اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/11/09 رحلتي إليّ (إلى التسميم الثاني) -6- إلى التسميم الثاني
لم يطل الأمر كثيرا مع تزايد الضيق في باطني، حتى أيقنت أنه لا بد لي من دقّ باب الله، وها قد أيقنت بأن هواي لم يُغن عنّي من الله شيئا. كان حالي هو ما دل عليه قول الله تعالى: {فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ یَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَـٰمِۖ وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ یَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَیِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا یَصَّعَّدُ فِی ٱلسَّمَاۤءِۚ كَذَ ٰلِكَ یَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ} [الأنعام: 125]. كنت أنا قد بلغت من الضيق ما لا مزيد عليه، وكنت أطلب مـُضطرّا (لا مختارا) شرح الصدر؛ وكان طلبي هذا بالحال لا بالدعاء المعهود، ودعاء الحال مجاب، كما يقول أئمة الطريق. عندما أردت أن أعود إلى طريق الله (الدين)، لم يكن لديّ ما أعرفه عن الدين، لكي أبدأ بنفسي، وأنا الذي كنت قد نسيت سورة الفاتحة عينها؛ فلم أجد -على عادتي في الانقلاب من النقيض إلى النقيض- بُدّا من أن أسأل أمي مخاطبة والدي في شأن بدئي بالصلاة، فطلبت منها أن تكلّمه في أن يسمح لي بتقليده في وضوئه عندما يقصد إليه، وهو من كان يصلي وينقطع؛ وبأن أصلي خلفه إلى أن أتعلم الضروري من ذلك كله؛ لأنه ما عاد أمامي من الوقت ما يكفي لذلك. لم يتوان والدي في تلبية طلبي، فدعاني عندما أزمع على الوضوء، فجلست قبالته وأنا أقلّد حركاته الواحدة بعد الأخرى؛ ثم عندما انتهينا صلينا صلاة الوقت. وقد استمررنا على هذه الحال أسبوعا أو أزيد، حتى ملّ الوالد من هذه الحال. وهنا ينبغي أن أبيّن أمريْن أو أكثر: - قد يجد جلّ من بدأ أداء الشعائر بعد جاهلية أو انقطاع، أنه لا أحد يعمل بعملي؛ بل يخصص التائب منهم يوما أو أياما للتعلم إما من الكتب المعَدّة لذلك، وإما بالتوجه إلى إمام الحي الذي يُقصد لمثل هذه الأمور. فلِمَ، كان إقبالي على الدين من الناحية العملية على هذه الشاكلة؟ فأجيب: كنت أعلم أن والدي مختلّ عقليّا، فكنت أبغي بدخولي التديّن تحت إشرافه، التقليل من الاحتكاك الذي سيحدث بيننا حتما، كلما انغمست في التديّن أكثر. وقد انطلت هذه الحيلة البيضاء على الوالد، لأنه صار إمام البيت في الدين الذي لم يكن يطمح للإمامة فيه يوما، وهو الجاهل المتحقّق الجهل. ومما يدل على ما أذكر، هو أن بعض ما أخذته عن والدي من هيئات الصلاة، قد صاحبني إلى أن صحّحه لي زميلي في المهنة ورفيقي في الطريقة فيما بعد (م. ز)... - كنت أقصد من إدخال والدي في إمامتنا أنا وأمي في البيت، أن يعتني بتدينه أكثر، وأن يعمل على السعي إلى التفقه في الدين؛ وهذا كان سيجنّبنا كثيرا من السوء الذي لقيناه منه. غير أن والدي كان قد صبغ بصبغة المخزن، والتي هي ما يدل عليه المثل المغربي العامي: "صلاة القياد، الجمعة والأعياد"، ومغزى المثل هو: إن صلاة القُوّاد (يفر المغاربة من استعمال الصيغة الفصيحة لجمع "قائد" بإبدال الواو ياء، لأن ذهنهم ينصرف مع الواو إلى "القِوادة". فوقع العمل بهذا المبدأ حتى في المكاتبات الرسميّة)، ليست صلاة بمعناها الأصلي، ولكنها تظاهر بما يكون مقبولا لدى العامة. وأما اقتصار رجال السلطة في شطر منهم، على التظاهر بالتديّن، فهو يدخل ضمن تفاصيل مهامّهم الوظيفية؛ لذلك قد يوجد من رجال المخزن من لا يظهر مصليا إلا في المناسبات الدينية؛ وحتى في تلك المناسبات، فقد لا يبعُد أن يُصلّي على غير طهارة، أو مخمورا؛ كما بلغني عن بعضهم. وقد سمعنا هذا من بعض "الفقهاء"، الذين وقعوا فيه في أيام جاهليتهم، فلا يَستغربْ أحد صدور مثله عن رجال السلطة، وهم أبعد -بحسب المعتاد- عن الدين على كلّ حال. ووالدي، كان معدودا، ولو بالإلحاق منهم، لذلك فهو لم يكن يرى أن التديّن الصادق يليق به؛ بل هو لائق بالمغفّلين من عموم الشعب الذين يُتَمكَّن من التلاعب بهم في بعض الأحيان، عن طريق التديّن الزائف. وكما قصدت أنا، عند الائتمام به، فقد أرضى ذلك بعض غروره، ليظهر بمظهر مَن يفضُلني؛ لكنه لم يطق ذلك إلا لأيام معدودة، خوفا من أن يصير ملزَما باتباع أحكام الشريعة، فيكون مضطرا لإحسان معاملة أهل بيته باعتماد القسط الذي هو قِوام الدين؛ فعاد إلى سابق عهده، وأظنه كان يتوقع أن أفعل مثله عن قريب... غير أن الدين بالنظر إلى حالي، كان بحثا عن الخلاص في دنياي وآخرتي، بعد أن ضاق بي الحال ضيقا شديدا كما أسلفت...
