اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2025/04/22 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .26.(ج7) الباب الثاني: العلوم المتعلّقة بالقرآن الفصل العاشر: إعجاز القرآن (ج7)
(تابع)
- مراحل نمو الجنين: لا بد في البداية أن تكلّم عن التلقيح، حيث اكتشَف الطب الحديث أن السائل من منيِّ الإنسان يحوي حيوانات صغيرة تسمى (الحيوانات المنوية)، وهي لا تُرى بالعين المجردة، إنما ترى بالمِجهر؛ وكل حيوان منها له رأس ورقبة وذيل، يشبه في صورته دودة العلق المعروفة، شكلا ورسما. وإن هذا الحيوان المـُختار (ويكون واحدا) يختلط بالبييضة الأنثوية فيلقحها؛ فإذا ما تم اللقاح، انطبق عنق الرحم، فلم يدخل شيء بعده إليه. وأما بقية الحيوانات المنوية فتموت... وقد فهم صفة الحيوان المنويّ بعض العلماء، من قول الله تعالى: {خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ} [العلق: 2]، وهو أمر جائز ومعدود ضمن الإعجاز التأويلي للقرآن، الذي تكشف عنه العلوم بتطوّرها؛ وأما نحن فنُبقي على أصل ما يعلق بالرحم، بعد التلقيح، لكونه مدركا بالملاحظة. وما يُدرك بالملاحظة، يُقدّم في الاعتبار عند النظر إلى الأشياء... وأما مراحل نموّ الجنين، فإن الله يقول فيها: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبٍ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٍ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَیۡرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَیِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِی ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَاۤءُ إِلَىٰۤ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلًا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوۤا۟ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن یُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن یُرَدُّ إِلَىٰۤ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَیۡلَا یَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٍ شَیۡـًٔاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةً فَإِذَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡهَا ٱلۡمَاۤءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجٍ} [الحج: 5]، ولنتناول عبارات الآية واحدة واحدة، لنتبيّن بعض أسرارها: = {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ}: الخطاب للناس، لا للمؤمنين وحدهم؛ وهو ما يُنبئ بإمكان حصول هذا العلم للكافرين أيضا. وهذا هو ما وقع، عندما توصّل العلماء (بالمعنى العلومي) إلى إدراك مراحل نمو الجنين.. = {إِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبٍ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ}: وهذا يؤكّد أن الخطاب للكافرين بالدرجة الأولى، ما دام المؤمنون يصدّقون بالبعث، من غير دليل علوميّ؛ بل بإخبار الوحي وحده. وهنا لطيفة، وهي أن شطر المؤمنين، الذي يرى في هذه التأويلات القرآنية في الزمان، تأييدا لإيمانه، فليعلم أنه على ضعف شديد إيمانيّا، يُخشى عليه معه أن تقويه آية وتذهب به شبهة. والمـُراد من الكلام، هو أن الإيمان ينبغي أن يكون تصديقا خالصا؛ حتى لو أُخبر المرء معه بما يُخالف الظاهر من الوحي، وهذا كما يفعل أنصاف العلماء من أهل العلوم الحديثة، عند إرادتهم الدلالة على إلحادهم، فينبغي أن يبقى (المؤمن) على حاله الأول، وكأنه لم يسمع شيئا. وأما إن داخله الشكّ، أو ضعف تصديقه، فإن ذلك يدلّ منه على أنه على نظر لا على إيمان. وإنّ كثيرا من المسلمين، هم على نظر؛ ومنهم من هم بينهم من كبار فقهائهم؛ ولكنّهم لا يُميّزون النظر من الإيمان. فعاد ضعف هذا الصنف أمام التنظيرات العلومية، عبئا على التديّن الفردي والجماعي، فنتج عن ذلك انهزام الأمة أمام الأمم الكافرة. وقد علمنا من بعض كلام الشيخ الأكبر عليه السلام، أن هزيمة المسلمين العسكرية أمام الكافرين، قد يكون سببها قوة إيمان الكافرين بما هم عليه، وضعف إيمان المسلمين بالحق الذي هم عليه في الأصل. وهذا يجعل الحكم لقوة الإيمان، وضعفه، لا لأسباب القوة بالمعنى الظاهر وحدها. ويدخل في اعتبار قوة الإيمان وضعفه، هذا الإيمان الجديد بالعلومية، الذي صار دينا لدى صنف من الناس؛ حتى عاد الواحد منهم، عند إرادته إثبات كلامه، لا يجد بدّا من وصفه بالعلميّة. وهذا من دون أن يعلم شيئا عن حقيقة العلم والعلومية، وإنما هو إيمان منه بما يسمعه من أولئك الذين يظنّ لهم المكانة في المجتمع... = {فَإِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ}: وهو الطور المزاجي الطيني، الذي كان أصل خلق آدم عليه السلام، الإنسان الأول على الأرض؛ وهو أيضا المزاج الوراثيّ الذي يكون عليه الجنين في أولى مراحله، وإن كانت الصورة هنا، فرعية عن الطين لا أصلية... = {ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٍ}: النطفة في اللغة قطرة الماء، وهي هنا المنيّ. والمني منه منيّ الرجل ومنه منيّ المرأة، وإن كان الشائع عند العامة استعمال اللفظة للذكر وحده؛ وهذا، لأن ماء المرأة أخفى بحكم خصوصيتها. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَلْتَقِي الْمَاءَانِ، فَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلا مَاءُ الْمَرْأَةِ آنَثَتْ.»[1] . ومعنى العلوّ هنا، هو ما يكون من تزاوج الكروموزومات: فإما أن يكون الكروموزوم: XX أو XY؛ فالأول يُعطي الأنوثة، والثاني يُعطي الذكورة. ويقع تحديد كون المولود ذكرا أو أنثى، من الحيوان المنويّ لا من البييضة؛ وهذا لأن الكروموزومات الوراثية عند بداية التلقيح، تكون منقسمة بين كروموزومات الأب وكروموزومات الأم مناصفة، والمناصفة لا تعطي العلوّ المذكور في الحديث، بل تعطي التساوي؛ وإنما المقصود بالعلو تحديد الذكورة والأنوثة في مني الرجل. يقول الله تعالى: {أَلَمۡ یَكُ نُطۡفَةً مِّن مَّنِیٍّ یُمۡنَىٰ . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ . فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَیۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰۤ} [القيامة: 37-39]. وتنتقل عبر الكروموزومات، الصفات الوراثية من الجهتيْن، بحسب مشيئة الله، لا آليّا كما يظن من لا علم له؛ ومن أدخل في الاعتبار الوحم، فإنه سيعلم ما ندلّ عليه هنا. ولقد أخبر شيخنا الأكبر عليه السلام، أن الرجل إذا استحضر في ذهنه صورة شخص معظّم لديه (مثلا)، أثناء الجماع، فإن الولد يخرج شبيها به؛ ولا شك أن لخيال المرأة أيضا مدخلا في ذلك. وعلى كل حال، فإن مسألة وراثة الصفات، مسألة واسعة، وهي منوطة بالمشيئة أولا. وإن هذا الأمر يُستشفّ من مثل قول الله تعالى: {وَبَشَّرۡنَـٰهُ بِإِسۡحَـٰقَ نَبِیًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ} [الصافات: 112]، ومن المعلوم أن النبوة لا تورث من الجهة التي تكون منها الوراثة الخلقيّة؛ فعاد المجموع إلى حكم المشيئة، وتبقى الأسباب أسبابا... = {ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٍ}: والعلقة، هي ما يعلق بجدار الرحم، بعد تلقيح البييضة. وعلوق هذا المخلوق، يُشبه ما تكون عليه النبتة مع التراب الذي تعلق فيه من أجل تحقيق التغذّي والنموّ... = {ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٍ}: واسمها مشتق من المضغ، الذي هو ناتج عن سحق الطعام في الفم، وبدء تحليله باللعاب. وهذه المرحلة من نمو الجنين، هي المرحلة المزاجية الطينية؛ وعندما نتكلّم عن الطين في عملية التناسل، فإننا نقصد المعادن التي يكتسبها المخلوق الجديد من وراثة أبويْه، ومن التغذّي على دم أمه. وهذا المزيج، هو ما سيؤثّر في الروح المنفوخ فيما بعد... = {مُّخَلَّقَةٍ وَغَیۡرِ مُخَلَّقَةٍ}: والمضغة غير المخلّقة، تكون فيما دون الأربعين ليلة؛ وأما بعد بضع وأربعين، فتبدأ أعضاء الإنسان في التصوُّر، فتصير المضغة مخلّقة: أي معلومة الخلقة الإنسانيّة. لذلك جاء بعد هذا: = {لِّنُبَیِّنَ لَكُمۡۚ}: أي لتعلموا حقيقة ما يوجد في الرحم، وتميّزوه من الأورام أو القروح. وقد يتساءل أحد، كيف يكون ذلك، والناس في وقت نزول القرآن، لم تكن لهم أجهزة الفحص المتوافرة الآن، حتى يعلموا كل ما ذُكر؟ فإننا نجيب: إن القرآن، من كونه كلام الله الجامع، والمحيط بحقائق الأشياء على وجهَيِ الإجمال والتفصيل، يخاطب كل أهل زمان بما يُناسبهم؛ وهو الآن يُخاطب الناس باعتبار كلّ هذا التطور التكنولوجي الحاصل، وهذا أيضا من الإعجاز الإلهي القرآني، الذي ينبغي ألا يُغفَل. وهذا يعني أيضا، أن أهل العلوم الحديثة، لا بد لهم من الرجوع إلى القرآن في علومهم، إن كانوا يريدون تمحيصها ورَوْزها؛ أما من يتوهّمون أن تلك العلوم، من شقّها المادّي وحده، تكون معتبرة، فإنهم لا شك جاهلون. وهم سيزدادون بعلومهم تلك شقاوة على شقاوة، بعكس ما يظنّون... = {وَنُقِرُّ فِی ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَاۤءُ إِلَىٰۤ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: وهذا متعلّق بالسُّقْط، الذي ينزل من الرحم، قبل تمامه، بأجله؛ ومتعلّق بما أراد الله له أن يواصل نموّه بعد قراره في الرحم. وهذا المخلوق القارّ، ستتحدّد له خصائصه الآدمية، بعد أن تجاوز مرحلة تمام حيوانيته. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل ذلك في قوله: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ، أَجَلُهُ؟ فَيَقولُ رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ، رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ، فلا يَزِيدُ علَى ما أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ.» [2]. وتحديد ثنتيْن وأربعين ليلة للنطفة، هو من ضرب عدد الصفات الأمهات السبع، في عدد أيام الخلق الستة الأصلية؛ وذلك لأن الجنين في هذه المرحلة يطوي مراحل خلق السماوات والأرض كلها من جهة حقائقها. ومن هنا صحّ أن يُقال عن الإنسان العالم الأصغر، وعن العالم الإنسان الأكبر. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا أنه قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ، وَيُقالُ لَهُ: اُكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؛ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ (أو المرأة) لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى لا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ، فَيَدْخُلُ النّارَ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ، حَتَّى ما يَكونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ.»[3] . وقد يستشكل عدد الأيام على الناظر، فيحار هل هي أربعون واحدة أم ثلاث أربعينات متتابعة؛ فنقول: ليس في الأمر إشكال، لأن النفخ الأول يكون للروح الحيواني، وإن كانت الصورة آدمية؛ وذلك ليتم النمو والاغتذاء. وأما بعد الأربعين الثالثة (أربعة أشهر: وهي بحسب الأسماء المربّعة مضروبة في عدد الأسماء المدبّرة في هذه المرحلة خاصة)، فيُنفخ الروح الإنساني، المستوجب لتفاصيل القضاء المكتوب، والمنبني عليه التكليف إن بلغ المولود السنّ المشروطة. ويجدر بنا هنا أن نذكر أغشية الجنين، كما اكتشفها الطب الحديث، والتي كانت تظهر بالملاحظة غشاء واحدا: وهي تُسمّى على التوالي: المنباري، والخوربون، والفائضي. وقد ورد ذكرها في قول الله تعالى: {یَخۡلُقُكُمۡ فِی بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمۡ خَلۡقًا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٍ فِی ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ} [الزمر: 6]. وأما من جهة المعنى، فإن الآية تعني أن خلق الإنسان يكون من جهة البطون بتوجّه الاسم الباطن، ويكون الاسم الظاهر تابعا له. وإحدى ظلمات البطون هي بطن الأم، وثانيها هي الصورة العدمية للشخص، والثالثة هي ظلمة الطبيعة التي هي أصل المزاج. = {ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلًا}: والإخراج يكون إلى الفضاء الأرضي، بحيث يستقل المولود عن أمه من جهة الغذاء الباطن الذي كان عن طريق دمها، فيقتصر لمدّة الرضاع على شطر صادر عنها، وهو الحليب، والهواء الذي يستمدّه بنفسه، ومن دون تدخّل منها. يقول الله تعالى: {وَٱلۡوَ ٰلِدَ ٰتُ یُرۡضِعۡنَ أَوۡلَـٰدَهُنَّ حَوۡلَیۡنِ كَامِلَیۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن یُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ} [البقرة: 233]، ويقول سبحانه: {وَفِصَـٰلُهُۥ فِی عَامَیۡنِ} [لقمان: 14]؛ وأما عن المجموع، فيقول سبحانه: {وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهۡرًاۚ} [الأحقاف: 15]. وإذا حذفنا من مدة الرضاع والحمل، التي هي ثلاثون شهرا، مدة الفصال التي هي عامان، فإنه ستبقى ستة أشهر للحمل، وهو أقلّه. وإن وُلد الجنين بعد تمام الستة أشهر، فإنه يمكن أن يبقى حيّا بإذن الله، ويُسمّى المولود خديجا... ثم يقول الله بعد ذلك من الآية