اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2024/04/26 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .7. الباب الأول: القرآن وحقائقه الفصل السادس: الفاتحة الفاتحة سميت فاتحة لأنها فتحت باب التجلي الإلهي، وقبلها -بالمرتبة لا بالزمان- كانت الذات في حكم الغيب الأصلي، الذي قلنا عنه سابقا بأنه لا يوصف ولا يُسمّى. وعندما نقول لا يوصف، فإنه لا يوصف لا بوجود ولا بعدم؛ وهذا الأمر فوق العقول، وإنما يُدرك من جهة الكشف وحده. وما ذكرنا له هنا، إلا لندل على علوّ شأن هذه المراتب، ولنوسع باب الإيمان لمن رُزقه... وقد سميت الفاتحة أيضا أم الكتاب، لأنها الجامعة لكل التجليات التفصيلية التي ورد في القرآن ذكرها باسم الجنس أو بالأسماء الشخصية. وكونها أما للكتاب، معناه أن الكتاب، هو ما سيظهر عنها في كل المراتب التي تأتي بعدها (أدنى منها). وقد ذكرنا أن نسخ الكتاب منها: اللوح المحفوظ، ومنها العالم (الكون)، ومنها الإنسان. فهذه هي المراتب الكتابية القرآنية بمعنى الجمع على الشرط المعلوم. والقرآنية بمعنى الجمع لا تكون إلا لأم الكتاب، أو للكتاب الجامع الذي نزل على الشخص المحمدي عليه وآله الصلاة والسلام. ولدلالتنا على قرآنية الفاتحة، جاء قول الله تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَـٰكَ سَبۡعًا مِّنَ ٱلۡمَثَانِی وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِیمَ} [الحجر: 87]، والقرآن العظيم هو الفاتحة. وليس هو إلا الذات المتعيّنة، كما ذكرنا في الفصول السابقة؛ لكن الكلام على الذات يقتضي علما مخصوصا، ومرتبة عقلية مخصوصة، حتى لا يقع العبد في الشرك. وعندما يُخبرنا الحق، بأنه آتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذات، فعلينا أن نفهم أن الذات لم يتغيّر عليها شيء من حيث هي، وإنما حدث لها تجلّ ذاتي مخصوص، عبّر عنه الحق بأنه إيتاء الذات لمحمد. ولولا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، كان باطنا في الذات أزلا، ما كان يحتمل هذا الثقل. ولهذا المعنى، سميناه نحن في فصل سابق: "سر الذات". فلما تعيّنت الذات في التجلي المحمدي بالصفات السبع الأمهات، انقسمت حقيقتها إلى قسميْن: حق وخلق. ومن هنا قال أحد العلماء بالله: "إن الحضرة المحمدية أوسع من حضرة الله!"؛ ولم يكن مقصوده من هذه العبارة المستفزة، إلا تنبيه سامعيه وتعليمهم، لا إساءة الأدب مع الله وحاشاه. ومعنى الكلام هو أن الحقيقة المحمدية التي تجمع بين الحق والخلق؛ فلا بد أن تكون أوسع من حيث المعقولية، من حضرة الحق التي لا تتسع لغيره. هذا فقط!... ولهذا كانت الفاتحة مزدوجة الحقيقة، واستدعى ذلك أن تنزل مرتيْن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مرة بمكة ومرة بالمدينة. وهذا، من وجه كونها أما للكتاب. وهذا يعني أن مكي القرآن منها، ومدنيه منها. نعني من حضرتها الجامعة... وعندما فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم "السبع المثاني" بالفاتحة، فإنه ما كان يعني إلا الصفات؛ لأن الظهور يكون لمعنى الصفات لا للذات. وكل من توهم أنه قد رأى الذات بعين بصره، أو رآها بعين عقله (تصوُّره)، فليعلم أنه مخطئ. وأما الذاتيون من العباد، فيصح لهم القول بمشاهدة الذات وحدهم، من مرتبة خاصة، قد يأتي الكلام عنها في حينها وموضعها، بإذن الله؛ أما هنا، فإن الفاتحة لا تحتمله. وإذا كانت الفاتحة سبع آيات، فقد وجب تطبيق الصفات السبع عليها، كما سنرى. وأول ما ننبه إليه، هو أن البسملة هي أولى آيات الفاتحة. وقد ذكرنا عن البسملة أنها مفتاح للقرآن، فلا بد أن تكون مفتاحا للفاتحة عينها. ولنتناول الفاتحة آية آية، لنتعرف صفة كل آية، قبل أن نتكلم عما يظهر لنا من معان أخرى... وعلى هذا، فإن الرحمن هنا، هو الذي يجده كل مخلوق