***
كنت لا أزال لم أقطع مع الموسيقى قطعا نهائيّا، فكنت أختلف إلى المسجد في وقت الصلاة وإلى المعهد الموسيقي في الأوقات الأخرى، في انتظار أن أتخرج بنيل شهادة "الجائزة الأولى" في العود على الأقل، لأكمل الدراسة النظرية في الخارج بحسب ما كنت أخطّط له. ورغم سذاجتي وتصديقي لما يُقدّم لي من ظواهر الناس، فإنني كنت أعلم أن الأستاذ (أ. ع)، لم يعد يطيقني، وصار ينظر إليّ من دون أن يملأ عينه منّي، وهذا ما كان ليبشّر بخير. قد يكون وصَلَه من قِبل الواشين ما جعله على هذا الموقف، ولكنّني أنا ما كنت لأعلم بذلك، وأنا من لا يُكثر الخوض في اللغو مع جميع الناس. فبقي الأمر على هذا، مع هذا الأستاذ، ومع من يشتغلون تحت سلطته: من أستاذي المباشر في العود، ومن غيره؛ حتى إن واحدا منهم وقد اُستُقدِمَ من الدار البيضاء خصّيصا ليكمل معنا دراسة الصولفيج في فترة ما، وكان اسمه (مبـ.)، عندما التقيته في أول حصّة ستجمع بيني وبينه، وعندما عرفني، وقف مـُسندا ظهره إلى البيانو وصار ينعتني بما عنّ له من صفات النقص والمرض النفسي (كالكبر والغرور وغيرهما)، فلم أدر ما أفعل معه وأنا لم ألتقه إلا هذه المرة؛ ولكنّني أدركت أنه طُلب منه ذلك حتى يستخرج منّي الردّ على افتراءاته، لتُثْبِت الإدارة أنني أنا من عاد لا يصلح للدراسة. ولما أكثر عليّ الرجل، ما زدت على أن قلت له: - أنا لست مريضا نفسيّا، وأنت لست محلِّلا متخصّصا؛ وقد كان الأولى بك -وهذه أول حصة بيننا- أن تدخل في المادة مباشرة. ربما كان هو يشعر بالنقص، كما كنت ألاحظ أن غيره قد بدأوا يشعرون؛ أو يتخوّف من افتضاحه أمام التلاميذ الحاضرين، لأنني كنت أقرأ الصولفيج بالمفاتيح السبعة قراءة فورية، ولا أجامل في العلم أحدا. ولكن مع ذلك، لم يكن يخطر لي أن أكون أفضل منه، خصوصا وأنا لم أجرّبه قطّ. وعلى كل حال، صار يُشاع عنّي أنني لا أحترم الأساتذة، وأنني متمرّد لا ينفع في الموسيقى... وإذا زدنا على هذا التمرّد، تمرّدي على "الوطنية" الرسمية بحسب المتملّقين، الذين يُقدّمون أنفسهم لأسيادهم على أنهم مخلصون؛ فإن الأمر سيسوء كثيرا، وإن لم أكن أنا بسبب محدودية اطلاعي سأعلم به. وأما اشتداد المرض عليّ، وتدهور صحّتي، فإنه قد ساعدني على البقاء في غفلتي... في هذه الأثناء، كان قد لاحظ عليّ بعض زملائي من التلاميذ، أو بعض الأصدقاء من الأساتذة كـ (ب. ع) أنني أصطحب معي سبحة صغيرة، فصاروا يمازحونني: - هاي هاي آلعمري!... وكأن الموسيقِيّ لا يمكن أن يكون إلا فاسقا!... كنت لا أقبل هذا، وأراه من جملة العمل بطريقة "المصادرة على المطلوب"، التي ينبذها كل ذي عقل سليم...
