اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2018/12/13 العمل الإسلامي ومنطق الإسلام - 14 - معاملة الحاكم في الدين إن بناء الإسلاميين مقولاتهم في شأن الحكام على اشتراط العدل واقتسام الثروات، ليس من أصل الدين؛ خصوصا ونحن لا نكاد نجد اختلافا بين هذا الخطاب، وما يُنظِّر له الكافرون في ديمقراطيتهم وعدالتهم الاجتماعية. وإن اشتراك الخطابين في المنطلقات -وإن تُكُلّف في جعل الوحي منطلقا لدى الإسلاميين- لا يدل إلا على مقاربة الإدراك الإسلامي للإدراك الكفري. وما ذلك إلا بسبب كون الدنيا لدى الفريقين، صارت هي الغاية. ورغم أن الإسلاميين يزعمون أنهم عاملون للآخرة، ليوافقوا الخطاب الديني ظاهريا، إلا أن العمل والمعاملة يُبينان على حقيقة الترتيب الذي لديهم، عندما نجد الآخرة لا تكاد تتجاوز معنى تحصيل جزاء الأعمال المشروعة المؤجل. وبما أن اعتبارها مؤجل، فإن معاملتها لا تكون إلا بعد الفراغ من المعاملات الدنيوية الملحة التي تكون في المرتبة الأولى. هكذا هو الأمر لديهم!... قد يسمي البعض هذا واقعية وتجديدا للعمل الإسلامي، بما يمنع حكام الاستبداد من أن يتلاعبوا بدنيا الأمة وبدينها؛ غير أن الحقيقة هي أن أهل الدين قد غلبتهم دنياهم، حتى ما عادوا يقبلون دينا لا حظ لهم فيها معه. ولقد ابتليت الأمة بدعاة (أشباه علماء) يدلونها على مكامن القوة لدى الأمم الكافرة، ويحضونها على تقليدها فيما انتهجته، ليتسنى لها اللحاق بها. ولها بعد ذلك أن تحافظ على خصوصيتها فيما عدا ذلك، مما يدخل -بحسبهم- في معاملة الله بمقتضى الدين. ولقد نسي هؤلاء إن لم يكونوا يجهلون، أن الجانب الدنيوي لدى المسلمين لا ينفصل عن الدين البتة. وإن زعم زاعم أنه سيقلد الأمم الكافرة فيما لا يراه هو إلا دنيا، فإننا نخبره أن هذا يدخل فيما يُسمى في الشرع لدينا بالسُّنن؛ والسنن تستتبع ظلامها أو نورها، بحسب السّانّ لها. فإن كانت السنن كفرية، فإنها تجلب الظلمة للقلوب وإن بدا أنها في نطاق المباح أو أنها من المصالح. ولولا هذا الأصل، ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى أصحابه عن التشبه بالكافرين فيما يختصون به من عادات وتقاليد. وإن اعتماد المعيار المادي وحده في تقييم النتائج لدى المسلمين، ليس من الدين وإنما هو من غلبة الدنيا على قلوبهم أيضا. ومَن غلبته الدنيا، فلا أقل من أن يشتغل بنفسه ويترك الكلام في الشأن العام، إن كان يريد العودة إلى صحته القلبية ليلحق بالمؤمنين. وإن نحن عدنا إلى معنى العدل الذي تُبنى عليه تنظيرات الإسلاميين، فإننا لن نجده يعدو ما تبلغه العقول الكافرة من إدراك؛ بينما نجد نحن له في ديننا معنيين، لا بد من التفريق بينهما، كما لا بد من إيلاء كل منهما حقه في المعاملات. فالعدل قسم منه إلهي، وقسم شرعي؛ والشرعي فرع عن الإلهي، لكن بالنظر إلى العبد خصوصا. وينتج عن هذا أن يؤمن العبد (إن لم يكن يعلم) أن كل ما في الوجود من أفعال هي عدل، ما دام الله هو فاعلها. يستوي في هذا، ما يُسمى عدلا في العقل وفي الدين، بما يُسمى ظلما وجورا؛ لأن هذا المستوى لا يُنسب الفعل فيه إلا إلى الله وحده. وفعل الله دائما عدل، وإن ظهر من جهة صورة الحكم الفرعي مخالفة. وفي هذا المستوى يقول الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]؛ أي لا يُسأل عما يفعل سبحانه عند نسبة الفعل إليه؛ وهم يُسألون لأنهم تحت حكم الشريعة في الفعل عينه الذي لا يُسأل الله عنه. نعني من هذا أن الفعل واحد، والحكم اثنان؛ فيما يتعلق بالأفعال الصادرة عن العباد. أما الأفعال الأخرى التي تظهر في العالم منسوبة إلى غير المكلفين من المخلوقات، فيبقى حكمها واحدا عند نسبة الفعل منها إلى الله. ويدخل في هذا الصنف الزلازل والفيضانات، وما يكون من المظاهر الحيوانية، كلدغات الثعابين والافتراس من قِبل الوحوش، وغير ذلك... ولهذا السبب، كان لا يجوز الاعتراض على الحكام باطنا، ليُتأدب مع الله بالرضى، في كل ما يُعترض عليه بلسان الشرع ظاهرا. وأما من يعمد إلى الاعتراض، وهو يظن أن موافقة الشرع في الظاهر تكفيه، فإنه يكون ممكورا به؛ وليعتبر نفسه فائزا، إن هو خرج من فعله هذا لا له ولا عليه. وإن عدنا إلى فعل الإسلاميين في هذا الوجه، فإننا سنجدهم على خطر، بسبب غفلتهم عن معاملة الله عند معاملة الحكام من جهة؛ وبسبب تعليمهم للعامة الجرأة على الله قبل الجرأة على الحكام، من جهة أخرى. ونحن هنا لسنا نريد