اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]() «السابقالتالي»
2026/07/05 رحلتي إليّ (تثلـــيث التسميم) -5- تثلـــيث التسميم
وجدتني ذات يوم من هذه المرحلة الزمنية، في واقعة لم أكن أطمع فيما عاينته فيها ولا خطر لي منها ذلك على بال، بحيث لم يتغيّر من ظاهري بسببها أدنى شيء، لغلبة حال الفناء عليّ؛ فقد كانت مما يتعلّق بغيبي وباطني... وإن من لم يعاني أطوار السلوك كما عانيناه نحن، لن يفهم التفريق بين الغيب والشهادة الذي نتكلم عنه هنا، بل سيتصور ذلك بمخيلته، كما يتصور المخلوقات الغريبة التي تتناقلها الحكايات الشعبية والأساطير... وجدتني في هذه الواقعة واقفا بجانب مقبرة قديمة، وأنا أنتظر خروج جماعة من أسلافي من قبورهم، وكأنني على موعد معهم. كانوا يخرجون من القبور الواحد بعد الآخر ويقفون في الجانب المقابل لي، من دون أن أكلمهم أو يكلموني. كانوا في معظمهم يرتدون ثيابا خشنة مما كان معروفا لدى الشعوب القديمة، وكانت الخطوط البيضاء العريضة التي تتخلل ما كان يظهر من خلفية رمادية، تميل إلى الصفرة من أثر الزمن. ولما اكتمل العدد، مشينا جميعا في اتجاه بيت حجري تتراءى منه عن بعد أنوار خافتة مما كان عليه الناس قديما. دخلنا جميعا إلى غرفة باطن جدرانها كظاهرها، تظهر منه أحجار تتخللها خطوط طينية تعطي الغرفة تحت تلك الأنوار الخافتة لونا بنيا كلون التراب. كانت الغرفة واسعة ومستطيلة، أخذنا منها أمكنتنا وكأن كل واحد يعلم سلفا موضعه في الصف الذي يناسبه. كان عرض الغرفة هو محل صف الصدارة، وكان الصفان اللذان على طول الغرفة ينتظمان أشخاصا، لم أكن أنا والجماعة التي دخلت معها إلا بعضا منهم؛ وكنت أنا من الصف الذي كنت فيه، أجلس في مقابل الباب الذي دلفنا منه... وما استقر بنا المجلس، وأنا بعدُ لا أتبيّن الجالسين من دهشتي، إلا وشخص كان يجلس في صفّي، حيث كان يفصل بيني وبينه شخص أو اثنان في الاتجاه الأقرب إلى صف الواجهة والصدارة، ينطق مخاطبا من كان في الصدارة: - أنا أريده أن يرثني!... عرفت من نبرة الصوت ومن لهجة الكلام، أن المتكلم كان سيدي ابن الطاهر؛ وعرفت من إشارته نحوي أنه يقصدني أنا. وعرفت أن المخاطَب هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان يخطر لي ذلك على بال؛ ولكنني مع حقارتي عند نفسي، وجدتني أردّ على المتكلم، وكأنني علمت من هيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يستطلع رأيي، فقلت على الفور: - هذا الأمر، يعود البت فيه إلى سيدي حمزة رضي الله عنه. قلت ذلك، أداء لحق الأدب مع شيخي، الذي كان يجلس في صفنا، على مبعدة شخص أو شخصين من سيدي ابن الطاهر، في الاتجاه الأقرب إلى سيدنا رسول الله. قلت كل هذا، وأنا أعلم علما ضروريا بأن الأدب مع شيخي أولى بي، ما دمت تحت تربيته؛ وأعلم أن تطلعي إلى نيل المكانة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بين يدي شيخي وفي حضوره، يخالف آداب السلوك، ولن يُرضي معلّمنا الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم عني. علمت كل ذلك من باطني، وسارعت إلى ما ذكرته من ردّ على كلام سيدي ابن الطاهر. وكم عجبت عندما نطق اللسان الشريف في المجلس، والناس كأن على رؤوسهم الطير، وكأنهم ينتظرون حكما مبرما في المسألة المعروضة، قائلا في جملة قليلة الألفاظ ولكنها حاسمة: - إذاً نترك الحسم في هذا الأمر للشيخ حمزة. وأعقب الكلام النبوي الشريف صمت كالصمت الأول الذي كان يخيم على الجلسة. وانتهى الأمر على هذا...
***
لم يكن ما رأيته من الواقعة التي ذكرت آنفا، ليغيّر من نظري إلى نفسي شيئا؛ فأنا كان قد بلغ بي الأمر ألا أرى لنفسي مكانة بين الخلق أجمعين. ولم يكن لي مطمع عند ربّي إلا أن يقبلني آخر المسلمين عنده، من دون تطلع إلى نيل مكانة أو جزاء؛ بل عبودية خالصة كنت قد فُطرتُ عليها، وكان شيخي قد سار بي في طريقها بمدد نبوي لا أشك فيه لحظة. وكان سير شيخي عليه السلام بي، على خلاف ما كان يسير فيه بمن كنت أعرف من المريدين، باستثناء سيدي ابن الطاهر الذي كنت أعلم من حاله أنه كان يسبقني في طريق العبودية. وكان رضي الله عنه وجزاه خيرا، لا يبخل بنصحي ودلالتي على ما كان يسبقني فيه، دلالة أخ أكبر شفوق نصوح... كان سيدي ابن الطاهر يُظهر ميلا إلى شخصي مع مرور الأيام، رغم أنني ما كنت أكشف له ما بباطني، مما هو من المعاملة الخاصة بيني وبين ربّي. فكان كلما علم شيئا مما يدل على باطني، يزداد توددا إلي؛ إلى أن قال لي ذات مرة وهو يزورني في جرادة: - أنا لا آتي إلى هنا إلا بسببك أنت. فسكتّ متأدّبا بين يديه، ولكنني لم ألتفت إلى ما قال، لأن قلبي بكليته كان مع شيخي، وكان البيع قد تم، بحيث لا أتمكن من استرجاعه، وإن رمت ذلك؛ وكنت لا أروم، لعلمي بأن السير في الطريق ينبني على الوفاء للشيخ، بصرف النظر عن المآل. وهذا يعني أنني كنت أتهيأ لدخول النار كما أتهيأ لدخول الجنة، لعلمي بأني أمري إلى مشيئة ربّي لا إلى شيء دونها. وهذا في الوقت الذي كان فيه رفاقي، يستبشرون بالرؤى الصالحة، ويفرحون بالطاعات... قد يستغرب مقالتي من كان على دراية بأحكام الشريعة العامة، وربما ظنّ بي جهلي بها، وجهلي بالأدب الواجب مع الربوبية؛ وفي الحقيقة كنت على عمل بأحكام للشريعة لا علم للفقهاء بها، لأنها من العلم الخاص الذي لا يؤتيه الله إلا للأئمة من هذه الأمة... ومن هذه العبودية الخاصة، استقبلت الواقعة التي سأل فيها سيدي ابن الطاهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإذن له بأن يورّثني، بشكر الله على فضله العظيم، ولكن من غير التفات إلى شيء يُفسد عليّ إخلاصي لربي. ثم كتمت الأمر وركنته في ذاكرتي، وأوصدت الباب عليه، وكأنه لم يكن...
