اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/11/04 المهدي وشؤونه (2) الفصل الأول العالم قبل ظهور المهدي
إن المهدي له تعلقات مختلفة بالعالم كله، وهكذا يكون العالم في اختلاف تغيّراته يواصل التهيّؤ لاستقباله بوصفه مقوّم اعوجاجه ومعدّل اختلاله. ونعني من هذا الكلام، أن العالم في سابق العهود كان تحت تصرف الأغواث الذين يمتاز كل واحد منهم عن غيره بخصوصيات تظهر آثارها في العالم زمن كل غوث بحسبه؛ ولا يُستثنى من هذه القاعدة إلا زمن الخلافة العُظمى التي كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم زمن مكثه في الدنيا، مع أن هذه الخلافة التي هي أصل كل خلافة، لا يكاد يجد لها المرء ذكرا في فقه الفقهاء المنقوص المبتور؛ وكفى بالفقهاء جهلا، أن تغيب عنهم الخلافة النبوية العظمى وما يتصل بها من أسرار ربانية تغيب عن أهل السنة وعن الشيعة جميعا. وإن خلافة المهدي الخاتمة، هي أقرب الخلافات إلى الخلافة النبوية، بسبب شمولها وسعتها؛ بل ليست على التحقيق إلا الخلافة المحمدية في مظهرها الذي يتجدد به الدين تجدّدا سميناه نحن إعادة تأسيس الدين للشمول المخصوص... ولنتناول الآن أهم الخصائص التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته، حتى تكون على بيّنة فيما ستعيشه من مراحل عمرها قبل خروج المهدي عليه السلام:
ما يتعلق بالأمة المحمدية خاصة: 1. تغيّر نمط الحكم لدى المسلمين: وقد حدث ذلك على وجه التحديد بعد استشهاد الإمام عليّ عليه السلام، وافتراق الخلافة الظاهرة عن الباطنة عند تنازل الحسن عليه السلام عن خلافة الظاهر لمعاوية. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم ذلك الافتراق عندما قال: «أَلا إِنَّ رَحى الْإِسْلامِ دائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتابِ حَيْثُ دارَ. أَلا إِنَّ كِتابَ اللهِ وَالسُّلْطانَ سَيَخْتَلِفانِ، فَلا تُفارِقُوا الْكِتابَ. أَلا إِنَّهُ سَيَكونُ عَلَيْكُمْ أُمَراءُ يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ ما لا يَرْضَوْنَ لَكُمْ: إِنْ أَطَعْتُموهُمْ أَضَلّوكُمْ، وَإِنْ عَصَيْتُموهُمْ قَتَلوكُمْ. قالوا: وَما نَفْعَلُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: كَما فَعَلَ أَصْحابُ موسى (وفي رواية أصحاب عيسى)؛ حُمِلوا عَلى الْخَشَبِ، وَنُشِروا بِالْمَناشيرِ. فَوَ الَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَوْتٌ فِي طاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ حَياةٍ في مَعْصِيَةٍ.»[1]. وهذا الحديث كان ينبغي أن يجعل علماءَ الإسلام يُفرّقون بين الأحكام الشرعية في حال اجتماع القرآن مع السلطان وفي حال افتراقهما؛ وذلك لأن أزمنة الافتراق هي أطول في المدة من أزمنة الاجتماع، ولا بد عند الافتراق من انحراف الفقه الظاهر بسبب انفعال الفقهاء للسلاطين؛ ولكنهم بدل ذلك جرت أعمالهم على تكذيب الحديث المذكور من جهتَي العلم والعمل معا. ونحن ما نرى تضعيف بعض علماء الحديث لهذا الحديث إلا من باب طمس ما يخالف أهواء السلاطين، لأن لفظه يكاد ينطق بأنه نبويٌّ شريف؛ وعلى الخصوص ونحن نرى الواقع المعيش يصحّحه. وعلى كل حال، فما ذِكرنا لهذا الأمر إلا من باب التنبيه إلى المؤثرات التي أفضت إلى الانحرافات المتراكمة عبر العصور، وللمتخصصين في علم الحديث بحث مختلف طرقه إن وُجدت، ولهم الكلام عليها بما يناسب... ولقد خفي هذا المعنى الذي نتكلم فيه عن فرقتَي أهل السنة والشيعة جميعا، ونعني أن الفرقة منهما إن فقهت قليلا منه فإنها تحصر ذلك فيما يثبّت أيديولوجيتها عقيدة وعملا، وتُنكر ما عداه. أما الفِرق الأخرى فإننا نُضرب عن ذكرها لكونها تلحق بالفرقتيْن الكبريَيْن في تفاصيل مذاهبها، وعلى من يريد تتبع تلك التفاصيل أن يطلبها في مظانها، لأننا نحن في هذا الكتاب نتقصّد جمع أطراف الصورة العامة تمهيدا لما يتطلبه ما هو آت من وحدة الأمة الإسلامية... 2. انحصار الخلافة الجامعة في اثني عشر رجلا فقط: يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَزَالُ هَذا الدِّينُ قائِمًا حَتّى يَكونَ عَلَيْكُمُ اثْنا عَشَرَ خَليفَةً، كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ؛ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَكونُ الْهَرْجُ.»[2]. وهؤلاء الخلفاء مبثوثون في الأمة على مدة عمرها، أولهم الصّدّيق أبو بكر عليه السلام، وآخرهم المهدي عليه السلام (محمد بن الحسن العسكري)؛ ولقد فصلنا فيهم القول في غير هذا الكتاب، فليُطلب التفصيل في مظانه. وكون الخلافة الجامعة محصورة في اثني عشر رجلا يعني أن سائر الأزمنة التي يتولاها سواهم من السلاطين، لا تكون الخلافة إن كانت إلا نصفية من جهة المعنى؛ أي لا تتعلّق إلا بجانب الظاهر وحده من دون الباطن. وهو ما يعني أن الحكم بالشريعة لا يكون في ظل خلافة الظاهر إلا جزئيّا، وإن بدا للناس أن الفقهاء مهيمنون على مجال الفتوى، وبالخصوص ما يتعلق منها بالسياسة الشرعية (الحكم). وإن هذا المعنى مما تفرّق لدى أهل السنة والجماعة والشيعة أيضا: فأهل السنة لهم علم بالخلافة الراشدة لدى الستة المشهورين الذين منهم الأربعة الأُول عليهم السلام، والحسن عليه السلام، وعمر بن عبد العزيز عليه السلام. وأما فيما عدا هؤلاء الستة فإن أهل السنة جهلوا وأبعدوا، حتى عدّوا معاوية أحد الخلفاء وهيهات!... وأما الشيعة فإنهم خلطوا بين الإمامة والخلافة، واختلط عليهم الأمر عندما علموا أن أول الأئمة عليّ عليه السلام وآخرهم المهدي عليه السلام. ولقد زاد الالتباس عليهم عندما وجدوا جمهور أهل السنة يُثبتون الخلافة لعليّ والمهدي معا، فتوهّموا أن الخلفاء الثلاثة الذين تولّوا قبل عليّ عليهم السلام، قد اغتصبوها منه وظلموه كما ظلموا ذرّيّته من بعده. وهذا الحكم جهل عظيم بالخلافة والإمامة معا، خصوصا عندما صارت العامة من المتشيّعة يدخلون في ذلك بعقولهم القاصرة، ويجعلون العصبية معتمَدَهم بدل العلم. والحق هو ما نذكره نحن هنا مختصرا، تاركين علم المسألة لخواص علماء الفرقتيْن، مانعين من أن يخوض فيها العوام من الجهتيْن معا. ولقد آن الأوان بعد أن ذاقت الأمة ويلات التفرقة، أن يسكت العامة وأن يُفسحوا المجال للخواص حتى يتمكنوا من العودة بهم إلى الحق في هذه المسألة التي كانت سببا مباشرا من أسباب الفرقة... 3. فسوق عموم الأمة: وعندما نذكر عموم الأمة، فإننا نجعله في مقابل الخصوص؛ ولا نناصر فرقة على فرقة كما يفعل الجهلة. وقد جاء في أحوال عموم المسلمين قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموهُ. قالوا: آلْيَهودُ وَالنَّصارى؟ قالَ: فَمَنْ!»[3]. ولقد تناولنا هذا الحديث بالشرح عدة مرات وفي مكتوبات عديدة، يكفينا معها هنا أن نُشير إشارات إلى ما يلي: 1. إن ظهور النقص في الكامل هو من معاني الكمال، لا من النقص؛ وهذه الحقيقة هي ما حجب العامة عن معرفة الخليفة المخصوص، إن هم قارنوه بسواه من الخلفاء. وإن هذه الأمة في نفسها أيضا كاملة، كما أخبر الله تعالى عنها بقوله: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرًا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: 110]. وإنّ عجز الآية يؤكّد معاني صدرها المحصي لمظاهر كمالها. وأما الإيمان الذي ندب الله أهل الكتاب إليه، فهو الإيمان بما آمنت به الأمة المحمدية لا سواه؛ وأما المؤمنون منهم الذين ذكرهم الله بإزاء الفاسقين، فإنهم من آمنوا في زمنهم التشريعي المخصوص، لا مطلقا؛ وذلك لأن من بقي على ما كان عليه أسلافه منهم في الزمن التشريعي المحمدي الخاص، فإنه يكون معدودا من الكافرين الذين فسقوا (خرجوا) عن سبيل الإيمان الأول. ومن يخلط بين هذه المعاني مكتفيا بدلالة الألفاظ الظاهرة، فإنه سيضل عن معاني القرآن، وسيلحق بالضالّين من أهل الكتاب، وهو ما جعلنا نذكر في كثير من الأحيان كتابيّة المسلمين في زماننا[4]. وسيأتي تكميل لما ذكرنا في كلام لاحق عندما يحين حينه إن شاء الله... 2. إن كل ما ذكره الله تعالى في القرآن من أحوال فسوق أهل الكتاب، هو تعريض بهذه الأمة لا حصر للمعاني في الأمم السابقة كما قد يُفهم. ولقد غفل الفقهاء عن هذا المعنى، وظنّوا أن خيريتهم مستمرة في جميع الأحوال، وهو ما لا يصح؛ وذلك لأن الهداية هي موافقة التشريع، وكل ما خالفه من مسلم أو غيره فإنه يكون فسوقا بقدر ذلك. ولولا هذا الوزن بميزان العدل، لدخلت الأمة بهذا الفهم المعوجّ في قول من قال من الأمم الأخرى: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ} [المائدة: 18]. فليتنبّه القارئ إلى جلاء الحق، ولا يكن لنفسه من الغاشّين... 3. إن فسوق المسلمين قد صار باديا للعيان في زماننا، بما لا يدع مجالا للشك؛ ومن يتتبع التفاصيل من أحوالهم فإنه يجدهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، متّبعين لأحوال الأمم السابقة حذو القذة بالقذة. ولولا مخافة الإطالة لاستخرجنا من القرآن ما يدل على ذلك دلالة التعيين، ومن فهم عنا وكان ذا نور فإنه سيعثر على ذلك حتما بعد تنبيهنا... 