التأصيل لطاعة الحكام العمياء بما نقول، كما سيتبادر إلى الأذهان؛ وإنما مرادنا الدلالة على معاملة الله في معاملة الحكام وغيرهم؛ لأن معاملة الله مقدمة في الاعتبار على معاملة كل خلقه. هذا، إن كنا نريد اتباع الهدي الرباني!... وبما أن هذا العلم مجهول لدى علماء الشريعة، فإننا نذكره ليعود به من شاء إلى الجادة، قبل فوات الأوان. وقبل أن نبيّن كيفية معاملة الحكام، لا بد من أن نبدأ ببيان مرتبتهم الوجودية التي تسبق المرتبة الحكمية. ولسنا نعني بالمرتبة الوجودية التي للحكام، إلا ما ذكره الله في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]. وهذا يعني أن المالك الحق لجميع المـُلك، والذي لا يكون الملك حقيقة إلا له، هو من يجعل من يشاء من عباده مَلكا على قومه؛ وهو من ينزع منه الملك إذا شاء. وهذا يعني أن الناظر بعين الإيمان، عليه أن يجاوز كل صور إتيان الملك، وكل صور نزعه، ليعلم أن الله من وراء كل صورة وفعل. ولهذا، فإنه يستوي من جاء إلى المـُلك بانقلاب، ومن ناله وراثة، ومن وصل إليه عن طريق الانتخاب. كما يستوي أيضا من أُطيح به في انقلاب، ومن مات ميتة طبيعية، ومن انتهت مدة ولايته التشريعية بحسب قوانين بلده... ونحن عندما نجد الإسلاميين اليوم يصرون على أن يكون الحاكم منتخبا، وأن يظل في الحكم إلى أن تنتهي مدته بحسب الدستور، ويرون في مخالفة ذلك مخالفة للدين، فإننا سنكون أمام فكر سياسي لا يمت إلى الدين بصلة رغم إلباسه لبوس الدين. وعلى هذا، فإن الأحكام التي تُبنى على هذا التصور، لا تكون شرعية أبدا؛ بل قد ينتج عنها ما يكون مخالفا للشريعة، إن اعتبرنا أن أول الشريعة التأدب مع الملك الحق، كما سبق أن بيّنّا. فإن قيل: إن هذا الكلام سيجعل الانقضاض على الحكم من قِبل المـُغرضين عملا شرعيا، ونحن نعلم أن الشرع لا يُجيزه!... وفي النهاية سيكون الشرع مناقضا لنفسه، بإقرار الحاكم الشرعي وإقرار المطيح به ظلما؟!... ولعل هذا الالتباس، هو السبب فيما حدث عند خروج معاوية وغيره، على علي عليه السلام!... فإننا نرد: إن هذا الكلام لا يصدر إلا عمن يخلط بين المستويين اللذين ذكرناهما سابقا. وأما عن مسألة الخروج على عليّ عليه السلام، فصحيح أن سببها عدم العلم التفصيلي بما ذكرنا. وإن كون الحاكم مُملَّكا من الله، لا يعني أنه لا يُسأل عما يفعل: فإن هو ظلم الحاكم الذي قبله، فسيُعرّض نفسه للعقوبة من الله من غير شك؛ إلا أن يغفر الله. لكن حقيقة أنه ملك تجب مراعاة تمليكه مِن قِبل الله، لا خلاف عليها؛ وهذا هو ما سميناه المرتبة الوجودية للملك. ومن هذا الوجه، يُعتبر القدَر لدى الناظرين؛ وإلا كانوا على شرك في أعمالهم ومعاملاتهم. أما مرتبة الحاكم الُحكمية من كونه ملكا أو رئيسا، منتخبا أو وارثا، فلا تغير من مرتبته الأصلية شيئا؛ لأن الشرع هنا لا يعتبر إلا كونه خليفة. ولقد حصرنا الأمر في لفظ الخلافة دون المـُلك، لأن هذا الأخير خلافة ظاهرة؛ أي خلافة عن الخليفة. والخلافة في حقيقتها إما كليّة بوجهيها الظاهر والباطن، وإما جزئية عندما تكون ظاهرية فحسب. والفرق بينهما هو أن الخليفة مظهر رباني يُعامَل الله فيه شرعا، وتكون طاعته من طاعة ربه. وأما الملك فهو من جملة العوام، لا يختلف عنهم إلا بسلطانه. ومعاملته لا تكون للعموم إلا ظاهرا، ويُنظر عند طاعته إلى مدى مطابقة أمره للشرع. وحكم الملك من جهة كونه عادلا أو ظالما، يكون بالنظر إلى مسؤوليته (وهم يُسألون)؛ والميزان في هذا للشرع، لا للقياسات العقلية وحدها. فمن وافق الشرع من الملوك فقد عدل، ومن خالفه فقد ظلم، وإن كان فعله مما يجده الناس أحيانا مصلحة. غير أن الفقه السياسي لدى المسلمين بقي على مدى القرون بدائيا، لا يساير التطور الحاصل في مفهوم الدولة، ولا يبيّن مختلف الأحكام التفصيلية، التي يحتاجها الناس في معاملتهم للحكام. أما قول الله تعالى بعد القول الأول: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، فيعني أن الملك يعز به الله من يشاء من العباد، ويُذل به من يشاء؛ وبهذا يكون مظهرا لمعاملة الله لعباده. نعني أن العباد إن هم أطاعوا ربهم، ملّك عليهم من يُعزهم؛ وإن هم عصوا، أذلّهم بملوكهم. وهذا أيضا من المرتبة الوجودية للملك، والتي لا تنفي المرتبة الحكمية. أي إن الملك -مع كونه مظهرا ربانيا- ليس مطلق اليد في الإعزاز والإذلال، بل هو تحت حكم الشرع؛ فإن أعز من لا يستحق العزة، أو أذل من تنبغي عزته، كان