اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2024/05/17 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .9.(ج2) الباب الأول: القرآن وحقائقه الفصل الثامن: خلق العرش وما تحته (ج2) (تتمة) والعلمية الاجتزائية، التي يعتمدها "العلميون" في عرض العالم المحسوس الذي لا يُدركون سواه، لا يصح أن تُعدّ علمية بالمعنى الصحيح؛ أما بالمعنى الذي يتواطؤون عليه، والذي ليس إلا المادية ذاتها، فيصح عندهم لا عندنا. وقولنا يصح عندهم، هو بسبب خلطهم بين معنييْ الوجود والمادية في الشيء المنظور إليه. فهم لشدة كفرهم، يُثبتون وجود العالم (الكون بجميع المراتب التي يعقلون)، لأنه ثابت من الجهة المادية وحدها لديهم. وليس لهم من العقل ما يكفي لأن ينظروا في متعلَّق هذا العالم الثابت لديهم، ولا ليسألوا كيف نشأ؟ وهل له من مـُنشئ؟ فإن كان، فما الصلة حينئذ بين الخالق وخلقه؟... فهم مع العالم باقون، ويرون أن بقاءهم هذا هو مرتكز عقلانيتهم وعلميتهم!... ولنا أن نُقارنهم في تعقّلهم للعالم، بالمحقّق الجنائي (مثلا)، والذي يسير في عملية تحقيقه بحسب ما تعطيه الأدلة المعتبرة. لكن المحقق، لا يبحث حقيقة الأشياء، بقدر ما هو يبحث في ترجيح أحد الاحتمالات على غيرها. والسؤال الأكبر لدى المحقق، عند نظره إلى جسم الجريمة، ليس هو: هل فاعلها موجود أم لا؟ ولا هو إثبات جسم الجريمة، بعيدا عن منطق التحقيق الجنائي؟... بل هو: من هو فاعل الجُرم؟ وفي أي ظروف؟... والذي لا يُقبل من المحقق، هو ذاته الذي لا يُقبل من الفيزيائي، أو من علماء الطبيعة من أحد فروعها، لأن العقل يقضي بسبق الفاعل على الفعل؛ وإن كانوا هم لا يرون العالم فعلا، حتى يسألوا عن فاعله. وهذا، ليس لأن منطقهم المادي مُجدٍ، ولكن لاقتصار نظرهم على ما يشهدون بأبصارهم، من غير مجاوزة للحواس إلى العقل؛ وكأن الحواس تعقل الأشياء من نفسها، وبدون حاجة إلى عقل حاكم عليها. بل إن العقل نفسه في نظر هؤلاء، ليس شيئا زائدا على الدماغ؛ وهو سقوط لا يُفسّره إلا مقدار كفرهم. ولسنا -بكلامنا هذا كله- نبغي إقناع هذا الصنف من الناس، بما هو إما من قبيل المحال أو محل سؤال، بحسب ما هو الكافر عليه في نفسه من إلحاد يراه هو تاما، أو بحسب إيمان عقلي أوّلي بوجود خالق مع الانقطاع عما بعد هذه المرتبة من مراتب عقلية أخرى؛ لأن الإقناع لا ينفع. وأما المؤمن الذي يكون على عقيدة تقليدية، تفسّر نشوء العالم تفسيرا غير عقلاني، فأمره يختلف بين نوعيْن من الكفر: كافر بالمعنى الشرعي واللغوي، مؤمن بالمعنى اللغوي؛ ومؤمن بالمعنى الشرعي (مسلم)، وإن كان كافرا جزئيا بحسب ما يُعطيه المعنى اللغوي. ولولا أننا رأينا تقديم هذا التفصيل ضروريا في هذه المرحلة من الكتاب، وعند كلامنا عن خلق العالم، لنسهّل على القارئ فهم معنى "الخلق" ومشتقاته خصوصا الفاعل منه والمفعول؛ لأرجأناه (التفصيل) إلى الباب الثاني، لكونه أنْسَب له؛ وعلى كل حال، فهذا التفصيل داخل في معنى كفر هؤلاء الكافرين المذكورين في الآية. والقول بالندّية الذي يسقط فيه هؤلاء الكافرون، هو حتمية، لمجرد إنكارهم خلق الخالق للكون. ونعني أن المعادلة (المقولة)، عند إثباتها لوجود ممكن لا يُشك في إمكانه، من غير إحالة على سند وجودي لذلك الممكن؛ فهو إحالة ضمنية