4. إن فسوق عموم الأمة، لا يعني فسوقها كلها؛ بل يعني أن جماعة منها مبثوثة فيها، ما تزال على العهد الأول، وهي الطائفة الظاهرة على الحق التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهِرينَ عَلى الْحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ.»[5]. وقد غلط جل الفقهاء عندما حملوا معنى الظهور على معنى الغلبة العسكرية وحدها، وذلك لأن الظهور في أصله هو الظهور على الحق الذي هو معرفته ومعرفة أحكامه؛ وهو ما غفل عنه الفقهاء فصاروا بفهمهم القاصر في الأزمنة المتأخرة سببا مباشرا في فسوق عموم الأمة. ولقد بلغ العمه ببعض "الفقهاء" أنهم صاروا يُنكرون الباطن بإزاء الظاهر في القرآن فدخلوا بهذا القول في عداد الكافرين وهم لا يشعرون. ولو أنه كان لهم بصيص من نور لعلموا أن أصل الظاهر والباطن بالمعنى المراد، ناشئ عن قول الله تعالى في وصف ذاته المتقدِّسة: {هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. ومن لم يتبيّن ما نذكره هنا، ويُلحِق فرع الحكم بأصله، فليسارع إلى التوبة من كل أسباب بعده، حتى يعود إليه الفهم في كلام الله تعالى بمحض فضله. والسبب في إنكار بعض عوام الفقهاء لباطن القرآن، هو تصورهم للتزاحم بين الظاهر والباطن في المحل ذاته، وهو ما لا يصح القول به؛ ما دام الظاهر والباطن اعتباريْن متقابليْن بالنظر إلى البرزخ المعقول الجامع بينهما. وأما قول الباطنية الذي يُنكره العلماء، فهو حكمهم بنقض أحد الحكميْن للآخر؛ وهو ما لا يصح أيضا. وعلى الخائض في مثل هذه المسائل أن يعلم موضع قدمه، وإلا زلّ مع الزّالّين؛ وأما اعتماد الحماسة والانتصار لقائل دون آخر، فإنه من أوصاف العوام الذين يجمل بهم السكوت وإعمار أوقاتهم بالأعمال الصالحة، بدل الاشتغال بما يضرهم ولا ينفعهم... ولا بأس هنا من أن نذكر السببيْن المباشريْن في الفسوق المتزايد مع القرون: ا. الغفلة: وهي الناشئة عن انقطاع الناس بعد القرون الثلاثة الأولى عن المدد النبوي. وهذا قد قلب عندهم حقيقة الدين رأسا على عقب: فبعد أن كان الدين معاملة لله وترقيا فيه بالتزكية المشروعة، صار محل نظر وجدل مفضٍ إلى خصومة وخصومة مفضية إلى اقتتال... ب. إعمال العقل في الدين: ولسنا نعني هنا أن الدين خرافي كما يذهب إلى ذلك المتغرّبون من أبناء المسلمين، ولكن نريد أن نحصر عمل العقل فيما أُذن له فيه، وأن نمنعه بوصفه عقلا، عن الخوض فيما لا ذوق له فيه كذات الله وصفاته وأسمائه سبحانه. وإن أبرز فرقة حكّمت العقل في الدين كانت فرقة المعتزلة، بسبب دخول الفلسفة مع حركة الترجمة إليهم. وإن أهم مسائل المعتزلة التي دخلت عليهم فيها الشبهة من قصور عقولهم، هي ما عُرف لديهم ومنذ حكم المأمون إلى الواثق، بمسألة "خلق القرآن". وهي مسألة بدعية، ما كان سلف الأمة ليقعوا فيها، وهم من كانوا يتلقّون العلم والفهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإن الغفلة الطارئة التي ذكرناها آنفا، قد أضعفت إيمان المؤمنين، فانحجبوا عن المدد النبوي، ثم زاد الشيطان في بعدهم عند دلالته إياهم على التحصيل العقلي الناتج عن عملية التفكّر. وقد استفحل إعمال العقل منذ ما بعد القرون الثلاثة الأولى وإلى زماننا هذا، والذي صار فيه سفهاء الناس يحسبون أنهم على شيء من العقل، وصاروا يدخلون فيما يُحسنون وما لا يُحسنون، إلى أن صرنا نسمع عقائد مشركي الجاهلية تتجدد على ألسنتهم، والفقهاء مبهوتون بعد أن انفلت الزمام من أيديهم... ولا بد قبل أن يظن الظانون سوءا بمكانة العقل في ديننا، من أن نذكر أن الاستنباط الفقهي في مرتبة عوام الفقهاء، لا يخرج عن إعمال العقل في النصوص الشرعية. وإن هذه المكانة الأصلية التي للعقل في الفقه، هي ما دعا الفقهاء الذين اتبعوا خطوات الشيطان إلى توسيع دائرة التعقّل للدين بلا حجة ولا برهان. وإن أكبر آفة نشأت عن هذا التوسيع غير المأذون، هو إخضاع العقائد الإيمانية للنظر الفلسفي، وهو ما ذكرنا سابقا أن فرقة المعتزلة نشأت عنه، وسبقتها فيه القدريّة المنكرون لخلق الأفعال. لكن ما ينبغي أن نقرره في هذه العجالة، هو أن إعمال العقل الذي وقعت فيه المعتزلة، لم يبق مقصورا عليهم، بل دخل فيه غيرهم بسبب المناظرات المذهبية التي ظنّ أصحابها أنهم يُناصرون الحق، بخلاف مخالِفيهم. وهكذا ومن أجل محاججة المعتزلة من قبل أهل السنة، نشأت فرقة الأشاعرة؛ بخلاف الشيعة الذين ركبوا الاعتزال نفسه من أجل إثبات عقائدهم الفاسدة. ورغم أن العقلانية قد دخلت على أهل السنة وعلى الشيعة جميعا، إلا أنهم لم يبلغوا عقلانية المعتزلة الأصلية التي كانت أكثر مقاربة منهم للتجريد الفلسفي. ونحن نقول هذا هنا، لا لننتصر للمعتزلة وقد أثبتنا لهم القصور العقلي، ولكن لننفي عن الأشاعرة وعن الشيعة تمكنهم من صياغة العقائد الدينية في قالب فكري مقبول دائما. نقول هذا من جهة ما يعقله أهل المذاهب من جهتهم هم، لا من جهة ما نعقله نحن من مقولاتهم. وهذا لأنه قد سبقت لنا الإشادة بمقولات أشعرية (سنية) وأخرى شيعية، عندما كنا ندرّس العلم في المعهد الذي كان لنا على الإنترنت. وعلى كل حال، فإن هذه المسألة واسعة وكثيرة الذيول، ونحن إنما نريد أن نمهّد للكلام بإيرادها، عن المهدي هنا خاصة، ولسنا نقصد إلى تناول مختلف الخلافات المذهبية مع تبيين محل الموافقة منها للشريعة ومحل المخالفة... 4. تداعي سائر الأمم على أمتنا: يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ، كَما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلى قَصْعَتِها، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فَمِنْ قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ لا! وَلَكِنَّكُمْ غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ فِي قُلوبِكُمْ، وَيُنْزَعُ الرُّعْبُ مِنْ قُلوبِ عَدُوِّكُمْ؛ لِحُبِّكُمُ الدُّنْيا وَكَرَاهِيَتِكُمُ الْمَوْتَ!»[6]. ولنتوقف قليلا عند الألفاظ الشريفة للحديث، قبل أن نتبيّن تنزيله على الواقع في زماننا: - «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ»: وفعل "أوشك" كما هو معلوم من أفعال المقاربة؛ والمعنى أن تداعي الأمم عليكم ليس بعيدا بالنظر إلى عصر الصحابة من عمر الأمة. ونعني أن عمر الأمة ينبغي أن يُقسم إلى أقسام متباينة هي: 1. مرحلة التأسيس الأول النبوي: وهي تمتد من البعثة الشريفة إلى الوفاة الشريفة، والتي تنحصر في ثلاثة وعشرين عاما: ثلاثة عشر منها في مكة المشرّفة، وعشرة في المدينة المنوّرة. 2. مرحلة الخلافة الراشدة: ا. الخلافة المتصلة: وهي التي تمتد متواصلة من خلافة أبي بكر عليه السلام إلى خلافة الحسن بن عليّ عليه السلام، في ثلاثين سنة: من السنة الحادية عشرة للهجرة إلى الإحدى والأربعين. وهي التي ورد فيها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خِلافَةُ النُّبوَّةِ ثَلاثونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشاءُ.»