أقرب إلى عقوبة الله؛ فإما نالته في دنياه بما يشاء الله، كتسليط غريم عليه أو غير ذلك... وإما أُجلت له إلى يوم القيامة. ويبقى الخليفة معصوما عن الظلم الذي هو مخالفة الشريعة، بسبب انتفاء النفس منه وبسبب كونه مظهرا ربانيا متحققا من الجهتين: الظاهرة والباطنة. أو إن شئت قلنا: إن الخليفة يكون عادلا من جهة الظاهر والباطن؛ وأما الملك فيكون عادلا من جهة الباطن، وقابلا للظلم من جهة الظاهر. بعد كل ما تقدم، يتضح أن الإسلاميين لا خبر لهم عن حكم الشريعة فيما يتعلق بالحاكم، وبالتالي تكون معارضتهم له في الغالب عن هوى، قد يكونون فيه أسوأ حالا ومآلا منه. أما قياس ذلك على كون الحاكم مستبدا، مستأثرا بالثروة، فإنه يؤكد وجود الهوى وينفي التقوى؛ لأن مخالفة الحاكم، لم يُكلِّف الله عباده بمجازاته عنها بأنفسهم. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المعنى: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا! قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» [1]. فإن عمل الناس بخلاف هذا، من تلقاء أنفسهم، فإنهم يكونون عاصين لله؛ وسيحاسبون على معصيتهم تلك، كما يحاسبون على جميع المعاصي؛ وإن كانت هذه المعصية من جهة باطنها فعلا من الله بالحاكم، يعلم سبحانه وحده الحكمة منه. وإن تعدد مناطات الأحكام في المسألة الواحدة، لم يعتن به الفقه كفاية على مدى عمر الأمة كله. وما زال هذا المجال قابلا للإغناء إن وُجد أهله في زماننا، أو في الأزمنة التي تأتي بعده. ومن ضمن في مثل هذه المعاملات متعددة الواجهات السلامة يوم العرض فليُقدم، وإلا فليتق الله في نفسه وفي أمته!... ومما يؤكد اعتبار المرتبة الوجودية للحاكم، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ!» [2]. ويدخل في هذا المعنى أيضا، ما قد يراه الناس نقصا في أهلية الحاكم من جهة العلم أو من جهة الشرف والجاه، وغير ذلك؛ لأن الأمر يعود إلى الله، وإلى حكمته في تولية حاكم دون آخر. وحتى يُدرك العبد ما يوجد ضمن هذه التشعبات والتفاريع، فلينظر إلى ختام آية الملك التي تناولناها بالكلام، عند قوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]. أي إن كل ما تفعله من تولية من تشاء وعزل من تشاء، وكل ما تفعله من إعزاز من تشاء وإذلال من تشاء، هو من الخير الذي لا يعلمه إلا من أطلعته على بديع تصرفك في ملكك. أما العلماء بأحكام الفقه التي هي جزء من الشريعة فحسب، فلا ينبغي لهم الانفراد بالقرارات التي تهم الأمة، لأن علمهم ناقص كما أوضحنا. وليعلموا أن كل الأضرار التي ستنجم عن اتباعهم في آرائهم، سيتحملون أوزارها يوم لا ظلم. وهذا يُعيدنا إلى ما ذكرناه في الفصول السابقة من ضرورة إمامة الربانيين للأمة، الذين يتلقون علمهم في الصغيرة والكبيرة عن الله. وأما حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي ذكرناه في فصل متقدم، وأرجأنا تفصيل الكلام فيه إلى هنا، فلا بد أن نتناوله جزءا جزءا. يقول رضي الله عنه: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» [3]. وهذا الحديث يشمل الآداب الرئيسة في معاملة الحاكم، والتي هي: 1. المبايعة على السمع والطاعة: يسعى بعض الناس إلى تجريد الحاكم من حقه في طاعة الناس له، بدعوى أن جميع الناس سواسية، وأن كل واحد منهم ينبغي أن يؤدي واجبه من موضعه. وهذا الكلام وإن كان لا يخلو من صحة، إلا أنه ليس من الدين؛ بل هو مما تعمل عليه الدول الديمقراطية، ضمن نظام المؤسسات. والنظام الديمقراطي نظام كفري، لا يستحضر في مختلف معاملاته الدين ولا أحكامه. والأمة الإسلامية، لا ينبغي أن تقبل نظاما كهذا، إن هي أرادت أن تعيش تحت حكم الشريعة، ويكون عملها لله. ويشبه هذا أيضا، جعل المبايعة مشروطة بالاختيار (الانتخاب). وهذا من أقوال المتأخرين من الإسلاميين، عندما جهلوا فعل الله في تولية الحكام. ولو أنهم علموا ذلك، لعلموا أن البيعة متعلقة بالحاكم بعد أن يولّيه الله في علمه. وأنها (أي البيعة) تكون صورة لاختيار الله، لا لاختيار الناس في الحقيقة. أو فليُعتبر اختيار الناس في المرتبة الثانية بعد اختيار الله، فإن هذا هو ما يليق بالمؤمنين. لكن في المقابل، ينبغي أن لا يُصار إلى ما يقوله فقهاء السلاطين، الذين يجعلون طاعة الحاكم طاعة لله على وجه المطابقة. فهذا هو ما يشبه ما كانت عليه الأنظمة الثيوقراطية مع الكنيسة الأوروبية في القرون الماضية، الوسطى وما بعدها؛ وهو معنى للطاعة مرفوض رفضا باتا في الإسلام. ويبقى بعد هذا، الجمع بين القول بوجوب طاعة الحاكم من جهة، وبوجوب التزامه لأحكام الشريعة من جهة أخرى. فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» يقابله قوله: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ! إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.» [4]. هذا هو الأصل الصحيح الشرعي في مسألة السمع والطاعة. ثم إننا سنجد سبب فصل الإسلاميين فصلا تاما بين طاعتهم للحاكم وطاعتهم لربه؛ هو كونهم على توحيد عام، لا يمكّنهم من معرفة ما الأمر عليه حقيقة. وحتى من جهة الأحكام الشرعية، كان ينبغي عليهم أن يحرصوا على طاعة الحاكم في طاعة الله (عندما يأمر بطاعة الله)، وأن يقصروا عصيانهم له في حال أمره بمعصية الله وحدها. ومن لا يلتزم بهذا التقسيم الشرعي في معاملة الحاكم، فليعلم أنه على مخالفة للشريعة ينبغي أن يتوب منها، وأن يدعو غيره أيضا إلى الرجوع عنها. ولو محصنا مقولات الإسلاميين بخصوص معاملة الحاكم، لوجدناها في غالبيتها تستند إلى الفكر السياسي الديمقراطي الغربي، الذي لا يرى الحاكم إلا نائبا عن الشعب في تحقيق أهوائه وتلبية رغباته الدنيوية العاجلة حصرا. ومتى كان هذا من الدين، حتى يبني عليه البانون أقوالهم وتنظيراتهم؟!... 2. في العسر واليسر: وهذا يعني أن طاعة الحاكم التي تكون من طاعة الله، لا ينبغي التخلف عنها عندما تكون منافِرة للطبع أو للطبيعة (طبيعة الإنسان)؛ لأن طاعة الله مقدم فيها اعتبار المعمول له، على العمل ذاته، وعلى ما يتعلق بالعامل؛ ما لم يكن الأمر إضرارا بيّنا بالأمة جمعاء أو بشطر كبير منها، يختل به توازنها. وهذه الأمور تُترك لتقدير الخبراء في وقتها، ولا يجوز للفرد أن ينفرد عن الحاكم برأي فيها. والعمل مع العسر عند الاضطرار، يكون مضاعف الأجر بالنظر إليه في حال اليسر. وهذا يزيد من أسباب تجاوز العاملين للاعتبارات الشخصية، إن كانوا حقيقة راجين لرحمة الله. 3. والمنشط والمكره: يُدل بالمنشط والمكره، على اليسر والعسر النفسيين الداخليين، في مقابل العسر واليسر الظرفيين الخارجيين السابقين. وهذا يدل على أن طاعة الحاكم، لا يُراعى فيها هوى الأنفس؛ لأن الأنفس تُقْدم على ما تحب، وتُحجم عما لا تحب؛ والشرع لا يراعي هوى الأنفس، وإنما الأنفس هي التي ينبغي أن تسير وفق الشرع. وهذا بخلاف ما يفعله كثير من الإسلاميين، ومن المسلمين من بعدهم. رأيناهم ينتقون من الدين من الأعمال بأهوائهم، ويفعلون ويتركون بأهوائهم أيضا. ومع هذا لا يشعرون أنهم يقعون فيما ينتقدون عليه الحكام أنفسهم، مع جهلهم بحقيقة ما عليه الحاكم في نفسه من علم ومن هوى ومن قرائن متغيرات. ولو نظرنا إلى روح التشريع، الذي ينبني على العبودية لله، لوجدنا أهم مظاهره مخالفة النفس في سبيل الله، التي قد تبلغ درجة المجاهدة عند عودتها مقاما لصاحبها. وهذه المجاهدة هي من أكبر القربات إلى الله؛ يدل على هذا قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. وأما من خلُص لله، حتى انتفى عنه حكم النفس، فإنه سيصير أحدي التوجه، لا يحب إلا بحب الشرع، ولا يُبغض إلا ببغضه. ومثل هذا هو الذي جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ!» [5]. وهذا لا مجاهدة له في الحقيقة، ما دام قد زال المنازع من نفسه. ومعنى لا يؤمن أحدكم هنا: أي لا يكمل إيمانه. 4. وعلى أثرة علينا: وهذه قطب رحى كل المعارضين من إسلاميين ومن غيرهم. ونحن هنا لا نبرئ الحكام من استئثارهم بالدنيا دون شعوبهم، فنكون ظالمين ومزوّرين؛ ولكن نزيح ركام الغفلة عن أصل من أصول التشريع لدينا، يُحرّم أن يقوم الناس على الحاكم من أجل تحصيل الدنيا والمال وحدهما. هذا لأننا لو فتحنا هذا الباب، لما انسد إلى يوم القيامة، بسبب حرص النفوس الغافلة على الدنيا، والرغبة في الاستزادة منها بلا غاية. وقد قال الله تعالى في هذا المعنى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16، 17]؛ ولقد جاء هذا بعد قوله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، فكأن من لم يتزك بذكر اسم ربه ليصل إلى معرفة ربه، لأجل أن يعامله بما يليق به سبحانه، لا بد له من إيثار دنياه على آخرته، بسبب ضعف إدراكه. والإسلاميون من كونهم لا يتزكون، لا يختلفون عن سواهم من الناس من هذا الوجه؛ لذلك تكون أعينهم على دنيا الحاكم، يتربصون به ليظفروا بها من دونه. وهذا كله