***
كنت كعادتي عندما أتوجّه إلى شيء باهتمام، أزداد اطلاعا على الدين، من جهة الكتب؛ لكنّني كذلك عملت على الانضمام إلى جماعة من ذوي اللِّحى، بقصد التعلّم، لأنني كنت حديث عهد بالجاهلية؛ وقد كان ذلك من عملي بمنطق الأشياء: فعندما وجدت والدي جاهلا ومصرّا على البقاء على جهله، أدرت رأسي من حولي، فما وجدت من يُنعت بالتديّن ظاهرا إلا تلك الجماعة ومثيلاتها. وقد كان حظّي أن ألتحق -من دون أن أدري- بجماعة "الطلائع"، التي كانت تتبع للأستاذ "عصام العطّار"، الرجل السوري الذي كان منفيا في ألمانيا. والسبب في التحاقي بهذه الجماعة، هو أن بعض زملائنا من رجال التعليم كانوا قادة فيها (أمراء). كان أمير أسرتنا رجلا يُدعى: (ي. إ)، وكان مدرّسا مثلي؛ أما الأمير الجهوي، والذي كان هو الآخر مدرّسا في مستوى الابتدائي، فكان (ع. ر)... بقيت مع هذه الجماعة ما يناهز الستة أشهر، وقد دلّوني على كتب "سيد قطب"، كما كانوا يمدّونني بأعداد من مجلّة "الطلائع" التي كان يُصدرها أمير الجماعة في ألمانيا. أما كتاب "في ظلال القرآن"، فقد أتاني به أحد المتاجرين من إخواننا، بين الدار البيضاء والمدن الأخرى (وهذا يدل على أن الجماعة ما كانت تزهد في الدنيا أو تدعو إلى الزهد)؛ وقرأت غير بعيد من اطلاعي على "الظلال" كتاب "معالم في الطريق"، بعد أن اقتنيته. وقد كان له الأثر الكبير عليّ، لأنه قد دلّني على الأيديولوجيا الإسلامية السياسية من أقصر طرقها، من دون أن أكون مميّزا لها عن أصيل الدين. وهذا هو ما يحدث لأغلب من مضوا، أو قضوا فرائس للجماعات الإخوانية والجهادية في العالم. بالإضافة إلى هذا، فأنا لم أكن أدري عن الجماعة التي أصبحت فردا منها، شيئا؛ لأنها كانت تعتمد السرّيّة، وأنا الغشيم الواضح الغشامة. فما كان أحد ليطمئنّ إليّ، إلا بعد أن يعيدوا صياغة شخصيتي، إن استطاعوا؛ خصوصا وأن والدي تابع لإدارة المخزن (رئاسة الدائرة في ذلك الحين)... لم تمض عليّ بضعة شهور، حتى ترقيت من دون أن أدري، إلى الصفوف الأولى من الجماعة محليّا: فقد كنت -بعد أن عرف أصحابي- بعقليتي العلمية العمليّة، أعمل على تجميع الإحصاءات المتعلّقة بمساجد الأحياء، لتتحرّك الجماعة على ضوء تلك المعطيات بحسب الضرورات الطارئة، أو بحسب الأعمال القارّة، التي كان منها، تكليفي بإلقاء الدروس الفقهية (التي طُلب منّي أن تكون مبسّطةً وناقدة لأحوال المجتمع المخالفة للدين). وبما أنني كنت مطيعا من باب منطقي الذي أعمل به، فإنني جمعت يوما، من الناس من كان حاضرا في مسجد "لبلان" كما كان يُسمّى في ذلك الوقت، وألقيت عليهم أول درس لي؛ وقد حضر بصفته مراقبا الأخ (ر. خ)، الذي انهال عليّ بعد أن انتهينا من صلاة المغرب، يكيلني المدائح والثناء، وكأنني صرت إماما من الأئمة... وعندما عدت إلى المسجد لأصلي العشاء في ذلك اليوم، وبعد أن كبّرت تكبيرة الإحرام، أيقنت أنني على سبيل من سبل الضلال؛ لأن نفسي صارت تكبر، بعكس ما يُنتجه الدين الصحيح من آثار في الوضع الأصلي. ولقد حباني الله بصفة، ستكون هي سبب إنقاذي من كثير من الآفات، وهي أنني: "لا أغش نفسي.". فصرت بعد هذه الحادثة، أجمّع المساوئ التي تتصف بها هذه الجماعة واحدة إلى الأخرى، بيني وبين نفسي، لأتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب... فحدث فيما بعد أن دعينا