عند نهاية طريقه، الذي هو صراطه المستقيم الخاص. والرحيم، هو الذي سينتهي إليه السالكون لطريق الرحمة الخاصة؛ وهو الصراط المستقيم بالمعنى الشرعي الذي سيأتي ذكره. وسيبقى الاسم المركّب "الرحمن الرحيم"، مخصوصا بأهل الجنة وحدهم، لاختصاصهم بالاسم "الرحيم"، في الوقت الذي يبقى "الرحمن" في الآخرة، حاكما على الجنة والنار. ونعني أن حكم الرحمن على النار هو حكم مباشر، وليس كما هو على الجنة عن طريق الرحيم. وهذا هو ما يجعل رحمة الجنة خالصة من كل شائبة عذاب، وإن كانت من قبيل أدق المعاني. وهو معنى "الرضوان" الذي قال الله عنه في حق من يدخل الجنة من عباده: {رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ ذَ ٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ} [المائدة: 119]. وهو ما بشرهم به بعد دخولهم الجنة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي بقوله: «إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى يقولُ: يا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ! فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ما لَنا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ! فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبُّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ بَعْدَهُ أبدًا!»[1]. وهنا ينبغي أن نذكر أمريْن: ولا شك أن صفة هذه الآية هي القدرة، كما لا يخفى. فالله يحاسب عباده من كونه قادرا عليهم، مالكا لأمرهم. ولا بد هنا من أن نتكلم عن قدرة الله على مجازاة عباده على أعمالهم في الدنيا وقبل الآخرة. وهذا الجزاء، من الاسم الملك، عن طريق الحسيب... وجزاءات الدنيا، إن كانت حسنة، فهي من نقص جزاء الآخرة، إن لم يجمع الله لعبده بين الحسنييْن؛ كما قال الله عن قوم: {وَٱلَّذِینَ هَاجَرُوا۟ فِی ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةً وَلَأَجۡرُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ} [النحل: 41]؛ وإن كانت سيئة فهي نقص من عذاب الآخرة، إلا أن يجمع الله لعبد بين عذابي الدنيا والآخرة؛ كما أخبر عن قوم بقوله تعالى: {لَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا خِزۡیٌ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ} [البقرة: 114]. وأخص معنى في الكلام من هذه الآية، من غير شك، هو السمع؛ لأن السمع هو الذي يكون به الكلام مجديا؛ أي محققا للحكمة منه. ولقد سبق أن ذكرنا في هذه الآية الشريعة، وهي التي تُسمّى عند العلماء علم السمع، من كونها مسموعة، أي مفهومة من الوحي. ولا تتحقق العبادة الشرعية المذكورة في الآية إلا بالاسم السميع، الذي هو من أتباع الاسم المتكلم. ولا يستجيب الله لاستعانة عباده به، إلا من الاسم السميع أيضا. وأما من الناحية البلاغية فقد وقع الالتفات في الكلام هنا من الغائب إلى جمع المتكلم، وهذا لأن الكلام في البداية كان من حضرة الجمع الغائب، لكون الكلام قريبا من الذات من جهة الأسماء؛ وأما عند الالتفات، فقد صار الكلام من حضرة الجمع التي تكون فيها النيابة عن جميع الأسماء، بما فيها تلك المتوجهة على الأفعال. وهذا ليدل الحق على أن كلام المتكلمين، بالحمد الأول جملة، أو بجميع المعاني التفصيلية الأخرى، هو من الله لا من غيره. وهو من باب قوله تعالى: {قَالُوۤا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنطَقَ كُلَّ شَیۡءٍ} [فصلت: 21]؛ والمعنى هو أن الأسماء المدبرة للخلائق ناطقة بحمد الله، من كونها وجوها له؛ وأن المخلوقات المدبرة ناطقة من جهة الحال والمقال بعبادة الله؛ وإن كان النطق بعبادة الله أخفى لدى الكافرين. وأما الاستعانة، فإن الأسماء ناطقة بها من جهة حقائقها؛ والمخلوقون الذين هم مظاهر لها أيضا ناطقون بها. فالمؤمنون