مذموم في الشرع، ويفسد به توجه العباد وتفسد أعمالهم. إن ما يهذي به الإسلاميون في هذا الباب، عندما نسمعهم يتكلمون عن التوزيع العادل للثروات، لا يختلف عن التنظيرات الكفرية في المجال السياسي كما قد أسلفنا، حيث يعمل الحكام والمحكومون على اقتسام ثرواتهم بما يناسب توافقاتهم. ولم يعتبر الإسلاميون فيما يذهبون إليه، أن الكفار لا حظ لهم في الآخرة؛ وأنهم إن هم استأثر بعضهم بالثروة دون بعض، فإن تنعمهم الدنيوي الذي ليس لهم سواه، سيختل اختلالا كبيرا. ولعل الله في سابق علمه، أراد أن يجعل اقتسامهم لحظوظ دنياهم يكون بهذا العدل([6]) المـُدرك هنا للخاص والعام. وأما المسلمون، فإن أمرهم يختلف من كونهم على أنصبة في الآخرة متفاوتة؛ وإن كان أدناها يفوق الدنيا بأضعاف مضاعفة. يقول الله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38]. ومعنى قليل بالاصطلاح القرآني عند المقارنة بين الفاني والباقي، هو ما يقارب الصفر. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال (راويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم): «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: اُدْخُلِ الْجَنَّةَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ! فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَالَ: فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ (أي موسى): رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}»[7]. ولا شك أن جل من لهم الحظوظ الكبرى من الآخرة، سيكونون على فاقة أو بلاء في دنياهم؛ هذا في الغالب، بسبب عدم جمع الله لعبده بين العذابيْن أو بين النعيميْن. وهذا المعنى نجد له أصلا في قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «وَعِزَّتِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ: إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[8]ولم يجمع الله بين الدنيا والآخرة إلا لقلة من عباده، ومن وجوه مخصوصة؛ كما فعل مع بعض الخلفاء([9]) من الأنبياء والورثة، على الجميع السلام. ولو سألنا الإسلاميين: هل تؤمنون بالفراغ من الأرزاق؟ فإن قالوا نعم، سألناهم: فهل عند مجالدتكم على الدنيا تطمعون في إنقاص رزق من تجالدون، أم في زيادة رزق غيره ممن تجالدون عنهم؟... فإن قالوا لا مقدرة لنا على ذا ولا ذاك؛ قلنا: فلم العمل على أساس غير متبيّن لديكم؟... وإن كنا نعلم نحن أن باعثهم هواهم وعلل أنفسهم. لكن كل ما قدّمناه، لا يعني أن يسكت العلماء الناصحون، عن أمر الحاكم بإنفاق مال الله على عباد الله. ولا يظنّ ظان أننا بكلامنا هذا، سنناقض ما دللنا عليه من آداب في معاملة الحاكم بخصوص توزيع الثروات؛ لأن هذه النصيحة الأخيرة، لا تُقبل إلا ممن زهد في الدنيا من العلماء؛ وإلا عاد الالتباس الذي يقع فيه الإسلاميون إلى الواجهة، ودخلنا في دوامة لا مخرج منها. إن لكل قول شرطا، فلتُعتبر الشروط عند مختلف الأقوال، إن أراد الناس أن يهتدوا إلى سواء السبيل في كل أمورهم. 5. وعلى أن لا ننازع الأمر أهله: كون منازعة الحكام من المحرمات، يأتي من اعتبار تمليك الله لكل من مَلك، سواء أتعلق الشأن بالخلافة العامة أم بالولايات الجزئية، التي تكون في المناصب الحكومية المتدرجة. وإن شناعة فعل المنازعة، تأتي من الاستدراك على الله، ولو من غير قصد؛ فكأن المنازع يقول لله: ما أحسنت اختيار من وليّت!... ونحن نرى في الناس من هو أصلح منه للمنصب!... فما أشد سوء أدب من يكون هذا حاله مع ربه!... ألا يعلم أن الله له علم محيط، لا يبلغ فيه علمُ العباد أجمعين مقدار القطرة من البحر!... ألا يعلم هذا المسكين، أن لله حِكما في أفعاله تعالى، لا يعلمها إلا هو!... ألا يعلم أن الحاكم مبتلى بالشعب كما أن الشعب مبتلى بالحاكم!... ألا يعلم أن ظلم الحاكم قد يكون تطهيرا للرعية من سيئاتها إن هم صبروا واحتسبوا!... ألا يعلم أن الحاكم محاسب على جميع أفعاله كسائر الناس!... فهل تكون المنازعة من الإشفاق على الحاكم، لكونه مضرا بنفسه، أم من الجهل بحقيقة الأمر؟... ولو أننا أردنا استقصاء الجوانب التي ينبغي اعتبارها من هذا الوجه وحده، لعجزنا عن بلوغ الغاية!... ولمثل أولئك الجاهلين يقول الله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات: 16]. ثم إن المنازع لو علم ما يعرّض له نفسه من بلاء، لأخذه الإشفاق على نفسه، ولأنساه كل ما سواه. ذلك لأن