نفسها: {حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِینَ سَنَةً}، فدل على أن اكتمال نمو الآدمية، يكون بعد أربعين سنة؛ والتي هي بعدد مراتب الوجود، باعتبارٍ ما (العدد الأكبر). وأما سن التكليف الذي يكون دون العشرين من العمر، فهو من أجل تغذّي الآدمية على نور المدد النبوي الوارد بسبب الأعمال المشروعة؛ وهذا يعني أن البلوغ بالمعنى الإنساني يكون عند الأربعين، لا دونها. وأما البلوغ الذي هو معتبر عند الناس كافّة من مؤمن ومن كافر، فهو بلوغ حيواني؛ ألا يُلاحظ أنه عند هذه السنّ يصبح ممكنا للبالغ أن يُنجب!... وهل يكون الإنجاب إلا من الحيوانية؟!... = {وَمِنكُم مَّن یُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن یُرَدُّ إِلَىٰۤ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَیۡلَا یَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٍ شَیۡـًٔاۚ}: أي من الناس من يُتوفّى دون الأربعين أو بعدها، ومنهم من يبلغ الشيخوخة والهرم؛ حتى إذا أصابه الخرف، لم يعد يعلم من بعد علم شيئا. وهذا يعني أن ذاكرة العبد تُمسح من دماغه، لا من روحه؛ لأنها تبقى لصيقة بها أبدا. وهذا يعني أن تمام العلم (كما كان لديه)، يعود للهَرِمِ بمجرّد موته؛ لأنه كان يعلم بواسطة ذاكرة الدماغ، فانفصل عنها، وأصبح يعلم بالخاصيّة الروحيّة، وهي أقوى من غير شك. وهنا نذكر لطيفة، وهي أن الأولياء المتروحنين، يكتسبون خصائص الروح، قبل موتهم الطبيعي، عند تحقق موتهم المعنوي، فيمرّون إلى العيش بالروح، كما يعيش به الموتى في البرزخ وفي الآخرة... وتتميما للفائدة، لا بد من أن نذكر ما يُعرف من التجارب الشخصية في عصرنا، بالعودة من الموت؛ لنقول: أولا: من مات، لا يمكن أن يعود من الموت؛ وهذا، لأن الموت في الدنيا، ولادة في البرزخ. وكما لا يعود الجنين إذا وُلد، إلى بطن أمه، فكذلك لا يعود الميّت إذا مات، إلى الدنيا... ثانيا: إن التجارب التي تقع لبعض الأشخاص (ونحن قد ذقناها، حتى ظهرت عليّ علامات الموت المعروفة، وبكاني أهل بيتي (والداي وإخوتي))، هي مقاربة للموت لا موت. ويكون ذلك بفقدان بعض الشروط في الوظائف الحيوية، كالهبوط الحاد في الضغط الدموي، وتخثّر الدم الحاد بفعل التسمّم، وغير ذلك. فإذا قارب الشخص الموت، فإن بعض خصائص التروحن قد تعود إليه ولو وقتيّا؛ فيحدث أن يعود الإبصار للعميان، ويعود السمع للصمّ، والنطق للبكم، والحركة للمشلولين، وغير ذلك... وهنا قد تعود الذاكرة، لمن كان قد فقدها، فيذكر تفاصيل ما كان يعلمه سابقا. وبعد بلوغ المرء هذا المبلغ، فإما أن يواصل طريقه، فيموت، بعد ظهور هذه العلامات عليه؛ أو يعود إلى حاله الأولى، كما كان في مرضه، انتظارا لأجله. وهذا، لأن العبد لا يموت إلا بأجل؛ والأجل هو الموعد المحدّد في العلم الإلهي، والذي كان قد كتبه الملك ضمن المعلومات التي أُمر بكتابتها في الشريط الوراثي. وهذا الأجل، يُشبه البرمجة التي تكون لبعض الأجهزة التقنية، التي تبرمج على ظهور فعل عنها، في وقت محدّد. وقد ذكر الله الأجل، في مثل قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةً وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وفي قوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِی یَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّیۡلِ وَیَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ یَبۡعَثُكُمۡ فِیهِ لِیُقۡضَىٰۤ أَجَلٌ مُّسَمًّىۖ ثُمَّ إِلَیۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ یُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الأنعام: 60]. ومعنى مسمّى: محدّد. ووصف النوم ليلا، بأنه وفاة، يؤكّد المعنى الذي رددنا به على علماء البيولوجيا آنفا؛ والسؤال لهم هنا: هل يعلمون من علمهم، أن النوم وفاة (موت وقتيّ)؟ وأن الروح به ينفصل عن جسده، ليسرح في عالم الأرواح؟ حتى إنه ليلتقي بأرواح الموتى والأحياء، فيُخبر في غده عن ذلك من باب الرؤيا المنامية؟... فإن لم يعلموا، فعليهم أن يفهموا أن شطرا مما يعيشون من أحداث تخصّهم، هي في عداد العدم عندهم، مع أنها واقع معيش، يجهلون طريقة عيشه فحسب. كل هذا، والنائم قد حفظ الله عليه جميع وظائفه البيولوجيّة، ولو رآه الطبيب لجزم بأنه في تمام صحّته وعافيته؛ مع أنه لا يحكم إلا على جانب حياته النباتية وحدها!... = {وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةً فَإِذَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡهَا ٱلۡمَاۤءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجٍ}: يذكر الله العليم الحكيم، حمل الأرض وولادتها، في مقابل حمل المرأة وولادتها، على تمام المضاهاة. ويبقى الذَّكر في مقابلها معقولا من خلف وصف الأرض، وهو العقول السماوية (الملائكة في السماوات)؛ وذلك يكون بآجال معدودة وأحوال ممدودة. وهذا العلم، مما يتعلّق به علم التنجيم لدى الربانيّين، لا كما يعرفه المنجّمون... - بعض الخصائص الفيزيولوجية الفردية: ومن الخصائص الفيزيولوجية للإنسان بعد الصورة التي يمتاز بها عن سواه من الناس: الرائحة، والبصمات. ومما يدل على خصوصية الرائحة للآدمي، ما اكتشفه الطب الشرعي الحديث؛ وهو أيضا، ما يجعل الشرطة يستخدمون الكلاب البوليسيّة للبحث عن المجرمين. وقد ذكر الله تعالى هذه الخاصيّة في قوله تعالى (على لسان يعقوب عليه السلام): {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِیرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّی لَأَجِدُ رِیحَ یُوسُفَۖ لَوۡلَاۤ أَن تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94]، وهذا عندما غادر إخوة يوسف مصر ومعهم قميصه عليه السلام، مع أن يعقوب كان ما يزال في فلسطين. وأما البصمات، فقد استعملها علماء الجريمة، في الكشف عن الجناة، من الآثار التي تبقى على الملموسات، وهو ما يُشير إليه قول الله تعالى على جهة الفرادة: {بَلَىٰ قَـٰدِرِینَ عَلَىٰۤ أَن نُّسَوِّیَ بَنَانَهُۥ} [القيامة: 4]. ومن تلك الخصائص أيضا، ما يصيب الشخص من أمراض، ومنها ما اكتشفه طبّ العيون من أن العين قد يتسبّب الانفعال بزيادة الضغط فيها، فتصاب بمرض المياه البيضاء (الكتراكت (Cataract))؛ وهو ما ذكره الله تعالى عن يعقوب عليه السلام بعدما أصابه من الحزن على فقد حبيبه يوسف عليه السلام، في قوله سبحانه: {وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰۤأَسَفَىٰ عَلَىٰ یُوسُفَ وَٱبۡیَضَّتۡ عَیۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِیمٌ} [يوسف: 84]. والكظيم، هو من لا يبوح بمكنونات نفسه، من "كَظَمَ": أمسك وأخفى؛ وقد عُلم من طبّ النفس أن البَوْح يُخفّف من ثقل الهموم، وبالتالي فهو يكون سببا في الشفاء من بعض الأمراض النفسيّة والسيكوسوماتية (التي تنقلب أمراضا عضويّة)... ومن الأمراض أيضا التي هي مشار إليها في القرآن، ما يحدث عن النوم الطويل على هيئة واحدة، وهي: ما يُسمّى بقُرَح الفراش، وانسداد الأوعية الدموية، والضغط على أعصاب القدَميْن؛ فظهر إعجاز البيان الإلهي، بعد ثبوت العناية الربانية بأهل الكهف، من قول الله تعالى: {وَتَحۡسَبُهُمۡ أَیۡقَاظًا وَهُمۡ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ} [الكهف: 18]، ولم يكن التقليب تجنيبا لأهل الكهف من الأمراض سالفة الذكر وحدها، وإنما لتصيبهم الشمس، وقد كانت تطوف بكهفهم من مدخله. يقول الله تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَ ٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِی فَجۡوَةٍ مِّنۡهُۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِۗ مَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِیًّا مُّرۡشِدًا} [الكهف: 17]. وهذا يدل على أهمية أشعة الشمس لحياة الإنسان البيولوجية، والمهتدي إلى الآيات المذكورة في الآية الكريمة، هو من يعلم الأسماء المتولّية لأهل الكهف في كهفهم، وأما أهل الضلال، فإنهم سيبقون مع أهل الكهف محجوبين عن ربّهم؛ وهذا الصنف، لن تجد له من بعد الله وليّا يُرشدهم إلى ما عنه ضلّوا!... - أخبار البحار: يقول الله تعالى: {أَوۡ كَظُلُمَـٰتٍ فِی بَحۡرٍ لُّجِّیٍّ یَغۡشَىٰهُ مَوۡجٌ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٌ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَاۤ أَخۡرَجَ یَدَهُۥ لَمۡ یَكَدۡ یَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ یَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ} [النور: 40]، وهذا يعني أن موج البحر طبقات متمايزة، وينتهي الأمر في القاع إلى انعدام نور الشمس بالتمام. والظلمات التي يكون بعضها فوق بعض، هي طبقات المياه التي تختلف إحداها عن الأخرى في درجة امتصاصها لنور الشمس؛ أي بمدى ظلمتها. ثم ذكر الله السحاب الذي يكون مباشرة فوق سطح البحر، وليس إلا طبقة البخار التي تفصلها حرارة الشمس عن ماء البحر، ثم تعود بسرعة قطرات ماء صغيرة بسبب برودة الهواء. وإنّ تردُّد البخار بين الماء والسحاب، يكون بحسب البرودة والحرارة التي يكون عليها ذلك الإقليم من الأرض. وهذا يعني أن البحار لا تكون على شاكلة واحدة، ولا طبقاتها أو طبقات الهواء على شاكلة واحدة. وإن هذا الاختلاف بين البحار، هو داخل في الاختلاف العام الذي يقول الله تعالى فيه: {إِنَّ فِی ٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَـَٔایَـٰتٍ لِّقَوۡمٍ یَتَّقُونَ} [يونس: 6]، بأحد معاني الاختلاف المخالفة لما أثبتناه منه سابقا؛ والآيات كما ذكرنا مرارا، جُعِلت لتدلّ على الأسماء الإلهية، فلا ينبغي أن يُغفل هذا الأصل... وأما ضرب المثل بظلمات البحر، لما يكون عليه بعض العباد من الكفر (عمى العقل)، من آية سورة النور، فهو من مشابهة عمق البحر للغطّاس، للشبهات العقلية التي يعلق بها الناس. وإن الطبقة السفلى التي تكون تامّة الظلام من جهة المعنى، لا يبلغها إلا الفلاسفة حقيقة. فهم بمرورهم من طبقات أعلى على بعض النور، يُدركون بعض المعقولات، لكنهم عند استخلاصهم للمعاني من تجريداتهم، فإنهم يكونون قد نزلوا إلى عمق عقولهم؛ وهذا العمق الفلسفيّ نفسه هو الكفر التام. ولهذا، كنّا نحن نشترط في الفيلسوف أن يكون كافرا، وكنّا ننكر على من يُسمَّوْن فلاسفة مسلمين تسميتهم، ونقول بتفلسفهم، لا بفلسفتهم. وهذا، إن لم يكن قد بدر من المتفلسف ما يدلّ على كفره، فيلحق بصنفه الذي يدلّ عليه قوله!... وأما الظلمة المنوطة بمن إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهي ظلمة انعدام الرؤية في الضباب للبحّارة؛ وهي نظير من لا يُدرك حقيقة جسمه عند دراسة عناصر تكوينه، ووظائف أعضائه؛ وتكون الإشارة إليه بمعنى السفينة من جهة المعنى. وإبحار السفينة في البحر، الذي لا بدّ له من غاية بلوغ برّ الأمان، مع نيل لصيد يتبلّغ به من بقي على اليابسة من القاصرين؛ يُشير إلى ضرورة استخلاص المرء العبر من حياته الأرضية، بما فيها الفرع البيولوجي في مختلف الأطوار العمرية؛ وإلا كان كمن ضلّ في البحر، فكان من الهالكين... وأما النور المقابل للظلمة، والذي يدل عليه قول الله من تمام الآية: {وَمَن لَّمۡ یَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ}، فهو نور الهداية التي بعث بها رسله عليهم السلام. فمن تقبّلها، فإنما يتقبّلها بالجعل الذي يترجم عنه استعداده؛ ومن ردّها، فإنه يبقى من غير نور، بين ظلمة نفسه العدميّة، وظلمة نشأته الطبيعيّة؛ ولا مُخرج من هذه الظلمات، إلا نور النبوة. فمن عرف ما دللنا عليه، فإنه سيعرف تبعا لذلك قيمة النبوة؛ ومن لم يعرف، فإنه وإن ظنّ أنه مؤمن بالرب من جهة كونه سبحانه خالقا؛ فإنه يبقى على ظلمة مع ذلك، ويُصنّف عند الله كافرا. وهذا الذي نُثبته، يَثبُت بمنطق يخصّه، وهو كون الربوبية سرا للنبوة؛ بحيث من أنكر النبوة، يكون منكرا للربوبية حتما. فإن قيل: فكيف يتكلم الزاعمون لإيمانهم بالربوبية عنها، من دون إقرار بنبوة؟ قلنا: إنما تلك ألفاظ جوفاء لا حقيقة لها، والشيطان يُشغلهم بالألفاظ ويزعم لهم أنهم عالمون بمدلولاتها، وهيهات!... والحق، هو ما ذكرناه نحن؛ فليتنبّه العبد إلى ما هو عليه حقيقة... ويقول الله تعالى أيضا: {وَهُوَ ٱلَّذِی مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ هَـٰذَا عَذۡبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخًا وَحِجۡرًا مَّحۡجُورًا} [الفرقان: 53]. ومعنى "مَرَجَ": خَلَطَ؛ وهذا يقع عند التقاء ماء النهر العذب بماء البحر الملح. وهذا يقع تبعا لخاصية "التناضح" أو "الخاصيّة الأسموزية"، التي تسمح بانتقال جزيئات الماء عبر غشاء نصف نافذ، من محلّ ذي نسبة ذوائب منخفضة (الماء العذب)، إلى محل ذي كثافة ذوائب مرتفعة (الماء الملح)، دون الحاجة لاستهلاك طاقة. والغشاء نصف النافذ، يسمح بنفوذ الماء ولا يسمح بنفوذ الذوائب، وهو ما يؤدّي إلى تدرّج في الضغط عبر الغشاء. وهذا الغشاء، هو البرزخ (الفاصل) والحِجر (المانع) المذكور في الآية. والخاصية الأسموزية شائعة في الطبيعة، ولها شأن كبير في الكائنات