ناطقون بها حالا ومقالا، والكافرون ناطقون بها حالا ومقالا؛ غير أن نطق مقالهم أخفى. وإن فيما يسميه أهل البلاغة في القرآن التفاتا، علوما جمة، تخرج عن إدراكهم. وإن أذن الله في إبراز بعض تلك العلوم، فإننا سنبرزها في محلها إن شاء الله... وكلام العباد الوارد بصيغة الدعاء في هذه الآية من أم الكتاب، أو في غيرها من القرآن، هو من إنطاق الله لهم. وقد قال سبحانه: {قَالُوۤا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنطَقَ كُلَّ شَیۡءٍ} [فصلت: 21]، وهذا يدل على أن لكلام العباد نسبة إلى الله المتكلم؛ على المؤمن أن يؤمن بها. وأما العلماء بالله، فإنهم يسمعون الله يتكلم على ألسنة عباده حقيقة لا مجازا. ومن هذا الباب أُثر عن الإمام الجنيد عليه السلام قوله: "لي ثلاثون سنة وأنا أكلم الله، والناس يظنون أني أكلمهم.". وهذا الصنف من الناس، هم أهل القرآن الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم أهل الله (أهل الاسم الله) وخاصته. وأهل الله من كل زمان، هم الأفراد الذين يُعدّ الغوث واحدا منهم. وإن أذن الله بالكلام عن التفريق بين الغوث والأفراد، فإننا سنبين ذلك في محله إن شاء الله، لتكتمل نعمة الله بهذا الكتاب على أهله. وأما من الناحية البلاغية، فالآية السابعة تفصيل للآية السادسة؛ وبهذا ترتفع البدلية اللغوية، ما دام البدل يكون مساويا للمبدل منه في حال المطابقة، كما هي الحال هنا. وهذا يعني أن لغة القرآن تختلف في مجملها عن اللغة العربية في إطلاقها، وهو ما نبهنا إليه في المقدمة، حتى لا يقيّد أحد معاني القرآن بما يعلم من اللغة. والذي نعنيه هنا هو أنه لا يصح القول بالبدلية في القرآن، لأن كل لفظ هو مستقل عن اللفظ الآخر وإن كان مشابها له في الصورة؛ وكل معنى هو مخالف ولو جزئيا للمعنى الآخر. وهذا باب واسع، ربما نعود إليه فيما بعد إن شاء الله... ونسبة الصراط المستقيم إلى المنعم عليهم، هو تخصيص يفيد بأن الصُّرُط متعددة، ينفرد واحد من بينها بالاستقامة؛ وهو الطريق الموصل إلى الجنة؛ والمعنى هو أنه موصل إلى الله في دار السلام، لا إلى الجنة بما هي جنة. ولقد سئلت السيدة رابعة العدوية عن الجنة، فقالت: "الجار قبل الدار!". فما أحكمها، رضي الله عنها!... وهذا، لأن كل الطرق موصلة إلى الله، ولكن كل ما عدا الصراط المستقيم فهو ينتهي بصاحبه إلى النار. وأهل النار هم أهل الغضب المنصوص عليهم في الآية، في مقابل أهل الجنة الذين هم أهل الرضوان كما سبقت الإشارة. والغضب والرضى صفتان إلهيتان فعليتان؛ أي هما مقتضيتان لظهور المرضي عنهم والمغضوب عليهم. ونعني من هذا، أنهما وإن كانتا صفتيْن قائمتيْن بالذات؛ إلا أنهما ليستا خالصتيْن للذاتية. والصفات الإلهية يمتاز بعضها عن بعض بهذا المعيار: فما كان ذاتيا، فله العلو في الصفات؛ وما كان وسطا، فهو المخصوص بمعنى الصفة حقيقة؛ وما كان متوجها على المخلوقين، فله المرتبة الدنيا. كل هذا، وهي معان في الذات، ولا تزيد عليها. وتتمةً للفائدة، نرى أنه ينبغي علينا هنا التفريق بين معرفة الله، والسعادة؛ فالسعادة هي الفوز بالجنة في الآخرة، أما المعرفة فلا يخلو عبد منها. وهو مدلول قول الله تعالى: {إِنِّی تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّی وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَاۤبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِیَتِهَاۤۚ إِنَّ رَبِّی عَلَىٰ صِرَ ٰطٍ مُّسۡتَقِیمٍ} [هود: 56]. والمعنى هو أن كل دابة (ومنها الإنسان) هي عارفة بربها الذي هو آخذ بناصيتها؛ وليس إلا الاسم المتوجه عليها. ومن هذا الوجه، لا يمكن للعبد أن يجهل ربه من جهة حقيقته؛ وإنما يقع الاختلاف في الأسماء من جهة التواطؤ اللغوي، لا من جهة الاسمية بالمعنى الشرعي؛ وإن كان سيدي الدباغ عليه