اللهم صل على سيدنا محمد الكامل الأكمل، ومظهر الجمال الأجمل، المكمل لكل كامل على مدى الأزمان، والمتخلق على التمام بأخلاق الرحمن؛ القائل بلسان الشكر: أنا سيد وُلد آدم ولا فخر؛ وعلى آله الطاهرين بالتطهير الرباني، وصحابته المشرفين بالشهود العياني؛ وسلم من أثر شهود نفوسنا صلاتنا عليه تسليما. والحمد لله المنعم المفضل حمدا عميما.
![]() | ![]()
2024/04/21 الإنسان القرآن (مقدمة في تفسير القرآن الكريــم) .6. الباب الأول: القرآن وحقائقه الفصل الخامس: عالم الأسماء الأسماء الإلهية، هي ألفاظ جُعلت للدلالة على معان قائمة بالذات؛ وتلك المعاني قد تكون منوطة بالذات من حيث هي، وهي ما سُمّي أسماء الذات أو أسماء الكمال بالنظر إلى أسماء الجلال وأسماء الجمال، لا مطلقا. وسيأتي الكلام عن معنى الكمال، في فصول قادمة بإذن الله تعالى. وقد تكون الأسماء من مرتبة أسماء الصفات بالمعنى الخاص الذي يتوجه على المخلوقين؛ كما قد تكون من مرتبة أسماء الأفعال. وهذه الأسماء كلها أسماء للذات، ولا يقع التفريق فيها إلا من حيث اعتبار المعنى، كما هو واضح من الكلام. ولهذا، كان الاسم "الله" الذي هو علم على الذات، باطنا في كل اسم من الأسماء، وفي أي مرتبة من مراتب الأسماء، من أعلاها إلى أدناها. وهذا، لأن الأسماء الإلهية لها نظام هرمي، أعلاه الاسم "الله" الذي هو اسم للمرتبة، وأدناه صفوف من الأسماء تأتي بعد الصفوف المشهودة والمعلومة؛ لأن من هذه ما لا يكون معلوما للعموم، ومنها ما لا يُعلم إلا لخواص الخواص. ويُفهم من هذا أن الصفوف السفلية للأسماء الإلهية لا نهاية لعددها. ونعني أننا عندما نصف الأسماء بأنها لا حصر لها، فإننا نقصد الأسماء المرؤوسة، وإن كانت رئيسة لغيرها؛ وأما الأسماء التي لها الرئاسة الكبرى، فسيظهر أنها محصورة حصرا كبيرا. ومن باب رئاسة الاسم "الله"، الذي هو مخصوص بمرتبة الألوهية، يأتي في كثير من السياقات القرآنية، موصوفا للأسماء التي دونه، إما تلك التي تليه من الصف الأول، أو التي تأتي في الصف الثاني، فما دونه؛ وذلك كقول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ} [التوبة: 118]؛ فالله الذي هو هنا اسم على المرتبة، هو الموصوف؛ وهو موصوف بـ "التواب"، الذي هو اسم من أسماء الأفعال، لكونه علما على فعل التوبة المخلوق في العباد. وأما "الرحيم"، فهو الأصل لشطر أسماء أفعال الجمال، وبذلك يكون أصلا ورئيسا للاسم "التواب". وهكذا يُنظر في كل الأسماء التي وردت صفة للاسم "الله". وأما الاسم الضمير "هو" الذي يسبق في الذكر الاسم الله، لا الذي يتأخر عنه؛ وذلك كما في قول الله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ} [القصص: 70]، فهو اسم لغيب الذات، والإشارة فيه إلى الأحدية. والأحدية هي حضرة الحق التي لا ذكر فيها لشيء، ولا حتى للأسماء؛ ولهذا، قيل ليس بعد الاسم "هو" اسم من جهة العلو. والذات من غير ذكر لاسم من الأسماء، هي المسماة الذات الصرف؛ أي من دون هوية ولا غيرها. ولقد ميّزنا من جهة المعنى، بين "هو" الذي يسبق الاسم "الله" في الذكر، و"هو" الذي يأتي بعد أداة الاستثناء؛ أي بعد الاسم الله. وهذا مع أن اللغويّين لا يُفرقون، وأنّى لهم. وحقيقة التفريق تنبني على كون الضمير الأول، اسما على غيب الذات قبل التجلي الاسمي، ولكن باعتباره أمرا معلوما للاسم الله من اسمه "العليم". وأما الضمير "هو" المتأخّر، فهو إشارة إلى غيب الذات، بعد التجلي الاسمي. وهذا يعني أن الأسماء التي تأتي بين "هو" الأول، و"هو" الآخر، هي نسب عدمية في الذات، وقع بها التجلي، من دون أن