***
غير أن عالم الأمر سيخرج إلى عالم الشهادة، بطريقة كنت لا أتبيّنها من شدة استغراقي في الباطن؛ وذلك هو أن سيدي ابن الطاهر فاجأني في أحد الأيام بطلب لم أكن أتوقعه منه. لا أذكر أين كنّا حينها، وإن كنت أغلّب أننا كنا في زاوية شيخنا رضي الله عنه، أمام الغرفة التي كان يسكنها سيدي ابن الطاهر؛ ومن شدة غلبة الباطن عليّ لا أذكر إلا أن سيدي ابن الطاهر كان جالسا، وأنني أنا كنت واقفا قبالته... كان ينظر إليّ بعينيه الواسعتيْن، ثم ما لبث أن قال: - أنا أعرض عليك أن تخرج معي في جولة داخل المغرب، فما قولك؟... فاجأني عرض هذا الولي الكبير، وعلمت أن ردّ طلبه لن يكون من الأدب الواجب في حقه، بل ربما يكون ذلك من سوء الأدب مع الله ورسوله، فاهتديْت إلى أمر وسط، وهو القبول، لكن باشتراط أن يرافقني صديقي (م. ز). وهذا لاعتباريْن: الأول: هو أنني كنت على خشية من البقاء مع سيدي ابن الطاهر رأسا برأس، لغلبة القبض عليّ في حضرته. فكنت لا أضمن أن أبقى معه على ما ينبغي من أدب طيلة الوقت... والثاني: هو أنني كنت آنس إلى صديقي المذكور، وأشاركه بعض رشحات باطني؛ وإن كنت أعلم أنه لن يطيق كل ما يزخر به. وكنت قد سبق لي أن سافرت معه في أثناء بعض العطلات الصيفية، إلى بعض جهات المغرب. وكان هذا الصديق واسع الصدر، لا يكلفني أكثر مما أطيق من أمور؛ لكنني لم أكن على بيّنة من حقيقة باطنه تجاهي، وأنا أغلّب حسن الظن على عادتي، ولا أشدّد المحاسبة إلا على نفسي وحدها من دون العالمين. وهذا لا شك، كان يسهل على غيري أن يحتمل مجالستي أو مرافقتي؛ لكن هذه السفرة التي لم يجد فيها سيدي ابن الطاهر بدّا من الرضوخ لرغبتي في استصحاب أخي في الطريق آنذاك، ستُسفر لي عن باطن صاحبي، من دون قصد منّي ولا حقيق اهتمام... أخبرت صاحبي بعزمي على السفر معه برفقة سيدي ابن الطاهر، فتعجّب لذلك أول الأمر. وسألني على غرار من تحركهم أنفسهم، عمّن كان وراء اقتراحه للرفقة، أنا أم سيدي ابن الطاهر؛ فأخبرته أنه أنا؛ بل إني كنت قد جعلت موافقتي على السفر مشروطة به. فأخبرني أنه يعلم أن سيدي ابن الطاهر لا يقبله، وأنه إن رضخ للأمر فإنما ذلك كان إرضاءً لي. أما أنا، فلم يكن يهمني ما يراه الاثنان معا؛ لاشتغالي بباطني. ولم تمض أيام إلا ونحن ننطلق من وجدة في سفرة هي من أغرب ما مرّ عليّ...
***
اجتمعنا نحن الثلاثة قبل الانطلاق، وكان أول ما فعله سيدي ابن الطاهر أنه ذكّرنا بالسنّة في السفر، وأنه تبعا لذلك ينصّب نفسه علينا أميرا؛ فذكرنا له أن ذلك يوافق هوانا، وأننا لا يمكن أن نرضى بغيره للإمارة وهو أعلمنا حينذاك بالله. ثم اشترط على صاحبي أن يتكفل بحمل الحقائب والأمتعة، وذلك لأنه كان الوحيد القادر على ذلك: فأنا أعاني من تسمم قَلَب شبابي إلى شيخوخة مبكرة، وسيدي ابن الطاهر كان كبيرا في السن وكان يعيش برئة واحدة كما ذكرت فيما سبق من الكتاب عنه... انطلقنا من وجدة في اتجاه الغرب، وكنا ننزل في كل مدينة في طريقنا، وفي الغالب كنا ننزل ضيوفا إما على زاوية من الزوايا البودشيشية، أو على أحد معارف سيدي ابن الطاهر من الفقراء الأغنياء. ولكن سيدي ابن الطاهر كان حريصا على أن نزور أولياء كل مدينة نحل بها، وكان يتقدمنا إلى قبر الولي صاحب الضريح المزور، ويبقى قبالته يناجيه مدة من الزمان غير يسيرة؛ في الوقت الذي كنت أنا وصاحبي نكتفي بالجلوس بعيدا خلفه، بعد أن ننتهي من التسليم على الولي المزور، ندعو بما يتيسر لنا، ونتجول بأعيننا على الجدران أو متصفحَيْن لوجوه الزوار ما لم يكن من بينهن نساء يحرم علينا النظر إليهن... كان صاحبي على خلافي شخصا فطنا لا يترك تصرفات سيدي ابن الطاهر تغيب عن ملاحظته، وبعد مدة قليلة من زيارة بعض الأولياء في المدن التي كنا نمر بها، أخبرني قائلا: - "العفريت" (يقصد سيدي ابن الطاهر) له قصد فيما يفعل!... فاستمعت إليه أنا بأذني ولم ألتفت بقلبي إلى ما كان يريده من عبارته. كنت فانيا عن العالم أجمع، مشغولا بما يتوارد على باطني من أحوال ومن خواطر. وأذكر ونحن في مدينة تازة التي وصلناها بعد المرور بجرسيف، أننا كنا نسير في إحدى عقباتها، يتقدمنا سيدي ابن الطاهر على عادته بخطواته الرشيقة، ويتوسطنا صاحبي وهو يحمل الحقائب التي يئن تحت وطأتها مع صعوده العقبة، أما أنا فكنت أسير في الخلف شبه سكران من الحال، وكنت أقول بين الحين والآخر معلنا لصاحبيّ: - أنا يقع لي أننا في طنجة لا في تازة!... فكان سيدي ابن الطاهر يتوقف قليلا ملتفتا إلى الخلف وهو يرمقني بنظرة لها عنده دلالتها قائلا: - طنجة يا العالية!... كانت هذه العبارة مطلعا لأغنية شعبية شمالية شهيرة للمغني الحسين السلاوي رحمه الله، فكنا نضحك من عبارة سيدي ابن الطاهر ونواصل المسير... نزلنا في مدينة تازة في مقر الزاوية البودشيشية، وكنا