اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2021/02/06 الحوار الغائب (ج3) -18- المرحلة المدنية (4) (تابع...) 8. غزوة بدر الكبرى: ا. سبب الغزوة: [سبق في ذكر غزوة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها؛ فوصلا إلى الحوراء، ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر. وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألفُ بعير موقّرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي؛ ولم يكن معها من الحرب إلا نحو أربعين رجلا. إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم على مر العصور؛ لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: «هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا.»[1]. ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة -بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه، لن يعدُوَ ما ألفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.][2]. وينبغي أن نبيّن هنا أن القصد من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن إلا الإصابة من مال قريش فحسب؛ ولكن الله شاء أن تكون هذه الغزوة كبرى الغزوات في الإسلام، وشاء أن تكون بين جيش المسلمين وجيش المشركين. يقول الله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 5 - 8]. والمعنى هو: كما أخرجك ربك -ومن معك- من المدينة طلبا لاعتراض قافلة قريش، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون؛ فكذلك سيجعلكم تقاتلون المشركين، على غير قصد سابق منكم، والمؤمنون كارهون للقتال أشد من كرههم للخروج المجرد. ولقد كانت هذه أول تجربة للمؤمنين في القتال: فكأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون. ومن جرب المواجهة القتالية، فإنه سيعلم أن المرة الأولى لها طعم خاص ووقع خاص؛ لأنه فيها يتم تخطي النفوس لحاجز الخوف الطبيعي. وكل قتال يأتي بعد القتال الأول، فلا بد أن يكون دونه من جهة وقعه على النفوس. وهذا الوصف من الله لحال عباده المسلمين، ليس تحقيرا لهم، وإنما هو امتنان منه سبحانه عليهم بتعديتهم الحاجز الفاصل بين الإحجام والإقدام، ليشكروه سبحانه على فضله؛ كما يمتن الله عليهم سبحانه أيضا بترقيته لقصدهم، من سلب التجارة إلى مقاتلة أعداء الله. وقد سمى الله القتال في سبيله "الحق"، في قوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ}؛ وذلك لأن بعض المؤمنين صاروا يقولون: إنما خرجنا لاعتراض التجارة ولم نخرج للقتال. وتسمية الله القتال حقا، هي لرفع الالتباس الذي يحدث للناس عندما يكون الأمر الشرعي معاكسا لطبائع النفوس؛ وحتى لا يقول أحد يكفينا أن نؤمن بالله الإيمان القلبي، ويكفينا أن نصلي ونصوم ونزكي ونحج. فهذا الدين الذي لا قتال فيه، فيه خير كبير من خيْرَي الدنيا والآخرة؛ فلمَ يُكلَّف الناس القتال، وهو ضرر لا شبهة فيه؟!... هذا بمنطق النفوس، يحدث لجميع المؤمنين؛ إلا إن جعلهم الله بفضله يقفزون على طبعهم وهواهم، ويأتمرون بأوامر الشرع، عند إدراكهم للخير الذي يكون في تلف النفوس والأموال عن أمر إلهي. ولو علم الناس سر القتال، لطلبوه كلهم من دون أدنى تردد! ولكن الله، لم يُطلع على هذا السر جميع المؤمنين، إبقاء على تفاوت المراتب بينهم. وإن هذا العمل القتالي، يستطيعه المؤمنون وحدهم من دون المنافقين؛ وسنرى في مواضع أخرى -في حينه- كيف سيُبيّن الله ذلك، ويُبيّن أسبابه. ومَن تأمل كيفية خروج المسلمين إلى غزوة بدر، فإنه سيجد لطف الله حافا بعباده من أول قدم. وذلك لأن الله كاد (من الكيد) للمسلمين، بأن أخفى عنهم القتال بادئ الأمر، وإلا فإن جلّهم ما كان ليخرج. ولكنهم عندما وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع، فإنه لم يبق بينهم وبين ما يأمرهم الله به، إلا حاجز نفسي بسيط؛ سيتجاوزونه بأقل معالجة من المربي الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا لا بد من أن نُذكِّر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان عالما بما هو خارج له؛ ولكنه كان يأخذ أصحابه بما يُطيقون. وكما يقال: فإن لكل بداية دهشة! وهو عليه السلام رؤوف بالمؤمنين رحيم؛ لا يجعلهم يُعانون في المواطن إلا أقل ما يُمكن من المعاناة. جزاه الله خير الجزاء عن أصحابه وعن أمته!... ووالله لو علم الناس خصوصية التربية المحمدية، لذهلوا عن غيرها من النعم!... فاللهم لك الحمد أن جعلت أمرنا إلى نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، في الدنيا والآخرة!... وعلى المسلمين، إن هم واجهتهم مشقة في تديُّنهم، من جهة التفاصيل التي يبدو أنها تتطلب جهدا ومجاهدة، أن يذكروا قول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]؛ فإنه نصيحة من الله لعباده، حتى لا يتطرق إليهم التردد. ولولا أن الكلام يطول، لكنا نتناول بعض أسرار هذه الآية؛ ولربما عدنا إليها في موضع آخر من هذا الكتاب، أو من غيره إن شاء الله... ب. جيش المسلمين: [واستعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً (313، أو 314، أو 317 رجلاً) 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و61 من الأوس و170 من الخزرج. ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي؛ وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا واحدا. واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء، رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة. ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض. وقسم جيشه إلى كتيبتين: - كتيبة المهاجرين: وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها: العقاب. - وكتيبة الأنصار: وأعطى رايتها سعد بن معاذ (وكانت الرايتان سوداوين). وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو -كانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش كما سبق- وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم، قائدا أعلى للجيش. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً. فسلك في ناحية منه، حتى جزع (قطع) وادياً يقال له "رحقان" بين النازية وبين مضيق الصفراء؛ ثم مر على المضيق، ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له أخبار العير.][3]. يظهر من تركيبة الجيش أن الأمر كان كأنه تدريب، أو استطلاع؛ ولقد كانت الحكمة من الله ورسوله فيه، أن يُخرج المسلمين من حكم العادة، إلى معاينة حكم الله وفعله في الأشياء مشاهدة. وهذه المسألة مشهورة عند شيوخ التربية، لكي يُخرجوا مريديهم من الغفلة إلى الحضور، ومن حكم الحسّ إلى حكم المعنى. ونعني من هذا، أن قلة عدد المسلمين، وقلة خبرتهم، كانت مرادة لله ورسوله؛ من وراء إدراكهم؛ حتى يفوزوا بالترقّي من الإيمان إلى اليقين. وسنتعرف -بإذن الله- ذلك مع توالي الأحداث... ج. النذير في مكة وتجهُّز أهلها للغزو: [وأما خبر العير فإن أبا سفيان -وهو المسؤول عنها- كان على غاية من الحيطة والحذر؛ فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان. ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً صلى الله عليه وسلم، قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير؛ وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة، مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة، فخرج ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحوّل رحله (وهي هيئة متعارف عليها في الجاهلية، للدلالة على وقوع المصيبة)، وشقق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها! الغوث، الغوث!... فتحفز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك! فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا. وأوعبوا في الخروج (خرجوا كلهم)، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب؛ فإنه عوّض عنه رجلا كان له عليه دين. وحشدوا مَن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج منهم أحد.][4]. إن إنذار قريش بما قد يحل بقافلتها، سيكون السبب في خروجها إلى القتال دفاعا عنها؛ وهذا هو مراد الله لعباده من الجانبيْن. ولا ينبغي أن يغيب عنا أن جيش قريش سيمثِّل مظاهر الجلال، بينما جيش المسلمين سيُمثِّل مظاهر الجمال، التي على رأسها المظهر الكمالي المحمديّ الأعظم. ومن كان له علم بالأسماء، فإنه سيعلم أن الفريق الذي يكون معه الخليفة عن الله، ستكون له الغلبة ولو بعد سجال. وهذا، لأن الاسم "الله" لا يخرج عن حكمه اسم من الأسماء الجلالية والجمالية كلها. وهو معنى من معاني قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، وهو معنى قول الله أيضا: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126]؛ أي وما يكون النصر للمؤمنين إلا من مظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد يُستشكل هذا المعنى مع قوله تعالى بعد ذلك: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، فنقول: إن الغرض من التفريق بين حكم الاسم "الله"، وحكم مظهره، هو التمييز بين الألوهية والخلافة؛ لأن العبد قد ينساق مع المظهر، وينسى الظاهر به، فيكون من الجاهلين. والله تعالى يريد لعباده المؤمنين أن يزدادوا علما به، حتى يكونوا على أفضل الأحوال في معاملتهم لربهم؛ لأن المقصود من العلم ذاته المعاملة، كما نقول دائما. د. خروج جيش مكة وتردده: [وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة دِرْع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط؛ وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يوما تسعا، ويوما عشرا من الإبل. ولما أجمع هذا الجيش على المسير، ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم؛ ولكن حينئذ تبدّى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي (سيد بني كنانة) فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه!... وحينئذ خرجوا من ديارهم، كما قال الله: {بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنفال:47]، وأقبلوا -كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- بحدهم وحديدهم، يحادون الله ويحادون رسوله {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [القلم:25] (والحرد: الأمر المجمَع)، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لجرأة هؤلاء على قوافلهم. تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادي عُسْفَان، ثم قُدَيْداً، ثم الجُحْفَة؛ وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا. وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذِرا متيقظا، وضاعف حركاته الاستكشافية؛ ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتى لقى مَجْدِيَّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدا أُنكره، إلا إني قد رأيت راكبيْن قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فبادر أبو سفيان إلى مَناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى؛ فقال: هذه والله علائف يثرب! فرجع إلى عيره سريعا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربا، تاركا الطريق الرئيس الذي يمر ببدر على اليسار. وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة. ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة، همّ بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلا: والله لا نرجع حتى نرِد بدرا، فنقيم بها ثلاثا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يـزالون يهابوننا أبدا!... ولكن على رغم أبي جهل، أشار الأخْنَس بن شَرِيق بالرجوع فعصوه؛ فرجع هو وبنو زُهْرَة -وكان حليفا لهم ورئيسا عليهم في هذا النفير- فلم يشهد بدرا زهريّ واحد؛ وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل. واغتبطت بنو زهرة بَعْدُ برأي الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعا معظما. وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع! فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل، بعد رجوع بني زهرة -وهو يقصد بدرا- فواصل سيره حتى نزل قريبا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر.][5]. وأول ما ينبغي أن نلاحظه من هذا المقطع: - أن جيش المشركين كان من حيث العدد ثلاثة أضعاف جيش المسلمين؛ وكان جل أفراده جنودا مقاتلين، بخلاف المسلمين. وكان من جهة العُدّة مجهزا، كما يليق بجيش في ذلك الزمان؛ وكان أفراده يتغذون بما يمنحهم القوة عند اللقاء. - أن إبليس هو أمير جيش المشركين من جهة الغيب، وإن كان أبو جهل أميره من جهة الشهادة. وقد كان إبليس يُضطر إلى الظهور في صورة آدمية، عندما يخاف على خطته من الفساد، ليثبت أتباعه ويقوي من عزيمتهم. ومن هنا نعلم أن أول مظهر جلالي، بالمعنى المقابل للجمال، هو إبليس اللعين؛ فهو من هذه المكانة في مقابلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من حيث الاسم "الهادي"، لا من حيث الاسم "الله"؛ لأن الاسم "الله" لا مقابل له. وقد يغلط كثير من عوام أهل العلم، عندما يتوهمون أن إبليس (في مواطن كثيرة منها موطن استخلاف الله لآدم وأمره سبحانه الملائكة بالسجود)، هو في مقابل الاسم "الله"؛ وهم بهذا التوهم يدخلون في الشرك، لأنهم سيكونون قائلين بإلهيْن، وإن لم يُصرِّحوا. وهنا لا بد من أن نفرق بين معنى مواجهة أحد المظاهر الجلالية لله، من جهة التكليف، ومقابلة الله في المرتبة، التي لا تصح البتة. ونحن نعلم يقينا، أن العاصي يواجه ربه بالمعصية؛ لكن هذه المواجهة هي من مخالفة للأمر من جهة القضاء والقدَر، وهي من العناد الذي يكون عليه الجاهل في نفسه؛ لا من جهة الحقيقة. وكيف يعصي العاصي (بالمعنى التام) ربّا، تكون خلاياه وذراته وغيبه وشهادته مطيعة له؟!... - أن الجلاليِّين، يكونون على صفات مخصوصة تعود في مُـجملها إلى الكبر (وهو المشار إليه بالبطر في الآية السابقة من سورة الأنفال)، والزهو (وهو ما سماه الله رئاء في الآية المذكورة)، وقوام هذا كله صفة الصد عن سبيل الله، التي هي معاندتهم للحق المأمور به، ومن ربوبية أنفسهم المستحوذة عليها. وأما الجماليون، فهم على عكس هذه الصفات: من عبودية، ولين، ورحمة للخلق، وإنصاف للغير، وتواضع ... - وأهم ما يُلاحظ بعد هذا، هو أن الأسباب كلها كانت تقطع بغلبة المشركين للمسلمين. وعندما نتكلم عن الأسباب، فإننا نتكلم عن المنطق العقلي، الذي صار مُعتمدا لدى كثير من متأخري المسلمين. وسنرى كيف أن للإيمان منطقا مخالفا، ينبغي تقديمه في الاعتبار؛ لكن تقديمه لا يستطيعه إلا من يكون على إيمان حق. ونعني من هذا، أن كثيرا من الناس، يلتبس عليهم الإيمان بالعقيدة الأيديولوجية، فيظنونها إيمانا؛ وهو حال كثير من الإسلاميّين في القرن الأخير. والإيمان مخالف لهذا من حيث الأصل، لكونه تصديقا صرفا لله ورسوله. ولعل هذا الفرق سيضح المرة بعد الأخرى، عند مخالفة منطق الإيمان للمنطق العقلي، في كل الأحداث التالية، بإذن الله. ه. استعداد الجيش النبوي للمواجهة: [أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان- خبر العير والنفير، وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة، والجراءة، والجسارة؛ فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة، يكون ذلك تدعيما لمكانة قريش العسكرية، وامتدادا لسلطانها السياسي، وإضعافا لكلمة المسلمين وتوهينا لها (...) ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة. ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم؟ كلا! فلو حدث من جيش المدينة نكول ما (نكوص)، لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم. ونظرا إلى هذا التطور الخطير المفاجئ، عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم "مجلسا عسكريا استشاريا أعلى"، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته. وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال الله فيهم: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الأنفال:5، 6]، وأمــا قادة الجيش، فقـام أبو بكر الصديق فقال وأحسن؛ ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن؛ ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لِما أراك الله، فنحن معك! والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24]؛ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد (موضع خلف مكة من جهة البحر: والمعنى لو بلغت بنا أقصى اليابسة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به. وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش؛ فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم؛ مع أن نصوص العقبة (المعاهدة) لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم. فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ!»[6]؛ وإنما يريد الأنصار. وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ، فقال: والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل!». قال: فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة؛ فامض يا رسول الله لِما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد! وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا! إنا لصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء؛ ولعل الله يريك منا ما تَقَرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله. وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت؛ وما أخذت منا، كان أحب إلينا مما تركت؛ وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك؛ فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك؛ ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك!... فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: «سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ! وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ غَدًا!»[7].][8]. وأما إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأن الله قد وعده إحدى الطائفتيْن إما العير وإما النفير؛ ثم إخباره بأنه عليه السلام يتراءى مصارع القوم؛ فهو من الغيب الذي يأتي به من علم الله. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، له أن يتوجه إلى علم الله، بإذن منه سبحانه، فينظر ما يشاء مما يهمّه. فلما نظر وجد أن الله قد كتب له مغنم إحدى الطائفتيْن، وهو قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7، 8]؛ وهذا لأن الصحابة رجوا أن تكون لهم العير، من دون قتال، بحسب ما تحكم نفوسهم؛ ولكن الله أراد لهم أن يلقوا القوم، ليتحقق بالانتصار عليهم إحقاق الحق وإبطال الباطل. ولقد شاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مصارع القوم من الغد الذي ما زال في رحم الغيب، ليبشر أصحابه حتى يجدوا بذلك القوة على المواجهة. وتعبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن مشاهدته بـ "كأني"، هو للتفريق بين الواقع المحسوس الذي لم يحن أوانه بعد، والتمثيل الذي شاهده لذلك الواقع من علم الله. وهنا ينبغي أن نذكر، أن العلم قد يُطلع الله عليه عبده مجردا؛ وهو هنا كإخباره صلى الله عليه وآله وسلم بالظفر بإحدى الطائفتين؛ وقد يكون سمعا، وهو ما يكون من سماع لما يُعطي العلم، سواء أكان عبارة مُفهِمة (هاتفا)، أم كان حوارا لمن يتعلق بهم العلم، يظهر منه المراد. وقد يكون صورة شهودية، كما هو الشأن هنا، فيرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشخاص الجيش صرعى في أماكنهم المخصوصة، وعلى الهيئات المخصوصة. والفرق بين العلم والواقع المحسوس لعموم الناس، هو أن العلم يُسمى كذلك ما دامت القدرة لم تتعلق به؛ فإذا تعلقت به، وأخرجته إلى المحسوس، صار حسا. وعلى هذا، فمن حيث القيمة، فلا فرق بين العلم المغيّب والمحسوس، ما دام المـُخبر به واحدا؛ بل الفرق يكون من جهة الشهود وعدمه فحسب. ومن هذا الباب، كان أهل اليقين من المؤمنين، لا يحتاجون إلى أن يروا موعود ربهم واقعا؛ بل يكفيهم أنه سبحانه يُخبر به. ومن كان له هذا المقام، فإنه يجد للقرآن ذوقا غير الذي يجده من هو دونه في اليقين. كل هذا، بالنظر إلى من كان يأخذ علمه عن الله، وأما الغافلون فإنه لا مدخل لهم إلى العلم إلا بالحس، وبعد أن يقع المعلوم. وإن كان الورثة، يأخذون العلم عن الله، متى شاءوا، فيخبرون بالمغيبات الباهرة؛ فما الظن بالعبد الذاتي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا يعلم مكانته عند ربه إلا هو!... وأما ظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة في صورة العالم، وتارة في صورة الجاهل، فهو من الحكمة، وحتى يعود الناس في معنى الصفات إلى الله. وهذا من دلالته صلى الله عليه وآله وسلم على ربه بالحال، وهو من أمانته في التبليغ الرسالي، ومن نصحه في التربية على الحق. وهذه الصفة لا يرثها عنه إلا كبار الأئمة من أمتنا الجامعين بين الشريعة والحقيقة. وصاحب هذه المكانة يكون مجهول المرتبة في العامة في الغالب، لكون العامة يحبون أن يظهر الولي فيهم بصفات الربوبية؛ وينسون أنهم قد يُشركون بذلك إن لم يعصمهم الله، ولو بعد موت الولي والعيش على أخبار كراماته عند عرض التضخيم لها، بما يُعطيه الخيال الجمعي. وهذا هو عين ما وقعت فيه النصارى مع عيسى، عندما ظهر لهم بصفات الحق، من غير حجاب البشرية؛ فعبدوه من دون الله. [ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَفِرَان، فسلك على ثنايا يقال لها: الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له: الدَّبَّة، وترك الحَنَّان بيمين -وهو كَثِيب عظيم كالجبل- ثم نزل قريبا من بدر. وهناك قام صلى الله عليه وسلم بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة، إذا هما بشيخ من العرب؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش، وعن محمد وأصحابه -سأل عن الجيشين زيادة في التكتم- ولكن الشيخ قال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَخْبَرْتَنَا أَخْبَرْنَاكَ!»، قال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم.»[9]. قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه، خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي به جيش المدينة)؛ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي به جيش مكة). ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَحْنُ مِنْ مَاءٍ.»[10]، ثم انصرف عنه، وبقي الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟...][11]. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الشيخ، لا يُعد من الكذب، لأن الكذب هو الإخبار بما يخالف الحق؛ أما هذا فهو من عدم كشف الخبر الحق، وهو جائز. وإذا تعلق الأمر بالحرب، فإنه يدخل فيما يُسمّى التورية. والتورية كما هو واضح من معناها اللغوي، هي إخفاء الأمر أو الإيحاء بغيره من غير وقوع في الكذب، إن كان المرء من الكبار (وهو هنا أكبر الأكابر صلى الله عليه وآله وسلم)؛ بل يكون باستعمال ألفاظ موهمة، كالتي نطق بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله: «نَحْنُ مِنْ مَاءٍ.»؛ وذلك لأن أصل كل الخليقة من ماء، كما أخبر الله في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45]، وفي قوله أيضا عن الإنسان: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 8]. وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَقُولَ خَيْرًا، أَوْ يُنَمِّيَ خَيْرًا!»[12] وانتهاء الراوية بـ: "وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ إِلا فِي ثَلاثٍ: فِي الْحَرْبِ، وَالإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا."، فلا ينبغي أن يؤخذ على ظاهر اللفظ، فيُنسب الترخيص في الكذب جهلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وليُؤخذ على المعنى الذي ذكرناه نحن. وليتنبه القارئ إلى قول الصحابية المهاجرة رضي الله عنها، حينما قالت: "مما يقول الناس إنه كذب"، ليعلم أن الناس هم من يقولون بسبب ضعف إدراكهم، لا أنه الحكم فيه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر بكذب قط. والأمر يُشبه هنا ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ.»[13]. والمعاريض في الاصطلاح، هي الألفاظ الموهمة، التي لا تكون كذبا؛ وهذا الصنف من الكلام (التورية والمعاريض) يتطلب فطانة من المتكلم وسرعة بديهة؛ لذلك فلا يُكلَّفه إلا من كان على هذه الصفة؛ خصوصا إن كان في جماعة. نقول هذا، لأن الجاهل إذا سبق إلى الكلام في مثل هذه المواطن، فإنه قد يوقع الضرر على جماعته من حيث لا يدري. [وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين؛ علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؛ في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر. فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة؛ فاستخبرهما القوم، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء! فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان (لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة) فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا: نحن لأبي سفيان فتركوهما. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مـن الصلاة قال لهم كالعاتب: «إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا! صَدَقَا وَاللَّهِ! إِنَّهُمَا لِقُرَيْشٍ.»، ثم خاطب الغلاميْن قائلا: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟»، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: «كَمِ الْقَوْمُ؟» قالا: كثير. قال: «مَا عِدَّتُهُمْ؟» قالا: لا ندري! قال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟» قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِ مِائَةٍ وَالأَلْفِ!»، ثم قال لهما: «فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟» قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَريّ بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعَيْمَة بن عدي، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميــة بن خلف في رجال سمياهم... فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا!»[14]][15]. إن اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على ما شاء الله له من الغيب، هو ما عدل مسار الاستنطاق الذي كان يُشرف عليه علي والزبير وسعد رضي الله عنهم؛ لأنهم بضربهم للغلاميْن، قد جعلوهما يُحرفان أقوالهما. وهذا يقع فيه المحققون كثيرا، عندما يُغلّبون الشك والحذر على الواقع والحقيقة. ورغم أن وسائل التحقيق قد تطورت كثيرا عبر العصور، فإن مطابقة المعلومات للواقع، لا يعلمها العباد إلا كشفا؛ بسبب دخول بعض الاعتبارات على المتغيرات المحددة للوقائع. ويظهر من تحقيق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بنفسه مع الغلاميْن؛ أنه -عليه السلام- لم يعتمد العنف، بل اعتمد نور النبوة، ثم طعمه بما يُناسب من الأسئلة. فهو عليه السلام، عندما علم جهل الغلاميْن بعدد الجيش على وجه التحديد، عمد إلى ما يدل عليه؛ وليس إلا عدد الذبائح في اليوم. وهذا الصنف من الأسئلة، يعود إلى الخبرة بأعراف الجيوش وأحوالها، في ذلك الزمان. وينبغي أن ننبه هنا، إلى أن إعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمنطق العسكري المعروف آنذاك، ليس من صنف الفكر الذي يكون عليه المفكرون، كما قد يُتوهّم؛ وإنما هو من الفكر النبوي الذي هو نور يلتقي مع نور الكشف ويندرج فيه. وهذه المسألة تلحق بالأصل الذي كنا قد بيّنّاه عند تصويبنا لأقوال الأصوليّين في تصرفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد يسأل سائل: فهذا النبي كان يقود الأمة بنور النبوة المنبسط على الفكر وعلى جميع قواه؛ فكيف يُطمع في هذا، بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، والأمة مجمعة على انقطاع النبوة من بعده؟!... فنجيب: إن نور النبوة يتفرع عنه نور الربانية التي هي دونها، والتي تكون للورثة. ومن هذا الباب، يتلقى الخلفاء خصوصا، ما يحتاجون إليه من نور كشفي أو غيره مما أومأنا إليه. وهذا الارتباط المددي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو ما يجعلنا نقول باستمرار وجود النبي في أمته. وعلى هذا، فإن هذا الحكم لا يتبدل من بداية البعثة، وإلى قيام الساعة. ولو كان الأمر على غير ما نقول -كما يتوهم جلّ علماء المسلمين- لكنا نقول بانقطاع الأمة عن نور النبوة، لأن اعتبار النصوص من الوحي وحدها، لا يكفي في بلوغ الهداية بالمعنى الكامل. والنبوة، ليست هي ما جاءنا بالوحي وحده؛ وإنما هي ما يُفهمنا فيه، وما يدلنا على الوجه الراجح من وجوه العلم به. وهذا هو ما دل عليه القرآن صراحة في قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجمعة: 2، 3]. ونحن نسأل هنا كل لبيب: كيف تكون تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات الله على المتأخرين؟ وكيف تكون تزكيته لهم، وتعليمهم الكتاب والحكمة؟... ومن هنا يتضح أن جل علماء الدين، لا يتعدون مرتبة العوام، الذين يكونون على إيمان مـُجمل، وعلى تدين تاريخي!... ثم إلى معنى المدد أيضا يُشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ!...»[16]؛ والمقصود بالقرآن لفظه، وبمثله معانيه. ولا ينبغي أن يُحصر معنى "مثل القرآن" في السنة وحدها، كما يفعل علماء الدين؛ لأن ذلك من معنى "المثل"، وليس هو كل مدلوله. وليقارن المرء حال علماء الرسوم، مع من كان يتلقى التعليم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كأمثال الدباغ رضي الله عنه؛ والذي كان يتصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوميا كما أخبر عن نفسه، وكما شهد بذلك تلميذه كاتب الإبريز. وحتى لا يحصر الناس المدد النبوي في العلوم التي هي متعارف عليها لدى أهل الدين، فإننا نؤكد أن الأمة مفتقرة إلى كل العلوم، حتى ما يُظن أنه مقصور على المتخصصين من أهل الصنائع والتقنيات، كالعلوم العسكرية هنا. ونعني من هذا، أن الجيوش الإسلامية، التي تعتمد على العلوم العسكرية بفروعها المختلفة، تنقصها -من كونها مسلمة- موافقة الربانيّين من جهة الغيب على كل قراراتها؛ وإلا فإن الهزيمة قد تحل بها من حيث لا تحتسب، وقد وقع هذا كثيرا... وعلى المجال العسكري، ينبغي قياس المجال السياسي بجميع فروعه، والتي تشمل الاقتصاد والتعليم والصحة على الخصوص. ومن يتأمل في وضع الأمة في زماننا، فإنه سيعلم أن الخلل الذي تعاني منه، هو انقطاعها عن المدد النبوي، في مستويات القرار كلها. نقول هذا، لئلا يُقال بانقطاع الأمة كلها؛ لأن هذا لا يصح بحمد الله. ونعني من هذا، أن ما ذكرناه في فصول سابقة عن الطائفة الظاهرة على الحق، التي لا يتخلف وجودها في كل الأزمنة، والتي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ.»