[7]. والمعنى أن الخلافة المتصلة مدتها ثلاثون سنة، وأما سائر الخلافة المبثوثة في عمر الأمة كله فهي أقرب إلى القرن (مائة سنة)... ب. الخلافة المنفصلة: وهي المتعلّقة باثنيْن من خلفاء كل دولة من الدول الكبرى: الأموية، والعبّاسيّة، والعثمانية. وقد سُئلت مرة عن الخليفتيْن العثمانييْن في مقابل حصر حديث سابق للخلافة في قريش، فأجبت بأن الخلافة العثمانية تعود إلى القرشيّين الذين انتقلوا مبكرا إلى بلاد خراسان وبلاد ما وراء النهر؛ ونترك للنّسّابين تبيين ذلك على وجه التفصيل إن وُفقوا له. وعلى هذا، فإن عدد الخلفاء الذين مضوا في كل الحقب السابقة هو أحد عشر خليفة، وهو ما يجعل المنتظَر منهم واحدا لا أكثر... ج. خلافة المهدي: وهي خلافة إعادة التأسيس؛ وهي خلافة مستقلّة بذاتها، لكونها خلافة خاتمة وجامعة شاملة؛ ذكرناها هنا من أجل إلحاقها بالخلافة عامة، وإلا فإن محلها نهاية الكلام... 3. مرحلة الفسوق وتداعي الأمم على الأمة: وقد بدأت هذه المرحلة بصورة جلية في العقود الأخيرة من حكم الدولة العثمانية، والتي استمرت من 1853 إلى 1922، عند إلغاء الخلافة رسميا. ثم ازداد الأمر سوءا مع الاستعمار الفرنسي البريطاني، الذي قسم الأمة دويلات، وعمل على نهب خيراتها إبّان إقامته فيها، وفيما بعد خروجه ظاهرا منها. وهذه المرحلة هي الممهِّدة لظهور الإمام المهدي عليه السلام، لكونه سيأتي مقوما لها ومعدلا لاعوجاجها. وإن تفاصيل ذلك، هي ما سيظهر في فصول هذا الكتاب كله... ولفظ "من كل أفق" الوارد في الحديث، يدل على أن الأمم المتسلّطة على أمتنا، ستأتي من مشارق الأرض ومن مغاربها. ويكفي هنا أن نذكر هيمنة الاتحاد السوفياتي (الشرق) على شطر منها، وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية (الغرب) على الشطر الآخر؛ بالإضافة إلى ما فعلته فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال معهما، مما لا تزال آثاره باقية إلى الآن... - «كَما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلى قَصْعَتِها»: وهذا يفيد بأن الأطماع هي ما يُحرّك الأمم الأخرى إلى غزو هذه الأمة ونهب خيراتها. ومن يتأمل واقع الحال، فإنه سيجد الدول الاستعمارية ما بنت حضارتها ووسّعت على شعوبها، إلا بما انتهبته من الدول المستعمرة التي عاشت على واقع عكس واقعها... - «قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فَمِنْ قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ لا!»: وهذا ينفي كون استهانة الأمم بأمتنا ناتجا عن استقلالها لعدد المسلمين، بل العكس هو الصحيح، وهو ما نراه في زماننا عيانا. فالمسلمون عددهم كبير، ومعاملة غيرهم لهم تكاد لا تعتبر العدد؛ مع أن الأصل في المواجهات التاريخية هو اعتبار العدد إلى جانب الأصل الأكبر والأول الذي هو موافقة الحق... - «وَلَكِنَّكُمْ غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ فِي قُلوبِكُمْ، وَيُنْزَعُ الرُّعْبُ مِنْ قُلوبِ عَدُوِّكُمْ؛ لِحُبِّكُمُ الدُّنْيا وَكَرَاهِيَتِكُمُ الْمَوْتَ»: وهذا تفصيل لما سبق من كون المسلمين كثيري العدد، غير أن عددهم لا عبرة به كما لا عبرة بغثاء السيل؛ وهو ما يتقاذفه على جانبيه مما لا قيمة له ولا نفع، وهذا مما يتعلق بظاهر المسلمين وحده. أما ما يتعلّق ببواطنهم، فإن الله قد قذف في قلوبهم الوهن. والوهن هو شدة الضعف، الذي لا يتوافق مع حال المؤمنين الذين يكونون على قوة قلبية لا يقوم أمامها أحد من أعدائهم. وهذا بطريقة غير مباشرة، يُشير إلى أن النفاق هو ما عاد سائدا على هذه الجموع التي كانت في أصلها مؤمنة. وضعف الباطن هو ما يناسب النفاق؛ لأن تردد المنافق بين جهتيْن هو ما يُنتج له ضعف القلب؛ ونعني من هذا أنه يكون أكثر ضعفا من الكافر الذي خلص إلى جانب الكفر خاصة. وفي مقابل ضعف الباطن الذي سيصبح سمة لمن يعدّون أنفسهم مسلمين بالوراثة وبشيء من الثقافة، سينزع الله من أعدائهم الرعب الذي كان سابقا لهم عند مواجهتهم للمسلمين الأصلاء. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الحرب من الله في قوله الشريف: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّ لي الْمَغْنَمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهورًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ لِلْمُذْنِبينَ مِنْ أُمَّتي يَوْمَ الْقِيامَةِ.»[8]. ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرعب، هو نصرة لأمته، لو أنها أبقت على صلتها بنبيّها كما كانت؛ ولكنّ تغيّر الحال يستدعي تغيير المآل... وأما السبب المباشر لانقلاب أحوال المسلمين فهو محبتهم للدنيا وكراهيتهم للموت، بخلاف أسلافهم الذين كانوا يؤثرون الآخرة على الدنيا ويُقبلون على الموت في الجهاد إقبال الراغب لا إقبال المضطر. وهذا الانقلاب الذي أصاب المسلمين، يعني أنهم خالفوا القرآن مخالفة صريحة، وإن أبقوا على حفظه والعناية بألفاظه فيما بينهم، وكأنهم يبغون غش ربهم، وهم ما يغشّون إلا أنفسهم بذلك؛ فصدق عليهم قول الله تعالى في مَنْ سبقهم من الأمم الضالة: {يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} [البقرة: 9]. وما ذكر الله هذه الآية ومثيلاتها في القرآن إلا لأنه يعلم سبحانه أن من المسلمين من سنتطبق عليهم؛ وهذا أصل في تأويل القرآن كثيرا ما ندل عليه في كلامنا... ولنعد الآن إلى تداعي الأمم على الأمة، والذي بدأ بالتداعي العسكري، حيث تسلطت فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول الكافرة، واقتطعت لنفسها بلدانا لكل منها، عملت على استنزاف خيراتها من معادن وبترول ومنتجات زراعية وغيرها؛ بل إنها بعد ذلك أخذت من أبناء المسلمين أعدادا إلى بلدانها الأصلية واستعملتهم في الأعمال الدنيئة التي نزهت أبناءها عنها. وبعد أن منحت الدول الاستعمارية استقلالا صوريا للدول الإسلامية، استمرت في نهب تلك الخيرات بطريقة أخفى من الأولى، تتمثل في توجيه شطر من الأرباح المالية إلى أبناكها، في مقابل سكوتها على الشركات والعائلات المهينة، وفي تجاهل تام لمصالح الشعوب التي ما تزال أغلبيتها ترزح تحت نير الجهل الممنهج وتحت الاستلاب الثقافي القائم على التغييب المقصود للشريعة الإسلامية في صغريات الأمور وكبرياتها؛ وذلك عن طريق نشر المذاهب الشيطانية كالماسونية التي بدأ انتشارها في بلداننا مع بداية القرن الماضي في محافل علنية تركّزت في جل عواصمنا، وانتسبت إليها نخبنا بجميع تصانيفها، من دون أن يتوجّس من ذلك أحد... ثم جاءت بعد بريطانيا وفرنسا الولايات المتحدة الأمريكية التي هيمنت على بلداننا، وجاءت روسيا بعد الاتحاد السوفياتي، فصارتا تأخذان الأموال الطائلة بغير وجه حق، إلا ما يكون من تمنية العائلات الحاكمة (في الخليج مثلا) بالحماية عند تعرضها لفتنة داخلية أو لهجوم خارجي متوقّع من دولة مجاورة كإيران، إن ضاق عليها الخناق. وهذا يعني دخول الدول الأجنبية على الفتنة الداخلية التي بين الشيعة وأهل السنة منذ القرون الأولى، لكنّ تسعير هذا الخلاف المزمن سيظهر في آخر مدة من عمر الفتنة العامة. ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اقتتال الأمة الإسلامية الداخلي في قوله الشريف: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأَعْطاني اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَني واحِدَةً: سَأَلْتُ رَبّي أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ، فَأَعْطانيها، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَّا يُهْلِكَ أُمَّتي بِالْغَرَقِ، فَأَعْطانِيها، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَّا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيها.»