نجالس الفقراء أثناء ذكرهم في الزاوية، أو كنا نرافقهم في الليالي إلى البيوت التي كانوا يُدعون إليها. وفي إحدى جلساتنا في الزاوية، التفت إليّ مقدّم الزاوية وسألني: - هل هذه اللحية (يشير إلى لحيتي) سلفية؟... وذلك لأن لحيتي كانت طويلة بالمقارنة إلى لحى الفقراء على اختلاف أعمارهم، والتي إما تكون قصيرة وإما حليقة. فلم أجب أنا المقدّم، لأنني اعتبرت سؤاله سوء أدب ودخولا في الخصوصيات. أما هو، فلا شك كان يمارس عمله الاستخباري من منطلق كونه مقدّما ينبغي أن يعرف من يدخل الزاوية، ومن منطلق توظيف المخزن للمقدّمين بغرض التجسس على الوافدين على المدينة، حتى لا يدخلها من يكون مشبوها، ربما قد يرتكب فيها جريمة من الجرائم. وقبل ذا وذاك، فلا بد أن يكون المقدّم قد أثار فضوله مظهر شاب مخالف لجل شباب عصره عموما، ولجل شباب الزاوية خصوصا. وعندما لاحظ سيدي ابن الطاهر سكوتي، تطوّع بالإجابة نيابة عني قائلا: - هذه لحية سنية من لحى أهل الطريق!... فخضع المقدّم وسكت، لعلمه بمكانة سيدي ابن الطاهر، ولم يعد إلى أسئلته العامية... وفي إحدى الليالي، رافقْنا فقراء تازة إلى قصر تقليدي من الطراز المغربي الأندلسي، وبعد أن ذكرنا وتعشينا، طلب مني سيدي ابن الطاهر أن أسمعهم شيئا. وكنت أنا في تلك المرحلة من سلوكي، لا يطيب لي إلا شعر سيدي ابن الفارض، أنشده مواويل أو موقّعا على رقص الفقراء في ألحان كنت أقلد فيها ما هو معروف لدى الفقراء من ألحان، أو مما أبتكره من عندي بما أنني كنت قد بدأت التلحين فيما مضى من عمري. وكانت قصائد سيدي ابن الفارض تذْكُر "ليلى" وما يدور حولها من معارف وأذواق أبدع الشاعر في سكبها في قوالب من العروض تسحر الألباب من دون غناء؛ وأما إن صيغت في ألحان روحية تناسب معانيها، فإنها كانت لا تُبقي ولا تذر من مشرِفي السالكين أو من واصليهم. وكان سيدي ابن الطاهر (بعد شيخي حمزة) يفنى في سماعي ويذهب في الذاهبين... انتهت الليلة بعد اختتام المجلس، وخرجنا نسير على أقدامنا في طريق العودة إلى مقر الزاوية، في ليلة صيفية جميلة كما تكون ليالي المغرب عادة. كنا نمشي فرادى أو مثنى وثلاث ونحن نتسامر، يتقدمنا سيدي ابن الطاهر الذي يمشي وحده وهو يُسرع الخطى على عادته. اغتنم مقدم الزاوية في تازة الفرصة، وصار يمشي إلى جانبي، وكانت له بطن ضخمة رغم توسط كهولته وصلابة بنية جسمه؛ وقبل أن نصل إلى الزاوية، وكأنه خشي من فوات الفرصة، سألني: - من هي ليلى تلك، التي كنت تذكرها في قصائدك؟!... كان الرجل فجّا على عادته، وكنت أنا أميل إلى الإعراض عنه، ولكنني استحييت من مكانته ومن عمره، فاخترت أن أجيبه بجواب "ديبلوماسي" أتخلص به من فضوله، من دون أن أدخل معه في العلوم الخاصة، فقلت: - ما أنا إلا منشد، وأما الشعر الذي أنشده فهو لولي عارف بربه، يعلم ما يقول في شعره. فلم يجد الرجل ما يقوله، وسُقط في يده، وافترقنا؛ بحيث دلفت أنا إلى الزاوية، وعاد هو أدراجه إلى بيته... وجدت عند دخولي الزاوية سيدي ابن الطاهر يتخفف من ثيابه استعدادا للنوم، وسألني عما دار بيني وبين المقدّم، لأنه كان قد لاحظ انفراده بي، فأخبرته بالتفاصيل، فقال لي: - لو قلت له إن أهل الله يقصدون من ذكرهم لليلى كذا وكذا!... وكأنه كان يريد منّي أن أبيّن للمقدم أنني على علم بالمعاني التي أنطق بها على لساني؛ وكأنه رضي الله عنه كان يريد من الناس أن تعلم أن الطريقة ما تزال تخرّج رجالا لله، كما خرّجت أمثاله هو من قبل. ولكنني أنا كنت أسير بما يوافق حالي وطوري، ولم أكن أعبأ بعوام الناس ولا بخواصهم، فلم أعقب على كلام سيدي ابن الطاهر، ولكنني ذكرت له جوابي للرجل، فكأنه قبله... ومن طريف ما وقع لنا مع رجل من الأفاضل، أنه عندما كان حاضرا في الزاوية مع إخوانه، أخبره سيدي ابن الطاهر أننا سنزوره ثلاثتنا على الساعة الثانية بعد الزوال في الغد، ولم يزد على ذلك. وعندما جهز لنا المقيمون بالزاوية غداءنا، تغدينا على عادتنا، وعندما كنا نكلم سيدي ابن الطاهر عن موعد صاحبه، كان يصر على أننا لن نتغدى عند الرجل، فكنا نسكت. هو كان يفهم هذا، وأنا كنت أفهمه؛ ولكن كل الآخرين بمن فيهم صاحبي، كانوا يفهمون أن المغربي إن ذكرت له أنك قادم إليه على الساعة الثانية، فإنه لن يفهم من ذلك إلا أنك تريد أن تتغدى عنده. وقد حذّرني صاحبي (ز)، وجعل يُشعرني بأننا سنقع في إشكال مع الرجل، لأننا سنجده قد هيأ الطعام اللائق من غير شك. فكنت أنا أستمع إلى بعض اقتراحاته المعارضة، ولا أُلقي إليها بالا، لأنني أعرف أن لنا أميرا، هو من يعود إليه الفصل في مثل هذه الأمور... استقبلَنا الرجل بفرح جمّ، وما أن استقر بنا الجلوس، حتى أدخل علينا مائدة عليها عدة صحون: منها ما يُدرج في الأكلة الرئيسة، ومنها ما هو من المقبلات والسلطات، بالإضافة إلى فواكه الصيف من مشمش وبطيخ بنوعيه. وبمجرّد أن دخلت المائدة علينا، قام لها سيدي ابن الطاهر مقاوما، يقول: - أما أنا (يقصد نفسه الشريفة) وهذا (يقصدني أنا)، فلن نأكل لك حبّة واحدة!... وأما هذا (مشيرا إلى صاحبي) فليأكل ما يشاء. فأراحني حكم سيدي ابن الطاهر، لأنني كنت لا أتمكن من إدخال الطعام على الطعام؛ ولكن الرجل المـُضيف بقي واقفا أمامنا، مرتبكا قد تغيّر لونه إلى خجل لم يتمكن من دفعه عن نفسه. وعندما انتهى صاحبي من ذوقه للصحون، رفعا للحرج عن أهل البيت (وهو كان يُفرّق في هذا بين الرجل وزوجه وبناته اللائي تعبن في إعداد الطعام)، دعانا سيدي ابن الطاهر إلى أخذ قيلولة نستقبل بها وقت العصر للصلاة. وعندما بقينا في ذلك الوقت الذي نام فيه من نام، وبقي صاحيا فيه من بقي، توجّه إلي سيدي ابن الطاهر، وصار يمتدح لي ابنةً لصاحب البيت، قائلا: - هي كالحورية!... وصار يرمقني لعله يظفر مني بشيء، وأنا كانت عادتي أن أجامل كأن أقول للمتكلم "ما شاء الله"، ثم أنغلق وأسكت. فلما بدا لسيدي ابن الطاهر أنه لا يضمن ما رامه مني، قال لي: - أو لعلك ستخجّلني مع هذا الرجل، وهو لا يستحق أن نتلاعب به... فتركته يسأل نفسه ويجيب، إلى أن سلم لي وتركني، ثم عدنا إلى مذاكرة معارف الطريق التي كانت لنا كالبحر الذي لا نستغني بالبقاء خارجه أدنى زمن؛ وهو القدْر الذي جعله بعض الصوفية قياسا للغفلة حين قال: مقدار الغفلة هو المقدار الذي تخرج السمكة فيه من البحر إلى أن تموت. وهذا المقياس هو لطائفة من المستشرفين، وأما الواصل المتمكن فلا خروج له من البحر أصلا. وإن وقع له وخرج من البحر، فإنه يستصحب البحر معه حيث ذهب، ومع كل مدة بحسبها. فكنا بعد ذلك عندما نتذكر هذه الوليمة الغريبة، نضحك ونخوض في أحوال سيدي ابن الطاهر تبركا. وكان الكلام عنه يُدخل السرور على المتكلّم وعلى السامعين، فضلا من الله ونعمة. كيف لا وهو من بقية آل البيت من الأدارسة الشرفاء، الذين يستنشق منهم الناس عبير الطيب النبوي!... وبما أن الرجل كان يعيش على رئة واحدة، فإنه كان مضطرا إلى أن يخرج نصف نخاماته وبصاقَه من قصبته الهوائية حتى يسهل عليه التنفس، لأن الرئة الواحدة لا تحتمل الأمر لو بقي على العادة الأولى. وكان يتخذ لنخاماته علبة يُكثر غسلَها، ويتنخم فيها حيثما كان، ولو كان على طعام. وقد لفت صاحبي (ز) نظري إلى أن الناس لا يعافونه هو خاصة من دون الناس، وإن أخرج قارورته وبصق فيها وصار يبالغ في التنخم. ونبهني صاحبي -جزاه الله خيرا- إلى أن ذلك كان كرامة له: أن يُحبه الناس ويقبلوه كما هو. فوافقته على ملاحظته، من دون أن أتوقف عندها... وأما من كان يلاحظني أنا كيف أكون معه، من بعض الفقراء الذين كانت لهم عليّ دالة، فقد كانوا يقولون: - من يراك ويراه، يقول عنك إنك ابنه!... وما كنت أنكر شيئا من ذلك، بل لقد كنت أشعر بتقليدي له في حال طهارته الظاهرة، والتي كان فيها على مذهب سيدي أبي مدين بن المنوّر. فكان ذلك عندي من موافقة حال الظاهر لحال الباطن. وقد سمعنا ممن سبقنا في الطريق، أن سيدي أبا مدين رضي الله عنه، كان يبالغ في مراعاة طهارة الظاهر، إلى الحد الذي كان يغسل معه النقود التي تُهدى إليه من قبل الفقراء. وأما عند تقبّلها منهم، فإنه كان يكتفي برفع "هيدورته" (جلد الخروف المعدّ للجلوس)، ليُلقوا بها تحتها، قبل أن يُعيدها إلى حالتها الأولى. وكان سيدي أبو مدين لا يأخذ الهدايا من موظّفي الدولة، لأنها كانت في نظره لا تخلو من شبهة؛ وكان إذا خرج يمشي بين أصحابه في أزقة وجدة قاصدا لبيوت مريديه، فإنه كان يسير واضعا "قُبَّه" (غطاء الرأس من الجلباب المغربي) على رأسه، بحيث لا يُرى وجهه، ولا يرى هو إلا موضع قدميْه الشريفتيْن. وقد كان يأمر مريديه باتباعه في طريقة العمل بالسنة، إلى أن جاء النهي لأكبر تلاميذه سيدي حمزة عليه السلام، الذي كان يحبه محبّة خاصة، فرآه مرة يعمل كعمله في أمور الطهارة، فنهاه -كما أُخْبِرنا- قائلا: - لا تقلدني في أعمالي، فأنت مجعول لزمن غير زماني، ولن يصلح لك مذهبي في الطهارة حالذاك، فتخفَّفْ مما تعرفه عنّي، من دون أن تخالف السنة، ولا تخش شيئا. فرأينا نحن تلاميذ الشيخ حمزة، شيخنا على أوسع ما يكون الفقيه من السعة في أمور الطهارة الشرعية، مع التقيُّد بها في الصغيرة قبل الكبيرة. ولقد كان بالفعل هذا الحال الجديد، أقرب إلى شبان المعاهد العلمية أو التقنية أو المعاهد الأدبية المنفتحة على الأنظمة الكفرية الشائعة في زماننا؛ ووسع الله بتوسيعه على أولئك الشبان، فتنورت بواطنهم من أقل مباشرة للذكر لامست قلوبهم. فانتُشلوا بذلك التسهيل من ضلالات كانوا يعتنقونها: كالماركسية، والجدلية المادية، أو الليبرالية التي تستند إليها فلسفة تحرير السوق، وغير ذلك مما رأيناه نحن التلاميذ رأي العين...