يزيد ذلك على الذات شيئا، أو ينقص منها شيئا. ولهذا، قد جعل بعض الصوفية ذكرهم، "هو هو"؛ للدلالة على ما ذكرنا. ومع أن الأسماء الذاتية من أمثال الحق والأحد، هي من أسماء الذات الصرف، إلا أنها لا تدل على الصرافة الذاتية، بسبب انطوائها على رائحة المعنى الاسمي؛ وذلك لأن اسم "الحق" مثلا، يدل على معنى الثبوت المسمّى عند المتكلمين [وجوب الوجود]، ويتضمن إشارة سلبية عن طريق الاستكمال العقلي، إلى "الباطل"، الذي هو في اصطلاح الفلاسفة [العدم المحض]. وأما الاسم "الأحد"، فهو يدل على الذات بمعنى زائد يخصها في نفسها؛ ونعني أنه تعيّن للذات بالنظر إلى الذات. وهو (أي الاسم الأحد)، أخص من الضمير "هو"، لأن الاسم الضمير، يتطلب مظهرا دونه، من ورائه تكون الإشارة إليه؛ أما "الأحد"، فهو أخص بالذات منه، لأنه لا يُشار به من وراء شيء إلى الذات. ولسنا ندري هل سبق لأئمتنا التنبيه إلى هذا الفرق أم لا؛ لأننا لا نشك في علمهم به. ولا بأس هنا من العروج على سورة الإخلاص، قبل الكلام عن معنى السوَر، استكمالا للمعنى الذي كنا بصدده. وقبل أن نبدأ في الكلام على ألفاظ هذه السورة العظيمة، فلا بأس من أن نشير إلى سر تسميتها بالإخلاص، الذي هو من الخلوص. وورود الاسم بصيغة إفعال، التي أصلها "أفعل"، تُفهم منه التعدية، لكون الهمزة التي دخلت على الفعل تُسمّى "همزة التعدية". والمعنى هنا، أن هذه السورة، هي خالصة بالجعل، لا بالأصالة. والاسم الإلهي المستكن وراء اسم السورة "الإخلاص"، هو "الْمـُخْلِصُ". وهو من أتباع الاسم "الرب". وهو الذي أخلص هذه السورة للذات، لكن مع اعتبار تجليات الأسماء والصفات. ولننظر الآن في ألفاظ سورة الإخلاص الشريفة، آية آية: ومعنى قل هو: بلّغ عني. والتبليغ متعلق بجميع المراتب: أولاها اللفظ، وثانيها الرقم، وثالثها المعنى، ورابعها الذات، من حيث هي غاية الغايات، من وراء اسم "هو" الآخر. وأما من جهة الإعراب عند أهله، فقل: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت؛ وهو: مبتدأ في محل رفع؛ الله: مبتدأ ثان؛ أحد: خبر المبتدأ الثاني. والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول. والجملة الاسمية (هو الله أحد) في محل نصب مفعول به لفعل قل. وأما من جهة المعنى، فـ "الله" الذي جاء بعد "هو"، هو اسم للذات وللمرتبة، ولكنه أدخلُ في معنى الذات؛ وذلك لأن الأحد هو أيضا اسم للذات، من دون أي اعتبار آخر زائد عليها؛ بحيث ليس له من الاسمية إلا الدلالة على معنى قائم بالذات فقط. والأحدية، هي معنى الإخلاص الذي تسمت به السورة. وليتنبه القارئ إلى أن الأحد يختلف عن الواحد، وهذا لأن الأحد لا ثاني له؛ وأما الواحد، فله الثاني والثالث إلى ما لا نهاية. ورغم التشابه في الحروف بين الاسميْن، فإنه لا يكاد يوجد اشتراك بينهما من جهة المعنى. وإذا كان الله لم يلد، فهذا يعني أنه سبحانه لم ينشأ عن ذاته شيء؛ وإذا كان لم يولد، فالمعنى هو أنه سبحانه لم تحدث ذاته عن شيء. والخلاصة، هي أن الحق تعالى، لا يُسأل عنه كما يُسأل عن سواه من الأشياء. وقد تورطت العقول القاصرة في هذه الأسئلة، عندما ظنت أن المنطق العقلي يحكم حتى على ما هو إلهي. وقد سقط في هذه الآفة جل الناس، وعلى رأسهم المنزهة؛ وهذا من أعجب الأمور. وما نعني إلا أن التنزيه، كان ينبغي أن يقودهم إلى غير ما وصلوا إليه؛ ولكنهم ما فطنوا أنهم مشبهون في تنزيههم ولو بقدر يسير غاب عن شهود عقولهم. وذلك التشبيه، هو ما قاد المنزهة إلى القول بقياس الغائب على الشاهد؛ وكأن بين الله وعباده مشتركات!... وعلى كل حال، فسنتناول مثل