[17]، لا يتحقق لها إلا بالمدد الخاص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعلى كل حال، فمجال الكلام عن المدد واسع؛ ونحن إنما أشرنا إلى ما يُسهّل فهم المسألة على الناس فحسب... وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم آنفا: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا!»، فهو إنذار نبوي لمن كان حاضرا من الصحابة؛ حتى يوقنوا أن اللقاء محتوم، فيستعدوا له قلبيا وبدنيا؛ وحتى يعلموا أن اللقاء تاريخي ومصيريّ، ما دام وجهاء قريش هم من سيقابلونهم فيه. وهذا، لأن الصحابة، كانوا ما يزالون يرجون بعدُ، أن يظفروا بالقافلة، ويُجنَّبوا القتال؛ خصوصا وأنه لم يسبق لهم أن قاتلوا بهذه الكيفية الرسمية... و. الانطلاق إلى حيث تكون المعركة: [فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَادِرُهُمْ إِلَى الْمَاءِ، حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا فَسَبَقَ قُرَيْشًا إِلَيْهِ. فَلَمَّا جَاءَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ وَلا نُقَصِّرُ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ!»، فَقَالَ الْحُبَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، وَلَكِنِ انْهَضْ حَتَّى تَجْعَلَ الْقُلُبَ كُلَّهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِكَ، ثُمَّ غَوِّرْ كُلَّ قَلِيبٍ بِهَا إِلا قَلِيبًا وَاحِدًا، ثُمَّ احْفِرْ عَلَيْهِ حَوْضًا، فَنُقَاتِلُ الْقَوْمَ فَنَشْرَبُ وَلا يَشْرَبُونَ؛ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَقَالَ: «قَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ!»، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَغُوِّرَتِ الْقُلُبُ، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الآنِيَةَ...][18]. وهنا ينبغي أن ندرك حقيقة ما جرى، لأن علم العلماء يقصر عن ذلك، ولأنهم ينزلون بقصورهم عما ينبغي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكانة. ومقصودنا من هذا التنبيه، هو أن النبي لم يكن في حاجة إلى مشورة الحباب بن المنذر، كما لا نفتأ ننبه؛ ولكنه أحب أن يسمع من غيره، وأن يسُنّ للمسلمين سُننا في النوازل يستنون بها. فكان إنطاق الحباب رضي الله عنه بإرادة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليعلم الناس أن الإقدام على الحرب، ينبغي أن يكون مُحاطا بعلمها من جهة الغيب والشهادة. فالغيب للربانية، نبوة كانت أم وراثة؛ والشهادة لرأي المحنكين وذوي الاختصاص. ولا بد هنا أيضا، من التذكير بما سبق لنا أن بيّنّاه في غير هذا الموضع، من أن المشورة بحضور الرباني، تكون معلمة لا ملزمة؛ لهذا، فإن القرار النهائي فيما أدلى به الحباب من رأي، كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. والتنبيه إلى هذا الأصل، هو من أجل سد منافذ الشيطان على جماعة المسلمين؛ لأن الأمر لو كان رأيا فقط، لقلنا بجواز مجاوزة الصحابة لقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهائي؛ بينما هم بقوا منتظرين لإقراره لكلام الحباب، أو للدلالة على غيره، مما يبقى في الاحتمال. وهذا مما ينبغي أن يُبيّن من قِبل العلماء، عند تناولهم لهذه الحادثة؛ حتى لا يظلموا الصحابة، أو ينسبوهم إلى غير ما كانوا عليه من تمام الاتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم!... [وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء، اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته؛ استعدادا للطوارئ، وتقديرا للهزيمة قبل النصر، حيث قال: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونُعِدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؛ فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا؛ وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا؛ فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حبا منهم؛ ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك؛ يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. وبنى المسلمون عَرِيشاً على تل مرتفع، يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة. كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار، بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته.][19]. بناء العريش يدخل ضمن العمل العسكري الميداني؛ ولقد برهن الصحابة رضي الله عنهم به، على حرصهم على حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من حرصهم على حياتهم؛ وأبانوا عن وعي استراتيجي غير معتاد، بوضعهم لخطة بديلة، في حال حلول الهزيمة بهم؛ وحتى يتمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتها من العودة إلى المدينة والتحصن فيها. ومما يثير الإعجاب بتفاني الصحابة المـُقبلين على المعركة، هو أنهم لم يبخسوا إخوانهم الذين تخلفوا في المدينة قدرهم (حاشاهم)؛ وكانوا حريصين على أن يذكروا أنهم لو علموا بما ستؤول إليه الأمور، ما تخلف منهم أحد؛ لأنهم ليسوا أقل محبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم!... ثم إن حفاظ الصحابة على حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن منفصلا عن حفاظهم على نور الإسلام مُسرَجا؛ بخلاف كثير من متأخري المسلمين الذين صاروا يرون الدين منفصلا عن شخص النبي. ولقد رسّخ هذا الفهم المغلوط لديهم عن الدين، تحقق انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدنيا بالموت. وبما أن الموت مجهول الحقيقة لدى العوام، خصوصا إن كان الميّت ربانيا بالمعنى الأكبر (النبوة هنا)، فإنهم توهموا أن الأمر فيما بعد زمن النبوة، سيؤول إلى الرأي بالمعنى العام. ونعني من هذا، أن الجهل بالموت، قد انضاف إليه الجهل بالربانية، فصارا حجابا عن إدراك الحقيقة كما هي. أما الصحابة، بسبب كونهم الجيل الأول في الإسلام، وبسبب مكانتهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم كانوا على إدراك صحيح، وعلى فهم صحيح!... ولقد لخص فيما قبل هذا الموقف، أبو بكر الصديق عليه السلام؛ فقد وصفه -عند الهجرة- النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «تارة يسير عن يميني، وتارة عن شمالي، وتارة من أمامي، وتارة من خلفي؛ قلت: عجب أمرك يا أبا بكر!»، فأجاب الصّدّيق: "قال: يا رسول الله، أتذكَّر الرصد فأخاف عليك؛ إن أنا هلكت يهلك رجل واحد، وإن أنت تهلك تهلك البشرية كلها."