إجمالية ومن غير تعيين. أي عندما يُثبت الكافر وجود العالم، فهو علم أم لم يعلم يقول: هذا العالم مخلوق؛ ولو عبّر بلفظ آخر وبلغة أخرى. فإذا سكت بعد هذا الشطر، أو أنكر وجود الخالق، فهو من دون أن يعلم يدل عليه من غير تعيين. وهو لشدة ظلمة عقله، يظن أنه إذا سكت عن شيء، فقد حكم عليه بالعدم، وهو ما ينتفي من أول نظر؛ وذلك لأن الإنسان يخرج عن إدراكه الحسي والعقلي أشياء كثيرة، مع أنها محكوم بوجودها (الإمكاني). وهذا يظهر جليا، من مقارنة المعلومات، بين فرد إنساني وفرد آخر غيره. لذلك، فإن الكافر المنكر لوجود الخالق الذي هو عندنا الله، لا بد من أن يُحيل على ندّ له في توهّمه. أما الندّية على حقيقتها، فهي من باب المحال!... ونحن واعون هنا، بأن الكافر المنكر لوجود الله، لا يقصد بإنكاره إلا ذاتا غير معقولة له، أو غير مشهودة له في المرتبة الدنيا للعقل؛ وأما معنى الاسمية الذي دللنا عليه منذ شروعنا في كتابة هذا الكتاب، فهو لا يخطر له على بال. ولولا أن الله يعتبر الإيمان المـُجمل الذي يكون عليه العامة (من غير المتكلمين)، لكانوا كافرين هم أيضا وإن أقروا بوجود الخالق. وهذا، لأن الخالق اسم مخصوص يُسمّى به الاسم "الله"، الذي هو اسم -من أحد وجهيْه- للذات. فمن لم يكن له هذا العلم التفصيلي، وقع في الكفر، الذي هو لغوي في حق المسلم. أما المتكلِّم المنظّر لعقيدته، بحسب ما يُعطيه عقله السقيم، فهو على خطر: فإن آخذه الله بفعل التفكر حيث لم يُؤذن له، فإنه يُصنّف ضمن الكافرين، أو على الأقل ضمن أكبر العصاة؛ وإن اعتبر الله إيمانه السابق على تفكره، والذي يُشبه فيه العوام من المؤمنين غير المفكرين فإنه يُحكم له بالإيمان. وعندما نقول "يُصنّف" أو "يُحكم له"، فلسنا نقصد إلا أن المصنف والحاكم هو الله الذي له الحكم على عباده؛ ونفرّ على قدر مستطاعنا من المعنى المفهوم للفقهاء، والذي يجعلون به الحُكم للفقه تلقائيا، ثم لهم. والكُفر المـُنكَر من قِبل الله في الآية، بأسلوب الاستفهام الإنكاري، عندما جيء بعده بـ "الذي"، فإنه يُفهم منه بداهة بأن المكفور به (الخالق) هو أظهر من أن يتعلّق به كفر. وجملة الصلة هي الدالة عليه من كونه {خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ}: أي بتجلّييْن: أحدهما ذاتي، والآخر اسميّ. ونعني من الأول أنه به كانت الأرض وتعيّنت، ومن الثاني أنه به تحققت النسبة بينها وبين خالقها. وهذيْن المعنييْن أظهرُ من أن يُستدل عليهما، من جهتيْن: إحداهما: معنى الذاتية الذي هو أظهر من الحس، في نظر الناظرين من كل جنس؛ كالحيوانات التي هي أضعف من بني آدم إدراكا؛ والجهة الأخرى: معنى الاسمية المـُدرك من وراء صورة الأرض، كما يُدرك المعنى اللغوي من صورة اللفظ. والكافر المـُدرِك في الحس للأرض، وفي المعنى لمدلول اسمها في اللغة، كان ينبغي له أن يعلم ما وراء الحس، الذي هو مدلوله من جهته بما هو حس، لا من جهة معناه؛ وأن يعلم بعد ذلك المعنى الذي يدل عليه اسم الأرض في اللغة. وكأننا نريد بكلامنا: ظاهر الظاهر، وباطن الباطن، لما هو معروف بـ "الأرض"؛ أو باطن الاسميْن "البارئ" و"المصور". وهذا المشار إليه بهذه المعاني هو المعبّر عن عزته في اسم الإشارة بلام البعد؛ وليس إلا الذي يعود إليه المربوبون على