هذه المسائل في الباب الثاني من الكتاب، لا في هذا الباب. ولو أن الناس كانوا يعقلون، لعلموا بأن العقل بما هو مخلوق، لا يتمكن من بحث ما يتعلق بربه وخالقه. ومن علم هذا، حصر نظره العقلي فيما أُذن له فيه، وهو مضامين الكلام الإلهي، على ما تُعطيه، لا على ما يُستخرج منها؛ أو هو المخلوقات بما هي مخلوقات، مع النسب الرابطة فيما بينها. وهذا، لأن كلام الله -الذي هو الوحي والمخلوقات- ليس كغيره من الكلام، حتى تأخذ منه العقول المعاني بالتحكّم؛ بل إن التالي للقرآن بجميع صنوف التلاوة، لا يزيد عند تلاوته على أن يتعرض لإفهام الله له في كلامه. وأما التدبّر المأمور به في القرآن، فسنعرض له إن شاء الله في موضع آخر من هذا الكتاب، لأن هذا الفصل قد بدأ يتسع... وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى مجاوزة العقول لحدّها، في أحسن عبارة وأوجزها، عند قوله الشريف: «لا يَزالُ النَّاسُ يَتَساءَلون حَتَّى يُقالَ: هَذا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ.»[2]). وهذا يدل على أن هذا التساؤُل قد يكون من النفوس ابتداء، لا من الشيطان؛ ولكن الشيطان يغتنم هذا التساؤل عساه يبلغ به الإضلال المرجو له. ولينظر العبد كيف أنه ينساق مع المنطق العقلي، وكيف أن الشيطان يأخذه به إلى سؤال: من خلق الله؟ وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يدخل مع الناس في جدل منطقي وهو أعلم به؛ ولكنه من كونه عليه السلام طبيبا قلبيا، دل السامع على الإيمان؛ والإيمان لا يُبرهن. فدل عليه السلام على نجاة محققة!... جزاه الله عنا ما هو أهله، وجعلنا لنعمته من الشاكرين... ويدل على المعنى نفسه، وبطريقة أخرى، حديث شريف آخر، يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقولُ: مَنْ خَلَقَ كَذا؟ حَتَّى يَقُولُ: مَنْ خَلَق رَبَّك؟ فَإِذَا بَلَغَهُ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ.»[3]). وهنا نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل التلبيس إلى الشيطان مباشرة، لا إلى النفوس. وقد دل عليه السلام على العلاج، عندما أمر بالانتهاء وقطع السؤال من دابره. وهذا لأن العامة، لا خبرة لهم بالتفكر وبالمنطق؛ وهم إذا دخلوا مجال القياس، لا يضمنون الخروج منه سالمين. ولولا أن الله يُثبت الناس على الإيمان، لكفر جل من يخطر هذا في بالهم. وعلى كل حال، وفي انتظار تناول المسألة بالتفصيل في الباب الثاني، فعلى الناس أن يتمسكوا بقاعدة هي: "من الأسئلة ما لا يصح أن يكون سؤالا، لهذا، يكون الجواب عن السؤال الغلط غلطا حتما.". وهكذا يتضح أن جل ما قاله المفسرون في سورة الإخلاص، خطأ؛ لأنه لا شيء مذكور في هذه السورة إلا الذات. وقد ذكرها الله بطريقيْن: أحدهما الإثبات، وذلك بإيراد الأسماء: هو، الله، أحد، الصمد، الضمير المستتر (هو)، والضمير المتصل "ـهُ"؛ والطريق الثاني وهو النفي أن يكون سبحانه عن شيء، أو أن يكون عنه شيء، وأن يكون أحد نظيرا له في شيء. وبهذا يكون مفعول قُل حقيقة، هو كل ما جاء بعده إلى نهاية السورة. وتكون أحدية الذات من سورة الإخلاص في أدنى طرف لها، وقريبا من حضرة الواحدية؛ وهذا لأن الأحدية الحق، لا تقبل معها قائلا ولا مقولا له. وهو ما يعني أن الكلام الإلهي الوارد في سورة الإخلاص، قد خرج من البرزخ الذي بين الأحدية والواحدية، وليس إلا الحقيقة المحمدية التي نطق محمد الشخص الآدمي بلسانها. ولنعد إلى ما كنا بصدده قبل الدخول في معاني الإخلاص، من فرق بين "هو" و"الأحد". وقد وصلنا إلى أن الضمير "هو"، يتضمن أيضا إشارة سلبية إلى الواحد. والسلب كما هو معلوم، هو معنى زائد على معنى الإثبات. وهكذا، تكون الذات الصرف من وراء كل اسم، حتى من وراء الاسم الضمير "هو"؛ وذلك لأن "هو" يتضمن هو الآخر إشارة سلبية إلى المشهود أو الحاضر. فالاسم "هو" اسم لغيب الذات، في مقابل شهادتها؛ وليس اسما للذات في مقابل شيء آخر؛ لأنه لا وجود لشيء مع الذات. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ.»[4])؛ وكان هنا تامة، وهي بمعنى الوجود. والوجود قد ورد في القرآن بمعنى الحق، وقد انصرف الناس عن الاسم "الحق" إلى الوجود، بسبب تأثير اصطلاح الفلاسفة، وهو لا يليق بعلماء الدين. وهكذا، يكون العدم هو الباطل. وكما ذكرنا في الأسماء السابقة، فالاسم "الحق" لا يدل على صرافة الذات، ولكن يدل على وجه الوجود فيها، ويشير سلبا إلى وجه العدم. فهو من الأسماء الذاتية المـُرجّحة لصفة من الصفات الذاتية، ولكن لا يُقال عنه إنه يدل على الذات من وجه الصرافة. والصرافة هنا غير الذاتية، التي قد يذهب نحوها الذهن؛ لأن معنى الذاتية لا ينفصل عن معنى الأسماء، ولا عن معنى الصفات أو الأفعال. ومن هذا الوجه، فالذات لها الإحاطة بجميع المعاني. ولكن هذا المعنى يعسر إدراكه على غير العلماء بالله؛ أي من دون إذن. ومن وجه ذاتية الأسماء، تستوي كل الأسماء، فلا يبقى من فرق بين الرئيس والمرؤوس، إلا اعتبارات ثانوية، هي التي تنظم تعقّل الأسماء وترتيبها. ولنرجئ الكلام عن الأسماء الواردة في "الكتاب"، لنعود إليها في الحقيقة المحمدية المسماة إنسانا. ونعني من هذا، أن ذات الحق عندما تجلت لنفسها بنفسها في الصورة العدمية المسماة محمدا، تبعت الصفات الموصوف، وظهرت معاني الأسماء مجردة عن تفاصيل المسميات. فكان أول اسم تعلق بالحقيقة المحمدية من حيث الإجمال، الاسم "الله"؛ ومن هنا كنا قد قلنا: إن الاسم الله هو اسم للحقيقة المحمدية ذاتها، وقلنا أيضا في كتابات أخرى: إن العباد لا يعبدون إلا اسم المرتبة الذي ظهر عند خلق الحقيقة المحمدية. وهنا لطيفة ينبغي ألا نتجاوزها، وهي: هل الاسم "الله" المنوط بالحقيقة المحمدية له معنى الذاتية، الذي ذكرناه آنفا، أم ليس له إلا معنى المرتبة؟... والجواب هو أنه له المعنيان معا: الذات، والمرتبة. وإن كان هذا، فما الفرق بين الذات بالمعنى الأصلي، والذات في الحقيقة المحمدية؟... فنجيب ليس من فرق إلا في المرتبة: فالذات بالمعنى الأصلي لها السبق عقلا، والذات المتجلية في الحقيقة المحمدية لها المرتبة الثانية عقلا. ونعني أن الذات في المرتبة الأولى، لها من الحروف حرف الألف، ولها من العدد الـ 1، والذات في المرتبة الثانية لها من الحروف الباء لا الألف، ولها من العدد الـ 2. ولهذا السر، ظهرت ألفاظ القرآن الكريم عن حرف الباء الذي في بداية البسملة؛ ولم تتعلق الألف بشي من الحروف أو الكلمات، بل بطنت لأحديتها. ولهذا المعنى أيضا، انفرد الحق بالاسميْن: الأول والآخر؛ لتبقى الحقيقة المحمدية هي الثاني وما قبل الآخر، في التجلي. ولما كانت الحقيقة المحمدية هي أول قرآن بمعنى الجمع والخروج من الكنّ، والنزول؛ ولسنا نعني إلا أن الحقيقة المحمدية هي أول جمع، وأول ظهور، وأول نزول (تنزل)؛ كان لا بد من تعلق آباء الأسماء بها، في التجلي الأعلى، وهو تجلي الحروف. والحروف هنا، هي الحروف المحدّدة من قِبل الله تعالى، وهي السبعة التي جاء فيها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.»