***
في طريقنا بعد مغادرة مدينة تازة، عرجنا على جدنا مولانا إدريس الأول في زرهون، ثم على ابنه مولانا إدريس الثاني دفين فاس الغراء رضي الله عنهما؛ ثم قصدنا إلى زيارة سيدي علي أبي سرغين رضي الله عنه بمدينة صفرو، فوجدنا ضريحه يغص بالزوار الذين جرّبوه أو سمعوا عن كرامته فيما يتعلّق بشفاء الأسقام. ومما عرفنا من سيدي ابن الطاهر الذي كان يخبرنا عند كل ضريح بنبذة عن صاحبه وعما اشتُهر به عند العامة أو عند الخاصة على السواء، من معارف ومن كرامات؛ ما أخبرنا به عن سيدي علي هذا، من أنه كان معظّما لدى المسلمين كما لدى اليهود، لذلك فلا يستغربن زائره إن وجد عند ضريحه أفرادا من اليهود المغاربة أو من يهود العالم. فكنت أنا وصاحبي نزداد تعجبا من غزارة علم سيدي ابن الطاهر بأولياء المغرب والمشرق، وإخباره عن تلاقي هؤلاء بأولئك إن وقع في الحس أو في المعنى، وعن أخذ بعضهم عن بعض إما مباشرة وإما بالروح. وبعد ذلك توجهنا إلى الشيخ الكامل سيدي محمد الهادي بن عيسى رضي الله عنه في مدينة مكناس. وقد كان في الحقيقة صاحبي أكثر اهتماما مني بالتفاصيل التي كان يستزيد منها بطريقة لا تخلو من توفيق إلهي يستند إلى محبة وتعظيم لأهل الله قاطبة. أما أنا، فلم أكن على قدره في الاهتمام؛ لا عن نقص في التعظيم والتوقير، ولكن لاستغراقي في الحق وفنائي عن الخلق. وما كان ذلك ليغيب عن سيدي ابن الطاهر وهو من كبار أهل الكشف، وإن جُهل قدره لدى العامة من الفقراء بله العامة من عموم المسلمين... وعندما بلغنا ثلاثتنا مدينة الرباط، استقررنا في زاويتها التي كان المقدّم عليها آنذاك الفقيه أحمد لسان الحق. فمكثنا بين جماعة من الفقراء الذين لحقنا بهم، كانوا قد التقوا بشيخنا حمزة رضي الله عنه هناك، بأيام قليلة قبل مجيئنا. فهيّأ الله لنا في الرباط زيارة ضريح سيدي العربي بن السائح، الذي كان أحد شيوخ سيدي أبي مدين شيخ شيوخنا رضي الله عن الجميع... وفي مدينة الرباط وفي أول ليلة لنا بها، لم أشعر إلا وصاحبي (م.ز) يستأذنني في العودة إلى مدينة وجدة. كان الرجل قد انتهى إلى قرار العودة، بطريقة حاسمة، لم يبق لي معها أنا من كلام؛ خصوصا وأنه لم تبق بيننا وبين زيارة شيخنا حمزة عليه السلام إلا مرحلة واحدة؛ لأنه كان يوجد وقتها في الدار البيضاء. وعندما استفسرت صاحبي عن إصراره على العودة، أخبرني بأن سيدي ابن الطاهر (من جهة باطنه) لم يكن يريده أن يكمل معنا جولتنا. فأذعنت لرغبة صاحبي عندما رأيت انقباضه قد بلغ الحد، لعلمي بأن نفسه لا تطيق الاستمرار، وودعته على باب الزاوية، وطفقت عائدا إلى الداخل، حيث وجدت سيدي ابن الطاهر قد أعدّ لي وله فراش النوم لتلك الليلة. وكان أول ما سألني عنه عندما رآني: - ماذا فعل صاحبك؟... فأجبته: - لقد عاد إلى وجدة!... ولاحظت استبشار سيدي ابن الطاهر وانطلاق أساريره. وعلى عادتي، لم أكن لأحفل بتفاصيل الأمور وقتها؛ ولكنني علمت فيما بعد أن سيدي ابن الطاهر كانت له نية في سفرتنا تلك، وهي استئذان من مررنا بهم من الأولياء، من أجل توريثي. علمت ذلك صراحة منه عندما كنا ما نزال بفاس، حيث توجّه بنا أنا وصاحبي إلى فيلا في طريق صفرو، كانت لأحد فقراء الطريقة البودشيشية، والذي كان يشتغل آنذاك مديرا لشركة تعليب المياه المعدنية الشهيرة بالمغرب المسماة "سيدي حرازم" الذي شرفنا بزيارة ضريحه بإحدى ضواحي فاس. كنا ننتظر صاحب البيت بعد أن صلينا الظهر بأحد مساجد فاس، وبما أنه كان ما زال لم يلتحق بنا من مقر عمله، فقد افترشنا من التعب رصيفا في مقابل البيت المقصود، كانت على جانبه شجرة توفر لنا بعض الظل في قيظ فاس المعروف. جلس سيدي ابن الطاهر في مركز الظل، وجلست أنا على مبعدة منه على الرصيف ذاته، بينما جلس صاحبي على حقيبة مما كان يحمله ضمن ما يحمل في مقابلة سيدي ابن الطاهر، فكان أقرب مني إليه وأسمع لما يقول. صار صاحبي -على عادته- يسأل سيدي ابن الطاهر أسئلة شتى، مما يستفيده في سلوك الطريق أو مما يدخل ضمن فضوله العام. كنت أنا أبدو وكأنني غير مكترث للحديث الذي يدور بين الرجليْن، ولكنني رغم ذلك كنت متابعا له، خصوصا عندما كان الأمر يتعلق بي شخصيا. سأل صاحبي سيدي ابن الطاهر سؤالا ما كنت أنا لأجرُؤَ على سؤاله قط، ولا كان ليخطر لي على بال؛ سأله مباشرة: - من هو وارثك؟... فأجاب سيدي ابن الطاهر على الفور وهو يشير إشارة محتشمة في اتجاهي: - هذا. تلقيت أنا الجواب بين التعجب وعدم الاهتمام؛ لا لشيء إلا لأنني كنت أعلم أن الالتفات عن شيخي طرفة عين، يُضر بي من جهة سلوكي. ولم يكن يختلف في نظري نيل الولاية أو دخول الجنة، أو أي شيء مما يكبر في نظر العامة الذين كان منهم صاحبي... فعلى قدر عدم اهتمامي أنا، كان انقباضه هو، وهو يعلم أن وراثة سيدي ابن الطاهر، أمر يتطلع إليه كثير من الخواص. كان صاحبي ما يزال على ما تهوى نفسه، لأن ذلك كان عند عوام أهل الطريق لا يُعدّ من مذمومات الصفات. ولعل إخبار سيدي ابن الطاهر عن هذا الأمر، كان هو السبب المباشر الذي جعل صاحبي ينقبض عند يأسه من الظفر بشيء من وراء هذه السفرة؛ وهو الشيء ذاته الذي سيلتقطه باطن سيدي ابن الطاهر، ليجعله ينفر من جهته من صاحبي وينقبض عنه. كان أمر مواصلة الصحبة بين الرجليْن يكاد يدخل في المحال، لشدة تأثير باطن سيدي ابن الطاهر فينا جميعا، شئنا أم أبينا. وهذا يدخل ضمن علم مغناطيسية القلوب، ضمن العلم المخصوص بها في جملة علوم الخواص. وهذا العلم -كما تدل عليه صفته- نظير لعلم الكهرومغناطيسية ضمن الفيزياء المادية المعروفة...