[9]. ويُفهم من هذا الحديث عدم جواز القول بتكفير المخالفين من المسلمين: فلا أهل السنة يجوز لهم تكفير الشيعة، ولا الشيعة يجوز لهم تكفير أهل السنة؛ لأن الخلاف الدائر بين الفرقتيْن هو خلاف بينيّ بنص الحديث الشريف. لكن كل ما نبهنا إليه، لا يحول دون تكفير المقولات، إن استدعى الأمر ذلك، وإن توافرت الأهلية العلمية في الناقد؛ وهذا، لأن العوام يفرحون بأنصاف الأحكام، ظنا منهم أن ذلك أكثر خدمة لأهوائهم التي يرونها هم حقا، وأكثر إعانة لهم على غلبة خصومهم الذين يرونهم على الباطل؛ ناسين ومتناسين لاعتبار النسبيّة في الأحكام، والتي تتطلب عملا إضافيا يقوم على الإنصاف والعدل، حتى يضمنوا الظفر ببعض الحق في المسائل المنظورة... 5. استفحال الأمر بين الشيعة وأهل السنة: إن الانقسام الذي وقع للأمة عند افتراق السلطان عن القرآن إبّان تولّي معاوية للحكم، صار يزداد اتساعا مع مرور الأيام. وإنه بعد أن كان ناجما عن المواقف الشرعية المنحازة إلى الإمام عليّ عليه السلام، والمواقف المخالفة التي كان أصحابها يعرفون مرادهم من الدنيا ولذائذها؛ قد دخل عليه التنظير العقلي من الجانبيْن، لتنشأ عنه الأيديولوجيا الإسلامية المتنوعة؛ مع أن الأيديولوجيا لا تنشأ على مبادئ دينية معتبرة، وإنما عند بدوّ الانحراف من الدين، ودخول المعايير الباطلة عليه. وعندما يؤول الأمر إلى الأيديولوجيا، فإنه يصعب التمييز معها بين الحق والباطل عند ضعف نور البصيرة؛ ليصير الحال وكأن الشأن منوط بالتوالد ونشوء الأجيال عن الأجيال في موازاة شبه عضوية بين الأشخاص والأفكار. وكما كنا نحذّر من هذه الآفة دائما، فإن المخوف على الأمة هو فقدان المعالم الدينية الأولى والأصلية، وإحلال التفسير العقلي والبناء الفكري عند معاملة النصوص، محل النور النبوي المشروط من أجل الإبصار وتحصيل الفهم. ولقد كنا نودّ أن يُؤَصَّل لما نقول ضمن المنهجية العلمية المنوطة بكل العلوم الدينية، بدل اعتماد المناهج الكفرية كالهرمنوطيقا وإعمال المنطق العام مع تجاهل شبه تام لمنطق الدّين عينه!... ولكن، وبحسب ما نلاحظ، فإن المعاهد الدينية ما تزال منحرفة على مستوى المنهجية، وبالتالي فلا يُرجى منها صلاح يُذكر على المدى المنظور. ولو علم "العلماء" خطورة هذا الأمر وأثره على مستقبل الأمة جمعاء، لتعجّلوا ضبط الأصول والمنطلقات، ولتوقفوا عن إنتاجٍ لن يكون إلا جديرا بسلال المهملات في النهاية... ومع أن مشايعة الإمام عليّ عليه السلام كانت هي السنّة في وقتها، فإن الشيعة قد دخلت عليهم فيما بعد أباطيل ما أنزل الله بها من سلطان؛ حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اعتقاد الألوهية في الإمام إما صراحة وإما على تقيّة. ولقد سمعت مرة عن بيان كان قد صدر عن النجف ممهورا بتوقيع محمد باقر الصدر، فردت الدولة (على عهد صدّام) بقبولها صيغة البيان على أمواج الإذاعة، ورحبت فيه بمقترحات الشيعة، لكن مع حذف اسم "العلي" الذي ذُكر في عبارة "صدق الله العلي العظيم". ولكن الشيعة لم يُعجبهم حذف الاسم، وأنكروا على الحكومة حذفها وعبّروا شفويا عن ذلك الإنكار؛ وهذا يُظهر مدى الاختلاف على أبسط العبارات التي ما كان ينبغي التوقف عندها من أي طرف، لو كان الاجتماع على أصل الإسلام ثابتا وقويا. وقد دخل الشيعة عند رومهم التدليل لمذهبهم، في القول بأن العادة القرآنية قد جرت بذكر الأسماء الإلهية اثنيْن اثنيْن. وهو ما يجعلنا نفهم أنهم كانوا يقصدون من وراء الاسم "العلي" اسم الإمام علي بصفته اسما إلهيا مشتركا، رغم ما كانوا يلفقونه من تعليلات واهية كانوا في غنى عنها. وهذا تطفّل من فقهاء الدين على علم الأسماء الإلهية الذي لا يكون إلا لخواص هذه الأمة. فهذا وأمثاله لا يُعدّ علما معتبرا، ولا يُرجى من ورائه جمع الأمة عليه وهي المفترِقة على أقلّ منه. كل هذا، بالإضافة إلى التنصيص على ولاية عليّ عليه السلام في الأذان، من غير دليل معتبر شرعا؛ وكأن ولاية عليّ لا تثبت إلا بإعلانها في الأذان؟!... وهكذا صار جل المسلمين منقسمين بين باطل وباطل، على عكس ما يروّج له كل فريق الآن. وأما نحن، فإننا بكلامنا الجامع هذا، أعلم من الفريقيْن بولاية عليّ عليه السلام، وأعلم بفقه عليّ في مختلف المسائل وراثة نبوية. ونعني من هذا، أن الشيعة إن كانوا يتوهمون أنهم أشد تعظيما لعلي منّا، فإنهم يكونون على ضلال بيّن؛ ومن يرد منهم استجلاء حقيقة قولنا في ذلك كله، فليجربنا وليجهد أن يُجاوز مقامنا في هذا العلم الخاص، إن كان حائزا لشروط مراجعتنا في أقوالنا حقيقة، لا عصبية جاهلية كما نراهم يفعلون... وما كان هذا الانقسام ليخفى عن شياطين الإنس والجن، الذين صاروا ينفخون من هنا وهناك، حتى بلغ الأمر حدّا ظنّوا معه أنهم قد فرغوا به من الإسلام والمسلمين. وإن هذا الانقسام الحاد عندما بلغ أشدّه، صار المسلمون يعون إجمالا أنهم مخالفون للحق من الجانبيْن، وصاروا يتوقون إلى عودة صحيحة إلى الإسلام الحق الذي أسسه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتركهم عليه. يقول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضاءِ، لَيْلُها كَنَهارِها، وَلا يَزيغُ عَنْها بَعْدي إِلّا هالِكٌ. وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثيرًا، فَعَلَيْكُمْ ِبما عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرّاشِدينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّما الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حيَنَما قِيدَ انْقادَ.»[10]. ولنتوقف كعادتنا عند الألفاظ الشريفة لنستخرج منها ما ينفعنا بإذن الله تعالى: - «لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضاءِ، لَيْلُها كَنَهارِها»: هذا خطاب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى لا يظن ظانّ بأن الحال قد تغيّر بموته عليه السلام. وذلك لأن الناس لو حكموا بما تعطيه العادة، فإنهم سيجعلون مَن جاء بعد وفاة النبي مخالفا لمن كان معاصرا له بداهة. ولقد تسرّب هذا القياس المعوجّ لكثير من عموم المسلمين، وجعلوا فهمهم أساسا لانحرافهم. والحق هو أن حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلف بين الصحابة والتابعين (بالمعنى الواسع)، لأن المدد النبوي المربّي لها، إن لم يكن على حاله فهو في ازدياد؛ لكن بحفظ شروط الاستمداد التي لا نرى الناس يعتنون بها. وليل المحجة ونهارها هو باطنها وظاهرها، وهو ما يدل على أننا على مثل ما كان عليه الصحابة ظاهرا وباطنا؛ وهو ما يسدّ على المنحرفين الاعتذار بما ليس إلا من سوء أنفسهم وحدها. وهذا يدخل في معنى قول الله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفۡسِكَۚ} [النساء: 79]... - «وَلا يَزيغُ عَنْها بَعْدي إِلّا هالِكٌ»: والمعنى هو أنه لا يضل عن الصراط المستقيم من المسلمين الذين جاءوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا من كان في علم الله هالكا. وأما من لم يكن، فإن المدد النبوي سيصله كما وصل إلى الصحابة، من غير أدنى فرق. ولقد كان تحقق هذا الوصف في التابعين لمجرّد بقائهم على الحق الذي أدركوا الصحابة عليه؛ وذلك قبل أن يتنطع المتنطعون ويتفلسف المتفلسفون. فحينها أظهر الله خلفاء النبوة في التزكية الشرعية، فصاروا يأخذون بيد من قعد به الاستعداد عن سابق الاستمداد. فالحمد لله على هذه النعمة المستمرة والموصولة بفضله وبفضل رسوله إمام الهدى صلى الله عليه وآله وسلم... - «وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثيرًا»: والاختلاف الذي سيكثر بعد انتقال النبي صلى عليه وآله وسلم في القرون المتأخرة كلها، هو ما نتج عن البدع العقدية والعملية التي ظهرت تباعا، وصار لها أئمة يدعون إليها بلسان الموثوقية فضلوا وأضلوا. ولقد انعكس هذا الاختلاف المذكور على النُّظم السياسية المتعاقبة في الأمة، فخرجنا في أزمنة الفسوق