الحية، وعلى الأخص في تنظيم المحتوى المائي في الخلايا الحية والأنسجة. والضغط التناضحي أو الضغط الأسموزي هو السبب الرئيسي لامتصاص النباتات للماء، فماء التربة بصفة عامة يكون ضغطه التناضحي أقل من الضغط الموجود داخل الشعيرات الماصة في الجذور، وهو ما يؤدي إلى مرور الماء من التربة إلى الجذور، لا العكس. وعندما توضع خلية من نبتة في محلول مرتفع التركيز، تبدأ هذه النبتة في الانكماش بسبب خروج الماء منها وانتشاره في المحلول مرتفع التركيز، لتكوين حالة توازن للضغط. وهو عكس ما يقع عادة في الطبيعة. وهذا يدلّ مرّة أخرى على أن الطبيعة قائمة على توازنات كثيرة، إن فُقِدت انهار بنيان العالم... وقد ذكر الله أيضا هذه الخاصيّة في قوله تعالى: {مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ یَلۡتَقِیَانِ . بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخٌ لَّا یَبۡغِیَانِ} [الرحمن: 19-20]. وعدم بغي أحدهما على الآخر، هو ما يدلّ على التوازن الذي يتحقّق في الجانبيْن. وعند إرادة إجراء التجربة مخبريّا، فإنه يُؤتَى بأنبوب زجاجي ذو فرعين على شكل U، ويُفصل بين فرعيه بوضع غشاء نصف نافذ. ويُملأ الفرع الأيمن بالماء، والفرع الأيسر بمحلول ماء مذاب فيه ملح، بحيث يكون ارتفاع عمود الماء في الفرع الأيمن مساويا لارتفاع المحلول الملحي في الفرع الأيسر؛ ويُنتظر بعضاً من الوقت، فيُلاحَظ أن عمود الماء في الفرع الأيمن ينخفض، ويرتفع عمود المحلول في الفرع الأيسر المحتوي على الملح. وهذا، مع بقاء الماء في الفرع الأيمن خاليا من الملح، وبقاء الملح محصورا في عموده في المحلول الملحي. ويظل الماء ينتقل عبر الغشاء من عمود الماء النقي إلى عمود المحلول الملحي، حتى يصل إلى نهاية قُصوى عند ارتفاع ثابت. ويسمى فرق ارتفاع عمودي الماء والمحلول: الضغط الأسموزي أو ضغط التناضح، المذكور آنفا. وإن أهم ما ينبغي ذكره هنا، هو أن غشاء الخلية في جسم الإنسان، يعمل عمل الغشاء نصف النافذ، ليسمح بمرور الماء وحده إلى داخل الخلية... والإعجاز الربّاني في الآيتيْن الواردة فيهما الإشارة إلى الضغط الأسموزي، هو وقوع التأويل في العلوم الحديثة، بحسب ما أخبر به القرآن؛ وقد كان ذلك مجهولا في القرون الماضية، رغم وجوده في عدّة مظاهر طبيعية. وأما الآن، فإن هذه الخاصيّة قد أصبحت معلومة ومعمولا بها في عدة مجالات على رأسها الطب، وإنتاج الطاقة الكهربائية... - التلقيح بواسطة الرياح: يقول الله تعالى: {وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّیَـٰحَ لَوَ ٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءً فَأَسۡقَیۡنَـٰكُمُوهُ وَمَاۤ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَـٰزِنِینَ} [الحجر: 22]. ولواقح: جمع لاقحة؛ وهي الريح التي تأخذ حبوب اللقاح الذكورية في فصل الربيع، من نبات إلى نبات ليقع تلقيح الأزهار المشتملة على عضو الأنوثة؛ وهذا إن لم تكن الأزهار جامعة بين الذكورة والأنوثة معا. وبعد التلقيح، تنعقد الثمرة، وتبدأ في النمو شيئا فشيئا، إلى أن تحلّ محلّ الزهرة. وكما يقع تلقيح النباتات بالرياح، فكذلك يقع بالحشرات المتعاهدة للأزهار، وعلى الخصوص منها النحل. وهذا، لأن حبوب اللقاح تعلق بشعيرات دقيقة على قوائم الحشرة، وعندما تنتقل الحشرة إلى زهرة أخرى، فإن ما علق بقوائمها، يعلق مرة ثانية بأعضاء الزهرة، فيقع التلقيح... وكما يقع تلقيح بني آدم، ويقع تلقيح النباتات على الأرض، فإنه يقع التلقيح بواسطة الرياح للسحب؛ وذلك لأن السحب منها ما يكون ذا شحنة كهربائية موجبة، ومنها ما يكون ذا شحنة سالبة (ذكر وأنثى). فتقوم الرياح بدفعها وجعلها تجتمع، وهو ما يجعل البرق ينتج عن الشرارات الكهربائية الناتجة بدورها عن التلاقي بين السالب والموجب من الشحنات. ويصف الله تعالى هذا الحدَثَ بقوله سبحانه: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یُزۡجِی سَحَابًا ثُمَّ یُؤَلِّفُ بَیۡنَهُۥ ثُمَّ یَجۡعَلُهُۥ رُكَامًا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ یَخۡرُجُ مِنۡ خِلَـٰلِهِۦ وَیُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مِن جِبَالٍ فِیهَا مِنۢ بَرَدٍ فَیُصِیبُ بِهِۦ مَن یَشَاۤءُ وَیَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن یَشَاۤءُۖ یَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ یَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَـٰرِ} [النور: 43]؛ ولنتناول عبارات الآية واحدة واحدة: = {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یُزۡجِی سَحَابًا}: أي، ألم تنظر نظر اعتبار إلى فعل الله عندما يُزجي السحاب؛ والإزجاء هو الدفع برفق. وسنترك استخلاص الأسماء الإلهية التي يصدر عنها الفعل للقارئ، إن كان من أهل ذلك... = {ثُمَّ یُؤَلِّفُ بَیۡنَهُۥ}: أي، يجمع بينه، على اختلاف شحناته الكهربائيّة... = {ثُمَّ یَجۡعَلُهُۥ رُكَامًا}: أي، يجعل بعضه فوق بعض. والسحب أنواع، منها العالية، التي تكون بين ارتفاعَيْ 6 كيلومترات و12 كيلومترا؛ ومنها المتوسّطة، وهي التي تكون بين ارتفاعَيْ 1800 متر، و6 كيلومترات؛ ومنها المنخفضة، وهي التي تكون دون 1800 متر. والسحب بارتفاعاتها المتباينة يمكن تقسيمها إلى زمرتين: الأولى: تُسمّى "سحبا سمحاقية"[4]، وهي سحب دقيقة منفصلة بيضاء كالحرير، لا تُلقي على الأرض أيَّ ظل، وهي مختلفة المظهر: أحيانا بشكل خُصَل، وأحيانا خطوطٍ أو ريش طيور. وهي بدون ظل، إلا عندما تتكاثف تكاثفا كبيرا، قبل تحولها إلى زمرة أخرى. ومعظم سحب هذه الزمرة على ارتفاعات عالية. والزمرة الثانية تُسمّى "سحبا ركاميّة"، وهي سحب سميكة بصفة عامة، بعض أنواعها يهطل منه المطر والبعض الآخر يهطل منه البَرَد والثلج؛ وهي طبقية على شكل أنصاف دوائر وتكون معتمة، أو شبه شفافة، أو متموجة. ولكل منها ميزاته الخاصة... = {فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ یَخۡرُجُ مِنۡ خِلَـٰلِهِۦ}: والودق هو: القطرات الصغيرة من الماء كالعُصارة أو العرق، يبدأ في التشكّل من السحاب... فالمطر الذي يخرج من رحم السحب يتخلق على ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى تصعد "المواد الأولية للمطر" إلى الهواء مع الرياح، وبعد ذلك تتشكل الغيوم، وبعدها تبدأ قطرات المطر بالظهور. فالسُّحُب تتكون من الماء المتبخر من البحار، والبحيرات، والمحيطات، والأنهار، ومن التربة الرطبة والنباتات. هذا الماء المتبخر يتمدد ويبرد كلما ارتفع في