشاد؛ خصوصا وأن صحتي كانت ما تزال في تدهور مستمر، يسير بي نحو موت مترقَّب ومحقَّق... كان مقدم الطريقة يتصرف وكأنه رئيس دولة مهدد بالانقلاب عليه من قِبل المعارضة. لم يكن يعلم أن التربية الصوفية، لا مجال فيها لكل ذلك. وهو عندما أمرني أن أقرأ في مجالسنا العامة من كتاب "إيقاظ الهمم"، للشيخ ابن عجيبة رضي الله عنه، فإنه كان يبغي أن يضرب بي أخانا (م. ز) الذي كان يقرأ لنا سابقا، لا أن يُقدّمني؛ فكان أن اختلى بي وقال لي: - في المرة المقبلة، أنت من سيقرأ لنا في الكتاب. فقلت له: لقد اعتاد فلان أن يقرأ لنا، ولا يليق بي أن أحل محله من دون علمه؛ فلم يأبه لكلامي. فما وجدت أمامي إلا أن أخبر الرجل بما سيقع، حتى لا يفهم من ذلك أنني كنت أقصده أو أرغب فيه. فلم يتقبل صاحبي الأمر، وأراد أن يدخلني فيه انتصارا لنفسه ومن دون تحصيل فائدة تُذكر؛ فأبيت، مكتفيا بعدم طعنه من الخلف فحسب؛ وما كان هذا التصرف منّي ليُعجب المقدّم... وبعد مدة، دعا المقدّم "الموسيقيَ" السابق (ق. م) إلى أن يتولى هو مهمة الدروس في مجالَيِ الفقه والتصوّف، وإلى أن يؤمّنا في الصلاة، فامتثلنا؛ وما كان الرجل يصلح لأيٍّ من تلك الأمور. ولكنني أنا، بسبب معرفتي بالشخص، كنت أعلم أنه قد هَلك هلاكا مبرما، ما لبثت الأيام أن أسفرت عنه إسفارا... كان مقدّم الطريقة، لا يُعين أحدا على سلوك الطريق، كما يعرفه الصوفية عبر العصور؛ وعلى العكس من ذلك، كان يسعى إلى ضرب الناس بعضهم ببعض، ليفرّ جل من دخلوا الطريقة، ممن كانوا لا يقوون على مخالفة أنفسهم، وليعودوا إلى حالهم التي كانوا عليها ضمن عموم الناس؛ بل إلى أسوأ منها في الغالب. وما كان المقدّم يحمل همّ أحد من المنصرفين، ولا كان يُشفق عليه مما سيؤول إليه من مخالفات شرعية؛ بل كان يُسارع إلى إعادة ذلك إلى السوء الذي كانوا عليه، وإلى عدم تصديقهم الذي خرج إلى علانيتهم. ولم يكن يقصد في الحقيقة، إلا أنهم لم يُقرّوا له هو شخصيّا، بما يزعمه لنفسه من خصوصية، رغم إفصاحه عن الأمر من غير ما تورية. فهو من كان يُكثر من قول: - والله لن تنالوا من الطريق شيئا، إلا منّي شخصيّا!... فكنت أتساءل في نفسي: وأين موضع الشيخ من هذه المعادلة؟!... وما أكثر شطحاته التي لم يكن لها من مستند إلا أمراضه القلبية (النفسية)... وأما قريبي (ب. م)، فإنه كان يتطلع إلى تحصيل مكانة ما، على عادته، ومن مستوى إدراكه المنحطّ؛ ولكنه كالعادة لم يطل من مآربه النفسية شيئا، فعاد ناقما على المقدم وعلى الطريقة؛ فكنت أنا بسبب مرافقتي له بالظاهر، أعمل على ألّا يصل به الأمر إلى الطعن في الشيخ فيهلك... وبقيت معه مدة على هذا، إلى أن فصل الله بيني وبينه عندما جاء أوان تصدّري للمشيخة بعد سنين طويلة... أما عن سوء حال المـُقدَّم، وعن عدم صلاحه لتربية أحد من الناس، فقد علمت ذوقا وكشفا، أنه لم يكن معنيا به إلا أنا حصرا. وذلك لأن الله قد سلّطه عليّ بجميع صنوف الأذى، مع جملة من سلّطهم الله عليّ من أقارب ومن أباعد؛ حتى أذن الله بفناء نفسي تحت سطوة جلاله، ففزت بما لم أكن أطمع في رفع بصري إليه تعظيما، ونلت ما لم يظفر به رجال كانوا أقرب في الظاهر إليه منّي. فالحمد لله المنعم المفضل، حمدا يعمّ مفردات كل إنعامه وإفضاله سبحانه...
|
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.