إلى مبيت عند أخ كان يسكن الحي المخصوص بعمال المعمل الحراري، فذهبنا. كان المشرفون على "المبيت" قد وضعوا برنامجا تتخلله دروس فقهية وتنظيمية، مع العشاء الذي يُعدّه الإخوان في غياب النساء. لم نشعر بعد مدة قليلة، إلا ورجلان يتصارعان في حديقة البيت؛ بينما نحن محبوسون داخل غرفة الجلوس، ينبهنا الأمراء الباقون معنا، المرة بعد الأخرى إلى ما يجري في الحديقة، وهم يراقبون ردّات فعل كل واحد. كان صاحب البيت (أحد المتصارعيْن) حائزا على الحزام الأسود في الجودو، وكانت الحركات في الحديقة أقرب إلى السينمائية منها إلى الواقع، مع العلم بأن "الأخ" الثاني كان يحجب وجهه عن الناظرين حتى لا يُعرف. أخبَرَنا من كانوا بالداخل، أن الشرطة قد داهمت البيت، وأن الإخوة قد دخلوا معهم في صراع من مسافة الصفر (بحسب تعبير العسكريّين)؛ وطلبوا منا الجلوس عاجلا، في دائرة، لنقلّب الأمر على وجوهه، من أجل الوصول إلى قرار نعمل به جميعا... صار الأمير يعطينا الكلمة واحدا بعد الآخر، وقد كان منّا من اصفرّ وجهه، ومنّا من يتلعثم في حديثه، وربما مَنْ صارت الدموع تنهال من عينيه؛ أما أنا فكنت آسى على كوني سيُذهب بي إلى السِّجْن من دون أن أعرف السبب، وتخيّلت أن الخبر باعتقالي سيصل إلى والديّ، فحزنت لذلك كثيرا؛ وما خفت من الأذى أو انهزمت أمام توقّعه، وكأنني شخصية قيادية بالأصالة. وعندما وصل دوري في الكلام، قلت للأمير: - أنت قلت بأن الشرطة هي من داهمت البيت؟!... - فأجاب: نعم!... - قلت له: إن هذا الحي الذي نتواجد فيه الآن، يخضع لسلطة الدرك لا للشرطة!... وذلك لأنه كان يقع في منتصف المسافة، بين جرادة وحاسي بلال. فبُهت الرجل، لكنّه استدرك: - ربما يكونون دركا، فنحن لم نفرّق... فما العمل؟... - قلت: العمل، هو أن نترك الإخوان الذين يُشاغلونهم في الحديقة يكملون ما هم فيه، ونخرج نحن (الجماعة المتبقية داخل البيت) من البيت على هيئة دفعات، بشرط أن يذهب كل واحد منّا في طريق مخالف للآخرين؛ ولا يهم أن يكون بذلك سيبتعد عن بيته الذي سيُضطرّ إلى العودة إليه لاحقا؛ وهكذا نضمن أنه لو اعتُقِل منّا البعض، على فرض أن البيت محاصر؛ فسينجو آخرون، فيكون من مهامهم مواصلة العمل من خارج المـُعتقَل، وهم في حرية تامة... بعد لحظات، دخل من كانا يتظاهران بالمصارعة خارجا، لينضمّا إلينا، من أجل تقييم الامتحان. فتهلّلت بعض الوجوه، وانخرطت أخرى فيما يُشبه البكاء، واستغفر آخرون لاكتشافهم ضعفَهم على جميع الأصعدة، وبرز نجمي بصفتي قياديا، أنا، من بقيت واقعيا، أُحلّل المعطيات بتجرّد، وأستخلص النتائج العملية الموصلة إلى أقلّ الأضرار. فأُشيدَ بي مرة أخرى، ورغم بقائي على سكوتي وسط جهل المحيطين بي؛ إلا أنني قد أضفت إلى مساوئ الجماعة ما حدث تلك الليلة، لأنني كنت أعلم بالفطرة أن الدين لا يقبل الكذب ولو مزاحا؛ فكيف بتمثيل مسرحية بإخراج سيّء، تتضمّن إفزاع كثيرين ممن حضروا!... الإفزاع الذي يحرم فيما بين المؤمنين؛ فهذا كله، لا يكون من الدين البتّة!... كنت أعلم أن هذا يدخل ضمن التدريب الذي تخضع له الجماعات المقاتلة، والذي هو لا يختلف في شيء عنه لدى كل التنظيمات الإرهابية في جميع العالم؛ لكنّ الدين الذي كنت أطلبه، لم يكن هو هذا... فصار قلبي منكمشا، لا ينتظر إلا السبب المباشر لأغادر إلى فضاء الحريّة...