***
عندما عدت في بداية تلك الليلة إلى سيدي ابن الطاهر، ولاحظت استبشاره، الذي كان يدل على أن الصلة الباطنية بين الرجلين لم تكن على النحو الذي كان صديقي ربما يطمع فيه؛ فوجئت بسيدي ابن الطاهر رضي الله عنه، وهو يقدم لي سبابة إحدى يديه، وطلب مني أن أقرأ عليها، لأنه بحسب ما كان يبدو، فقد كانت تؤلمه. تعجّبت من هذا الفعل من الرجل، وأنا الذي لا أرى لنفسي مكانة ولا خصوصية؛ ولكنني مراعاة للأدب معه أمسكت أصبعه وقرأت عليها، فانصرف مسرورا... وكانت المرحلة المقبلة لنا في السفر، هي الذهاب لزيارة شيخنا حمزة عليه السلام، في مدينة الدار البيضاء. وصلنا إلى الفيلا التي كان يستقر بها الشيخ بعد صلاة العصر مباشرة، فذهبنا معا، ودخلنا على الشيخ الذي كان كعادته يجلس بين جماعة من مريديه. وبعد أن سلمنا عليه رضي الله عنه، بحيث كان سيدي ابن الطاهر يقبل رأسه كما يفعل دائما، أما أنا فكنت أقبل يده الشريفة إن مكنني منها، كما كان الشأن ذلك اليوم، وأما إن وجدت إلى قدمه الشريفة سبيلا فإنني كنت أسبقها على اليد، وأعد ذلك نعمة من الله تفضل بها عليّ... وبعد أن استقر بنا نحن الاثنين الجلوس، لاحظت أن الشيخ كان ينظر إلينا نظرة متفحص: ينظر إلى سيدي ابن الطاهر، ثم يعود للنظر إليّ، ثم يكرر هذا الفعل عدة مرات، حتى خطر لي أن الشيخ يتساءل: ما الذي جمع هذا على هذا؟!... فسيدي ابن الطاهر من أقران شيخي سنّا، وتصوفه من التصوف الأول الذي لا يطيقه شباب أيامنا، وأنا في حوالي الثلاثين من عمري... هذا هو ما كنت أعقله في ذلك الوقت، بسبب انفصال باطني عن ظاهري انفصالا يكاد يكون تاما. وإن هذه المسألة في علم التصوف ربما قد يتوقف فيها من لا علم له بها، فيتوهم أن أهل البواطن يرشح ما في بواطنهم على ظواهرهم دائما. ومن هذا الباب كان بعض أهل الله يستدلون على البعض الآخر منهم، إن هم جالسوهم أو راسلوهم أو غير ذلك... أما كبار أئمة الطريق، فإنهم يعلمون أن من أهل الله من لا صلة بين بواطنهم وظواهرهم؛ إلى الحد الذي إن رأوا مبشرة لأحدهم تدلهم على مكانته، لا يتمكنون من العمل بها في الظاهر، لأن الولي في الظاهر يظهر في أعينهم شخصا مختلفا، فيختارون أن يبقوا مع الظاهر من باب الأدب، خصوصا إن كان الناظر شيخا للمنظور إليه؛ وهذا مخالف لما هو الأمر عليه في الحقيقة كما هو واضح. والأولى هو أن يعمل المرء مع الولي بما أراه الله في الوقت، ظاهرا لظاهر وباطنا لباطن، حتى يُعدّ عند الله من الشاكرين لأنعمه. وهذا الباب من أعوص أبواب المعاملة عند الخواص، وهو قليل الذيوع عند أغلب أهل الطريق... أما أنا، فكنت معنيا بالأمر من جهة الباطن، ولكنني غير معني من جهة الظاهر. ولهذا الأمر تبعات في الظاهر والباطن: ففي الظاهر لا يُعلن العبد عن خصوصيته وهو بعد لم تخلُص له، ومن الجهة الأخرى يكفيه الله البلاء الذي يكون سببه الحسد والمنافسة من الأقران؛ وما أكثرهما لدى المتأخرين... وأما إصراري على تقبيل باطن قدم شيخي ما وجدت إليها سبيلا، فلعلمي بمكانته بتعليم الله، لا من المبالغة في تملق الشيخ رضي الله عنه، وهو أعلم بما في نفسي. ويذكرني هذا الأمر بجلوسي مرة مع بعض موظّفي مديرية التعليم من معارفنا؛ وكانت تلك الجماعة ما تزال تتوقف في تقبيل يد الشيخ، ولعلهم كانوا قد تكلموا في المسألة فيما بينهم، وهم عند وجودي معهم ربما رجوا أن يسمعوا مني الجواب الشافي، لعلمهم بصدقي في أقوالي. وفي خلال الحديث، جاء الكلام عن تقبيل يد الشيخ في معرض الاستنكار، فالإسلام الذي يعرفونه لا يقرّ بذلك إلا للوالديْن أو للأساتذة (وإن كان هذا الركن قد قل كثيرا)، أو للملك كما جرى به العرف. فأجبتهم، لا عن سؤالهم، لأنني كان لازما عليّ أن أوصّف لهم فعلي، حتى يحاسبوني عليه؛ وإلا اعتُبرت مخادعا، لا يسعى إلا إلى تخليص نفسه. فقلت لهم: - أنا أحرص على تقبيل باطن قدم شيخي رضي الله عنه!... فبهـتوا، ورأيت على بعض الأعين الإنكار الذي لا مزحزح لهم عنه. وسألتهم: ما تظنون بي: هل أنا شخص في مقدوره حسن الحكم على الأمور، أم لا؟ فأجابوا: نحن نثق في حكمك، ولكن... فسألتهم مرة أخرى: فهل ترون لي قرونا على رأسي، تدل على أني من البهائم؟... قالوا: كلا!... فأجبتهم: فعليكم أن تعلموا بأن تصرفي مع شيخي هو تصرف عقلاني بالنظر إليّ وإلى مبلغ علمي في هذه المسألة؛ وكأنني أردت أن أقول لهم: أما عقولكم فهي عقول عامية، لا تفرّق إلا بين أسعار البضائع المعروضة في السوق؛ وأما الشيوخ، فإنها لا تميّز صادقهم من كاذبهم، ولا أعلاهم من أدناهم؛ فكيف إذاً يُستمع لاعتراضكم على فعل ترونه بين المريد والشيخ، وأنتم أجانب عن المسألة؟... فسكت الجميع، لكن من دون أن يتغير منهم شيء في الباطن؛ وكأنهم حمدوا الله على أنني لم ألزمهم بشيء (وهو ليس من أسلوبي)، فقرروا التغافل عن هذا الموضوع، ومواصلة العيش على النمط الذي كانوا عليه. وهذا منهم لا يدل إلا على أنهم من العامة، وإن كانوا هم يزعمون لأنفسهم ثقافة بين غير المثقفين، وعلومية لا تكاد تجد لها مكانا في مجتمعهم. وما يقال عن العلومية، يقال عن عقلانية، ليس لهم منها إلا الاسم، بما أنهم يُشاركون مجتمعهم في كل ما هو عليه: تارة بالعلن عندما يكون العدد كبيرا، وتارة بالخفاء عندما يخافون تسلّط ألسنة النقد عليهم، من إحدى الجهات...