السلام، قد أخبر أن الأسماء الإلهية هي مما أجراه الله على ألسنة أنبيائه؛ أي هم عندما شاهدوا المعنى قائما بالذات، أخبروا عنه بما يناسب في اللسان الخاص. وهذا لا يناقض قدم معاني الأسماء الإلهية، وإنما هو وجه من وجوهها، لمن كان يعلم ما ندل عليه. وبين أولئك العارفين الذين هم على الصرُط غير المستقيمة، تفاوت كبير؛ منه يُعلم قدر عقلاء أهل النار وتُعلم مراتبهم. وإن لله حكمة في شرع الصراط، ينبغي ألا يغفل عنها المؤمن؛ وهي التقييد المناسب لعبودية العبد. وهذا يعني أنه من دون التزامٍ للشريعة، فإن العبد يفقد عبوديته التكليفية، والتي هي روح العبودية العامة التي يشترك فيها مع الكافرين والمخلوقين أجمعين. وكما أن الربوبية هي زينة الرب، فكذلك العبودية هي زينة العبد. ومن لا عبودية له بالمعنى الشرعي، فلا زينة له. يقول الله تعالى: {یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ} [الأعراف: 31]. والخطاب في أول الآية لبني آدم، يؤكد المعنى الذي ذهبنا إليه من أن الزينة هي عبودية التشريع. ويؤكده أكثر، النهي عن الإسراف في الأمور عامة، وفي الأكل والشرب خاصة؛ لأن الإسراف إطلاق، فهو مناقض لمعنى التقييد الذي في العبودية. وهذا يعني أن يُقبل الناس على أماكن العبادة، بروح العبادة، لا بصورتها وحدها. وأما الزينة التي يفهمها الفقهاء، فهي عبادة تفصيلية مستقلة ومعتبرة في حدودها العلمية... يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القرآن في مرتبة الفاتحة: «إِنَّ هَذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَأُوا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.»[3]؛ والأحرف هنا بمعنى الأوجه، لا بمعنى الحروف التي هي بسائط الكلمات؛ وقد غلط كثيرون في فهم المعنى المراد. والمسألة تتطلب تفصيلا، نرجئه إلى الباب الثاني بإذن الله... ومعنى كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، هو أن معنى الذات المسمى "الله"، استقر على الصفات السبع التي ذكرناها عند الكلام في آيات الفاتحة، كما هو مستقر العرش اليوم على أربعة أسماء، وسيستقر على ثمانية في الآخرة. وهذا يعني أن الصفات السبع هي الرافعة لعرش الاسم الله في مظهر الحقيقة المحمدية الذاتية. والحاملون للعرش، لا شك هم ملائكة على صور الأسماء المخصوصة بهم. والأربعة عائدة إلى الصفات الأربع التي هي أساس السبع؛ وهي: العلم والإرادة والقدرة والكلام؛ وهذا لأن الحياة باطنة في الجميع، ولأن السمع والبصر فرعان للمتكلم. يقول الشيخ الأكبر: [روينا عن ابن مسرة الجبلي، من أكبر أهل الطريق علما وحالا وكشفا؛ العرش المحمول هو المـُلك، وهو محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة. فآدم وإسرافيل للصوَر، وجبريل ومحمد للأرواح، وميكائيل وإبراهيم للأرزاق، ومالك ورضوان للوعد والوعيد. وليس في الملك إلا ما ذكر.][4]. وعندما نقول معنى الذات، فنحن لا نعني الذات كما ذهب إلى ذلك المجسمة؛ ولكن نعني بطون الذات، والأمران مختلفان. وكمال المعنى الذي ذكره الشيخ الأكبر عن ابن مسرة، والذي هو المثمّن للسبعة، هو المخصوص بالمرتبة التي للاسم الله، ومظهرها الأكمل في الدنيا والآخرة هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ونعني أن الشيخ عندما ذكر محمدا مع جبريل، فهو قد تجاوز لحكمة يعلمها، ما هو مخصوص بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل جبريل وغيره. فهذا هو ما يتعلق بتسبيع الأحرف، وبتثمين الحمل الذي قلنا إن أصله التربيع. وقد نشأ التثمين عن التربيع، بسبب ازدواجية المـُلك بين الدنيا والآخرة. ونعني من هذا، أن الله مالك الملك في الدنيا، وهو مالك الملك في الآخرة. وأما التزويج بين الحقائق الآدمية والحقائق الملكية في الترتيب السابق، فهو لنشوء الآخرة عن الدنيا