***
لم يتأخّر السبب المباشر عن الخروج إلى عالم الشهادة، لأن القيادة كانت قد ارتأت أن تستثمر ليلة الامتحان، في الغد مباشرة؛ والبيت نفسه الذي نمنا فيه ليلتنا، وتناولنا به الغذاء، بعد صبيحة من الدروس المختلفة؛ قد خُصّص فيما بعد العصر لِكلام الأمير الجهوي، الذي كان يُراد له أن يكون خُلاصة تقييمية لكل ما مرّ بنا في اليوم كلّه. وقد كان "الإخوة" يجلسون بين يدي هذا الأمير الجهوي (الذي علمت فيما بعد أنه التحق بأوروبا إماما لأحد المساجد فيها)، وكأن على رؤوسهم الطير، بل لقد رأيت أحد أمراء الأسر المشرف على أحد الأحياء مرّة، وقد كان شخصا يُظهر التفاني في الخدمة وتنفيذ الأعمال، يتلعثم ويحمرّ وجهه، بعد أن دخل علينا الأمير فجأة. وأمير الضلال هذا، ربما كان يُعجبه ذلك، ولعله كان يضيفه إلى النقط الحسنة للفرد المعنيّ. أما أنا، فقد شاهدت بأم عيني اقتراف هذه الجماعة، لما تُنكره على رجال السلطة؛ بل إن السلطة عندها، أشدّ من سلطة ذوي السلطة من رجال المخزن، بما أنه لا مسوّغ للسلطة لديها، إلا ما يكون عليه الأتباع من تخلّف عقليّ، ومن متلازمة "ستوكهولم". فأنكرت ذلك في باطني أشدّ الإنكار، وحكمت بأن هؤلاء، مرتبتهم لا تتجاوز صبية الحيّ، وهم يلعبون لعب الصبيان؛ على الشاكلة التي كان يلعب بها الصبيان تحت نافذة هارون الرشيد، تمثيلا لـ "دور الخليفة" مع رعيته، في القصة الشهيرة. لكن هؤلاء السفهاء، كانوا يلعبون بالدين الذي كان ينبغي أن يُميطوا عنه الأذى، كما يزعمون... غير أن الطامة، ليست واحدة من الآفات التي مرّ ذكرها، ولكنها كانت التي سيختم بها ذلك الضّالّ المـُضِلّ كلامه، عندما أردف قائلا، بنبرة الواثق التي لا تكون إلا لمحقِّق أو جاهل: - إن النبي صلى الله عليه وسلم، قد جاء هذه الأمة بالقرآن، فتم تبليغ الرسالة؛ وصار الآن لزاما علينا نحن، أن نمتح من القرآن مباشرة، من دون اعتبار حتى لشخص النبي بيننا وبين الله. هنا، أُغلق قلبي بقُفل، لن يُفتح معه لهذه الجماعة (أو مثيلاتها) الباب أبدا. ولم أكن في هذا الوقت على علم بالمسألة من جهة الظاهر، ولو قليلا؛ بل هي الفطرة نطقت في داخلي، وحكَمَت حكمها الباتّ: لن أسمح لنفسي بمجالسة هؤلاء القوم أبدا!... فأنا عبد يبحث صدقا عن طريق التقرّب إلى ربّه، ولو كان في ذلك حتفي؛ لكنّني لن أغامر بمصير الأخرويّ بهذه السهولة، ولن أسمح لبعض المرضى النفسيّين أن يُطوِّعوني لإبليس، عندما لم يقدر هو على ذلك بشخصه مباشرة معي. نعم، أعلم الآن، أن إبليس ما كان ليجرؤ على مواجهتي منذئذ، وأنا ما زلت لا أعدّ نفسي حقيقة واحدا من المسلمين بعد، من باب إيقاني بجهلي، لا من باب شكّي في ربّي، وحاشاه!... كنت أعلم بفطرتي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واسطةٌ بيننا وبين ربنا، لا يمكننا مجاوزتها؛ وكنت أعلم أن كلّ من يريد مجاوزتها، فإنه سينحرف مباشرة عن الدين المحمّدي الأصلي. كل هذا كنت أعلمه، من دون أن أفرّق بين إخوانيّ وسلفيّ، أو بين شيعيّ ووهّابي... فعرفت منذئذ فضل الله عليّ، وعملت فيما بعد -وبعد أن أذن الله لي في ولوج مجال العلم- على أن أميط الأذى عن طريق كل إخواني في الإسلام، من دون أن أجعلهم يدفعون مقابل ذلك لي من دنياهم، كما كان يفعل كل المتاجرين بالدين!...