اختلافهم الجنسي والشخصي. والمعنى العام، هو أن الرب الذي هو بمعنى جزئي الخالق عينه، هو أقرب إلى المـُدرِك من كلّ مـُدرَك؛ ولكن عزته تحول دون هذا الإدراك. بل إن الإدراك بما هو إدراك (فعل متعدّ)، محال في حق العبد. ونقصد "أن يُنسب إلى العبد"، بحيث يقال: إن العبد يُدرِك. وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة: {لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَهُوَ یُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَـٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِیفُ ٱلۡخَبِیرُ} [الأنعام: 103]. ولنتوقف عما نحن بصدده، لأن الكلام لا يكاد ينتهي... وهذه المخلوقات المخلوقة جملة من السماء ومن الأرض، يُناسب حالها يوم الجمعة؛ من معنى الجمع الذي فيه. ولقد كانت هذه المخلوقات كما في الحديث: النجوم والشمس والقمر والملائكة، وما هو من جنس النبات والحيوان والجن الناريين، وما يدخل في معناها، أو هو تابع لها، من التفاصيل. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلا تَقُومُ السّاعَةُ إِلّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.»[3]. وقد ثبت من الحديث أن الله خلق آدم ما بعد العصر إلى الليل من يوم الجمعة، وهو (أي آدم) آخر الخلق. والمناسبة التي بين يوم الجمعة وآدم، هي أن الله تعالى جمع في آدم جميع أسرار خلقه من العرش إلى الفرش؛ فكان خلاصة العالم بحق. ولقد أعطى الله آدمَ، لسر ذلك الجمع، مرتبةَ الخلافة عنه، التي لم تكن لمخلوق سواه. ثم جمع له الملائكة، وأمرها بالسجود، تعريفا بخلافته عن ربه، وبسيادته عليها ومن ورائها على العالم. وقد ذكر الله هذا في قوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةً} [البقرة: 30]. وكان آدم من مرتبة خلافته، على صفة ربه عندما خلق الخلق، لذلك بطن من هذا الوجه وجُهل. وخلافة آدم (ومَن بعده فيها من ذريته)، هي التي أعطت القيمة للأرض التي سكنها بعد الإنزال؛ وقد كان هذا الإنزال مقدّرا من قبْل أن تظهر من آدم المعصية. ومن هنا نفهم لمَ كان بدء الخلق بعد العرش من الأرض، ولمَ كانت السماء تابعة في المرتبة للأرض، رغم ظهور الفاعلية منها عليها. وهو أمر عجيب، أودع سرّه النساء؛ فبه لهن السلطان على الرجال، على ما يبدو منهن بإزائهم من ضعف. وسنتكلم بتفصيل أكبر عن خلافة آدم، في الفصل الذي بعد هذا، بإذن الله تعالى... والسبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغضب من اليهود، بحسب رواية ابن عباس لحديث الخلق، هو قولهم عن الله بإنه استراح (سبحانه) في اليوم السابع. فأنزل الله ردا على فريتهم: {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]؛ أي: خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام، وما احتجنا إلى يوم سابع من أجل الراحة، لأنه لم يمسَّنا تعب ولا نصب. فبقي أن يُعقل لليوم السابع معنى غير الاستراحة، وليس إلا التدبير الذي أخبر الله عنه بقوله تعالى: {یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ} [يونس: 3]؛ ومنه نشتق الاسم "مدبّر الأمر". فكانت أيام الأسبوع على صورة أيام التجلّي الذي هو يوم الشأن. ونعني أن الأيام سبعة كما هي الشؤون الإلهية سبعة. وقد جمع الله ذكر اليوم