الهواء، والهواء يستطيع حمل كمية معينة من بخار الماء عند أي درجة حرارة؛ غير أن الهواء الدافئ يحتوي على كميات من بخار الماء أكبر مما يحتويه الهواء البارد. وعندما تنخفض درجة الحرارة العلوية، يبدأ بخار الماء في التكثف (يتحول إلى سائل)، على هيئة قطيرات مائية دقيقة (الودق). ويحدث تكثيف بخار الماء عن طريق جسيمات عالقة لابد من وجودها، وهي من الدقة بحيث لا تُرى إلا بالمجهر. وهذه الجسيمات التي تُسمَّى نَوَيات التكاثف، هي التي تصبح مركز القطيرات. ويتراوح قطرها (النويات) بين 0,01 و0,1 ملم؛ وهي جسيمات ملحية صغيرة جدًا، أو جسيمات صغيرة موجودة في الدخان. وإذا انخفضت درجة الحرارة بشكل كاف، مع الاعتدال في الأحوال المناخية الأخرى، لا يتكثف بخار الماء إلى قطرات، إنما يتحول مباشرة إلى جليد بعملية تسمّى التسـامي. وتحدث هذه العملية فوق درجة حرارة -40°م، وتحـتاج إلى وجود جسـيمات صغـيرة شبيهـة بنويات التكاثف، وتأخذ شكل بلّورات جليد، تسمى نويات التجمد. تحتوي السُّحُب غالبا على قطيرات الماء وجسيمات الجليد، إذا كانت درجة الحرارة بين الصفر المئوي و-40°م. كما أن القطرات لا تتجمد في كل الأحوال عند درجة الصفر المئوي، فقد تبقى سائلة حتى عند درجة -40°م. وإن جزيئات المياه التي تحيط بجزيئات الغبار تتكاثف لتكوّن قطرات المطر، وبهذا فإن المطر الذي يصبح أثقل من الهواء يترك الغيوم، ويبدأ بالهطول على الأرض... = {وَیُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مِن جِبَالٍ فِیهَا مِنۢ بَرَدٍ فَیُصِیبُ بِهِۦ مَن یَشَاۤءُ وَیَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن یَشَاۤءُۖ}: تتكوّن الغيوم الممطرة وتتشكل وفق نظام ومراحل محددة. فمثلاً مراحل تكون الركام وهو أحد أنواع الغيوم الممطرة هي: المرحلة الأولى: هي مرحلة الدفع حيث تحمل الغيوم أو تدفع بواسطة الرياح. المرحلة الثانية: هي مرحلة التجمع حيث تتراكم السحب التي دفعتها الرياح لتكون غيمة أكبر. المرحلة الثالثة: هي مرحلة التراكم، حيث إن السحب الصغيرة عندما تتجمع، فإن التيار الهوائي الصاعد في الغيمة الكبيرة يزداد، والتيار الهوائي قرب مركز الغيمة يكون أقوى من التيارات التي تكون على أطرافها؛ وهذه التيارات، تجعل جسم الغيمة ينمو عموديا (التراكم)، وهي التي سماها الله جبالا. هذا النمو العمودي للغيمة يسبب تمددها إلى مناطق أكثر برودة من الغلاف الجوي، فتتكون حبات المطر والبرد وتصبح أكبر ثم أكبر؛ وعندما تصبح حبات المطر والبرَد ثقيلة جدا، بحيث يتعذّر على التيارات الهوائية حملها، تبدأ بالهطول من السحب الممطرة على شكل مطر أو حبات برَد وغيرها... وكما تكون الرياح سببا أول في نزول المطر أو البَرد أو الثلج، على مواضع من الأرض بعينها، فإنها كذلك تكون سببا في صرفها، عندما تأخذها أخذا جانبيّا، إلى مواضع أخرى غيرها... وكل ذلك من إنزال أو صرف، يحدث بإرادة الله وحدها، والتي هي مظهر للمشيئة الإلهية... = {یَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ یَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَـٰرِ}: والسنا هو الضوء، والضمير في "برقه"، عائد على السحاب المذكور في أول الآية، وهذا الضوء لشدّته، يكاد يذهب بالأبصار. وقد ينتج عن البرق إصابات مختلفة، إما بسبب تأثير الشرارة الكهربائية أو الحرارة أو الطاقة الميكانيكية المرافقة لضربة البرق. وتؤثر ضربات البرق بشكل أساس على الجملة العصبية للجسم، وعلى الرئتين، وعلى البصر؛ وقد تؤدي إصابة البرق إلى العمى الدائم. كما قد تحدث بسبب البرق أيضا، اضطرابات في القلب، واضطرابات "نفسية" (بالمعنى الطّبّي لا المعرفي)... - ما يتعلّق بالأطعمة والأشربة: = الرُّطَب: = الزيتون: وإن الزيتون، اسم خاص للثمر المعروف، ولكنه يعم أيضا كلّ ثمر يُستخلص منه زيت؛ وذلك كثمر "الأرگان" في بلاد المغرب الأقصى. وزيت الأرگان يُستعمل غذاء، كما له استعمالات في مستحضرات التجميل (Cosmetics)؛ كما تُستعمل مخلّفات هذا الصنف من الثمار الدهنية علفا للبهائم أو وقودا للنار... وقد جاء في الآيات السابقة، ذكر ثمار أخرى غير الزيتون والتمر، كالرمان والعنب والتين، وهي كلها تشتمل على أسرار من الخلق الإلهي، والفوائد الصّحّيّة المتعدّدة، التي تعسر الإحاطة بها، ولا يسمح وقتنا هنا بملاحقتها... = عسل النحل: = اللبن: وأما من جهة المعنى، فإن اللبن هو مستخلصات الأفكار، التي تكون ما بين ظلمة العقل الأصلية، والمدد الإلهي الذي يحصل به الانتفاع إلى حدّ معلوم؛ لأن العلم الحق هو ما كان كشفا إلهيا (وحيا)، وهو المشار إليه بالماء، الذي يقول الله تعالى فيه: {وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، فبيّن سبحانه أن بداية الكشف تكون إيمانا أوليّا، بما أنزل الله وما يتفرّع عنه من شعب إيمانيّة لا تُتجاوز؛ ولا يُبقي على خلوص الإيمان المفضي إلى ساحة الكشف إلا الأطهار؛ وأما من خالط إيمانه فكر دينيّ دخل عليه بطريقة ما (كما هو الشأن عند تقليد أئمة الفرقة أو الطائفة، أو عند الاطلاع على الفقه المتراكم عبر الأزمنة)، فإنه سيبقى مع ظلمة الفكر، التي قد تُضعف نور إيمانه الأصلي، فيُحرم نور الفهم لمعاني القرآن. وقد نبّه الله تعالى في كلامه، إلى هذه الآفة، في قوله: {لَّا یَمَسُّهُۥۤ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]، في معرض الكلام عن القرآن. والمعنى هو أن غير المطهّرين، الذين لم يتزكّوا بالتزكية النبوية على يد شيخ مربٍّ ربّانيّ، سيكونون ممنوعين من اتصال معاني القرآن بقلوبهم، وهو المعبّر عنه في الآية بالمسّ. وقد جهل المتديّنون هذا الأصل، وأصرّ على تجاهله فقهاؤهم، فكانت النتيجة أن صار التديّن عقيما، لا يُنتج لأصحابه الثمار التي دلّ على كثرتها وتنوّعها القرآن نفسه، في مواضع كثيرة؛ ولكنّنا إن أردنا إجمالها في أصل جامع، فإنه يكون "المحبّة". وقد دل على مكانة المحبّة من ثمار التديّن، قول الله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَن یَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَسَوۡفَ یَأۡتِی ٱللَّهُ بِقَوۡمٍ یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُۥۤ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ یُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَاۤىِٕمٍ ذَ ٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمٌ} [المائدة: 54]. وإنّ إسباق ذكر المحبة، في معرض الإضراب عن ذكر المرتدّين، يدل على أنها محور التديّن كله. وأما