***
عندما انفصلت ظاهرا وباطنا، عن تلك الجماعة المشؤومة، التي لا أشك برهة، في أنها قد ألحقت أضرارا بليغة بأمتنا المسلمة؛ لم أنقطع عن الدين، كما كان يرجو ذلك كثيرون ممن كانوا من محيطي المباشر، ومن بينهم والدي؛ ولكنّني واصلت البحث والتعلّم عن طريق مطالعة الكتب: فكان مما وقع في يدي في تلك الفترة: كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، الذي قرأته أكثر من مرّة، وكنت في كل مرّة أعجب من جهلنا نحن العامة، بهذا الإمام، وببعض مقولاته التي قليل في حقّها أن تُكتب بماء الذهب. بدأت أعي أننا نحن الأجيال الجديدة، التي تعيش في أطراف الأرض، نعيش مؤامرة، عن طريق إضلالنا عن الطريق السويّ. لم أكن أدري متى بدأت هذه المؤامرة، ولا إلى أيّ مدى بلغ ضررها فينا... وبدأت أحمل همّ الأمة، وأنا الذي لم ينمُ له جناحاه بعد، حتّى يُحلّق في فضاء المعاني (ولا أقول الفكر) بحرية!... عندما مرت سنة أو أزيد بقليل على مغادرتي للمعهد الموسيقيّ مـُغضَبا، لم أدر ذات يوم وأنا أخرج من المسجد، إلا وشاب لا أعرفه، يقترب منّي ويقول: - إن الأستاذ (أ. ع) يدعوك لأن تتصل به، فهو موجود هذه الأيام بالمعهد!... وقد كان الأستاذ يتنقّل في تدريسه، بين الرباط وجرادة عبر وجدة. ولم يكن على هذه الصفة من الأساتذة، في آخر سنوات المعهد، إلا الأستاذ (م. أبو درار) الذي كنّا نجلّه لإتقانه ولتواضعه. فأجبت الشاب على الفور: - قل للأستاذ إنني قد غادرت مجال الموسيقى بصفة باتّة!... يظهر من هذا الاتصال غير المباشر، أن "المخزن" لم يكن يقصد إلى إقصائي من المجال الموسيقي؛ ولكنه كان يبغي ترويضي وتطويعي، كما روّض وطوّع كثيرين غيري؛ ولكنه لم يكن يعلم أني من طينة أخرى، أو على الأصح أني كنت تحت الرعاية الإلهية في أعلى مجاليها. ولن أتكلم عمّا كان يمكن أن يقع لو أنني بقيت في المجال، لأنني لا أحب الخوض في الاحتمالات، وأنا البراغماتيّ الصّارم... وقد وقع لي هذا الانقطاع شيئا فشيئا، وبالتدريج؛ كلّما تعمقت في التعرف على الدين. حتى إنني أذكر مرّة وقد عدت من المسجد، أنني أخذت العود بين يديّ وشرعت في عزف ما كنّا نعرفه من قطع درسناها في السنوات الماضية؛ فوجدت الهوة في باطني تتسع بين الدين والموسيقى، فحسمت في الأمر، ووضعت العود من يدي، وأنا عازم على ألّا أعود إليه يوما. ومن شدة صدقي فيما عزمت، كنت لا ألمس العود بعد ذلك، حتى لأنقله من مكان إلى مكان؛ وكنت أسند ذلك إلى واحد من أهل بيتنا... حزن كل من في البيت لانقطاعي عن العزف، وأنا من كنت أمارسه كل يوم، على الأقل خمس ساعات، لأحافظ على رشاقة العزف والتمكّن من التقنيات. حزن والدي، وأخبرني أنني سأخسر كل ما كنت أطمح إليه من مكانة دنيوية، بعد أن تعبت سنوات من أجل ذلك (فيما كان يبدو له)؛ وحزنت أمي، لأنها كانت تعلم مدى حبّي للموسيقى. لكنّني في هذه الفترة رأيت رؤيا، مفادها أن دودتيْن خرجتا من رقبتي؛ فلما أخبرت والدتي برؤياي، أخبرتني على الفور: تانك الموسيقى والتدخين!... وكذلك كان، صدّق الله تعبير والدتي، وانقطعت -تقريبا في الوقت نفسه- عن التدخين وعن الاشتغال بالموسيقى: عزفا، وغناء، وسماعا. فكنت بعد إدماني الكبير للموسيقى، عندما أسمع أغنية في المذياع مثلا، أغلقه؛ حتى عدت شيئا فشيئا، عند عملي بكل ما أتعلّمه، إلى عيشة تشبه عيشة الرعيل الأول من هذه