والشأن في آية واحدة، عند قوله تعالى: {یَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ یَوۡمٍ هُوَ فِی شَأۡنٍ} [الرحمن: 29]. ولقد غلط اليهود في مسألة يوم السبت من وجهيْن: وأما الاستواء على العرش من قِبل "الله"، فهو لتدبير أمر السماوات والأرض، إجمالا وتفصيلا. ولا يكون ذلك إلا بالملائكة الموكلة بالسماوات واحدة واحدة، وبالأرضين واحدة واحدة. وبما أن نهاية التدبير التفصيلي هو الأرض، فإن السماوات، سيكون الأمر فيها سببا لما يحدث فيها، بحسب ساعات الليل والنهار من كل يوم. وهذا هو ما أخبر به الله في قوله: {وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ} [فصلت: 12]. ولقد جعل الله حركة الكواكب بعد أن أمرها بالحركة، أصلا للأحداث التي تحدث في الأرض؛ وهذا هو أصل علم التنجيم. ولقد ضل كثيرون عندما أعادوا النظر في أمر مركزية الأرض، بعد اكتشاف كوبرنيكوس لمركزية الشمس؛ ونسوا أن الناس يعيشون على الأرض، وأن الخليفة الرباني من بينهم. وهذا لا يخفى عن أي عاقل، بأقل نظر؛ لأن مركزية الأرض باقية رغم كل ما يقال. وإن حركة الكواكب باعتبار فلك البروج، ليست حركة عبثية؛ بل هي حركة تكوينية. وفي الحديث القدسي أن الله قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكافِرٌ: فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِك مُؤْمِنٌ بي كافِرٌ بِالْكَواكِبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذَا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَواكِبِ.»[4]. وقد فهم عوام الفقهاء هذا الحديث على غير وجهه: فالحديث لا يُنكر التأثير الذي يكون عن حركة الكواكب، بل يُثبته؛ بعكس ما يظن الظانّون. ويدل على أن الفعل عند المؤمنين بالله، يُنسب إلى الله رب الكواكب، لا إلى الكواكب ذاتها؛ وهذا أمر عام، وليس مخصوصا بما يكون عن الكواكب. فكل فعل صدر عن مخلوق من المخلوقين، يُنسب في المرتبة الأولى إلى الله، من كونه صاحبه حقيقة؛ ومن نسب الأفعال إلى مظاهرها من العباد، فقد كفر. وإنما خُصّت الكواكب بالذكر لأنها أجرام سماوية، وكان المشركون إذا ارتفعوا بنظرهم عن الأرض وتجاوزوا سُفلها حُكما، لا يعقلون إلا الكواكب. وعندما رأوا أن الأفعال ناتجة عن تأثير الكواكب بالملاحظة والاستقراء، نسبوها إليها، واعتقدوا فيها الربوبية. فهذا هو الذي نهى عنه الحديث؛ أي عن نسبة الأفعال إلى الكواكب بالأصالة، وأما نسبتها إليها بالتبع، فهو أمر لا يُخالَف لظهوره. وقد تخلّف المسلمون وجهلوا، عندما تابعوا عوام الفقهاء في فهمهم السقيم؛ حتى عادوا يُنكرون ما هو في شطر منه محسوس!... وقبل المضي في الكلام عن السماوات، علينا أن نذكر ما تمتاز به كل سماء عن السماء الأخرى: هذا، وإن ساعات كل يوم من ليل ونهار، في علم التنجيم الرباني، ليست على التتابع المعهود في الأيام الطبيعية؛ وإنما هي متداخلة بحيث يكون اليوم من الأيام متفرقا: نهاره في يوم وليلته في يوم آخر، بحسب ما أخبر الشيخ الأكبر. وملائكة كل سماء، هم تحت رئاسة روح الكوكب المخصوص بتلك السماء؛ ولكن روحانية النبي المخصوص، لها الخلافة في السماء، لشرف النشأة الآدمية. وقد كنا في السابق ذكرنا الصفة والاسم المخصوصيْن بكل سماء، فبقي أن نذكر أن الأسماء الإلهية