من ظل الخلافة الراشدة، إلى رمضاء الملك العاض والجبري. وسيستمر هذا الاختلاف إلى زمن الظهور المهدوي الشريف كما سنرى... - «فَعَلَيْكُمْ بِما عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرّاشِدينَ الْمَهْدِيِّينَ»: ما عرفنا من السنة المحمدية، هو ما وصلنا عن طريق كتب السنن، والتي اجتهد علماؤها في تمحيصها وغربلتها، حتى لا يُخالطها ما ليس منها ومما هو مدسوس من الموضوعات فيها. ولقد بلغوا -جزاهم الله خيرا- في عموم ما تركوه لنا، الغاية التي قصدوها؛ باستثناء أحاديث قليلة جاوزت مناخلهم ولم يحوزوا النور الكافي من أجل تبيّنها. وهي كل ما نُقل إلينا مما ردّه أهل الكشف رضي الله عنهم، والذين تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمناء في أمته على سنته بأصنافها الثلاثة: العلم والعمل والحال. ونحن نذكّر هنا بسنّة الحال، لأن السفهاء من هذه الأمة قد اجترأوا على إنكارها، مع كونها العمدة في التديّن كله؛ ما دامت هي ثمرة العلم والعمل ذاتهما... وأما سنة الخلفاء، فهي ما سنّه لنا الخلفاء الأحد عشر الذين مضوا؛ مما يتعلق بالأحوال العامة والأحوال الخاصة. وينضاف إلى هؤلاء الخلفاء كل خليفة في التزكية أو في العلم، من الربّانيّين الذين مرّوا في القرون التي بين وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووقت الظهور؛ وعلى رأس هؤلاء أئمة الدين من أهل البيت خاصة عليهم السلام. ولقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفاءه بالمهديّين ليدل على أنهم من هدايته مستمدّون؛ وهم من هذه المثابة مكملون لتفاصيل السنة النبوية في مختلف القرون، ومبيّنون لها على الأصل النوري النبوي، لا على أصل الاستنباط الفكري الذي دخلت بسببه كثير من الظلمة على الناظرين. وهكذا يتبيّن أن المهدي المخصوص بهذه الصفة في آخر الزمان، ما هو إلا امتداد لهداية الخلفاء والأئمة السابقين له؛ ومن أنكره من مبتدعة هذا الزمان، فكأنهم منكرون للخلافة الراشدة كلها وللإمامة الدينية أجمعها؛ فيصيرون كمنكر الشمس في آخر النهار مع إثباته لها في أوله، وإن زعم ما زعم!... وبما أن المهدي هو آخر الخلفاء وآخر الأئمة من هذه الأمة خاصة، مع عموم هدايته لجميع بني آدم من بابَي الدعوة والإجابة كليهما، وهو ما لا يكون إلا له عليه السلام؛ فلهذا ولغيره، يكون عليه السلام هو المستحق لوصف الهداية على وجه الاختصاص الذي يأتي في المرتبة مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي التفصيل في كل هذا ضمن فصول الكتاب كلها، وبحسب المسائل المتناولة. وهكذا، ومن مقتضى مرتبة المهدي المخصوصة، فإنه ستكون له سنته المخصوصة التي سيظهر بها في آخر الزمان؛ وستكون هذه السنة من شدة التصاقها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، مذكّرة للناس بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنهم من شدة التجلّي يرونه رأي العين. وصدور السنة المهدوية من المشكاة النبوية، استدعاه ما كلّف الله به المهدي من العودة بالناس إلى المحجّة النبوية، بتعديل كل ما اعوجّ في العصور السابقة، وبإظهار كل ما طمرته الأهواء من معالم الطريق إلى الله مع الأزمان المختلفة. وعلى الناس أن يتهيّأوا لقبول سنته ضمن السنن، حتى لا يزيغوا في زمن الهداية الخاتمة، إن هم بقوا على الفهوم الجزئية لأصول الدين وفروعه. والتهيّؤ المطلوب، يكون من شروطه قبول هدم الجُدُر المذهبية المانعة لهم قبول الحق الذي لدى مخالفيهم من إخوانهم في الدين... - «عَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ»: هذا التنبيه النبوي يشير إلى صعوبة التمسك بالسنة في أزمنة الفتنة، ومع شيوع الشُّبَه؛ والنواجذ هي الأضراس التي في مؤخّرة الفم؛ وهو ما يدل على بذل المجهود وركوب المجاهدة، بسبب كون المعاصي ميسرة آنذاك، وكون الطاعات معسّرة، وكون المعاني الدينية تنتصب خلف الحجب المتنوعة، والتي كانت قد استحكمت في كل العصور السابقة للظهور. ومن ينظر إلى زماننا، حيث يعيش المسلمون على السنن الكفرية البيّنة، ويخضعون لقوانين لا تمتّ إلى الشريعة الغراء بأدنى صلة، مع كونهم يصلّون ويصومون ويحجّون، وهو لا يكاد يصدّق سمعه وبصره، فإنه سيُدرك بُعد ما نرمي إليه عن إدراك العامة؛ والموفَّق مَن وفقه الله لا غير!... - «وَعَلَيْكُمْ بِالطّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا»: وهذا من التنبيه إلى آفة الخروج على الحكّام التي وقع فيها المسلمون منذ القرن الأول، عندما حكّموا عقولهم وخالفوا خلفاءهم وعندما فسقوا الفسوق الأعظم، أو خالفوا أئمة دينهم عندما اعتمدوا العصبيات والقياسات العقلية على قصور. ونعني هنا أن الخوارج الذين انفصلوا عن الإمام عليّ، كانوا أول هذا الصنف المشؤوم، مع أن عليّا عليه السلام كان واضح الحجّة بيّن البرهان، لولا أن أولئك الخوارج كانوا قد عميت بصائرهم وعُصِف بأنوار إيمانهم. ومنذ ذلك الوقت لم يسلم المسلمون من وجود هذه العيّنة من الناس، بغض النظر عن كون الزمان المخصوص زمان خلافة أم زمان مـُلك؛ إلى أن وصل الأمر إلى الإخوان المسلمين الذين هم خوارج العصر بلا ريب، مع سلاطين العصر الذين هم أقل في المرتبة من كل الذين سبقوا في الزمان. ولقد جهل فقهاء الإسلام حقوق السلاطين الشرعية، لكونهم لم يعتنوا منذ القرون الأولى بالتأصيل لأحكام الحكم في الإسلام. وكان ذلك في البداية بسبب قهر الحكام منذ الدولة الأموية، وصار مع مرور الوقت كالأصل الذي لا تنبغي مخالفته، إلى أن وصلنا مع شدة الانحراف إلى نبذ الشريعة واتباع السنن الكفرية صراحة؛ فمن دولة شيوعية لا دينية، إلى دولة ليبرالية إمامها إبليس؛ من دون أن تقوى الشعوب على الإقرار بكفرها في نفسها بسبب شدة الظلمة التي هم عليها. والحكّام في زمن الهداية أو في زمن الضلال، دائما كانوا منصَّبين من قِبل الله لحِكَم يريدها سبحانه، ولأمور ما كان للناس إلا أن يبلغوها؛ وهذا هو المعنى الذي يُشير إليه قول الله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]. ومع أن هذه الآية هي من محكم القرآن، إلا أن الفقهاء لم يتبيّنوا مدلولها على مرّ القرون: فهم إما فقهاء سلاطين يجعلون حكم الله عين ما ينطق به السلطان، وإن كان في حقيقته جاهلية جهلاء؛ وإما فقهاء معارضون بالمعنى السياسي الحديث، من دون أن يتبيّنوا الحدود التي لا تنبغي لهم مجاوزتها، فيدخلون في معصية الله عند عدم اعتبارهم للسلاطين. وأما المعنى الشرعي الذي لا خلاف عليه، فهو عدم جواز منازعة السلطان في منصبه، مع عدم جواز السكوت على المخالفات الشرعية التي قد يأمر بها في المقابل، وإن كان في ذلك قطع الرقاب. وعندما نذكر قطع الرقاب، فإننا سنعلم حتما أن شطرا من الفقهاء يجبنون بإزاء ذلك بسبب إيثارهم للدنيا وكراهيتهم للموت، كما مرّ في الحديث آنفا... ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد حذّر أمته من كل أمر يضرها في دينها ودنياها، فإن المصائب التي كانت مقدّرة عليها، قد اتّبعت طرقها المؤدّية إليها، بمخالفتها للتوجيهات النبوية؛ فكان المسلمون في عمومهم ممن ضلّوا على علم كما أخبر الله تعالى عن قوم بقوله تعالى: {أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةً فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]. وإن قول الصحابيّ رضي الله عنه: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ -إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ- وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ."[11]، فيه من تفاصيل أحكام الحكم، ما يُعدّ غُنية لأهل كل زمان، لولا أن الفقهاء أهملوه واتبعوا الرأي فضلوا وأضلوا... - «فَإِنَّما الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حينَما قِيدَ انْقادَ»: وهنا يُشبّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عموم المؤمنين الذين يسمعون ويطيعون في غير معصية، بالجمل سهل الانقياد الذي ينقاد حينما يُقاد، لا حيثما يُقاد. وإن نحن نظرنا إلى العوام من أهل زماننا، فإننا سنجدهم على جرأة عظيمة على الحكّام، لا يعرفون لهم توقيرا ولا يُقرّون لهم بفضل؛ بل إنهم يرون سوء الخلق منهم تجاههم من صفات "الرجولة" و"الإباء" اللذيْن لا تُشمّ لهما رائحة منهم على التحقيق؛ ولكنها المعاني قد انعكست بانعكاس الحال. وبهذا الانعكاس العام في الأحوال، انعكست مآلات المسلمين، فطمع فيهم من كان بالأمس يخشى جانبهم، وتآمر عليهم من كانوا لا يجترئون على الاقتراب منهم... وهكذا، فإنه يمكننا القول بأن الأمة قد دخلت في الفتنة منذ استشهاد الفاروق عمر عليه السلام (قبل استشهاد عليّ عليه السلام الذي كان أوان افتراق السلطان عن القرآن)، الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه الباب الذي يُكسر قُبَيْل الفتنة. فقد روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال: «كُنّا جُلوسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَقالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ؟ قالَ (حذيفةُ) فَقُلْتُ أَنا! قالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ! قالَ: كَيْفَ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجارِهِ، تُكَفِّرُها الصَّلاةُ وَالصِّيامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْروفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَقالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذا أُريدُ، إِنَّما أُريدُ الَّتي تَموجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. فَقالَ (حذيفة): ما لَكَ وَلَها يا أَميرَ الْمْؤْمِنينَ! إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَها بابًا مُغْلَقًا! قالَ: فَيُكْسَرُ الْبابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قالَ: لا، بَلْ يُكْسَرُ. قالَ: ذاكَ أَجْدَرُ أَنْ لا يُغْلَقَ! قُلْنا لِحُذَيْفَةَ أَكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبابُ؟ قالَ: نَعَمْ؛ كَما يَعْلَمُ أَنَّ دونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَديثًا لَيْسَ بِالْأَغاليطِ. فَهِبْنا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبابُ، فَقُلْنا لِمَسْروقٍ سَلْهُ، فَسَأَلَهُ فَقالَ: عُمَرُ!»[12]. وإن من فوائد هذا الحديث: * كون الفتن منها ما هو فردي، ومنها ما هو متعلق بالأمة جمعاء، وعمر رضي الله عنه كان يسأل عن الفتنة العامة. * أن سيدنا حذيفة رضي الله عنه، كان قد اختصه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلوم لم يختص بها غيره، ومنها علم أعيان المنافقين من هذه الأمة وصفاتهم، وعلم الفتن الفردية والجماعية. * أن الفاروق رضي الله عنه كان يعلم من خلافته الكبرى، أنه هو الباب الذي يحول بين الأمة والفتنة العامة، ولكنه كان يُقرّ لحذيفة بما اختصه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أدبه مع النبي لا غير. * ذكر الفاروق بأن الباب أجدر بأن لا يُغلق بعد كسره، فتعود الأمة إلى حال رشادها؛ وهو ما يُعاكس منطق الأقدار بحسب ما وردت به الأخبار. وبعد ظهور أول الفتنة باستشهاد الفاروق عليه السلام، ستتتابع تفاصيلها وألوانها وتتوالد، من ذلك الوقت إلى وقتنا هذا، كما تتوالد أجيال المخلوقين في القرون المتتابعة؛ حتى عاد الناس من شدة الفتنة في زماننا كالطائش عقله، يتصرفون بخلاف ما يفعل المـُشفِق على نفسه والخائف من عذاب ربّه... وسنكتفي بهذا الوصف الإجمالي لحال الأمة قبل ظهور المهدي، مرجئين ذكر بعض تفاصيل ذلك، عندما يحين الحين، وعند الإفصاح عن شؤونه التفصيلية عليه السلام. ولنمر الآن إلى أحوال العالم قبل الظهور، في نفسه ومع الأمة المحمدية خاصة:
ما يتعلق بالعالم أجمع: 1. أحوال العالم مع الأمة: سنركّز الكلام في هذا الجزء على ما حدث في أواخر الخلافة العثمانية، وما بعدها إلى الآن. ونعني من أواخر الخلافة العثمانية، عمل بريطانيا فيها على نشر الحركات القومية، وعلى اختراق النظام العثماني بالرشاوى، وعلى تشجيع الجهات المعادية للسلطان. وهذا بعد وقوف الدول الأوروبية على الحياد في الصراع العثماني الروسي، الذي استولت فيه روسيا على شبه جزيرة القرم، وتشجيعها للقوميات المختلفة على الانفصال؛ وقد استمر الصراع بين الدولتيْن ما بين القرن السادس عشر والقرن العشرين. ولكن انضمام النمسا إلى الروس (1737-1739)، هو ما أدى إلى انفصال بلغاريا وألبانيا ورومانيا، وانضمت البوسنة والهرسك إلى النمسا، ودخلت تونس تحت الحماية الفرنسية، ومصر تحت الحماية البريطانية. وقد استثار دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا سنة 1914، بريطانيا التي كانت تخشى من قيام مسلمي مصر والهند ضدها والعودة إلى التصور الوحدوي الإسلامي مرة أخرى. فقام الإنجليز بمراسلة شريف مكة ليثور على الوجود التركي في الحجاز، واعدين إياه بتولّي الخلافة الإسلامية "الجديدة". وفي 30 أغسطس 1915 أرسل المندوب السامي البريطاني في مصر، "مكماهون"، إلى الشريف رسالة تحريضية جاء فيها: "إن جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة". وأخذ "مكماهون" يخاطب "الشريف" بألفاظ التعظيم، كما ورد ذلك في مراسلته له في 10 مارس 1916 قائلا: "إلى ساحة ذلك المقام الرفيع ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر، قبلة الإسلام والمسلمين، معدن الشرف وطيب المحتد، سلالة مهبط الوحي المحمدي الشريف ابن الشريف، صاحب الدولة السيد الشريف حسين بن علي، أمير مكة المعظم، زاده الله رفعة وعلاء". واستجاب الشريف للإغراءات البريطانية كما يستجيب في العادة أغرار العرب، فأعلن الثورة على العثمانيّين في 10 يونيو 1916. وهو ما دعا "مكماهون" إلى مراسلة وزارة خارجية بلده بقوله: "إن لدينا فرصة فريدة قد لا تسنح مرة أخرى، في أن نؤمّن بواسطة الشريف نفوذا مهما على الرأي العام الإسلامي والسياسة الإسلامية، وربما نوعا من السيطرة عليهما". ولقد أدّى خضوع "الشريف" لتوجيهات بريطانيا، إلى إحجام العرب عن الجهاد ضدها، وإلى توقف إمام اليمن عن مهاجمة المستعمرة البريطانية في عدن. وفي النهاية فقد تمكن جيش الشريف المدعوم بالسلاح من قِبل بريطانيا من بسط نفوذه على كل الحجاز، وتمكن جيشه الشمالي بقيادة نجله فيصل من دخول دمشق بالتنسيق مع الجيش البريطاني نفسه. لم يكن الشريف يعلم أنه بموالاته للكافرين على إخوانه المسلمين، كان يُخالف صريح التشريع الوارد به القرآن العظيم في قول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [المائدة: 51]... ولم تلبث الخلافة العثمانية أن سقطت رسميا يوم 3 مارس 1924، وذلك بعد أن التقى عليها مكر الخارج مع مكر الداخل الذي تولى وزره يهود الدونمة الذين نشأت حركتهم في إزمير على يد شبتاي تسفي، وهو من كان يزعم أول أمره أنه المشياخ الذي كان ينتظره اليهود. وأصل الدونمة هم اليهود الذين كانوا حول شبتاي الذي أُرغم على اعتناق الإسلام تحت حكم محمد الرابع، فاتبعوه في ذلك خوفا من القتل، فكانوا مسلمين في الظاهر يهودا في الباطن، على غرار ما فعله نظراؤهم الماران مع الكنيسة في إيبيريا. لم يستكن يهود الدونمة ولكنهم بدل ذلك، صاروا ينخرون الدولة من الداخل عن طريق إنشاء الجمعيات الكفرية كجماعة "تركيا الفتاة"، التي تأسست سنة 1889، وصارت تدعو إلى إنهاء الحكم الإسلامي والدخول تحت حكم علماني على غرار ما كانت تعرفه بعض الدول الأوروبية عند نبذها للنصرانية، مع أن الفارق بيّن بين النصرانية والإسلام؛ ولكنه الجهل القاتل!... وبعد سقوط الخلافة العثمانية، تولى الحكم كمال أتاتورك، من سنة 1923 إلى 1938. ولم يكن مصطفى كمال في تنشئته بعيدا عن يهود الدونمة الذين كانوا متجمّعين في سالونيك، ولهذا دعا إلى علمانية متطرفة ألبسها لبوس القومية. وسارع كمال إلى إلغاء اللغة العربية واستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي لقطع صلة الأتراك بالقرآن العظيم، ومَنَع الأذان باللغة العربية، وسهّل تحلل المجتمع من كل ما له أصل في الشريعة الإسلامية. وقد وصل تأثير علمانية أتاتورك إلى الأطراف من البلاد، مثل اليونان وبلغاريا وألبانيا وصربيا وصولا إلى رومانيا والمجر وسلوفينيا وأوكرانيا وقبرص. فاستيقظت في كل تلك البلدان الحركات القومية الوطنية، لتدخل ضمن العلمانية التي سيمتد أثرها إلى الشعوب العربية عينها، بعد أن قسمت بلدانها فرنسا وبريطانيا إلى دول قطرية معادية بطبيعتها لكل دولة إسلامية جامعة، بعكس الوعود الخُلّب التي وُعدها شريف مكة ومَن اتّبعه من المغفّلين. وكانت معاهدة سايكس بيكو التي قسمت البلاد العربية إلى دويلات متناحرة عام 1916، أحد فكّي الكمّاشة مع دولة تركيا العلمانية، بقصد تطويق الشعوب الإسلامية، والسير بها بجميع الطرق إلى علمانية كفرية ما تزال عاملة على هدم بقايا الشريعة الإسلامية في مجتمعاتنا إلى اليوم... 