***
في ذلك الوقت، لم أجاوز بنظري ظواهر الأمور، حتى بعد أن سمعت في فاس من فم سيدي ابن الطاهر يذكر أنني أنا وريثه. وكنت على يقين من أن الأمر لا يعنيني، وأن شؤوني يحكم فيها شيخي بما يشاء. وهكذا، فإن كل ما مر في تلك السفرة، كان كأنه لم يقع، وكان حرصي على اقتناص بعض ما ينفعني من علوم في معاملة شيخي، مما كان يجود به علينا سيدي ابن الطاهر عندما يكون على بسط. وأما الآن، فأنا أربط كل ما وقع لنا في تلك السفرة، بالواقعة التي سردت تفاصيلها في أول هذا الجزء: - فكان الأولياء الذين زرناهم، كالأولياء الذين حضروا معنا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. - وكان طلب سيدي ابن الطاهر دعمه فيما يريد، ظاهرا في مخاطبتهم عند أضرحتهم خطابا طويلا، يُنبئ بأن الأمر خطير ومصيري... - وأما نظرة سيدي حمزة عليه السلام إلينا، والتردد فيها بيننا مرات عديدة، فكانت كمن ينظر في طلب رُفع إليه، وهو يزن ما يدعوه إلى القبول، أو ما يجعله يرفض. هذا، مع أنني لم أعلم إن كان سيدي ابن الطاهر قد كلم شيخنا عن الأمر قبل ذلك وهو بعد في شرق البلاد، حتى يستأذنه في السفر الذي قمنا به؛ خصوصا إن اعتبرنا جواب سيدي ابن الطاهر عن مسألة ميراثه بالإيجاب. وهو من مقامه وعلمه، لا يجيب بالإيجاب، إلا إن توافرت لديه كل أسبابه من عند الله. وهذا يعني أن هذا السفر، كان في عالم الشهادة صورة للواقعة التي حكيت؛ وأن الواقعة في عالم الغيب، كانت صورة لهذا السفر؛ وهذا، لأن الأمر دائما هو بين غيب وشهادة وظاهر وباطن. وإن كل من لا يعتبر هذا الأصل في المنهجية المنوطة بالعلم الجامع، فإنه لن ينتُج له إلا الجهل، ونقصد هنا نصف العلم. ولولا الحياء من الله، لذكرنا أشخاصا بأعيانهم في بلادنا، يحكمون على أمر بكذا، وهم لا يعتبرون إلا وجها واحدا في المنهجية، فيخلصون إلى ما يخجل منه كل من سمعه ممن آتاهم الله العلم؛ وهذا، لأن ذلك المتعالم، يكون قد فضح نفسه على رؤوس الأشهاد وهو لا يعلم؛ وإنه بفضحه لنفسه، يدل مرة أخرى على أنه جاهل فحسب... ومن الدار البيضاء، توجهنا إلى مدينة الجديدة حيث زرنا ضريح الولي سيدي عبد الله أمغار رضي الله عنه، ونزلنا في مقر الزاوية البودشيشية، إلى أن انتهت بنا مدة المقام، فطفقنا عائدين إلى مدينة وجدة، راكبين القطار. فودع أحدنا الآخر بعد تناول الفطور بوجدة، وانطلقت أنا بعد ذلك إلى مدينة جرادة، حيث كنت أتوق إلى أيام من الراحة تعوّضني عن التعب الذي أصابني من ذلك السفر. كنت أحمد الله على هذا السفر المبارك، وأتوسل إلى الله بكل من زرنا من الأولياء، أن يقبلنا عنده بشفاعة منهم رضي الله عنهم أجمعين...
***
وعندما عدنا إلى شرق المغرب، صار سيدي ابن الطاهر يُكثر من زيارتي، مع تودده إليّ بما لن يُقبل ضمن البيئة التي كنت فيها. فمن تودده رضي الله عنه: = أنه كان إذا حضر مجلسنا، يطلب مني أن أُذاكر الفقراء، وأحيانا كان يُعيّن لي الموضوع (أذكر أنه طالبني بأن أحكي عن تجربتي في دخول الطريق). كنت أعلم نيته: فهو كان يريد للمستمعين أن يستفيدوا من تجربتي، وأن يعملوا بعملي، حتى يتقدموا إلى حيث كنت أنا من السلوك؛ ولكنني في المقابل، كنت أعلم أن من حضروا، والذين كان قد ربّاهم المقدّم على النميمة والتجسس، سيزيدون بنقلهم ذاك قوة النفور بيني وبين المقدّم، وربما يبلغ الأذى إلى سيدي ابن الطاهر، الذي حتما سيراه المقدّم مرشِّحا لي حتى أتولّى التقدّم على الفقراء؛ فهو لن يُدرك غير هذا!... فكنت أنحرف عن الموضوع عمدا، رحمة بسيدي ابن الطاهر، ثم بنفسي. وعندما كنا نخرج، كان سيدي ابن الطاهر يريد أن يعلم خلفية فعلي، فيسألني بطريقة مستفزة: - أنت لم توفق في المذاكرة، لأنني طلبت منك كذا، وأنت تكلمت عن كذا. فقلت رادا عليه: أنا أردت أن أكلم الفقراء بما ينفعهم ولا يضرهم. فكان يسكت وهو يعلم أني تحايلت عليه، من أجل أن أحتفظ لنفسي بأسبابي الخاصة. وكان يحترم ذلك، ويمر إلى موضوع آخر... = أنه كان يظهر محبته لي أمام الجميع، وكانت المحبة تظهر عليه احمرارا على وجهه. وكنت إذا كلمته بكلام القوم، تواضع، وصار يستقيلني أمام الجمع. وهو صِدق لم أره في المعاملة إلا له رضي الله عنه. = أنه كان يعاملني معاملة نفسه: - فعندما نكون في الصيف عنده في الغرفة، يكون في العادة ممسكا بمروحة مصنوعة من الدوم (الخوص)، يحركها أمام وجهه وعلى صدره. وعندما أكون جالسا قبالته، يحركها طورا أمامه، وطورا أمامي، مع أنني لم أشك له الحر. فكان نخبة الفقراء الذين يدخلون علينا المكان، يبقون مندهشين لفعله، حتى قال لي أحدهم أمامه ذات مرة: - ماذا فعلت بالرجل؟ هل سحرته؟... وهو يسمع منهم ولا يتأثر لذلك، بل يزداد فرحا. ولمن يعرف أسرار المحبة، فإن كل ما كان الرجل يفعله معي، كان يدل على محبته لي. أما أنا فكنت أحبه، لكن لا أتعلّق به وإنما تعلقي كان بشيخي وحده. بل إن معرفة سيدي ابن الطاهر بحالي، هي ما كانت تجعله يعاملني على سجيته؛ وهكذا كنا نلتقي معا على ما ينفعنا، لا على ما يضرنا. وأما صاحبي (م.ز) الذي كان يرى منا أكثر مما يرى الآخرون، لكثرة مجالسته لنا، فقد قال لي مرة: - إن سيدي ابن الطاهر فانٍ فيك!... عليك أن تعلم هذا... فقلت: أعلمه: ولكن ذاك شأن يخصه ولا يخصني... والحمد لله الذي جعلني أسير إليه سبحانه على علم، إلى الحد الذي كنت فيه مخالفا لكل من كنت أجالسهم، ممن كانوا يقنعون بالثقافة التي أكسبتهم إياها المدارس، أو ممن كانوا يقنعون بعلم ظاهر بعض أحكام الشريعة أو ظاهر تصوف المتصوفة. ورغم أنني كنت أعلم أنهم بمعاييرهم يرونني أنقص منهم، فإني كنت أحمد الله على جعلهم بذلك معينين لي على نفسي، لا معينين لنفسي عليّ. فجزى الله أولئك القوم خيرا وإن غابت نية إيصال النفع إلي في الغالب لدى معظمهم...