التسعة والتسعين تتوزع على الأبراج من الفلك الثامن. ومن اقتران الاسم المخصوص بالكوكب، مع أسماء الأبراج، يكون تدبير الشؤون السماوية والأرضية. وإن حركة الكواكب بهذا الصدد، تُشبه حركة المنسج الذي تُصنع من خيوطه الأثواب. ونعني أن كل ما يحدث على الأرض، لا بد له من اقتران لحركة الكواكب يسبقه، يكون عنه تركيب الأسماء الإلهية المخصوصة به. وبما أن حركة الأفلاك دائرية، ويكون كل كوكب أو نجم فيها مستقلا عن غيره، إما بصفة جلية وإما بصفة خفية، فإن ما يحدث عن اقتراناتها لا نهاية له دنيا وآخرة. وإن ما يحدث في الزمان الواحد من كل ذلك، يُعدّ عندنا تجليا متجددا للقرآن كله. وكل ما يقال بشأن السماوات، مما يروج فيما يُسمّى "عصر العلوم"، فأغلبه تشويشات على الحق، وليفقد الناس صلتهم بالوحي. ولا ينسَ أحد أن الأرض هي مركز العناية الإلهية، وأن الإنسان هو أخص شيء على الأرض. وأما تشتيت انتباه ضعفاء العقول بالكلام عن الفضائيين فهو أمر طفولي؛ ولقد كان الأجدر الاهتمام لما أخبر الله عن خلقه لمخلوقات غيبية، من أجل معرفة مكانتها من المعادلة العامة؛ ولسنا نعني إلا الملائكة والجن، الذين لا يكاد يخلو منهم مكان في السماوات أو في الأرض، على التوالي. فمن فرّط فيما هو واقع مـُخبر عنه، فلا يدّعِ أنه على صفة العلمية ولا العقلانية؛ بل هو أحمق من جملة الحمقى الذين تتلاعب بهم الشياطين. وقد جهدت الشياطين أن ترفع من قدر كل شيء إلا الإنسان، صرفا للناس عن الحق. وهو وحده يكفي في الدلالة عليه، لمن كان يعقل... وإذا كانت السماوات السبع تمتاز كل واحدة منها بفلكها، فإن فوقها الفلك الثامن الذي هو فلك البروج (التقديرات المكانية)، وهو أيضا الفلك الأطلس. وفوقه فلك الكرسي (التاسع)، وفوقه فلك العرش العاشر. وقد ذكر الله البروج في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ} [البروج: 1]. والبروج عددها اثنا عشر، وهي: السرطان، والجوزاء، والسنبلة، والثور، والميزان، والأسد، والحمل، والعقرب، والقوس، والحوت، والجدي، والدلو. ولا يقدح في هذا العلم، أن هذه الأسماء قد عُرفت لدى أمم غابرة؛ لأن المقصود من جهة هو التمايز الحاصل الذي يُشبه أرقام واجهة الساعة؛ ومن جهة أخرى فإننا قد قلنا مرارا بأن الله هو من يُنطق عباده بما يشاء من ألفاظ لحكمة يعلمها هو سبحانه، بغض النظر عن الزمان. وللكواكب السيارة صلة بالأبراج في أصلها وقبل الحركة التي كانت منها عن أمر إلهي. وسنبيّن تلك الصلة بالجدول الآتي: وكما أن البروج نشأت عن حركة الشمس السنوية في دائرة الفلك، فإن لحركة القمر حول الأرض منازل عددها ثمانية وعشرون، يقطعها في سنة شمسية. ومحورية الشمس والقمر باعتبار الأرض، هي من كونهما النيِّريْن في سمائها. وقد غلط المعاصرون عندما تجاوزوا اعتبار منازل القمر، لا لشيء، إلا لأن القمر كوكب ملحق بالأرض يدور حولها. والأمور في علوم السماء، لا تؤخذ بالحجم، ولا بكون هذا تابعا للآخر؛ بل الأمر محصور في الأرض، على ما تعطيه الملاحظة أولا، ثم على ما يعطيه التعليم الإلهي ثانيا (الكشف)؛ أما ما نسمعه من "علماء" الفلك المعاصرين، فإنه يبعد في كل مرة عن الحق. ولا ندري، هل سيتنبه المسلمون إلى هذه الآفة العصرية، أم سيتمادون -على عادتهم- في تقليد الكافرين؟!... والمنازل