[20]. وهذا الوعي بمركزية شخص النبي، هو محور التديّن كله؛ ومن يتأمل ما وصل إليه المتأخرون، من نسبة التعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشرك ومخالفة التوحيد، يعلمْ ما ننبه إليه هنا. وما لم يُصحح النظر إلى هذه المسألة، في مجال العلوم الشرعية، فإن إيمان عموم الأمة سيبقى على الضعف الذي نرى!... ز. تعبئة النبي للجيش وتثبيته له: [ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرعَ فُلانٍ غَداً إِنْ شَاءِ اللهُ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلانٍ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ!». [أخرج مسلم عن عمر بن الخطاب عليه السلام، قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ! قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا أَخْطَئُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!»] ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلَهم هادئي الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم؛ يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحا: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11]. كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في 8 أو12 من الشهر نفسه.][21]. إن إراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمصارع القوم، في اليوم السابق على المعركة، هو من إرادته صلى الله عليه وآله وسلم. ونعني من هذا، أن الخليفة عن الله، له سلطة المشيئة والإرادة بإذن من الله؛ فإذا شاء شيئا وأراده، فإن الله يشاء ذلك الشيء ويريده. والمشيئة والإرادة هنا، لا تتعددان، بل هي مشيئة واحدة، وإرادة واحدة؛ يعلم هذا يقينا أهل التوحيد الخاص. ومن هذا الباب، قيل عن الورثة من الأولياء: "إن لله عبادا، إذا أرادوا أراد!". فلا يستغرب أحد من المؤمنين، ما نقول هنا؛ وعلى الناس أن يعلموا أن ما هم عليه من التوحيد العام، لا يخلو من شرك، وليس هو منتهى العلم بالدين. ونحن في كل مرة، ننبه إلى وجوه الشرك هذه، التي تخالط التوحيد العام؛ عسى أن يترقى بتنبيهنا من شاء الله له الترقّي، فنجده في صحيفتنا بإذن الله يوم القيامة. وهنا مسألة من عيون العلم، نبيّن أصلها، حتى لا يكون الجهل بها عائقا عن إدراك كلامنا في الفقرة السابقة؛ وهي أن المشيئة ليست منقضية في الزمان كما تُدرك ذلك العقول المحجوبة بالزمان، ولكنها فعل إلهي (صفة) خارج الزمان ومستغرق له. لذلك فإن الله تعالى شاء فيما قبل، ويشاء الآن وغدا؛ على خلاف ما تُدركه العامة. وسبب توهم العامة، هو حكمهم بقِدم المشيئة، والقدم عندهم هو الماضي عينه، وإن كان من غير أولية. وأما نحن، فالقِدم عندنا هو اجتماع الأزل والأبد معا، في خروج عن معنى الزمان، واعتبار لمعنى الدهر. وهذه المسألة، مما ينبغي أن يُصحَّح لدى علماء العقيدة على التخصيص؛ لأنه تنبني عليها في مجال الصفات مقولات أُخَر، لا مجال للدخول فيها الآن... ح. حال جيش الأعداء قبل اللقاء: [أما قريش فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى؛ ولما أصبحت أقبلت في كتائبها، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر. وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [دعوهم]، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قُتل؛ سوى حكيم بن حزام؛ فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وكان إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني من يوم بدر. فلما اطمأنت قريش بعثت عُمَيْر بن وهب الجُمَحِي للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون؛ ولكن أمهلوني حتى أنظر أَلِلْقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئا! ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا؛ نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم! والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم، حتى يَقتل رجلا منكم! فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل -الحريص على المعركة- تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال؛ فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي (المقتول في سرية نخلة) فقال عتبة: قد فعلت. أنت ضامن عليّ بذلك! إنما هو حليفي، فعلي عقله [ديته] وما أصيب من ماله. ثم قال عتبة لحكيم بن حزام: فائت ابن الحَنْظَلِيَّةِ (أبا جهل، والحنظلية أمه) فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا! والله لئن أصبتموه لايزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته؛ فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب. فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألْفَاكُمْ ولم تَعَرَّضُوا منه ما تريدون. وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل -وهو يهيئ درعا له- قال: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني بكذا وكذا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سَحْرُهُ حين رأى محمدا وأصحابه! كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد! وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جَزُور، وفيهم ابنه -وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديما وهاجر- فَتَخَوَّفَكُمْ عليه. ولما بلغ عتبة قول أبي جهل: "انتفخ والله سحره!" قال عتبة: سيعلم مُصَفِّر إسْته من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ وتعجل أبو جهل، مخافة أن تقوى هذه المعارضة؛ فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي (أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش) فقال: هذا حليفك [أي عتبة] يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانْشُد خُفْرَتَك، ومَقْتَلَ أخيك! فقام عامر فكشف عن إسته (فعل جاهلي)، وصرخ: واعمراه، واعمراه! فحمي القوم، وحَقِبَ أمرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر؛ وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. وهكذا تغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى.][22]. ونحن