2. تورط اليهود في كل عمل عدائي ضد الأمة: إن اليهود منذ عصر النهضة الأوروبي، كانوا قد تسللوا إلى مفاصل الدول الأوروبية، والدولة البريطانية غربها، والدولة الروسية القيصرية شرقها. ولم يلبثوا أن أسقطوا الملكية الفرنسية مع الكنيسة في فرنسا سنة 1789، وثنّوا بإسقاط الدولة القيصرية الروسية سنة 1917، ليُحكموا قبضتهم على شرق أوروبا وغربها، وليحكموا من روسيا إلى فرنسا بحكم يُعادي الوطنية القومية ذاتها في حقيقته، كما يُعادي الدين (الكنيسة والمسجد). وأما بريطانيا فرغم إبقائهم فيها على الحكم الملكي، فإنهم كانوا يطمئنّون إلى الكنيسة الأنجليكانية التي كانت شبه مستقلة عن أصلها البروتستانيّ في ألمانيا وغيرها، خصوصا بعد تغلغل الحركة الماسونية فيها. وعلى كل حال، فقد أظهرت الأيام مدى هيمنة اليهود على بريطانيا عند صدور "وعد" بلفور سنة 1917، ليزرعوا دولة يهودية صهيونية في قلب الشعوب العربية، مع ما يمثله ذلك من تنافر صارخ... إن المراقب لخريطة العالم في القرنيْن التاسع عشر والعشرين، لن يغيب عن ملاحظته تكامل الأحداث بين الشرق والغرب؛ كما لن تغيب عنه الأصول الماسونية التنويرية في كل الدساتير الناشئة ضمن الدول "الجديدة" المتجهة إلى علمانية متطرفة، لم يُعلَن عنها بصفتها هذه إلا في دولة الاتحاد السوفياتي وجمهورية فرنسا؛ مع أن تلك العقائد المستحدثة كانت عاملة في كل الدول خفية، من شرق العالم إلى غربه. وأما الدول العربية، فإنه لم يُسمح لها إلا بتقليد الشرق أو الغرب، في صور قاصرة وشائهة، مع تطور الأنظمة الحاكمة في معاداة الإسلام وإقصائه من حياة المجتمعات بالتدريج، وحتى ينخرط المسلمون في العلمانية أفرادا وجماعات من دون أن يشعروا... وقد يرمينا من يقرأ ما نكتبه هنا، بما صار يُسمّى زورا معاداة السامية، وهو ما لا يصدق علينا لأمور: الأول منها: هو أن السامية ليست مخصوصة باليهود وحدهم... والثاني: هو أن كثيرا من الإسرائيليّين بالمعنى السياسي ليسوا من العرق اليهودي، من أمثال يهود شرق أوروبا ويهود الفلاشا... والثالث: هو أن إسرائيل دولة علمانية في حقيقتها، وليست دولة يهودية وإن كانت تعيش بها طوائف مختلفة من اليهود. وهذا، لأن اليهودية من حيث يقصد بها الدين قد اندثرت منذ قرون طويلة، ولم يبق منها إلا بعض المظاهر الفلكلورية فحسب. وأما إصرار دولة إسرائيل على إعلان نفسها دولة يهودية، فهو بقصد إيجاد قوة "روحية" تستند إليها في مقابل قوة الإسلام الذي ما يزال غضا طريا، لو أن المسلمين كانوا يعقلون... لا شك أن اليهود قد انتهجوا سبيل الإفساد منذ عهود غابرة مضت، وإنما نحن اقتصرنا على ذكر بعض مظاهر إفسادهم القريبة في التاريخ إلينا، ليسهل علينا الربط بين مراحل انحطاط أمتنا وظهور المهدي الذي هو بالنظر إليها كالنتيجة بعد المقدمات... 3. أصل معاداة اليهود للمسلمين: إن الله قد أخبرنا عن اليهود منذ أن كانوا، بأنهم معادون للأنبياء عليهم السلام، فقال سبحانه عنهم: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقًا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقًا تَقۡتُلُونَ} [البقرة: 87]، وقال أيضا: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقٍّ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمًا . وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ} [النساء: 155-157]. وإن معاداة اليهود للأنبياء عليهم السلام، هي من استحكام الكفر في قلوبهم، ومن قلة معرفتهم بالله، ومن إطاعتهم لأحبارهم فيما لم يُكلَّفوه؛ وهو ما جعلهم ينزلون من مرتبة الدين الموسوي الذي دُعوا إليه، إلى اليهودية التي تستند عندهم إلى العرق لا إلى الشريعة، ثم بعد ذلك إلى شُبهة يهودية كما هي الآن. وهذا، قد جعل دينهم ينقلب إلى أيديولوجيا سياسية منذ قرونهم الأولى، والتي انتهت بهدم هيكلهم للمرة الثانية في سنة 70م. ولقد استفحلت لديهم الأيديولوجيا قرنا بعد قرن، إلى أن بلغت أوجها مع البعثة المحمدية الشريفة... وأما اللعن الذي لحق باليهود، فإنه جاء نتيجة لكثرة مخالفاتهم، ولإيذائهم أنبياءهم؛ يقول الله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} [المائدة: 78]، والمعنى هو أن الله هو من لعن بني إسرائيل على ألسنة أنبيائهم، من كونه سبحانه المتكلم بألسنتهم. ومعنى اللعن هو الطرد من دائرة الدين، فلا ينفعهم بعد ذلك عبادة ولا قربان. ومن هنا نعلم أن كل ما تزعمه اليهود والنصارى الذين ضلوا من بعدهم، من عبادة يُتعِبون فيها أنفسهم، لن يزدادوا به إلا شقاوة وبعدا؛ وذلك لأن غيرهم ممن لم يعبد ولا تعب ونصب، من سواهم من الأشقياء، هم أفضل منهم، ما داموا يبدون وكأنهم كانوا للشقاء قاصدين بعكس الأولين... وإن نحن نظرنا إلى أعظم أسباب لعن بني إسرائيل، فإننا نجده اتباعهم لأحبارهم الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، كما هو واضح من كتاب التلمود لديهم. يقول الله تعالى عنهم: {ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [التوبة: 31]، والمعنى كما بيّنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أَما إِنَّهُمْ لَمْ يَكونوا يَعْبُدونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كانوا إِذا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حَرَّموا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّموهُ، [فتلك عبادتُهم]»[13]. وقد وقعت في عبادة الأحبار والرهبان النصارى للعلة ذاتها، ثم وقع شطر من المسلمين أيضا في ذلك، عندما صاروا يتبعون فلانا وفلانا من "فقهائهم" مع بدوّ مخالفتهم لصريح القرآن ولصحيح السنة. وهذا يُعلن للناس أننا بإبداء مساوئ اليهود، لا نفعل ذلك تحاملا ولا عصبية ولا انتصارا للمسلمين؛ وإنما نميط الحجاب عن معاني الوحي، بغض النظر عمن يكون المخالف... وبما أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان عند الله خاتم النبيّين، أي جامعا لكل ما تفرّق فيهم، وزائدا عليهم بما اختُصّ به هو دونهم، فقد جمع اليهود فيه كل عداوتهم للأنبياء السابقين. فصاروا منذ البعثة يكيدون للأمة الإسلامية، فلم يبلغوا منها غرضهم في زمن الصحابة المرضيّين، ولا في زمن الخلافة الراشدة الأولى المتصلة؛ ولكنهم صاروا يتغلغلون في الأمة شيئا فشيئا عن طريق الفرق الكلامية التي نفخوا فيها وأمدّوها بشبهاتهم الموروثة عن أسلافهم. وهذه العداوة المتأصلة فيهم لهذه الأمة، هي ما أخبر الله تعالى عنه في قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ} [المائدة: 82]. أما لماذا أسبق الله اليهود على المشركين، فهو للدلالة على حسد الأقربين المـُشاركين ومجاوزته لعداوة الأبعدين المنفصلين. واليهود منذ علموا أن الله كان قد اختارهم وفضلهم على العالمين، فإنهم أبوا أن يتواضعوا بعد لعنهم، وكأنهم يُعاندون