المخصوصة بالقمر، بغض النظر عن أصل التسمية وقيمتها، هي: الإكليل، القلب، الشولة، النعايم، البُلدة، سعد الذابح، سعد بُلَع، سعد السعود، سعد الأخبية، المقدم، المؤخر، الرشا، الشرطين، البطين، الثريا، الدَّبَران، الْهَقْعَة، الْهَنْعَة، الذراع، النَّثْرة، الطرف، الجبهة، الزُّبْرَة، الصَّرْفة، العَوَّاء، السِّماك (السنبلة)، الغَفْر، الزبانا. ومن سمى هذه الحركات العلوية حركة عقلية بالنظر إلى العالم، فله ذلك؛ وتكون الأحداث المتمخضة عنها في عالم العناصر هيئات جسمية طبيعية في مقابلها. ولا بأس هنا أيضا من التنبيه إلى أن العناصر الأربعة والطبائع الأربعة، هي أصل الأجسام وأحوالها. وكل من يتوهم أن ذلك من المقولات القديمة التي أسقطها علم العناصر الطبيعية كما هي معلومة الآن، فهو واهم؛ لأن اختلاف الذرات المؤدّي إلى القول باختلاف العناصر، هو تفصيل في المسألة، وليس ناسخا لها. غير أن العناصر تنبغي إعادة النظر في تصوراتها، بما أن الماء تختلف صورته بحسب الطبيعة الغالبة، وكذلك عناصر التراب والهواء والنار. فأجسام الجن المخلوقة من نار، لا يُتصوّر منها أن تظهر للعيان ألسنة لهب؛ فإن لم تظهر، كُفر بها، ونُسب القول فيها إلى الاختلاق والخرافة، كما يذهب إلى ذلك الكافرون ومقلدوهم من ضعفاء العقول من بني الإسلام؛ وإنما تُعلم على أنها طاقة بالإطلاق المعاصر. ومع أن الطاقة متعددة الصور، ومختلفة الأصل، فينبغي اعتبارها داخلة تحت جنس النار بحسب القدماء؛ وهكذا ينبغي أن تُفهم المادة في هذا العصر. وهذا الذي ننصح به، هو ما يجعل المرء عالما، باعتبار الثراء الحاصل من الجمع بين المقولات القديمة والحديثة. أما ما يذهب إليه أهل التسطيح من القول بالنسخ، فهو باختصار نكوص وارتداد إلى الجهل. ولنعد الآن إلى ما يروّجه "علماء الفضاء" الكافرون، من صعود إلى الفضاء متاح لكل من يرغب فيه، لنقول إن ذلك كله مخالف للحق. وقد أخبر الله تعالى عن امتناع ذلك بقوله: {یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا۟ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُوا۟ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنٍ} [الرحمن: 33]؛ والسلطان الإذن الإلهي، لا العلم الكوني كما هو شائع؛ لأن ملك السماوات والأرض لله، وليس لأحد من المخلوقين أن يتصرف فيها بغير إذن منه سبحانه. ولكن هذه الافتراءات والتخييلات، المقدمة على أنها إنجازات علمية، تتماشى مع موجة الإلحاد العالمية، والتي توحي بأن السماوات قد خُلقت اعتباطا، عن طريق الانفجارات الكونية، وبالتالي فيمكن الصعود فيها والنزول، بحسب الأهواء. ونسي المسلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد صعد إلى السماوات ليلة العروج الشريف بصحبة جبريل عليه السلام، وعن إذن مخصوص. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «(...) ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلى السَّماءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْريلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قالَ: جِبْريلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلى السَّماءِ الثّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِابْنَيِ الْخالَةِ: عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا، فَرَحَّبا بِي، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلَى السَّماءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِيُوسُفَ، وَإِذا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلى السَّماءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعا لِي بِخَيْرٍ. قَالَ اللهُ تَعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلَى السَّماءِ الْخامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِهارُونَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلى السَّماءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ، قَالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا، فَإِذا أَنا بِمُوسَى، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إِلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ! قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ! قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فَإِذَا أَنا بِإِبْراهيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلى الْبَيْتِ الْمَعْمورِ، وَإِذا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ. ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (...)»[5]. فإذا كان جبريل ومعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يستأذنان في الدخول إلى كل سماء، هل يدخل إليها الكافرون من غير استئذان؟!... وليذكر القارئ قول الله تعالى على لسان شياطين الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن یَسۡتَمِعِ ٱلۡـَٔانَ یَجِدۡ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن: 9]؛ منها: أي من السماء؛ والمعنى ما يلي السماء الدنيا من جهة الغلاف الجوي للأرض. وإذا كان الجن الذين هم أكثر قوة من البشر، وأكثر لياقة لقطع المسافات الطويلة بأقصى سرعة، ممنوعين من الصعود، فما القول عن البشر الذين هم في الظاهر من أضعف الخلق!... وإن الإيهام الكبير الذي تعرض له الناس طيلة العقود الماضية، لا غرض منه إلا فصل الناس عن الوحي؛ وقد أفلح المغرضون مع الكثيرين، حتى عاد الطعن في بعض الإنجازات المكذوبة لأهل الفضاء، يُعدّ أكبر من الكفر بالاصطلاح الشرعي. وقد كنّا نقول للناس أحيانا: ها هي الأرض التي هي موطننا، توجد بها أماكن لا يعلم عنها أحد شيئا؛ فكيف يزعم من يجهل الأرض، أنه مسيطر على السماء، لولا الحمق البيّن!... ثم من يجهل الجن، وهم يُساكنونه في الأرض، كيف يزعم أنه يعلم شيئا من السماوات؟!... ويبحث في المجاهيل عن كائنات فضائية!... ولنتوقف عند السبب الذي من أجله منع الله الصعود إلى السماء، وهو ما دلت عليه الآية من سورة الجن السابقة؛ ونعني أن الجن كانوا يسترقون السمع مما دون السماء الدنيا عندما يبلغها الأمر النازل، فيعلمون من حديث الملائكة بعضَه، فينزلون به إلى الأرض ليُخبروا العرافين والسحرة، الذين كانوا يستعملون تلك الأخبار فيما يُريدون. يقول الله تعالى: {وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ بُرُوجًا وَزَیَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِینَ . وَحَفِظۡنَـٰهَا مِن