كما أسلفنا الإشارة، كما تنشأ الأرواح المدبّرة عن الأجسام، وكما تنشأ المعاني عن الحروف والكلمات. والأوجه السبعة التي أنزل عليها القرآن، إذا ضربت في الأربعة أسماء التي "الأول" و"الآخر" "والظاهر" و"الباطن"، والتي هي أصل الجهات الأربع في عالم الطبيعة، تُعطي ثمانية وعشرين؛ وهو مجموع حروف الهجاء. وإذا قسمناها بحسب مقتضى انقسام الحقيقة بين الوجود والعدم، فإنها تصير أربعة عشر حرفا نوريا؛ وهي الحروف التي وردت في فواتح السور؛ وأربعة عشر حرفا ظلمويّا (نسبة إلى الظلُّمة)، وهو ما تبقى من الحروف. وقد سقطت من الفاتحة سبعة أحرف هي: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء، وهي كلها ظلموية. فغلب النور الظلمة في الفاتحة باثنيْن مقابل واحد، وهذا حتى لا يكون الاستواء في الإمكان على التمام؛ ولكن برجحان النور مرّتيْن، وهو ما أعطى أهل الجنة والنار البقاء على الدوام. وفي الفاتحة من الأسرار الإلهية، ما لا يحدّ ولا ينحصر؛ ولكن، وقبل أن نغادر فناءها إلى ما سواها، نرى أنه من الواجب علينا الكلام عن الحديث القدسي الوارد فيها، والذي يقول فيه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، من حضرة الجمع المتمثل في الفاتحة: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداجٌ، فَهِيَ خِداجٌ، فَهِيَ خِداجٌ، غيرُ تمامٍ.» قالَ: فَقُلْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَكونُ أَحْيانًا وَراءَ الْإِمامِ؟ قالَ: فَغَمَزَ ذِراعِي، وَقالَ: اِقْرَأْ بِها يا فارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: قالَ اللهُ تَعالَى: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَنِصْفُها لي، وَنِصْفُها لِعَبْدي، وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ. (قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ): اَقْرَؤُوا: يَقُولُ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: حَمِدَني عَبْدي. يقولُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَثْنى عَلَيَّ عَبْدي. يقولُ العبدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؛ يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَجَّدَني عَبْدي. يَقولُ الْعَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ يَقُولُ اللهُ: وَهَذِهِ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدي، وَلِعَبْدي ما سَأَلَ. يَقولُ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}؛ يقولُ اللهُ: فَهَؤُلاءِ لِعَبْدي، وَلِعَبْدي ما سَأَلَ.»[5]. ولنتناول الآن الحديث مقطعا مقطعا: وأما قول أبي هريرة لمن أخبره أنه يُصلّي خلف الإمام، اقرأها في نفسك؛ فهو إفتاء من أبي هريرة مرجوح؛ لأن قراءة الإمام الجهرية ينوب فيها الإمام عن المأموم؛ أما في صلاة السر، فإنه لا بد للمأموم من أن يقرأ في نفسه. وأما أمر المأموم بقراءة الفاتحة حتى في الصلاة الجهرية خلف الإمام، فهو تشديد على الناس وتعسير. وأما العقل الأول، الذي ورد الحديث بأنه أول ما خلق الله، فهو معنى للحقيقة المحمدية؛ وكونه أول مخلوق، لا يُناقض أن الحقيقة هي أول مـُبدَع. والمخلوق الثاني، هو النفس الكلية في مقابلة العقل الأول. وما القلم، الذي ذُكر في حديث آخر على أنه أول مخلوق، إلا معنى في العقل، ولا اللوح إلا معنى في النفس. وهذا العالم من الحقيقة المحمدية إلى اللوح، هو عالم الجبروت. وعلى هذا، فإن الفاتحة من جهة المعنى، تكون سورة مستقلة في مقابل سور الكتاب الأخرى كلها، والتي عددها مائة وثلاثة عشر سورة. والسورة هي المنزلة، ولا منزلة إلا باعتبار مراتب العوالم. وقبل النظر في السور، لا بد من الكلام عن الملائكة... [1] . متفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.