نلاحظ هنا ما يلي: - إن سماح النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين بالشرب من بئره، ليلة المعركة، هو من إهلاكهم من جهة الغيب. وهذا يتعلّق بالمشيئة التي ذكرنا سابقا أن الله يجعلها للخليفة، ومِن بعده لورثته. - إن الله إذا أراد بقوم سوءا، أصمّهم عن سماع نُصح عقلائهم. وهكذا فإن أبا جهل، الذي كان أكثر القرشيّين حماسة، لن يتسبب إلا في هلاك نفسه وهلاك قومه. - إن ما أخبر به عمير بن وهب عن المسلمين من أنهم لن يُقتل أحدهم حتى يقتل -على الأقل- واحدا من الأعداء، هو من أثر قوة الإيمان الباعثة للمؤمن على طلب النصر أو الشهادة. وإن قوما يحرصون على الموت، كما يحرص غيرهم على الحياة، لن يُغلبوا من قلة أبدا. وهذه الحقيقة سارية في المؤمنين إلى قيام الساعة، قلّوا أم كثروا. - إن عصبية الجاهلية وحميتها، اللتيْن هما من الإثارة النفسية للناس، لا تبلغان أبدا الباعث الإيماني؛ لأن ما هو من صفات النفوس مآله إلى عدم، ولو بعد حين؛ وما هو من الإيمان له سند من الله، فلا انعدام له أبدا. ونعني من كلامنا أن الله يُبقيه بإمداد منه، بعكس ما يستند إلى النفوس في ظهوره، فإن الله يقضي بفنائه، طال الزمان أم قصر. وهذا من إلحاق الأمور بأصولها في الحقائق؛ وهو علم نفيس وعزيز، من حازه فقد حاز القوة من أصلها. ط. ترائي الجيشيْن: [ولما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَأَحِنْهُمُ الْغَدَاةَ!»[23] (أحنهم: أهلكهم؛ ومنه الحَيْن: الهلاك). وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر-: «إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؛ إِنْ يُطِيعُوه يَرْشُدُوا!»[24]. وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان في يديه قِدْح يعدل به، وكان سَوَّاد بن غَزِيَّة مُسْتَنْصِلا من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «اسْتَوِ يَا سَوَّادُ!»، فقال سواد: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْجَعْتَنِي؛ وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ فَأَقِدْنِي! قَالَ: فَكَشَفَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: «اسْتَقِدْ!» فَاعْتَنَقَهُ سَوَّادٌ فَقَبَّلَ بَطْنَهُ. فَقَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَّادُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ، أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ! فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْرٍ وَقَالَهُ لَهُ.([25]). ولما تم تعديل الصفوف، أصدر أوامره -عليه السلام- إلى جيشه بألا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة؛ ثم أدلى إليهم بتوجيه خـاص في أمـر الحـرب، فقال: «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ.»[26]«وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ!»[27]. ثم رجع -عليه السلام- إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش. أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحِنْه الغداة! اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم! وفي ذلك أنزل الله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19]][28]. ولنستخلص من هذا المقطع ما يلي: - إن دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو دعاء لله بالله؛ وهذا أعلى ما يكون من الدعاء، وهو مجاب سواء ظهر من الخليفة الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أم ظهر من أحد ورثته ونوابه. والمسألة هنا كلها، مسألة أسماء ومظاهر اسميّة؛ لا كما يتوهمها العوام من أثر حجابهم؛ وسيظهر هذا، في آخر ما ورد من الكلام. - إن إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن صاحب الجمل الأحمر، هو من الإخبار بالغيب الذي يراه بعين النبوة. ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم اشترط انتفاع القوم بالرجل، باستماعهم لنصحه. وهذا من تعليق الغيوب بأسبابها الغيبيّة. ولا تكون هذه المرتبة، إلا للعلم اللدني، الذي هو عينه علم الله القديم. - إن ما فعله سوّاد بن غزية رضي الله عنه وأرضاه، هو من كمال الإيمان؛ وهو عزم منه على الاستشهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -بسبب مكانته من الله- قد رفع جماعة من الصحابة من مرتبة الإيمان المجمل، إلى مرتبة اليقين، في أقصر مدة. ولولا اليقين، ما أقبل الصحابة على الشهادة مستبشرين، ولا حرص سوّاد رضي الله عنه، على أن يكون آخر ما يمسه جلده جلدَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا من التبرّك عن علم، وليس كالتبرك الذي يكون عليه عوام المسلمين. وإن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسوّاد على فعله، وثناءه عليه، هو من إقرار أصل التبرك في الدين، بالنبي وبخواص الأمة من بعده؛ وراثة يرثونها. وهذا التبرك باب من أبواب الرحمة الخاصة، لا يعلمه حقيقة إلا أهل اليقين. - إن تعديل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصفوف، وبذله للتوجيهات العسكرية للمقاتلين، ليس كما يتوهم بعض الأصوليّين من مرتبة "قيادة الجيش"؛ ولكن هو من مرتبة قيادة النبوة للجيش. وبين المرتبتيْن بوْن شاسع!... ونعني من هذا، أن التوجيهات للجيش، عندما تصدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها تكون صادرة عن الله؛ وباعتبارها صادرة عن الله، فإنها تكون تأييدا من الله لأحد الفريقيْن؛ وإن لم يشعر بذلك كل أحد. - إن دعاء أبي جهل قبل المعركة (الاستفتاح)، يدل على أن الفريقيْن يستمدّان من الاسم "الله"؛ لكن لا من المرتبة ذاتها. ومن علم هذا، سيعلم المنتصر من المنهزم، قبل بداية المعركة. واشتراك الفريقيْن في المدد، هو مما يدل عليه قول الله تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20]. ومن هنا يظهر ما بيّنّاه عدة مرات، من أن المعركة هي معركة أسماء، قبل أن تكون معركة مظاهر. وكل من لا يرى الأمر على ما نذكره، فإنه لا بد من أن يكون على شرك أصغر، إن كان من المسلمين؛ وإن بلغ من العلم ما بلغ!... (يُتبع...) [1] . أخرجه الطبري في تفسيره "جامع البيان"، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.