ما جاء بعدها من صفاتٍ للمؤمنين الأحِقّاء، فهي ناتجة عن المحبة، وبالتالي فهي فروع عنها، لا مساوية لها. وهذا الخلل في ترتيب الأصول والفروع في الدين، نتج عنه دخول الجاهلين في مقاتلة الناس، بدافع الكراهية؛ فكان ذلك منهم فسوقا عن الدين، وتحمّلا لأوزار لا يعلم مداها إلا الله. والمحبة ما تزال مجهولة، عند أهل الدين، باستثناء الصوفية وكبار الورثة، الذين اتخذوها عمدة في تديّنهم، والذين بلغوا بها مبالغ الرجال. وأما العامة من المسلمين، وعلى رأسهم الفقهاء، فإنهم أجانب عنها، ولا يكادون يميزونها. ومن غفلتهم عن سوء حالهم، فإنهم ربما سيتعجّبون من كلامنا؛ لكنّ ما نقوله هو عن علم دقيق، منوط بالمحبّة. ولقد قلت مرّة لأحدهم: لو كان الناس يعلمون مقدار علمنا بالمحبّة، لطلبوا إلينا أن ندرّس علمها في كبريات الجامعات. وهذا الذي نقوله عن علم المحبّة، سيكون كالفقه، مجرّدا وظاهريّا؛ لأن علم المحبّة يُنال منها وبالذوق. وعلى كل حال، فالمحلّ يضيق عن مثل هذا الكلام، ونحن إنما أردنا ألا نفوّت فرصة التنبيه إلى مكانة المحبة فحسب... 5. بلوغ العلمانيّة لدى المسلمين بالعلوميّة: إن راكبي موجة العلومية من المسلمين، تحت عنوان "الإعجاز العلمي في القرآن"، قد وقعوا في طامّتَيْن: الأولى: هي أنهم ربطوا القرآن بنظريات علومية، متعلّقة بزمان مخصوص بدءا من عصر النهضة، والحداثة الغربييْن، مع أن القرآن محتوٍ للزمان وخارج عنه بحقيقته، كما هو تجليات داخله، تُعطي الإيمان والكفر وما بينهما. ولقد كان حريّا بالمسلمين، أن يتعرّفوا القرون الأخيرة والحقب التاريخية، من القرآن، باعتماد تعاريفه ومعاييره؛ لا أن يتقمّصوا جاهلية أوروبية، بعد أن تحرروا من الجاهلية العربية الأولى... ولقد كنت أقول في بعض مناقشاتنا لمثل هذه الأمور، عندما أسمع مسلمين يُصنّفون مراحل التاريخ الأوروبي، وكأنها منوطة بالإنسانية كلها: نحن لا تهمنا نهضة أوروبا، لأننا كنا على نهضة، وهم في عصورهم الوسطى الأولى المظلمة؛ فلِمَ تلزموننا بها؟!... ويلحق بهذا كل فلسفاتهم، وكل علومهم؛ فلمَ انسلخ المسلمون عن مسارهم التاريخي المخصوص، وتبنّوا مسارا آخر ليس لهم، ولا يجمع بينهم وبينه شيء، إلا ما يكون من نَبْذٍ لأصالتهم، وانغماس في حضارة أخرى، لن تشهد لهم يوما بأنهم منها!... الثانية: هي تحريف مصطلح "العلم"، عن أصله الذي هو إدراك الأمور على ما هي عليه في نفسها. وهذا يعني أن العلم المنصبغ بذهنية ما، أو بنفسية ما، أو بفلسفة ما، أو بسياسة ما، أو بتصوّر ما للمجتمع، لا يكون علما أصيلا نقيّا، بأيّ حال. وإن العلم بمعنى العلومية الذي شاع في أوروبا وفي العالم اليوم، هو مقاربات تنظيرية وتجريبية لما صار يُسمّى عند أهله علوما؛ إلى الحد الذي صارت معه العلومية بديلا عن الدين، وصارت الدنيا مبلغ علم هؤلاء "العلماء"، من دون آخرة. ولو أن الناس أنصفوا أنفسهم، لأعلنوا كفرهم وأقرّوا بحيوانيتهم، ولكفاهم ذلك عندئذ؛ وحتى مذهب الأنسنة الذي أرادوه، فلا يمت للإنسان بصلة؛ وإنما هو النزول إلى حيوانية الإنسان، التي وصف القرآن أهلها بقول الله تعالى: {أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ یَسۡمَعُونَ أَوۡ یَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِیلًا} [الفرقا: 44]. ومع أن معنى الآية بيّن، إلا أن بعض فقهاء العصر، ممن ارتدّوا (بالمعنى اللغوي) ونكصوا، صاروا منبهرين بالعقل الغربي، وصاروا يأتمّون به، في كل مراحل عماه: فمن نهضة هي انسلاخ من توهّم الدين، إلى عبادة للعقل ومجانينه الذين كانت لهم سمة تمطيط أنساقه، وتركيبها على أصول مستحدثة، ثم تفكيكها فيما بعد؛ إلى حداثة توهموا أنهم بها في مقدّمة التقدّم المنوط بالزمان، إلى ما بعد الحداثة التي ترمي بهم في الإلحاد (الكفر التام) الذي لا غاية له إلا الدنيا، بحيث صارت المغالبة عليها، وصار الفوز بها سمة طاغية للإنسان بحسبهم. فظهرت بسبب ذلك وحوش على صور آدمية، تبيع في الشعوب وتشتري؛ والشعوب الضالّة، تتمنى بلوغ نهايةٍ للعلوم من الإنجازات مع تقدم القرون، وهو ما يتوهّمون أنهم ربما قد يجدون معه بقية من شظايا أنفسهم الممزقة، الموعودة ببلوغ "ألوهية الإنسان"!... ولو سمعهم أحد أفراد الأمم الماضية، التي يحتقرونها الآن بحكم التقليد، لقطع بجنونهم من دون تردّد... وإن ما سماه بعضهم "الإعجاز العلمي للقرآن"، لم يكن إلا إعلانا عن انهزام المسلمين أمام الحضارة الغربية، وإقرارا لهم بالإمامة في أمور لا صلة لها بدين الله، وهو ما يفتح أمام شطر من المسلمين الباب على مصراعيه للسقوط في الإلحاد، بما أن "التقدّم" قد صار يتحقق من دون الدين، بأكثر ما يتحقق معه. وبما أن غالبية المسلمين، لا يزالون على إيمان مجمل، لا يقبل الإلحاد، فإنهم سيصيرون نماذج للمجتمع العلماني (العالَماني)، بحيث سيستسيغ الناس أن يعيشوا جانبيْن غير متصليْن، بل هما في كثير من الأحيان متناقِضيْن. وأما ما سُمّي إعجازا علميا للقرآن، فقد صار نوع عزاء عند مواجهة المجتمعات الحديثة، يُعزّي المسلم المهزومُ -إن بقي من معنى لإسلامه- نفسَه به عند فقده للدين، وبالتالي لحياته القلبيّة... وإن كل زاعمي الإعجاز العلمي للقرآن، هم يعيشون وفق المنطق الأوروبي خاصة، الكفريّ؛ وهو ما جعلهم يتبنّون السياسة الغربية ولو على قصور، والنظام المجتمعيّ الغربيّ على مخادعة؛ وهو ما جعلهم لا يطمعون في مكانة أعلى من مكانة التابع المـُلحَق، وأحيانا من مكانة الخادِمِ الذي يُؤمر فيُحسِن الخدمة. فهل يبقى من اعتبار لإعجاز علمي، مع كل هذا النكوص؟!... كلا، والله!... 