[5]). ولعلنا نعود إلى الحديث بتمامه عند كلامنا عن لغة القرآن المسطور، وأما الآن فإننا سنقصر النظر على الأحرف التي هي بسائط الكلمات، والتي مجموعها ثمانية وعشرون على عدد منازل القمر. وأما السبعة -كما ذكرنا- فهي الآباء والأصول، وهي الحروف المضمّنة في الاسم الله نطقا. والسبب في اعتبار النطق (التلفظ)، هو كون الحقيقة المحمدية هي الكلمة الجامعة. وهي التي وردت في الإنجيل بعبارة: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ. وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهُ..."[6]). ونحن لم نورد هنا آية الإنجيل، إلا لندل النصارى على المعنى الذي يجهلونه، وندل المسلمين على معنى قرآنية القرآن عندهم. والاسم الجامع بحسب النطق، هو: ألف وهمزة، ولامان، وألف مد، وهاء مضمومة. فالألف واحد، والهمزة واحد، واللامان اثنان، وألف المد واحد، والهاء واحد، وواو الضمة واحد؛ والمجموع: سبعة أحرف. فهذه هي آباء الأسماء، وهي الأوجه التي نزل بها القرآن؛ أي هي الصفات في المرتبة الثانية من الدلالة، التي تجلت في الحقيقة المحمدية. ولنعد إلى الأحرف السبعة في أصلها، وهي: وهنا، لا بد من القول بأن الأحاديث التي حُكم ببطلانها، من أمثال حديث جابر لما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللهُ تَعالَى ما هُوَ؟: فَأَجابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ «نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ! خَلَقَهُ اللهُ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ.»؛ وكذلك الحديث القدسي: «قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ نُورِي فَقُلْتُ لَها كُونِي مُحَمَّداً...»، فهي صحيحة المعنى، وموافقة للكشف الصحيح. ولعل من أنكرها، إنما أنكرها لجهله بالحقيقة المحمدية، وانحصار علمه في خلق الشخص المحمدي الشريف عام الفيل؛ فتوهّم أن الأمر به تناقضا، ومخالفة لما يعلم هو منه من جهة الواقع والتاريخ؛ وهو غير ذلك. فأما النور في هذه الأحاديث وأمثالها، فالمقصود منه الذات الوجودية. ويؤيّده قول الله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [النور: 35]. ومعنى الآية هو أن وجود الأشياء بالله تعالى؛ أي إن الأشياء ما ظهرت إلا عند قيامها بوجود الحق، وهو مدلول الاسم "القيّوم". ولا يعترض أحد بأن هذا من عقيدة وحدة الوجود؛ لأن الوجود أحدي لا واحدي. ومعنى أحدية الوجود هو: حيثما كان الوجود، فهو بالأصالة لله؛ فإن نُسب إلى شيء فهو بالمجاز وبالتّبع. ومعنى الأحاديث التي أشرنا إليها، والتي يُنكرها المتسلّفة وأمثالهم من عوام المتنطعين، هو أن الله خلق الحقيقة المحمدية من ذاته سبحانه، بلا تبعّض أو اجتزاء. ومعنى هذا بعبارة أخرى، هو أن الذات المطلقة تعيّنت بأول تعيّن، أي تقيّدت. ولولا هذا التعيّن والتقيّد، الذي سيكون هو الصفة المشتركة بين الحقيقة المحمدية وسائر المخلوقين الذين سيتولدون عنها، ما صح أن يُخلق خلق، بسبب غياب الواسطة. وعلى هذا، فالحقيقة المحمدية ليست شيئا غير الذات، ولكنها تختلف في المعنى عن الذات بالتعيّن فحسب. وقد ذكرنا أن الأسماء الإلهية -بدءا بالرئيس "الله"- قد تعلقت بالحقيقة المحمدية (الذات المتعيّنة) بمجرد خلقها، لأن هذه الأسماء هي الصورة العدمية التي تصوّرت بها هذه الحقيقة المخلوقة. فكانت الصورة العدمية هي الصورة الإلهية من وجه، وهي صورة الإنسان حقيقة من وجه آخر. وهذا عينه، هو معنى حديث: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»[7]). وهذا، لأن آدم مخلوق على صورة الإنسان المتصوّر بصورة الله. وأما الله تعالى من حيث إطلاق الذات، وقبل التعيُّن الأول لها، فلا صورة له سبحانه؛ بل إن الذات تتعالى عن الصورة. وهذا