سوء الأدب العظيم هذا، قد يجلب على صاحبه فقدان إيمانه، بعودته في أموره إلى نفسه وشيطانه، بدل العودة إلى أمر الله وشرعه. وقد يُسلَّط عليه الحاكم بما لا يقدر دفعه عن نفسه، فيكون سببا لشكه في دينه عند توهمه غلبة الظالم للمظلوم، وقطعه بأن ذلك مخالف لما ينبغي أن يكون عليه الرب من الصفات؛ تعالى الله عما يقولون، و{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180]. وقد يُقْدِره الله على حمل ثقل البلاء ولو جزئيا، وقد يُترك لنفسه في ذلك فيكون من الخاسرين خسرانا مبينا. وقد يُسلط الله على المنازع أتباعه من الناس، عندما لا يرون أن طريقه مفض إلى غاية محمودة لديهم؛ فيعود منبوذا مطرودا، بعد أن كان إماما متبوعا... وقد يحتمل ذلك من جهة إيمانه، وقد لا يحتمله؛ فيدخل في الاعتراض على الله فيكون نصيبه المقت. وقد يسلط الله على هذا الصنف من الناس غير هذا، مما لا يعلمه ويعلم آثاره على القلب والبدن إلا الله وحده!... فأي باب من الفتنة يفتح المنازعون على أنفسهم!... فإن قيل: فعلى هذا، فلن يعترض أحد على الحكام بعدُ!... فنقول: هنا يأتي دور الربانيين وأصحاب الإذن في الفعل والترك، الذين يدخلون في الأمور بالنور ويكونون على بيّنة من ربهم ومما يرضيه أو يُسخطه سبحانه. فهؤلاء وحدهم من يحق لهم مخاطبة الحكام، وهم مطمئنون إلى تأييد الله ونصره. وهؤلاء، على الحكام أن يخافوا على أنفسهم معهم، إن هم خالفوا توجيههم أو غامروا بالرد عليهم بما لا يحفظ مكانتهم. فكم من ملك كانت نهايته على أيديهم، وانقلب عزه ذلة وحياته موتا... وما على الناس من العامة -بدل أن يدخلوا بأنفسهم في منازعة الحاكم- إلا أن يكونوا وراء الربانيين إن وُجدوا في أمصارهم؛ لأنهم سيكونون في مأمن مهما كانت النتائج، ومهما اختلفت ردود أفعال الحكام تجاه النصيحة. وحتى يتمكن الناس من التزام ما ذكرنا، فعليهم عدم اتباع أقوال الفقهاء التي تتعلق بأحكام جزئية، قد يعممون العمل بها في وجوه تتطلب علما مخصوصا يُعوزهم. فالناس عندما يتبعون الفقهاء يعرضون أنفسهم للبلاء الذي ذكرناه آنفا، مع إمكان توسيع دائرته إلى حد يفوق ما يكون مع الإسلاميين، بسبب اتساع دائرة أثر الفقهاء الراسخ عبر الأجيال بما لا يخفى. ذلك لأن انحراف الإسلاميين في النهاية، ليس إلا نتيجة للانحراف الفقهي بالمعنى العام. 6. وعلى أن نقول بالحق أينما كنا: وهذا يشمل الربانيين والفقهاء والعامة، كلا على قدر علمه ونوره؛ لأن قول الحق قد يكون منوطا بأمر خاص يعلمه أي واحد من نفسه؛ وقد يكون من اختصاص الفقهاء العالمين بالأحكام؛ وقد يكون من اختصاص الربانيين وحدهم، عندما يتعلق بما يكون مركّبا، أو عائدا في شطره إلى الغيب. وعلى كل طائفة أن تلزم حدودها من نفسها، وأن تتأخر عند علمها بخروج الأمر عن دائرتها. وهذا لا يكون إلا إن كانت العملة الرائجة بين الناس الصدق في المعاملة؛ بعكس ما نراه في زماننا من جهل بالأمور، ومن اجتراء عليها من دون مراعاة مآلاتها على النفس وعلى الغير، من جهة الظاهر ومن جهة الباطن معا. ولو قال الفقهاء وحدهم بالحق فيما يعلمون وحده، لكفيت الأمة شرورا كثيرة؛ ولما تقدم الناسَ من لا علم له، يخوض بهم غمار المجهول، ويفتح لهم أبوابا من الفتن كانت مغلقة. ولكن الفقهاء في زمننا، وبدل هذا، صاروا سياسيين؛ لا ينطقون إلا إن حسبوا لأقوالهم حساب الحاكم والمحكوم، ومقدار الأثمان المرغوبة والشرور المدفوعة. يحسبون حساب كل شيء إلا حكم الله فيهم دنيا وآخرة!... فأين الفقه في هذا، وأين الإيمان؟!... وقد يتوهم العامة أنهم أبعد الناس عن آفة عدم النطق بالحق، والحقيقة هي أنهم مساوون فيها لغيرهم إن لم يزيدوا عليهم. فلو صدق العوام من يريد تقدمهم في العمل السياسي الإسلامي، بأن يُروهم من أنفسهم ما هي عليه حقيقة، حتى لا يطمعوا في تأييدهم ضد الحاكم بأكثر مما يستطيعون، لأحجم كثير من الإسلاميين عن المجازفة بأنفسهم وأقوامهم فيما لا طائل من ورائه. ولو سأل سائل القيادات الإخوانية الموجودة الآن في سجون مصر -مثلا- لوجدوهم حانقين على الناس إلى حد يمكن أن يبلغ بهم تكفيرهم؛ لا لسبب إلا لأنهم خذلوهم بأكثر مما كانوا يحسبون. ولقد سمعنا من الخطاب الإخواني المبثوث على الفضائيات التابعة لهم، شتما للشعوب واتهاما في الإيمان والعرض؛ بعد أن كانوا في يوم من الأيام عندهم "الشعب العظيم"، الذي هو في إيمانه على قدم الصحابة رضي الله عنهم. إن هذه النتيجة تشبه ما يكون عليه أهل النار في الآخرة من تلاوم بين الأتباع والمتبوعين، الذي حكاه الله لنا في أكثر من موضع. ومن ذلك قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ . وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166، 167]. وليعدّ الإسلاميون أنفسهم فائزين، إن اقتصر خسرانهم على الدنيا، وتقبل الله منهم أوبتهم إليه سبحانه في بلائهم إن هم فعلوا؛ وإلا فإن الأمر رزية لا عوض لها ولا عزاء... 7. لا نخاف في الله لومة لائم: قد فصَلنا هذه الخصلة عن سابقتها، مع كونها من شروطها كما يبدو. نريد بهذا أن نشير إلى أصل داء من يخاف غير الله. ونبيّن أن من يخاف الحكام أو يخاف الناس عموما، لا يُنتظر منه أن يكون أهلا لقول كلمة الحق؛ وبالتالي فإنه يجمُل به أن ينشغل بشؤونه الخاصة، حياء من الله أن يظهر بغير حقيقته. وزيادة على ما ذكرنا، فإن خوف الناس من غير الله يدل على الشرك المستكنّ في النفوس، والذي ينبغي عليهم حياله السعي إلى الخلاص منه، عن طريق العلاجات الشرعية التي أوضحها القرآن وعرضت لها السنّة؛ لكن تحت إشراف الربانيين الذين ينظرون بنور الله، والذين جربوا هذه العلاجات في أنفسهم قبل أن يدلّوا عليها غيرهم. وأما هذا الخلط -الذي صار فيه المرضى أطباء يصفون العلاجات مجازفة من دون أن يعلموا آثارها الدنيوية والأخروية على العباد- فإن أصحابه جديرون بالزجر، لو كان الحكم بالشريعة قائما!... وعندما يكثر من لا يخافون في الله لومة لائم، فإن المجتمع الإسلامي يكون قد قويت لديه المنعة الإيمانية، التي تحول دون دخول الميكروبات العقدية والفيروسات العملية والخلقية، التي تعمل على إضعاف الأمة وجعلها تحت تحكم شياطين الإنس والجن. وتكون بهذا كل الفئات والطبقات قائمة بحراسة الدين من كل الجهات. فالعامة يحرسون الشؤون العامة، والفقهاء يحرسون جانب الأحكام الجماعي والفردي على السواء، والربانيون يشرفون على الجميع في تعاون تام على البر والتقوى؛ من دون بغي ولا تطاول ولا ظلم ولا احتقار. إن العباد على اختلاف طبقاتهم، إن كانت عبوديتهم لله، كلٌّ من مكانته، تنتفي بينهم العداوة والبغضاء، بانتفاء أسبابهما؛ ويحل التكامل والتآزر عند التآخي في العبودية. وهذه الحال، لم يعشها على الكمال إلا الصحابة يوم أن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم؛ ولكنها تبقى مطمح كل المؤمنين من كل زمان. وأسعد الناس، من يكون أقرب حالا من الصحابة الأخيار رضي الله عنهم في زمانه. وما هذا على الله بعزيز، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ.»[10]. فلم يبق إلا أن يشمر المسلمون عن سواعدهم، ويجردوا النية لخدمة دينهم، ليتحقق لهم ما تحقق للأولين من المؤمنين. وإن في رواية الحديث المذكور مِن قِبل عمار بن ياسر -وهو مِن أول من أسلم وجهر بإسلامه- بشارة لالتقاء الأولين والآخرين على هذا الخير العظيم، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس أجمعين. فلا حجة لأحد في التخلف، وقد قربت المسافات، ودنت الثمار، واتضح السبيل!... وإن مما استشكله كثير من الناس في زماننا، حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي يقول فيه: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ؛ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ!»[11]. ولقد بلغ الأمر ببعض المفتونين، أن كذبوا الحديث بزعم أنه يؤسس للاستبداد الذي عمل فينا قرونا بما لا خفاء فيه. والحقيقة هي أن هؤلاء المكذبين خلطوا بين توصيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم للواقع المستقبلي، وبين تشريع ضرب الظهر وأخذ المال؛ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما شرع ذلك ولا أحله للحكام. والدليل هو أن الحاكم الظالم يحمل وزر ظلمه حتى يلقى الله به. لكن لو وُجد العبد في زمن حاكم ظالم، وبلغ بهذا الظالم أن يضرب ظهره ويأخذ ماله بغير حق، فما اللائق به فعله، وقد تعرض لهذا الظلم البيّن؟... هل يجوز له أن يعمل على أخذ حقه بيده؟... فإن لم يستطع، فهل تجوز له الاستعانة بمن هو مثله في المظلومية، ليخرجوا على الحاكم ويعملوا على الإتيان بغيره، ممن يرونهم بمعاييرهم أصلح وألزم لأحكام الشرع؟... إن كثيرا من المتأخرين، الذين لا نور لهم في الفهم عن الله ورسوله، لم يترددوا في الإفتاء لأنفسهم بعدم السكوت لهذا الحاكم، وبمنعه بالوسائل المتاحة على عدم الظلم، وبإكراهه على رد المظالم