الله في حكمه، وهم يعلمون أنه سبحانه يحكم على عباده بما يشاء، من دون أن يحسب حسابا لمعاند أو مخالف من عباده. ومن هنا يظهر أن عداوة اليهود التي ظهرت آثارها مع النبيّين، هي عداوة لله نفسه سبحانه، ومظهر من مظاهر تكبّرهم على ربهم. وكل هذا صدر منهم بسبب ضعف عقولهم وقلة معرفتهم بربهم كما أسلفنا؛ حتى صاروا يعاملونه كما يُعامَل النِّدّ، وهيهات!... وبما أن الله قد كتب على هذه الأمة معاداة بعضها لبعض وبلوغ تلك المعاداة حدّ الاقتتال الداخلي، فإنه سبحانه سخّر لتأجيج الخلافات اليهود الذين برعوا في الدسائس والمكائد، إلى حين بلوغ ذلك كله أمده وغايته من الأقدار... ومن تتبع تكالب الأمم على أمتنا من شرق العالم ومن غربه، فإنه سيجد الأمر ينتهي إلى اليهود في تلك البلدان، من دون أن يظهروا في المشهد على عادتهم؛ بل إنهم يُقدّمون في ذلك الأعيان من شعوب تلك البلدان، ليصرفوا الأنظار عنهم... وعندما أسّس اليهود دولتهم "إسرائيل"، فإنهم قد بلغوا بذلك ما لم يبلغوه في سالف الأزمان، بحيث صارت عداوتهم للمسلمين التي ظلت مختفية، ظاهرةً للعيان ومعربة عن سياسة مكشوفة لدولتهم المخترعة. وهذا كله قد عاد بالسوء على جميع البلدان العربية والإسلامية، خصوصا عند بدوّ العداوة بين الحكام المختلفين، والذين لا خبر لهم عن السياسة العالمية التي أحكمت قبضتها على بلدانهم من الداخل والخارج. فصارت العداوات العربية البينيّة خاصة، تصب من دون أدنى شك في مصلحة اليهود، الذين تقوَّوا إلى أن صاروا يوجّهون السياسة العالمية بمجملها، خصوصا عندما انقادت لهم الولايات المتحدة الأمريكية انقياد التابع للمتبوع... ونحن بكلامنا عن مكائد اليهود وإفسادهم، لا نركب الكراهية الرخيصة التي تتأسس على العنصرية كما يفعل عموم الإسلاميّين، ولا نعمّم أوصافهم على جميع أفرادهم، لأننا نعلم أن منهم أناسا منصفين لا يستحقون منا إلا الاحترام. وقد نبه الله تعالى إلى هذا الأصل في معاملتهم في قوله: {وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمًاۗ} [آل عمران: 75]، والمعنى هو أن من أهل الكتاب منصفين لا يظلمونكم ولا يغمطونكم حقوقكم؛ ولكنهم أقلية بالنظر إلى شرارهم، كما يدل على ذلك واقع الحال... وإن تفضيل الله لبني إسرائيل في حقب تاريخية مضت، كما أخبر سبحانه عن ذلك في قوله: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الجاثية: 16]، لم يكن عامّا في الزمان كما يتوهّمون، وإنما نُسخ بتفضيل الأمة المحمدية التي آل إليها كل شرف كان قبلها؛ وهو ما يذكره الله صراحة في قوله تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ} [آل عمران: 110]. و"كنتم" التي تصدرت بها الآية هي للاستغراق؛ والمعنى هو أنكم كنتم في علم الله خير أمة، وذلك قبل أن تظهروا في عالم الأعيان، وإبّان تفضيل بني إسرائيل الذي كان وقتيّا ومحصورا في أزمنة بعينها لا في الزمان كله... وأما قول الله تعالى: {وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرًا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: 113]، فإنه يُشير إلى اشتراط إيمان أهل الكتاب بمثل ما آمنت به الأمة المحمدية، لا الإيمان الذي كانوا عليه سابقا، أو الفسوق الذي يعدّونه هم إيمانا. وقول الله تعالى عنهم {مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ}، فإنه محصور فيمن آمنوا برسلهم المخصوصين في أزمنتهم التشريعية المخصوصة، لا فيمن بقي على ما كان عليه في الزمن التشريعي المحمدي؛ لأن هؤلاء هم الفاسقون منهم. وأما قول الله تعالى قبل ذلك: {لَيۡسُواْ سَوَآءً} [آل عمران: 113]، فهو من أجل التفريق بين المؤمنين من أهل الكتاب والكافرين، بالشروط التي ذكرها الله تعالى. وأما قول الله تعالى بعد ذلك: {مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ . يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ . وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٍ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: 114-115]، فهو منوط بطائفة من الأمة المحمدية نزلت إلى مستوى أهل الكتاب؛ وهم من ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم اتبعوا أهل الكتاب في كل شيء، وكان من صفاتهم ما ذكرناه عنهم في سابق كلامنا من انقطاعهم عن المدد النبوي الذي كان عليه الصحابة والتابعون. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الصنف: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموهُ. قالوا: آلْيَهودُ وَالنَّصارى؟ قالَ: فمَن!»[14]. والمعنى هو أن من الأمة المحمدية من سينزل عن صفة الخيرية التي ذكرها الله تعالى لهذه الأمة على سائر الأمم في آية سابقة، إلى مرتبة أهل الكتاب في زمان إيمانهم؛ أي في أزمنتهم التشريعية المخصوصة. وفي هذا الاعتبار من الأسرار ما لا يتسع له هذا الكتاب... 4. الحكمة العامة من بعث المهديّ بعد فساد الأمم: إن بعث المهدي في آخر الزمان هو أمر محتوم، وليس محتملا للإمكان، أي هو مما لا يقبل التبديل في علم الله؛ وذلك لينعدل به ميزان التشريع بعد أن يكون الناس قد ألفوا اتباع الأهواء في عمومهم. وهذا يعني أن الفسق يكون قد اكتملت تنويعاته، وهو مسمّى الظلم والجور المشار إليهما في الحديث النبوي المشهور؛ لأنه لا ظلم أكبر من مخالفة التشريع الإلهي الذي هو العدل، ولا جور أعظم من اتباع الهوى في خواص الأمور وعوامها. وأما الحديث الذي أومأنا إليه، فإننا سنعود إليه بتفصيل القول فيما سيلحق من الفصول... وقد سمعنا من بعض سفهاء الأمة الذين يتوهمون أنهم على عقلانية معتبرة، إنكارهم لوجود المهدي من الأصل، ويقولون بأن ذلك دخل على الأمة مما هو معروف لدى أمم أخرى بصفة "المخلّص"؛ والحق هو أن المهدي ليس مخصوصا بهذه الأمة وحدها وإن كان منها، بل هو معنيّ بجميع الأمم، والأمم كلها معنية به؛ ليعود بها إلى الحق الذي ضلّت بتصوّراتها المنحرفة وشُبهها عنه، ويبيّن لها بالنور الرباني الصراط المستقيم الذي يُبلّغها النجاة في الدنيا والآخرة. وإن تفصيل ذلك سيأتي تباعا مع فصول هذا الكتاب، وأما في هذا الاستهلال فيكفينا ما أشرنا إليه بهذا التعميم، ولله الحمد أولا وآخِرا... [1] . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: في سنده يزيد بن مرثد وهو لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وهو عندنا صحيح من وجهيْن: من جهة الكشف، ومن جهة صيرورته واقعا معيشا (وهو ما يُعرف بالتأويل)... [2]. أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود عن جابر بن سمرة رضي الله عنه. [3] . متفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [4] . إن المصطلحات الواردة في هذه الفقرة قد سبق لنا شرحها في كتبنا الأخرى فلتُطلب منها... [5] . أخرجه مسلم، عن ثوبان الباهلي رضي الله عنه. [6] . أخرجه أبو داود، وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)، والبيهقي في (دلائل النبوة)، عن ثوبان الباهلي رضي الله عنه. [7] . أخرجه أبو داود والطبراني والحاكم، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. [8] . أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزّار وابن عساكر، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام. [9] . أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبّان، عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه. [10] . أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، عن العرباض بن سارية رضي الله عنهما. [11] . متفق عليه، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. [12] . متفق عليه، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. [13] . أخرجه الترمذي والطبراني والبيهقي، عن عديّ بن حاتم الطائي رضي الله عنه. [14] . متفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.