المعنى، هو ما يعلمه أهل التنزيه من أول خطوة لهم في العلم بالله؛ وهو ما أدى إلى تكلم أهل الكلام في نسبة الذات إلى الصفات، وهل هي عينها أم هي غيرها. ونحن سنرجئ الكلام عن هذا التفصيل إلى الباب الثاني إن شاء الله، من باب الحفاظ على اتساق الكتاب. وسنذكر حينها بإذن الله: لم قال كل فريق بقوله المخالف للفريق الآخر؛ ولم كان لكل فريق سنده من الحق؛ وهو مما تحيله العقول... وهكذا يظهر أن الهمزة التي تحقق بها ظهور الألف في أول الاسم، هي الصورة العدمية المقيّدة لإطلاق الألف؛ وهذا يظهر في النطق أكثر مما يظهر في الرسم؛ وإن كان أهل الرسم قد أحسنوا عندما جعلوا هذه الألف منقوطة. وقد اتفق أهل الله على أن النقطة هي الذات من جهة الرسم، لقيام الألف المنزهة بها، وقيام كل الحروف بعد ذلك بالألف. أما عند النطق فتمتنع الألف عن الظهور إلا بالهمزة، أو في صورة المد. غير هاتيْن الصورتيْن لا يوجد!... وسيأتي الكلام عن المد في حينه بإذن الله... وأول خلق ظهرت فيه الصفات الإلهية من جهة إجمالها، هو الحقيقة المحمدية، كما أسلفنا. وهذا الظهور كان على الكمال والتمام، بحيث صارت الحقيقة المحمدية المسماة إنسانا، مضاهية لغيب الذات. وهذه المضاهاة التامة، لا تكون لأي مخلوق، غير الحقيقة المحمدية. فحتى الشخص المحمدي لم يتنزل عليه قرآن حقيقته في عالم الطبيعة إلا منجما وعلى التوالي. وإذا كان الأمر على هذه الهيئة مع أكمل مخلوق صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف بمن ليسوا إلا أبعاضا من حقيقته. ومن هنا يُفهم بأن كل من كمُل من الرجال، من الأنبياء والورثة على الجميع السلام، فكمالهم صورة على قدرهم، مـُقتبسة عن الكمال المحمدي الذي لا يُدانى... ومعنى ظهور الصفات الإلهية في المخلوق، لا يُدرك حتى تُعرف حقيقته في مقابل الحقيقة الوجودية. ونعني، كما أن الحق له مراتب وجودية ثلاث، فكذلك للمخلوق مراتب عدمية ثلاث في المقابل: الذات العدمية، والصفات العدمية، والأفعال العدمية؛ فهو من جهة حقيقته عدم في عدم في عدم. ومن هنا يظهر أن المخلوق محاط بالعدم من كل جهاته، ولولا الوجود الحق (النور)، الذي يقوم به، لم يكن له ظهور. فعندما ظهر المخلوق بذاته، فقد ظهر بوجود الحق، لا بوجوده؛ وهكذا أيضا في مرتبة الصفات، وفي مرتبة الأفعال. ومن هنا، كان ينبغي إرجاع الوجود حيث كان إلى الحق، لأن الخلق لا يملكون منه شيئا؛ وكان ينبغي تفرس الصورة الإلهية العليا من صورة المخلوق؛ إذ هو على ما يعطيه النموذج خرج. ومن رأى في هذا، قولا بـ "وحدة الوجود"، فليعرض نفسه على طبيب للعقل؛ لأن القول بوحدة الوجود يتطلب إثبات وجوديْن فأكثر، ونحن لم نثبت إلا وجودا أحديا لا يتعدد ولا يتجزّأ... ولما ظهرت ذات الإنسان العلوي بالحق، صارت تتطلب إمدادا صِفّيّا، فجاءتها الصفات الإلهية الوجودية، لتظهر فيها على الإجمال الذي يقبل التفصيل. فظهر أول ما ظهر أمهات الصفات، والتي هي: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر. فصار الإنسان في المظهر الأول الأعلى حيا وعالما ومريدا وقادرا ومتكلما وسميعا وبصيرا. يقول الله تعالى: {إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٍ نَّبۡتَلِیهِ فَجَعَلۡنَـٰهُ سَمِیعَۢا بَصِیرًا} [الإنسان: 2]. والإنسان في هذه الآية، هو المعنى الكلي الذي ينضوي تحته كل أفراد بني آدم المشار إلى خلقهم الطبيعي بالنطفة والأمشاج بعد تنزّل قرآنه في المراتب. وأما الإنسان بالمعنى الأصلي، فهو المذكور في الآية التي تسبقها: {هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ حِینٌ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ یَكُن شَیۡـًٔا مَّذۡكُورًا} [الإنسان: 1]؛ والمعنى هو أنه قد أتى على الإنسان حين من الدهر (الذات)، أي شأن من الشؤون الإلهية، صار به مخلوقا مشهودا، بعد أن لم يكن. ومن قال، صار موجودا، فعليه أن يُفرّق بين الوجود الحق (الوجود الواجب)، والوجود الممكن؛ لأن المخلوق ليس له من مراتب الوجود إلا الإمكان وحده. وطبقا لما ذكرنا في حق الإنسان من التثليث العدمي، فإن صفاته بالنظر إلى ذاته بعد تفضل الله عليه بالإيجاد، هي إمكان في إمكان؛ وإن صفاته بالنظر إلى أفعاله، هي أيضا إمكان في إمكان. فظهرت للإنسان مراتب ثلاث في الإمكان، كما كانت لربه مراتب ثلاث في الوجود. وهذا من أعجب ما تقع عليه العين في الشهود!... والكلام في هذه المعاني من غير ضبط لها، قد يجلب لصاحبه الآثام، وربما الكفر إن اجترأ. وهذا لأنه ليس لمخلوق أن يقول عن الله ما يعنّ له، بل عليه الاستماع إلى ما يقوله الله عن نفسه، في كلامه العظيم، أو عند إنطاقه ترجمانه بما يشاء سبحانه. وعندما ذكر الله عن الإنسان أنه جعله سميعا بصيرا، فليدل على أنه موصوف بكل الصفات السابقة؛ لأن السمع والبصر لا يقومان إلا بحي عالم مريد قادر متكلم. وسيأتي الكلام عن صفة الكلام في حينه بإذن الله، ما دامت هي الصفة التي أعطت القرآن. وكما ظهرت صفات المخلوق من صفات الحق، فكذلك ستظهر أفعاله من كونها فعلا للحق من مرتبة الخلق. وهذا هو معنى قول الله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} [الصافات: 96]؛ والمعنى هو: أنتم مخلوقون لله، وأعمالكم (مخلوقاتكم) أيضا مخلوقة له سبحانه؛ سواء علمتم أم لم تعلموا. وهذا، لأن أغلب الناس لا يعلمون أن أفعالهم مخلوقة لله، إلا إيمانا، وفي كثير من الأحيان مع شوائب عقلية، كما هو شأن عقائد المتكلمين في مسألة خلق الأفعال على الخصوص. وإن علم هذه المسألة من وجهها الصحيح، يحل مسألة القضاء والقدر من أصلها، لمن كان مؤهلا؛ وأما من يعلق في تفاصيل كقول بعضهم: فإذا كان عمل المخلوق مخلوقا لله، فلم يُحاسبه عليه؟ فليعلم أن عقله لا يتسع لما نذكره في هذا الكتاب، ولينصرف عنه غير مفتون. وهذا يعني أن لذلك السؤال العامي جوابا، ولكن هذا الجواب أيضا لن يُدرَك لذلك القائل. وهذا من حكمة الله في خلقه، فلا يطلب منا أحد خرق الحكمة!... وقد ذكر الله أمهات الصفات بعددها، وبتثنيتها، وهو معنى اللاميْن من الاسم "الله"، في قوله تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَـٰكَ سَبۡعًا مِّنَ ٱلۡمَثَانِی وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِیمَ} [الحجر: 87]. والخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده بالأصالة. والسبع المثاني هي أمهات الصفات التي عندما تجلت في حقيقته ثنت الصفات الإلهية من جهة النسبة، لا من جهة الوجود. وأما القرآن العظيم، فهو الذات؛ لأن العظمة صفة للذات، وهي معدودة ضمن الصفات الذاتية (صفات الكمال) عند المتحققين. وهذا، يؤكد المعنى الذي ذكرناه آنفا عن كون الحقيقة المحمدية لا تختلف في شيء عن الذات، إلا التعيّن وحده. فمن قال عن الحقيقة المحمدية هي الذات وافقناه، لأنها أعلى ما يُدرك من الذات. بل إن معنى الذاتية، لا يُدرك للأولياء إلا من الحقيقة المحمدية؛ لينفرد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإدراك معنى الذاتية من إطلاق الذات، وحده. وهو أمر تذهل له عقول الكبار، وتعلم قليلا من قدر محمد الذي لا يطيق في المعارف الإلهية أحد إلا النزر مما يرشح عنه عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم. وعلى هذا، فلا يطمع أحد في نيل ما ناله محمد من فضل ربه؛ فإن ذلك باب مغلق عن الخلق أجمعين. وحتى لا يُتوهّم انفصال الخلق عن الحق، جاءت ألف المد متصلة بالحرف الذي هو هنا اللام الثانية؛ وقد منع من ظهور الألف وجوبا، امتناع ظهور الذات لأحد، مع إدراك معنى الذاتية من وراء المظاهر وجوبا أيضا. وهذا الوجوب الأخير، مخصوص بأهله، لا بكل ناظر. وأهله هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم([8]). وإن نحن قارنا بين الألف الأولى وألف المد، فإننا سنُدرك مرتبتيْن للذات: الأولى، وهي الذات قبل التجلي؛ والثانية، هي الذات مع التجلي؛ أي بعده في الاعتبار. وفي الشأنيْن لا وجود لشيء مع الذات، ولم يزد شيء عليها ولا نقص. وهنا تحار العقول!... وقد دل على هذا المعنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ.»[9]). وهذا يعني أن مرتبة الذات واحدة في النهاية، مع التجلي وبدونه. وقد ذكرنا سابقا أنّ "كانَ" في الحديث، هي للاستغراق الوجودي (وهو غير الاستغراق الزمني المعلوم لأهل اللغة). فليُعتبر جدّا!... [1] . نحن نعبّر هنا، بألفاظهم، لا بألفاظنا. |
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وكل عبد من الصالحين.
إن الكلام في التصوف قد تشعب حتى كاد يخرج عن الضبط في نظر الناظرين. وإن تحديد موقع التصوف من الدين، كان ولا زال موضع خلاف بين المسلمين. والميل إلى طرف دون آخر متأرجح بحسب خصوصية كل مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية. لكننا نرى أنه حان الوقت، وبعد أن أصاب الأمة ما أصاب، أن نقول: إن التصوف إسلام. ونعني أنه تحقيق للإسلام!
قد يرى البعض أن هذا تعسف باعتبار أن الكلمة مبهمة وغير ذات أصل شرعي؛ أو هي دخيلة إن اعتبرنا نسبتها إلى الأديان الكـتابية والوثنية على السواء...
وقد يرى البعض الآخر في ذلك مبالغة وتضخيما، إذا رجع إلى مدلول الكلمة وإلى تجليات التصوف المنصبغة بصبغة كل زمن زمن...
وقد يقول قائل: كان في إمكانكم تجاوز لفظ " التصوف " تسهيلا للتواصل والتلاقي، إن كان المراد مجرد عرض للإسلام أو إعادة تناول لمختلف جوانبه...
لكن، نقول: حفاظا على الأدب مع قوم بذلوا في الله مهجهم، سبقونا، ورجاء في اللحوق بهم، نحافظ على اللفظ؛ ومن أجل التنبيه إلى منهج التصوف في التربية، التي ليست إلا التزكية الشرعية، نقول: إن التصوف..إسلام!
لم ينفع بعضَ المسلمين مجرد انتساب للإسلام واعتبار لظاهره على حساب الباطن. ولم يجد إنكار بعض الفقهاء له وقد كذبتهم الأيام. وهاهي الأمة تكاد تنسلخ عن الدين في عمومها..
وها هي الأزمة نعيشها في تديننا، لا يتمكن أحد من إنكارها.. وها هي تداعيات الأزمة تكتنفنا من كل جانب..
ومن جهة أخرى ، لم يعد يجدي من ينتسب إلى التصوف الانزواء الذي كان مباحا أو مستحبا في عهود مضت، وواجب الوقت بلا شك، هو إقامة الدين ظاهرا إلى باطن، بعد أن ولى زمن حماة الشريعة من الفقهاء الورعين أصحاب النور، المجتهدين المجددين .
ولم يعد يكفي الكلام عن الطريقة التربوية الاجتهادية الخاصة بكل شيخ، إلا مع التنبيه إلى الطريق المحمدي الجامع الشامل، حتى تسقط الحواجز الوهمية التي صارت حجبا في زماننا، تمنع من إدراك صحيح للدين.
لذلك ولغيره، نرى أنه من الواجب في زمن العولمة المبشرة بجمع شمل الأمة الكلام عن التصوف بالمعنى المرادف لتحقيق الإسلام، بشموليته واستيعابه كل مذاهب المسلمين.
ونأمل من الله عز وجل، أن يكون هذا الموقع من أسباب ذلك، راجين منه سبحانه وتعالى السداد والقبول، فإنه أهل كل جود وفضل.