***
وبما أن مقدّم الطريقة كان من عوام العوام، فإن معاملة سيدي ابن الطاهر لي بما كان يظهر، لم تزد حقده عليّ إلا اتقادا؛ حتى صار لا يحضر مجلس الفقراء إن علم أن سيدي ابن الطاهر قد وفد على البلدة. وفي إحدى المرات، جمع سيدي ابن الطاهر بعض الفقراء في سيارة وأتوني إلى البيت الذي كنت لا أغادره إلى مجلس الذكر اليومي -وكان موعده قد فات- بعد أن صار المقدّم لا يطيقني، فطلبوا مني أن أذهب معهم إلى بيت من بيوت الفقراء لنسهر كعادتنا في أيام الصفو الخوالي، فاستحييت منهم وركبت السيارة؛ ثم طلب سيدي ابن الطاهر أن تتوجه السيارة إلى بيت المقدّم لنأخذه معنا؛ فلما خرج الرجل وعرف الراكبين، اكفهر وجهه، ورفض أن يصحبنا. وبقي سيدي ابن الطاهر مدة يراوده، ويبين له الأسباب المرغّبة، فلم يزدد الرجل إلا كبرا وتجبّرا. وهذا مع أن شيخنا سيدنا حمزة عليه السلام، كان يتأدّب مع سيدي ابن الطاهر أدبا خاصا؛ حتى إني سمعت مرة أنه كان قد رأى رؤيا، فلم ير لها معبرا غيره، فبعث إليه بالرؤيا مع خادم له يستفسره. فأُخبرت أن سيدي ابن الطاهر اعتدل في جلسته، وصار يسرح لحيته، على عادته إن أراد أن يتكلم في أمر ذي بال. فلما عرض الخادم الرؤيا الشريفة، صار يُعبّرها؛ وبعد تيقنه من عقْله لمعانيها، عاد إلى سيدي حمزة عليه السلام بالتعبير... وأما عند وفاة سيدي ابن الطاهر، وقد توفي بعد غيبة شهور طويلة بيني وبينه، فأُخبرت أن الفقراء الذين تكفلوا بدفن الجثمان الطاهر، عندما انتهوا من عملهم، جاء أحدهم إلى الشيخ عليه السلام يستشيره قائلا: - يا سيدي انتهينا من دفن ابن الطاهر، فهل نقرأ عليه سورة يس، كما هي العادة؟... فأجابه الشيخ: - وماذا سيفعل ابن الطاهر بياسينك؟... فكأنه يقول: إنه لا يحتاج منكم لأن تتوسطوا له عند ربه، وهو أعلى مقاما منكم. والعلم يحكم بأن الأعلى هو من يشفع للأدنى. والكلام بنا سيطول لو أردنا أن نجيب عن كل الجهالات المحيطة بهذه المسألة، فلنترك ذلك إلى فرصة أخرى بإذن الله تعالى...
***
أما المقدم، فقد بلغ به مقته لي، وبعد التسميم، أن عمل على ألا أحضر مجلسا للفقراء، مع أن الشيخ قد بلغني عنه منه أنه سأله عني، وعندما تعلل له بمرضي ممهدا لاستصدار فتوى بعدم حضوري، فإنه قال له: - احرص على أن يحضر معك مجالس الذكر، ولو أن تذهب إلى بيته تدق الباب عليه من أجل استصحابه. وما كنت لأوصل المقدّم إلى هذا الحد، لأن حيائي كان سيمنعني؛ وكنت سأكتفي من أجل الحضور بمجرد أمره لي بذلك، ولكنه لم يطق... ومما تفتّق عنه ذهن المقدّم الشيطاني، هو أنه صار بين الفينة والأخرى، يبعث إلى سيدي ابن الطاهر، من يُشوّشه في أمري، بزعمه أنني أتنقص منه رضي الله عنه؛ وكان يختار لذلك بعض عوام العوام من أصهاره وغيرهم، لعله يصل مبتغاه من سيدي ابن الطاهر. فهو كان يبغي في النهاية أن يصل إلى شيء بعينه، وهو انقطاع الصلة بتاتا بيني وبين سيدي ابن الطاهر، وهو ما سيقع ظاهرا، وبعد انقطاع زيارتي لشيخي ذاته عليه السلام، كما سأبيّن فيما يأتي من وقائع وأحداث...
في هذه الأثناء كان الفقراء يُشحذون شحذا في كل مناسبة، ليبرأوا منّي حتى ينالوا الفوز العظيم الذي يعدهم به المقدّم. وهكذا انعزلت شهورا طويلة في بيتي وكأني ما عرفت الزاوية في جرادة يوما، إلى أن جاء يوم الفتح الأكبر... وقد ازدادت صلتي بالمقدم سوءا، عندما صار عونا لوالدي على هلاكي (كما سأبين في الجزء الموالي إن شاء الله)؛ ومع صدور الرجليْن عن أمر قائد المقاطعة ومشورته، فإن الأمور تكون قد دخلت حيّزا آخر، كان بعيدا عن إدراكي أنا، بسبب سذاجتي وانشغالي بنفسي؛ ولكن من جهتهم، فقد علمت فيما بعد أنهم كانوا يُخطّطون بعد أن لم أمت بالسم، للعمل على إدخالي إلى السجن بتهمة مما يعظم عند رجال السلطة والمخزن. كل هذا، وأنا أسير بين الناس كالخروف الذي لا حامي له إلا من خلقه ويدبّر عيشه ومماته، لا يتسلط عليه مخلوق مهما عظم شأنه إلا بإذن ربه. فكنت أبيت فرحا بالله ورسوله، في الوقت الذي ينام فيه الكائدون لي على مرارة التخطيط وحرارة خوف الفشل إما للتقصير في الأسباب، وإما لغلبة القدر من دون نظر إلى أسباب؛ وهو ما كان يحدث غالبا، فينقلبون إلى أهلهم أذلة صاغرين، ولكن من دون أن يتنبهوا ويتوبوا. وهذا يعني أن أصحابي هؤلاء، هم من الأشقياء عند الله، لأنه لا يصر على معاداة ولي إلا شقي. وهذا حكم شرعي جلي، وإن كان الفقهاء يفرون منه لِدَخَل في صدورهم. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: «مَنْ عادى لي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ!»[1]؛ ومن آذنه (أعلمه) الله بالحرب، فإنه يبشره بأن يكون مغلوبا، لأنه يجتمع عليه كل مظهر لكل اسم لله في السماوات وفي الأرض، فيهلك هلاكا مبرما عن قريب. فإن كان المعادي يعرف الولي الذي عاداه، فليس أمامه إلا أن يذهب إليه ويستعفيه؛ فإن عفا، فهو ذاك؛ وإن لم يعف، أو قد أدركه الموت قبل أن يستعفيه، فحضره الموت وهو على العداوة، فليعلم أهله أنه مات على الشقاء. وأما هو، فعلامات الشقاء سيجدها مصاحبة له منذ إعلانه عداوته؛ وما حاله هنا إلا كأهل النار الذين أخبر الله عنهم بقوله: {ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الطور: 16]. وأما من يُسوّف جهلا، ويقول، لعل الله يغفر لنا، من دون أن يُحوجنا إلى طلب العفو من العبد؛ فليعلم أنه يُضيف إلى محاربة الله، التكبّر عليه والاستهزاء بأحكامه، فيكون كمن يزداد كفرا فحسب!... وهذا، لأن الله ما بيّن أحكام شريعته في وحيه قرآنا وسنة، إلا لتُعظّم ويُعمل بها على سبيل المسارعة، ما دامت المسارعة هي أدب العمل هنا، وإلا خاف أن يُردّ منكوسا مخذولا. وعلى كل حال، فإن أدب معاملة الله في خلقه أو في أسمائه، لا يظفر بعلمه إلا من خبر طريق السلوك وحالفه التوفيق فيها. وبسط هذه العلوم، يتطلب تصانيف مقصورة عليها، ونحن لا ندري هل يكون في مقدورنا ذلك أم لا. وإن ألفنا في هذا العلم، فإنه سيكون مـُجمِلا لكل ما مر في القرون السابقة، وزائدا عليه بما لم يظفر به الأولون. والحمد لله رب العالمين... [1]. أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.