6. العلوم الصلبة وغير الصلبة: ولقد أضفيت الصلابة على بعض العلوم التي يدخل فيها الحساب، وتدخل فيها التجربة، لتُميَّز عن علوم أخرى، تتأثر بنفسية المجتمعات وبميولاتها وأهوائها (ثقافاتها). ولعل العلوم الإنسانية تدخل جلها إن لم تدخل كلها، في هذا التصنيف الثاني، ليُنظر إليها في الترتيب الثاني من تصنيف العلوم؛ وهذا، لتبقى "العلومية" غاية في نفسها، ووسيلة تقود مسار التاريخ الإنساني الحديث بحسب الزعم. ومن هذيْن التصنيفيْن، يُستشفّ أن الدين (كما يراه الغربيّون وكما صار يراه شطر من المسلمين) ليس منهما، لأنه سيُصنَّف ضمن الخرافة التي طبعت حياة الإنسان البدائيّ. وإن هذه التصانيف -كما هو غير خاف- ليست تقسيما علميّا، مـُعْتَمِدا لمعايير صحيحة وثابتة؛ وإنما هو تقسيم أيديولوجي مؤسَّس على الهوى، يوهم به مبتدعوه الناس بأنه علميّ، وهيهات!... وإن الصلابة التي أُريدت للعلم، ليست في الحقيقة إلا صلابة المادّة؛ وكأن القائل بهذا القول، يُريد أن يخلص إلى أن ما هو مادّيّ محسوس، فهو موجود، وبالتالي، فإن العلوم المتعلّقة به، تكون علوما صلبة؛ وأما العلوم الإنسانية، أو العلوم الزائفة (التي قد لا تكون زائفة في أصلها)، فإنها لا تستحقّ أن يُشتغَل بها. فإن أصر قوم على الاشتغال بها، فإنهم لا بد أن يكونوا في الترتيب، خلف أصحاب العلوم الصّلبة؛ وهذه المقولة ظنّيّة، وغير ممحصّة؛ وبالتالي فهي مقولة غير علميّة. وإن ما يظنّه علماء المادّة من صلابة لها، هي صلابة حكمت بها عقولهم من الداخل؛ وليست صلابة مـُدرَكة في الخارج. ولقد بدأت فيزياء الكمّ، تفتح العقول أمام احتمالات أخرى، منها أن صلابة المادة غير حقيقيّة، ما دامت المادّة كما كان الناس مطمئنّين إلى إدراكها، ليست إلا احتمالات، ربما لو رُئِيت على حقيقتها، لرئيت غيوما، كما رأوا الذرّة، أو لقُطع بعدمها. وهذا الذي بدأت فيزياء الكمّ تتلمّس الطريق نحوه، من دون جزم ببلوغ حقيقة إدراكه، هو ما نقوله نحن، ويقوله أمثالنا، من العلماء بالله؛ وهو ما سنبيّن بعض معالمه بحسب المـُستطاع: 7. العلم الحق: العلم الحق عند الإنسان، أيا كان هذا الإنسان، هو ما يوافق ما جاء به القرآن من عند الله؛ أحب من أحب وكره من كره، وهذا، لأن الله يقول: {هَـٰۤأَنتُمۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ حَـٰجَجۡتُمۡ فِیمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٌ فَلِمَ تُحَاۤجُّونَ فِیمَا لَیۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٌ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [آل عمران: 66]. فإن كنا بصفتنا عبادا مخلوقين لا نعلم، فهذا يعني أن صفتنا هي الجهل، سواء نطقنا أم لم ننطق. غير أن من ينطق، قد يتوهّم في نفسه العلم، خصوصا إن كانت له دُربة بعملية التفكّر، فيزعم لنا أنه قد صار عالما. وقد تتأكد له صفة العلمية في نفسه، إن اشتغل ببعض العلوم الكونية أو العقلية، فيتوهّم أنه قد كسر القاعدة القرآنيّة التي رسّختها الآية السابقة، وهيهات!... بل هو لن يعدو أن يكون جاهلا، يتوهّم العلم بحسبها. فإن قيل: فمن أين يأتيه ما يتكلّم به مما يبدو علما، قلنا من وحي الشياطين. يقول الله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤىِٕهِمۡ لِیُجَـٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} [الأنعام: 121]. فهذا هو التصنيف الذي يشمل جلّ ما يُعتبر في زماننا من العلوم الصلبة، أو من العلوم الإنسانية المعتبرة. وإن الجهل الأصلي الذي يكون عليه الإنسان، بعدم علمه شيئا، هو أرقى من هذه العلوم المزعومة المؤسَّسَة على وحي الشياطين؛ وذلك لأنها هي ما يكون سببا لنزول الناس في دركات الحيوانية، إن لم ينقلبوا من شياطين الإنس حقيقة. وأما الترتيب الذي تظهر عليه تلك "العلوم"، لو تتبعنا قواعد المنطق، أو قواعد الاستدلال، أو أصول الجدَل، أو الترتيب الحسابي ضمن منظومة ما، أو قواعد البناء على الاستنتاجات السابقة، فإنه سيجعلها (العلوم) تبدو وكأنها علوم حقّا؛ فيُسارع الناظر إلى تصنيفها كذلك، وربّما دُرِّست في المعاهد والجامعات على أنها كذلك؛ ولكنّها في الحقيقة لا تتجاوز أن تكون ظنّا. وقد ميّز الله بين العلم والظن، في مثل قوله تعالى: {وَمَا یَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا یُغۡنِی مِنَ ٱلۡحَقِّ شَیۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمُۢ بِمَا یَفۡعَلُونَ} [يونس: 36]، والضمير في "أَكْثَرُهُمْ"، يعود على من يزعمون لأنفسهم العلم، أو يُزعم لهم، وإن كانوا من علماء المادة الذين لا يُشكّ فيهم. فأثبت الله لهذا الصنف من الناس، مرتبة الظنّ، ونفى عنهم مرتبة العلم الذي سمّاه حقّا. ولقد سبق لنا أن ذكرنا في غير هذا الموضع، أن الحق بالاصطلاح القرآني يعني الوجود. والعالم لا يكون عالما حتى يكون علمه من علم الله، وعلم الله صفة وجوديّة، كما سبق أن أخبرنا. وأما إن لم يكن العلم حقّا من عند الله، فإنه سيكون ظنّا، والظن، هو اسم من أسماء الإمكان، لا الوجود. وقد توعّد الله الظانّين من الناس، إن هم نسبوا العلم لأنفسهم، أو قبلوا أن ينسبه الناس لهم، لأن ذلك سيكون كذبا وزورا؛ وفعل الكذب والزور، هو من الأفعال التي يُعاقب الله عليها، إن لم يغفر سبحانه لعبده. ولهذا، جاء التعبير في ختام الآية الفارطة بـ "يَفْعَلُونَ"، مع أن الكلام كان عن العلم. ويقول الله في آية أخرى: {وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن یَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا یُغۡنِی مِنَ ٱلۡحَقِّ شَیۡـًٔا} [النجم: 28]، فثبت ما ذهبنا إليه من التأويل. وأما المحسوسات التي إذا تعلّق بها العلم ظن أهله أنه علم صلب، فهو رغم ما يبدو لهم، ظنّ، ومعلوماتهم، لا تتجاوز وإن كانت حجرا أو حديدا، مرتبة الإمكان. والإمكان في أصله، منفتح على كل الاحتمالات، فكيف يكون هذا الانفتاح على الاحتمالات علما؟!... وإن الكمبيوتر الكمّي، الذي قد بدأ "العلماء" يسعون إلى صنعه، إذا تم لهم ذلك، هو الذي سيُقرّب إليهم هذه المعاني. وإن تحقّق هذا المراد لأصحابه، فإن الدنيا كلها ستكون غير بعيدة عن فنائها؛ لأن الله سيُفنيها عند ظنّ الناس، أنهم قد ملكوا مفاتيحها، وأنهم قد قدروا عليها. يقول الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا یَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَـٰمُ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّیَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَاۤ أَنَّهُمۡ قَـٰدِرُونَ عَلَیۡهَاۤ أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارًا فَجَعَلۡنَـٰهَا حَصِیدًا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَ ٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمٍ یَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]. وعلى كل حال، فإن العلم بحقيقة الكون، لا يكون إلا بإذن من الله؛ وأما كلامنا كله، فإنه يبقى تقريبا لأفهام الناس، عسى أن يعودوا إلى ربهم في طلب العلم... أما إعجاز القرآن، فنحن قد تكلمنا في هذه الأوراق عن بعض جوانبه، وستبقى جوانب أخرى لا نهاية لحصرها، تنكشف للناس بعد إذن الله لهم، في كل ما تبقّى من عمر الدنيا، وحتى فيما سيأتي من عمر الآخرة غير المتناهي... فما أعظم إعجاز القرآن، بهذا المعنى!...
[1] . أخرجه أحمد عن ابن عباس عليهما السلام. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.