الأمة. قد يصعب على القارئ ربما، تصديق ما أقوله؛ ولكنّ صدقي في جميع أموري، أبلغني هذه النتيجة في أيسر مدة والحمد لله... كنت في هذه المرحلة من عمري، وأنا أجاوز العشرين بقليل، قد انتقلت إلى العمل في حجرتيْن مستقلّتيْن عن المدرسة التي عُيّنت بها في سنة 1981، والتي كان اسمها "أبو بكر الصدّيق"؛ وذلك بعد أن عملت سنتيْن أو أكثر في مدرسة "أنوال" التي كانت فيما قبلُ تُسمّى مدرسة السوق. قبل أن أنتقل إلى المدرسة الجديدة، كنت ما أزال أتابع دراستي الموسيقية، وأُحيي مع تلاميذ المعهد الموسيقي بعض الحفلات في وجدة أو في الرباط؛ بل لقد سجّلنا بعض الموشّحات، لإذاعَتَيْ وجدة والرباط؛ ولكن تلك التساجيل، مع الشريط الذي قدّمت به لحني الرسمي الأول للإذاعة الوطنية، كلها قد اختفت، ولم أسمعها على أمواج الأثير ولو مرّة واحدة. ولا أدري السبب المباشر لذلك، إلا أنه بالنظر إليّ خير محض، لأنه قد محيت كل آثاري التي كان سيأتي الوقت لأتبرأ منها، ولو فيما بيني وبين نفسي... ثم ما لبثت أن تعرّفت على كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، والتي كان يُصدرها في مجلّة "الجماعة" التي كانت توزّع سرّا. وقد استفدت منه -رحمه الله- في بعض تحليله للتاريخ الإسلامي، وإن كنت لم أخلص إلى ما خلص هو إليه؛ كما استفدت منه حينها على مستوى تحسين لغتي، وعلى مستوى وعيي السياسي بواقع بلادنا (المغرب)، وعلى مستوى معرفتي بمختلف اللاعبين في ساحته؛ خصوصا من اليساريّين الذين كانوا من جهةٍ، أول معارضة يعرفها جيلي وأكبرها؛ ومن جهة أخرى، بوصفها أم الحركة الإسلامية السياسية التي ستتوالد الواحدة بعد الأخرى، ناسخة في مجملها المخطّط التنظيمي الذي عملت به جماعة "الإخوان المسلمون"، منذ بدايات العشرينيات من القرن الماضي، بحسب التقويم الغريغوري. وقد أعانني تبيّن كل ذلك، على التمكّن من حسن قراءة المشهد السياسي المغربي، فيما بعدُ، لا منذ الآن؛ وهذا، لأنني كنت منطقيّا مع نفسي، لا أتكلّم في شيء، حتى ألم به إلماما أشعر معه أنه يجوز لي أن أُبدي رأيي؛ وإلا فالصمت كان هو مذهبي، وكان هو ما يُطمِع فيّ المغرضين الذين يستهينون بمقدرتي على النقد بعد الملاحظة؛ كما وقع لي مرارا مع (م. ج) الذي كان هو المؤسِّس الحقيقيّ لجماعة "الجماعة" التي يقودها عبد السلام ياسين، بجرادة. كان الرجل يطمع في أن أكون واحدا ممن يحملون معه ثقل التأسيس، مع القبول به قائدا محلّيّا لا يقبل الجدل ولا الجدال. والتنافر المنهجي بيني وبين هذا الشخص، هو ما جعل الصلة فيما بيننا تنتهي إلى القطيعة؛ وفي إحدى المرّات إلى فضحه أمام الملأ، بعد أن اطمأن في إحدى الجلسات التي كنّا فيها ضيوفا عند أحد رجال التعليم من العاملين في مستوى الإعدادي؛ وكان ذلك في مرحلة آتية من عمري لا في هذه. ولكن ربط الكلام، بحيث يخرج القارئ منه بصورة مكتملة لديه، عند قراءته لهذه المذكّرات، هو ما يجعلني أتنقل للضرورة، بين مرحلة وأخرى. غرّ الرجلَ صمتي في تلك الجلسة التي كان يحضرها مقدّم الطريقة البودشيشية، فتمادى في الطعن في التصوف وأهله؛ ولما رأيت أنه سيخرج منتصرا، في مقابل المقدَّم الجاهل، تكلّمت وأوجزت، إلى الحدّ الذي لم يطق معه مواصلة الجلوس معنا، فخرج وهو يصيح صياحا هستيريّا، قد يتذكّره بعض من حضر معنا تلك الليلة، وبعد كل هذه السنين الطويلة...