إلى أهلها؛ وهم مطمئنون أنهم لا يخالفون روح التشريع الإسلامي بأقل قدر. لكنهم لم يسألوا أنفسهم: لم منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل هذه المخارج النفسية، ودل على ما ظاهره الاستكانة والذلة؟... ونحن هنا سنبرز بعضا من الحكم المضمّنة في طي الألفاظ النبوية الشريفة. فمن ذلك: 1. إن دائرة الشر تكون قد اتسعت في الأمة، إلى الحد الذي يصير فيه جل الناس شياطين في مظاهر إنسية؛ كما هو الحال في زماننا والأزمنة التي تأتي بعده، وتسبق الخلافة الخاتمة. فهؤلاء لو مُكنوا من العمل بما يعنّ لهم، فإن الشر سيتضاعف عند رجوعهم على الأمراء الظالمين ومواجهتهم لهم بما يستطيعون؛ لأن الشر لا يواجه الشر. ومن الجلي أن هؤلاء الأشرار، لن يكون عملهم في مواجهتهم للأمراء إرادة منهم لحصر الشر وتقليل أثره في الأمة؛ وإنما سيكون ذلك انتقاما شخصيا، ممن يرون أنه قد نال منهم. وقد يكون هذا النيل من تسليط الله لحكامهم عليهم، عندما قصّروا في الطاعات وتمادوا في المخالفات، ليكون ذلك جزاء من الله وفاقا على ما اقترفوا. لكن معاييرهم في أنفسهم، لا تعطي منهم تبيّن هذا، أو الإقرار على أنفسهم بالذنب. فهم لبعدهم عن الخير، لا يعرفون إلا ما يضرهم من جهة حيوانيتهم وحدها، دون إنسانيتهم التي هم بالتأكيد قد فارقوها منذ أمد بعيد. 2. عند كثرة الأشرار في الأمة، لو مُكّنوا من الرد عن أنفسهم، لهاجت الأمة كلها وماجت، ودخلت في فتن متلاطمة، لا أول لها ولا آخر. والصبر من هؤلاء أو ممن يعاصرهم من الأخيار على الظلم البيّن من الأمير، يكون حادا من الفتن مقللا لأثرها. علم ذلك من علمه، وجهله من جهله. 3. لو قام الناس على أول ظالم، فإن الحكم لا يستتب لأحد بعده؛ لكون الناس لا يُجمعون على خيرية أحد من الحكام أبدا. وكيف يكون ذلك لأحد وهو لم يكن حتى للخلفاء الراشدين، الهادين المهديين، الذين لا نشك الآن في تمام خيريتهم رضي الله عنهم!... فعلى الناس اعتبار جريان سنة الله في هذه الأمور، وعليهم عدم الانسياق خلف ما يبدو لأول وهلة خيرا؛ حتى ينظروا فيما حدث مع الأولين. فما وجدوه لا يكمل للأولين، فلا يطمعوا في أن يتحقق لهم كماله، وهم يعلمون يقينا أنهم أقل علما وأقل إيمانا بما لا يُقارن!... وعلى هذا، فليتق المتأخرون شرور أنفسهم، وليلزموا هدي نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه آمنُ وأسلم، وأضمن لنيل الأجر والثواب من عند الله تعالى، وأتقى للفتن وأنجى من الشر. إن كثيرا من الناس عند نظرهم في كلامنا، ربما سيداخلهم اليأس من انصلاح حال الأمة، وهم من كانوا يعوّلون على الثورات، من أجل تصحيح ما يرونه مختلا. وهذا لا يصح منهم، إن كانوا مؤمنين، لأنه يخالف مقتضى الإيمان. فالإيمان يدل العبد على طاعة ربه والتوبة إليه من كل الذنوب، ليكون مستحقا منه سبحانه أن يغير من حاله إلى الأحسن. فالحكم لله أولا وآخِرا في كل شيء، مما هو عائد إلى الفرد أو هو منوط بالجماعة. وهذا الذي عليه الناس اليوم، من إرادة التغيير بالأيدي، هو من علامات ضعف الإيمان، ومن دلالات مداخلة الشرك للجنان، ومن براهين التأسي بالكافرين، الذي لا يمكن أن يأتي بخير أو يدفع بشر. وعلى الإسلاميين قبل غيرهم، إن كانوا حريصين على الدين حقيقة، أن يعودوا بالناس إلى العمل بالمنطق الديني، لا بالمنطق العقلي المادي. فإن في هذه العودة الخير كله، وإن كانت بعض العقول لا تتبيّنه. وأما الحاكم، فلا ينبغي أن ينسى الناس أنه واحد منهم؛ وأن ما به من خير لا بد أن يكونوا مشاركين له فيه، ولو من وجه واحد؛ وأن ما به من سوء، لا بد أن يكون أصله لديهم مشتركا أيضا. والمؤمن الحق، عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهذا يدعو الناس إلى إعانة الحاكم على الخير، ونصيحته إن زل أو ضل؛ مع الدعاء له بالخير، والإشفاق عليه من تبعات منصبه في الدنيا والآخرة. ومن لا يرحم، لا يُرحم!... ربما سيعجب كثيرون من كلامنا، ويرون أنهم الأولى بهذه المراعاة من الحكام؛ وهذا يأتيهم من توهمهم أن الحكام أقوى منهم وأجلد، بسبب نظرتهم التي لا تخلو من شرك. وأما الحقيقة، فهي أن الحكام -خصوصا في زماننا- هم من أضعف الناس وأجدرهم بالإشفاق. ولو كانوا أقوياء حقيقة، لما ضعفوا أمام الدنيا، ولا أمام الكافرين!... فأين العقل، وأين الدين، في معاملة كل العباد بما يليق!... [1] . أخرجه البخاري، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.