كُلِّ شَیۡطَـٰنٍ رَّجِیمٍ . إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٌ مُّبِینٌ} [الحجر: 16-18]؛ ومعنى الرجيم: المطرود رجما بالشُّهب. وقد صرح الله تعالى بحفظ السماء في قوله تعالى: {وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَاۤءَ سَقۡفًا مَّحۡفُوظًاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَایَـٰتِهَا مُعۡرِضُونَ} [الأنبياء: 32]. ومن تمكن من الصعود إلى السماء، فإنه سيتمكن من التأثير منها على الأرض؛ وهذا هو ما كان مطلب الناس منذ قديم الزمان. ولكنّ الله قد بيّن سبحانه أن أمر السماء قد ضمن الله حفظه، حتى تنزل به الملائكة كما أُمروا. وهذا يدل على أنه لا أحد يتمكن من التأثير في الأحداث الأرضية من منطلَق نشأتها، ولكن يبقى له ما يدخل من ذلك في الأسباب المسخَّرة له. وحتى هذه الأسباب، فإنها لا تخرج عن تحكّم الأمر النازل من السماء. فاتضح أن أولئك الزاعمين للصعود إلى السماء، لو افترضنا جدلا أن ذلك وقع لهم، لكان بمقدورهم التأثير على الأرض بالطريقة التي يريدون؛ والحال أنه لا أحد تجري الأقدار كما يشتهي، فتبيّن أن السماء محفوظة كما أخبر خالقها سبحانه. ومن كذّب بهذا الأمر، فليعلم أنه كافر كفرا أكبر؛ ولعل هذا هو ما وقع لكثير من مغفلي المسلمين، لذلك لا نجد لما تبقّى لهم من آثار تدين نفعا لهم. وهذا، لأن المرء إذا كان على تديّن سليم، فلا بد أن يجد نفعا لتديّنه، لا يتمكن الكافر من تصوره!... وليتنبّه القارئ إلى أننا بهذه المقدمة في التفسير، لا نريد الدخول في التفاصيل التي تثير فضول العامة، بقدر ما نريد إبراز الأصول التي تنبني عليها العلوم والأحكام. وكلنا نعلم أن الناس يطمحون إلى نيل علم بعض الغيوب، طمعا في التحكم في مصائر الناس؛ وهذا من الربوبية الكامنة في النفوس. فمنهم من يتحقق له ذلك بطرق مشروعة، بعد التزكّي، كذكر الاسم الأعظم وما يدخل في معناه؛ ومنهم من تأخذه الشياطين باستدراجاتها إلى الضلال المبين. ولو أن العبد اشتغل بما أُمر به من قِبل ربّه، لكان خيرا له في الدنيا والآخرة. ونحن ننصح الناس بموافقة الشريعة، فإن فيها أفضل مما يقصدون؛ فيها رضى الرب وأمانه. وعلى كل حال، فلنكتف من هذا الفصل بهذا القدر المختصر، لنمرّ إلى خلق الإنسان، بما هو عالم أصغر، يجمع كل حقائق العالم الأكبر... [1] . الحديث طويل، وقد أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من حديث أبي هريرة، وضعّفه لعلة الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة؛ بينما قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: "ووقع في سنن النسائي من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات قال الحسن لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث أخرجة عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب وهذا إسناد لا مطعن من أحد في رواته وهو يؤيدانه سمع من أبي هريرة في الجملة.". وأما الذين أنكروا معنى الحديث كالجوزقاني والذهبي، فلا يُعتبر كلامهم لجهلهم بمعاني الأسماء، واقتصارهم في فهم العلو على ما يُعطي التنزيه وحده؛ بينما الأمر في الأجسام، من العرش فما دونه، هو متعلّق بالتشبيه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.