***
في هذه الأيام التي كنت قد انفصلت فيها عن جماعة الطلائع، كنت على صلة وثيقة بزميلي في العمل (م. ز)، الذي كان ينتسب إلى الطريقة البودشيشية؛ فكنت أفضي له بمكنوناتي، وأتعلّم منه كل ما كان يزيد عليّ فيه من معلومات دينية فقهية أو عَقَديّة؛ وكان هذا الرجل نعم الصديق لي. كان يتلطف بي كثيرا، ويعاملني -كما أعامله- باحترام وجدّية، ما كنت أجدها عند كلّ أحد. وفي هذه الفترة وأنا مستقل عن كل انتماء، ومحافظ على شعائر الدين بجدّ قليل النظير، رأيت بعض الرؤى (الوقائع بتعبير الشيخ الأكبر)، وقد كنت أستكثر على أمثالي أن تكون لهم قدم في الدين، لشدّة ما أحتقر نفسي وما أراه من سوء فيّ، بسبب طهارتي لا بسبب شيء آخر. علمت هذا فيما بعد، وعلمت أنني كنت كالصفحة البيضاء التي تُرى فيها النّكتة السوداء بسهولة، على ضآلتها... كان مما رأيت يوما: أنني جالس أمام شخص مسجّى أمامي، حسن الصورة، معتدل القوام على ضخامة غير شائنة في رأسه. عرفت من داخلي أن هذا الشخص هو في حكم لا ميّت ولا حيّ، بالمعنى المعروف، ولعلّي سمعت من باطن أذني اليمنى صوتا معنويا يقول لي: هذا محمد!... وعلمت أن الصوت يأتيني من جهة اسمها "جمعة"، ظننتها للوقت أنها جدّتي، بينما أعلم الآن أنها الحقيقة المحمدية. فأخذت -من دون أن أعي الأمر حقيقة- مشطا وصرت أمشط شعر تلك اللحية الجميلة، التي كانت الشعرات البيضاء فيها معدودة... في إحدى المرّات، وأنا أسير رفقة صاحبي، قصصت عليه رؤياي على استحياء، لأنني كنت أظنّ أن قطف ثمار التديّن ما يزال بعيدا عنّي، فبشّرني صاحبي، وذكر لي أن مَن رأيته هو شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستعظمت الأمر بيني وبين نفسي، وارتعبت من الهيبة رعبا شديدا... وعندما عدت إلى البيت، تصفحت كتاب تفسير المنام لابن سيرين، فوجدت أن تمشيط اللحية النبوية، يعني أن صاحب الرؤيا سيحيي السنة النبويّة؛ فعجبت لذلك، من بُعد الشّقّة بيني وبين الأمر، ولكنّني الآن أعلم أن ذلك التعبير، كان يصدق على تلك الرؤيا... كان من حسنات صاحبي وأفضاله عليّ، أنه كان يدلّني على ما لم أحصّله بعد، فكنت أعرف بذلك أنه يصدُقني؛ ولو أنه جاملني ونفخ في نفسي، ربما كنت لأنفصل عنه قريبا، فأنا كنت جادّا وعارفا بنقصي، ولا أقبل أن يستغفلني أحد بتلاعبه بأهوائي؛ وهذا بخلاف كل من عرفت من الناس في الطريق إلى الله بحسب الظاهر؛ أما بحسب الباطن، فلا يُنسب إلى الطريق إلا من كان من أهلها عند الله... ومما رأيت أيضا في تلك الفترة: وأنا جالس على "السدّاري" في غرفة الجلوس من بيت والدي، الدنيا، وعرفتها. كانت في صورة أحسن امرأة تقع عليها عيني، بحيث أجزم أن لا أحد من النساء ممن عرفت يدانيها. وكانت لشدّة حسنها، يُرى مخّ عظمها من ساقها، كما وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحور من أهل الجنّة؛ ولكن كان على وجهها، مع شدة حسنه، آثار خطوط قصيرة، تميل إلى السمرة بالنظر إلى بياض الوجه. كانت هذه الآثار كالظلال، ولم تكن ندوبا؛ تدل على عمرها الطويل... فجلست هذه الحسناء على الأرض بجانبي، وهي تضع يدها على ركبتي، تراودني عن نفسي. فلم يتزعزع باطني إلى ناحيتها مقدار أنملة، وبقيت متوجّها إلى الحق رغم توسلاتها. فكان آخر ما سمعته منها، شكواها إلى الله من "محمد"، الذي فهمت أنه هو السبب في عدم تمكّنها منّي. فعجبت من هذه الرؤيا، لأنني لم أكن في ظاهري، ممن يُحسَب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد. وكان الله يوفّقني إلى عدم الوقوف مع شيء دون الحق، عملت بهذا وسرت عليه دائما، وخصوصا في فترة سلوكي مع شيخي؛ فانتفعت به انتفاعا لا يعلم قدره إلا الله ورسوله... |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.